نشر موقع شبيجل “Spiegel” الألماني مقالاً حصريًّا بقلم “مورييل كاليش/Muriel Kalisch”، مراسلة الصحيفة للشؤون الإفريقية في نيروبي، والصادر أيضًا بالعدد الورقي من مجلة “Der Spiegel”، والذي تطرقت خلاله إلى تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، انطلاقًا من مفارقة مثيرة للسخرية مُعيدة للأذهان التذكير بأنه سبق أن نال الرئيس الإثيوبي آبي أحمد جائزة نوبل للسلام لتقاربه مع عدوه اللدود تيغراي وحقن الصراع. لكنه الآن ربما يَنكأ الجرح القديم مجددًا، ليندلع الصراع مُغرقًا المنطقة بأَسْرها في أزمة جديدة، فتصبح على صفيح ساخن.
بقلم: مورييل كاليش
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
لم يمضِ سوى بضع سنوات على تدمير الحرب لإقليم تيغراي. وخلال الفترة بين عامي 2020 و2022، لقي أكثر من 600 ألف شخص مصرعهم، ونزح أكثر من مليوني شخص، وتعرَّضت أكثر من 120 ألف امرأة للاغتصاب في هذا الإقليم الواقع شمال إثيوبيا. هذه التقديرات صادرة عن منظمات دولية حقوقية، مثل منظمة العفو الدولية.
يخشى الناس الآن عودة الحرب من جديد. في ميكيلي، عاصمة تيغراي، يسود صمتٌ حَذِر يشوبه القلق والتوتر، بحسب ما تناقله السكان. أجهزة الصراف الآلي ورفوف المتاجر خاوية. وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لقوافل عسكرية طويلة تتجه شمالًا. وعلى الجانب الآخر من الحدود، في إريتريا، تتحرك القوات أيضًا. لكن هذه المرة، الحرب التي تُهدّد تيغراي تختلف عن نظيراتها. فالمنطقة غارقة في الصراع المتواصل بلا هوادة منذ عقود بين إثيوبيا وإريتريا.
من باب التذكرة؛ فقد حصل رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” على جائزة نوبل للسلام عام ٢٠١٩؛ لجهوده في المصالحة مع الدولة الجارة إريتريا. وقد وصل حدّ التقارب إلى أن القوات الإثيوبية والإريترية قاتلت معًا ضد خصوم “آبي أحمد” السياسيين. لقد خاضوا حربًا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت تحكم إثيوبيا سابقًا. وأصبحت منطقة تيغراي مرادفةً للجوع والموت والدمار. ثم انتهت الحرب في أواخر عام ٢٠٢٢ بواقع اتفاق وقف إطلاق النار في بريتوريا. والآن، تُنذر التوترات بعودتها مجددًا.

إثيوبيا وإريتريا سلام هش تحت الضغط:
لقد انهار التحالف غير المألوف وغير المعتاد عليه بين إثيوبيا وإريتريا منذ زمن طويل. واليوم، يتهم رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” إريتريا بتزويد جبهة تحرير شعب تيغراي بالأسلحة. بعد وقف إطلاق النار عام 2022، بدأ التحالف الذي كان قائمًا خلال الحرب بالتفكك؛ إذ شعرت حكومة إريتريا في أسمرة بأنها قد تعرَّضت للتهميش في الاتفاق. لكنّ الأمر يتعلق بأكثر من ذلك بكثير: وصول إثيوبيا إلى البحر، الذي فقدته عندما انفصلت إريتريا في حرب استقلال استمرت لعقود، والذي يصفه “آبي أحمد” بأنه لا غِنَى عنه.
لم تتقبل حكومات أديس أبابا قط حقيقة أن إثيوبيا دولة حبيسة. وخلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أسبوعين، أشار رئيس الوزراء آبي أحمد إلى النمو الاقتصادي لإثيوبيا الذي بلغ نحو عشرة بالمئة، محذرًا: “لا يمكن ضمان استمرار هذا النمو إذا حُرمَت دولة يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة من الوصول إلى البحر”.
رغم أن رئيس الوزراء لم يُصرّح بذلك رسميًّا، إلا أنه ليس خفيًّا أن القضية المطروحة هي وصول الجارة إلى البحر. يُذْكَر أن ميناء عصب، أقصى موانئ إريتريا جنوبًا، يقع على بُعد 75 كيلو مترًا فقط من الحدود الإثيوبية. لطالما صرّح آبي أحمد، الذي من المتوقع أن يترشح للانتخابات مرة أخرى هذا العام، أنه لا يريد استخدام لقوة العسكرية، إلا أن إشاراته المتكررة إلى إنها “مسألة وجودية” تُثير قلق الدولة المجاورة.

يرى “آبي أحمد” أن إثيوبيا تسير على طريق التحول إلى قوة عظمى. في مقطع فيديو نُشر عام ٢٠٢٠، أوضح أنه بحلول عام ٢٠٥٠، سيقود العالم قوتان عظمتان، إحداهما إثيوبيا. ويستند هذا التوقع إلى ما يُسمَّى “الاستثنائية الإثيوبية”، وهو اعتقاد سائد لدى العديد من الإثيوبيين بأنهم أقرب الأمم إلى الله. وهناك مزاعم بأن رئيس الوزراء يؤمن بهذه الفكرة أيضًا. لذا، يُعدّ الوصول إلى البحر مشروعًا بالغ الأهمية في سبيل تحقيق عظمة بلاده الحقيقية.
في أسمرة، عاصمة إريتريا، تتخذ الحكومة موقفًا متوترًا وتحشد الجيش؛ إذ يُفرض على كل رجل وامرأة أداء الخدمة العسكرية الإلزامية. وإذا شنَّت إثيوبيا هجومًا واسع النطاق، فلن يكون لدى إريتريا، الأصغر حجمًا والأفقر، الكثير لتُقدِّمه ردًّا على ذلك. فعلى مدار العام الماضي، لطالما تبادل البلدان التهديدات. إلا أن هذه الاستعراضات للقوة العسكرية ظلت حتى الآن مجرد استعراضات لم تدخل حيّز التنفيذ بعد.
لا يزال المراقبون يأملون أن يكون الحشد العسكري من جانب الدول المجاورة مجرد استعراض للقوة، وأن يُحل النزاع دبلوماسيًّا. فعلى سبيل المثال، يمكن منح إثيوبيا حق الوصول إلى الميناء عبر اتفاقيات تتَّخذ طابعًا وأبعادًا اقتصادية. أما في حال اندلاع مواجهة مسلحة، فسيكون من المستحيل التنبؤ بعواقبها على المنطقة. ففي نهاية المطاف، تدور رحى حرب بالفعل في القرن الإفريقي، على مقربة من إثيوبيا وإريتريا.
فعلى مدى ثلاث سنوات تقريبًا، يتصارع جنرالان يتنافسان على السلطة في السودان، ويتلقّى كلا الجانبين دعمًا خارجيًّا. تتلقّى قوات الدعم السريع أموالًا وأسلحة من الإمارات العربية المتحدة، بينما تحظى القوات الحكومية بدعم مصري. تخوض إثيوبيا وإريتريا بالفعل صراعات إقليمية. وتتوتر العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة منذ بناء سد النهضة الضخم الذي يُتيح لإثيوبيا السيطرة على تدفق مياه النيل، الذي تعتمد عليه مصر والسودان أيضًا. ولذلك، تسعى القاهرة إلى توثيق علاقاتها مع إريتريا كحليف، بينما تحظى إثيوبيا بدعم الإمارات العربية المتحدة. وقبل أسابيع، أفادت وكالة رويترز للأنباء بتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع في معسكر بإثيوبيا، وهو ما تنفيه إثيوبيا.
خفض التوترات “قبل فوات الأوان”:
بدوره، وصف رئيس منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الحرب في تيغراي بأنها أكبر كارثة إنسانية يشهدها عصرنا. وقد تجاوزت السودان هذا الوصف المأساوي. وفي حال تجدُّد الصراع، قد تندمج الحربان لتشكلا صراعًا ضخمًا يضمّ أطرافًا متعددة من منطقة الخليج. وقد تعطَّلت حركة الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر، وهو ممر تجاري حيوي، في السنوات الأخيرة جراء هجمات الحوثيين اليمنيين. كما أن نشوب حرب على ميناء عصب -الواقع بالقرب من المضيق- قد تكون له تداعيات دولية.
وفي الآونة الأخيرة، دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الأطراف المتنازعة إلى اتخاذ تدابير لخفض وتيرة التصعيد “قبل فوات الأوان”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://www.spiegel.de/ausland/spannungen-zwischen-aethiopien-und-eritrea-droht-der-naechste-krieg-am-horn-von-afrika-a-b92bd85a-eb72-4b11-9bb1-35821cc5e37e










































