تحظى العلاقات الكورية الجنوبية-الكينية بأهمية متزايدة في سياق التحولات التي تشهدها العلاقات بين كوريا الجنوبية والقارة الإفريقية، وانطلاقًا من ذلك يهدف هذا المقال إلى تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، وإبراز انعكاساتها على قطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية في كينيا.
وتتمتع كينيا الدولة المفتاحية بوضع جيوسياسي وإستراتيجي في شرق إفريقيا، الأمر الذي قد يحقق لكوريا الجنوبية، ما تصبو إليه من نفوذ، في كينيا نفسها، وفي دول إفريقية أخرى، تمثل كينيا بوابة دخول إليها.
محتويات المقال
كوريا الجنوبية وإفريقيا: البحث عن نفوذ ومصالح مشتركة
مثل بقية الدول الصاعدة اقتصادياً وصناعياً، التي تبحث عن أسواق لما تنتجه، وفي الوقت نفسه تبحث عن مواطن مكتنزة بالموارد الطبيعية، إضافةً إلى البحث عن نفوذ لها خارج إطارها الإقليمي، بدأت كوريا الجنوبية (التي يُشار إليها لاحقاً بكوريا) انفتاحها على قارة إفريقيا، التي اجتذب نموها المتسارع على مدى العقود الماضية اهتمام القوى الدولية، غرباً وشرقاً.
وقد كان هذا الانفتاح متدرجاً، إلا أنه أصبح أكثر نشاطاً في العقدين الأخيرين. وقد كانت الأهداف الكورية، وما تزال، اقتصادية في المقام الأول، إضافةً إلى بعض الأهداف السياسية، والإستراتيجية الأخرى.
ومما شجّع كوريا الدولة الواقعة في شرق آسيا على إقامة تعاون مع الدول الإفريقية في مختلف القطاعات، بما في ذلك الاقتصاد، والرعاية الصحية، والتنمية الاجتماعية[1]، أنها أصبحت الآن واحدة من أكبر مصدري السلع المصنعة على مستوى العالم، حيث تحتل المرتبة السادسة في العالم من حيث صادرات السلع.
وقد كان استثمار كوريا في التعليم والبنية الأساسية، ومستوياتها المرتفعة في الإنفاق على البحث والتطوير، حاسماً في النجاح الاقتصادي للبلاد[2].
إذا تجاوزنا الأحداث الصغيرة، التي تؤرخ للعلاقات الكورية-الإفريقية، نجد أن تلك العلاقات، ابتداءً من عام 2006م شهدت أحداثاً كبيرة، تنم عن الرغبة الأكيدة لكوريا في إحداث اختراقات على صعيد علاقتها مع القارة السمراء، إسوةً بالصين واليابان، وجميع هذه الدول تبحث عن نفوذ في إفريقيا.
ويشهد على ذلك، في سياق العلاقات الكورية-الإفريقية، الأحداث الآتية:
أولاً: المنتدى الكوري-الإفريقي (2006م)
وقد تم إطلاق هذا المؤتمر الوزاري عام 2006م؛ لتعزيز الحوار السياسي رفيع المستوى حول التعاون الكوري-الإفريقي، وتطور منذ ذلك الحين إلى تجمع يُعقد مرة كل سنتين. وانعقد المؤتمر السادس منه عام 2018م، بالتزامن مع الاجتماعات السنوية الثالثة والخمسين للبنك الإفريقي للتنمية[3].
أما النسخة السابعة منه، فقد انعقدت أيام 12 إلى 15 سبتمبر 2023م في كوريا، بحضور ثلاثة وثلاثين وزير مالية إفريقي، ومدير تنفيذي في البنك الإفريقي للتنمية، يمثلون الدول الأعضاء والسفراء الأفارقة، ورؤساء المؤسسات الإفريقية[4]، وغيرهم ممن لهم صلة بالاقتصاد الإفريقي الرسمي.
ثانياً: مبادرة حزام الأرز الكوري (يوليو 2023م)
تهدف هذه المبادرة إلى تبادل المعرفة الكورية من خلال توفير أصناف الأرز عالية الجودة، والآلات الزراعية، والمعرفة التقنية[5]. كما تهدف أيضاً إلى المساعدة في إنتاج 30 مليون طن من الأرز في ثماني دول إفريقية.
وتتوافق هذه المبادرة مع إستراتيجية البنك الإفريقي للتنمية لإطعام إفريقيا، ونتائج قمة داكار 2، وتسعى جاهدةً لدعم إفريقيا في تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في غضون خمس سنوات[6].
ثالثاً: القمة الكورية-الإفريقية الأولى (يونيو 2024م)
عُقدت هذه القمة في مدينة إلسان شمال سيول، يومي 4-5 يونيو 2024م، وتوجت بتوقيع ما يقرب من 50 اتفاقية أولية ومذكرة تفاهم، لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والطاقة والمعادن الحيوية، وفي مجموعة واسعة من المجالات الصناعية والتجارية الأخرى.
وعلى المستوى الحكومي، تم التوقيع على 12 مذكرة تفاهم بين كوريا و11 دولة إفريقية. وحضر هذه القمة وفود من 48 دولة إفريقية، من بينهم 25 رئيس دولة وحكومة[7]. ولأهمية هذه القمة لدولة كينيا، ستتم الإشارة إليها لاحقاً.
رابعاً: الاجتماع الوزاري الكوري-الإفريقي(مايو: يونيو 2026م)
وقد هدفت كوريا من خلاله إلى تعزيز علاقاتها الإستراتيجية مع إفريقيا من خلال اجتماعات ثنائية مع 11 وزيراً للخارجية. كما هدفت من خلاله إلى تعزيز التعاون المشترك مع الدول الإفريقية في مختلف المجالات، التي تشمل: توسيع نطاق التعاون في جميع أنحاء إفريقيا.
وإقامة شراكات في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية. إضافةً إلى دعم التنمية وتبادل الموارد البشرية. بجانب توسيع كوريا نطاق دبلوماسيتها تجاه إفريقيا[8]. وستتم الإشارة إلى هذا الاجتماع لاحقاً أيضاً.
خامساً: المؤتمر الوزاري الثامن للتعاون الاقتصادي الكوري الإفريقي
الذي انعقد في الفترة من 8 إلى 11 سبتمبر 2026م، ليمثل هذا الحدث محطة بارزة في مسيرة التعاون الاقتصادي بين الجانبين الممتدة لعقدين من الزمن. عُقد المؤتمر في سيول تحت شعار: «تسخير الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية لتحول إفريقيا».
وجمع وزراء المالية من مختلف أنحاء القارة إلى جانب قيادات البنك الإفريقي للتنمية، وممثلي القطاع الخاص الإفريقي، والمنظمات الدولية الشريكة. ويعكس هذا المؤتمر شراكة تجاوزت نطاق المساعدات التنموية التقليدية؛ لتنتقل نحو الاستثمار المشترك في التقنيات، التي ستشكل ملامح تحول إفريقيا[9].
تكشف هذه الأحداث الكبرى الرغبة الأكيدة لكوريا في خلق علاقات وشراكات مع قارة إفريقيا على المستوى الحكومي الرسمي، بدءاً بإطلاق حوار سياسي رفيع المستوى، أعقبه التعامل مع كبرى آليات التنمية في إفريقيا (البنك الإفريقي للتنمية).
ثم دعم إفريقيا من خلال مبادرة حزام الأرز، لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، لينفتح الباب لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والطاقة والمعادن الحيوية.
ولم يكن توطين التكنولوجيا الحديثة في إفريقيا بالتعاون مع الجانب الكوري- الذي يمتلك خبرة في هذا المجال- ببعيد عن العلاقات الكورية-الإفريقية.
ليس من المنطق في شيءٍ أن تنفتح كوريا على جميع الدول الإفريقية، كي تنجز ما تهدف إليه في إفريقيا وتحقق ما تصبو إليه من مصالح متبادلة وإقامة شراكات إستراتيجية، لذلك كان لزاماً عليها أن تنتخب عدداً محدداً من تلك الدول، يكون محل تركيز، ويكون أيضاً بوابة دخول إلى دول إفريقية أخرى.
وقد كانت كينيا واحدة من الدول التي وقع عليها اختيار كوريا لإقامة علاقات متميزة، فهل وُفّقت كوريا بالفعل في هذا الاختيار من منظور تحقيق المصالح المشتركة وتبادل المنافع؟
الأهمية الاقتصادية والجيواستراتيجية لكينيا
في البدء لابد أن نسأل عن المعايير التي قدّمت بها كوريا دولة كينيا على دولٍ أخرى في محيطها الإقليمي، وهل بإمكانها أن تحقق ما ترغب فيه كوريا من نفوذ على مستوى الأصعدة الاقتصادية، والتنموية، والتجارية وغيرها؟
أغلب الظن أن اختيار كوريا دولة كينيا لتقيم معها علاقات متميزة، وربما لتكون مدخلاً لإقامة علاقات مع دول إفريقية أخرى، لم يكن اعتباطاً، وإنما يقوم هذا الاختيار على معايير عقلانية متينة، وأسس منطقية قوية، يمكن عرضها فيما يلي[10]:
أولاً: كينيا مركزاً لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في شرق إفريقيا:
ورائدة إقليمية في مجال الاتصال واسع النطاق، وفي البنية التحتية العامة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات المصرفية الرقمية.
ثانياً: تتمتع كينيا بدينامية القطاع الخاص:
خاصةً بالمقارنة مع الدول الأخرى ذات متوسط دخل الفرد المماثل. كما أن موقع البلاد بوصفها مركزاً اقتصادياً وتجارياً في شرق إفريقيا، بالإضافة إلى التنمية المتسارعة، يعزز مكانتها بوصفها وجهة استثمارية دولية قوية.
ثالثاً: تمتلك كينيا أكبر اقتصاد في شرق إفريقيا:
حيث تمثل أكثر من 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. ويسهم في اقتصادها سريع النمو سكانها المتصلون رقمياً بشكل متزايد، والدور الذي تلعبه باعتبارها لاعباً أمنياً مهماً في المنطقة.
رابعاً: يُنظر إلى نيروبي، عاصمة البلاد، على أنها تمثل مناخ أعمال مستقر نسبياً:
وغالباً ما تكون المقر الإقليمي للشركات الأمريكية، وبشكل متزايد للعديد من المكاتب الإقليمية للأمم المتحدة، وغيرها.
إضافةً إلى تلك المزايا الجوهرية، تُعدّ كينيا دولةً رائدةً في شرق إفريقيا. كما تُعدّ من الدول الصاعدة، التي تشهد نمواً سريعاً بفضل حوكمتها الرشيدة، وبيئتها التجارية التنافسية.
بجانب ذلك، أظهرت دراسة للبنك الدولي (ممارسة الأعمال 2020) أن كينيا احتلت المرتبة الثانية في سهولة ممارسة الأعمال بين دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي يزيد عدد سكانها عن مليون نسمة[11].
لا شك، انطلاقاً مما ذكر أعلاه، أن كينيا مؤهلة تماماً لتكون محط اهتمام لتقام معها علاقات على كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية والتنموية.. إلخ.
هذا بصورة عامة، ولا يخص دولة بعينها، ولكن لكوريا خصوصية في هذا المجال، فقد وجدت فيها كثيراً مما يشجعها على إقامة علاقات ناجحة، ولا سيما في جانب تسويق منتجاتها، ونقل خبراتها المختلفة، والاستفادة من مواردها الطبيعية، واعتبار كينيا نقطة انطلاق لدول إفريقيا الأخرى ارتكازاً على موقعها الجيواستراتيجي.
ويمكن القول في هذا السياق إنه من بين جميع شركاء كوريا الأفارقة تبرز كينيا باعتبارها متعاوناً ذا قيمة، نظراً لموقعها الإستراتيجي، وصعودها داخل صناعة «أشباه الموصلات» الدولية (وهي مادة ذات قيمة توصيلية كهربائية، تقع بين قيمة موصل، مثل النحاس، وقيمة عازلة، مثل الزجاج).
وتمثل هذه الصناعة أولوية قصوى لإستراتيجية كوريا في إفريقيا. إضافةً إلى أن رغبة كينيا في تطوير قوتها العاملة توفر فرصاً كبيرة لكوريا للمشاركة في التبادلات التعليمية[12].
وعلى نحوٍ مماثل، تشكل البنية الأساسية سبيلاً محتملاً آخر للتعاون بين كينيا وكوريا. فعلى الرغم من وفرة المعادن المهمة في جميع أنحاء القارة الإفريقية؛ فإن احتياطات هذه المعادن غير قابلة للتطبيق تجارياً إلى حد كبير دون مزيد من المعالجة.
وبوسع كوريا أن تستثمر في البنية الأساسية للمساعدة في جلب المعادن من أجزاء أخرى من إفريقيا إلى كينيا، فضلاً عن البنية الأساسية لتسهيل الصادرات. إضافةً إلى ذلك من الممكن أن يؤدي تركيز كوريا على تطوير البنية التحتية في كينيا إلى تأثيرات بعيدة المدى في مختلف أنحاء إفريقيا[13].
يُفهم مما تم ذكره، أن كوريا وجدت في كينيا ما يحقق لها ما تريد في جوانب عديدة اقتصادية وسياسية وتكنولوجية وبنية تحتية أساسية. لذلك ولغيره استبشرت كوريا وبادرت بخلق علاقات متينة معها. وستتضح طبيعة نشأة وتطور هذه العلاقات في الجزء التالي من هذا المقال.
العلاقات الكورية الجنوبية-الكينية: مرحلتا الكمون والنشاط المحدود
لم نعثر على أدبيات تؤرخ لبداية العلاقات بين كوريا وكينيا بصورة تفصيلية، وما ترتب على تلك العلاقات من توقع لتبادل المنافع المشتركة غير إشارات فحواها أنه كانت هناك علاقات تاريخية بين البلدين مبنية على القيم والمبادئ المشتركة، منذ إقامة علاقة دبلوماسية عام 1964م[14].
وذلك عندما أنشأت الدولة الواقعة في شرق آسيا سفارة لها في نيروبي، لتكون بذلك أول سفارة لها في إفريقيا جنوب الصحراء[15]، مما يعني أنه بعد عام واحد من استقلال كينيا عن المملكة المتحدة عام 1963م، تم إنشاء هذه السفارة الكورية. وهذا يعني أيضاً أنه قد مرّ على هذه العلاقات نحو ستة عقود.
بجانب ذلك، هناك معلومات مبتسرة أخرى أشارت إلى أنه بحلول عام 1990م قام الرئيس الكيني الأسبق دانيال أراب موي بزيارة كوريا، بدعوة من الرئيس الكوري السابق روه تاي-وو.
وقد عدّت الزيارة الأولى من نوعها بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين[16]، ولكن لا توجد معلومات عن طبيعة هذه الزيارة، وعن أهدافها، حيث لا نجد إجابات شافية عن الأسئلة التي يمكن أن تطرح في هذا المجال.
إضافةً إلى ذلك، توجد معلومات تفيد بإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة عام 1997م، استفاد منها الجانبان الكوري والكيني بشكل كبير[17]، وقد أُنشئت هذه اللجنة قبل نحو عقد من افتتاح كينيا سفارتها في سيول (تم الافتتاح في مايو 2007م).
وقد أسهمت هذه اللجنة منذ إنشائها في دعم العلاقات الثنائية بين البلدين، ولا سيما في مجالات تعزيز التعاون في التعليم، وتطوير البنية التحتية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والزراعة، والصحة[18].
يُستنتج مما تم عرضه أن العلاقة بين البلدين، التي استمرت نحو ستة عقود، كانت كامنة في بداياتها ثم انتقلت إلى النشاط الذي كان يتم في حدود معينة، ولا يتسم بتبادل المنافع المشتركة، التي تعكس علاقات امتدت لعقود بين البلدين، وذلك طيلة تعاقب أربعة رؤساء على الحكم في البلاد، آخرهم أوهورو كينياتا، الذي حكم البلاد حتى الثلاثين من أغسطس 2022م.
غير أنه فجأة دبّ النشاط غير المعهود في هذه العلاقات، إيذاناً بعهد جديد، يبدأ بتولي الرئيس الخامس السيد/ ويليام روتو، في سبتمبر 2022م.
وبذلك يمكن القول إن هذه العلاقات مرت بثلاث مراحل رئيسية، هي: مرحلة الكمون (1964-1996م)، ومرحلة النشاط المحدود (1997-2021م)، ومرحلة الانفتاح التام (2022-2026م). والمرحلة الأخيرة هي ما سيتم التركيز عليها في هذا المقال.
العلاقات الكورية الكينية (2022-2026م)
شهدت بداية عهد الرئيس الكيني ويليام روتو، الذي تولى حكم البلاد ابتداءً من 13 سبتمبر 2022م، فتح صفحة جديدة للعلاقات بين بلاده وكوريا، ربما كان ذلك انطلاقاً من العملية التراكمية للعلاقات، التي انتظمت البلدين لنحو ستة عقود.
وربما لمستجداتٍ اقتصادية وإستراتيجية، شهدتها ساحة قارة إفريقيا عموماً، وكينيا خصوصاً، جعلت كوريا تُقبل على تنشيط العلاقة مع كينيا لتحقيق جملة من المصالح المتبادلة.
وتبقى الحاجة الملحة للاستفادة من موارد كينيا، وموقعها الجيواستراتيجي، وجعلها سوقاً لمنتجاتها، ومنطلقاً لأقطار إفريقية أخرى، هي الهدف الأول الذي تتطلع إليه كوريا، كما أشرنا من قبل.
ومما يدل على استشراف عهد جديد للعلاقة بين البلدين مشاركة وفد كوري خاص مكوّن من نائبين سابقين من حزب الشعب، ومسؤول التخطيط الإستراتيجي بالمكتب الرئاسي، في حفل تنصيب الرئيس وليام روتو، الذي أُقيم في سبتمبر 2022م.
وقدّم الوفد الخاص إلى الرئيس روتو رسالة من الرئيس الكوري يعرب فيها عن رغبته في تطوير علاقة الصداقة التعاونية بين البلدين، ودعاه إلى زيارة كوريا في المستقبل القريب[19]. وقد مثلت هذه المشاركة فاتحة خير ونقطة انطلاق جديدة في مسيرة العلاقة بين البلدين.
ولا ريب أن هذه المشاركة الكورية بما تحمله من رمزية كانت فتحاً جديداً لتنشيط العلاقات بين كوريا وكينيا، ولا سيما أنها تمت بالتزامن مع بداية تنصيب رئيس جديد لكينيا. وقد مثلت للرئيس الجديد بداية موفقة مع دولة تتطلع بلاده إلى تنشيط أواصر التجارة معها.
فبادل روتو رغبة كوريا في تنشيط علاقات الصداقة التعاونية بين البلدين، بالقبول، وقبل دعوة الرئيس الكوري لزيارة كوريا، وجعل لها الأولوية في زياراته الخارجية، بل نفذها على عجل.
قام وليام روتو، بعد نحو شهرين من تنصيبه رئيساً للبلاد، بزيارة رسمية لكوريا أيام 22-24 نوفمبر 2022م، وقد عُدّت أول زيارة لرئيس كيني إلى كوريا منذ 32 عاماً، حيث عقد مع الرئيس الكوري يون سوك يول قمة في 23 نوفمبر 2022م، ناقشت سبل التعاون الاقتصادي وخطط التعاون الإنمائي بين البلدين[20].
وقد مثلت هذه الزيارة نقطة انطلاق لما تمت مناقشته خلالها، مما له صلة بالتعاون الاقتصادي والإنمائي بين البلدين.
وافقت كوريا خلال هذه الزيارة المهمة على دعم أجندة التنمية في كينيا، من خلال تخصيص 120 مليار شلن كيني لمختلف المشاريع، بما في ذلك: الزراعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصحة والطاقة والبنية التحتية والتعليم والإسكان الميسر والنقل الحضري وتطوير المصانع في «كونزا تكنوبوليس».
إضافةً إلى إصدار تشريعات من شأنها تسهيل التجارة بين البلدين وتأمين فرص العمل للكينيين[21]. وكلها مجالات ظلت كينيا في حاجة مستمرة إليها، ولا غنى عنها في دعم اقتصادها، الذي ترغب في مزيدٍ من النهوض به.
يظل ما تم الاتفاق عليه بين البلدين في هذه الزيارة- بجانب عوامل قامت عليها نهضة كوريا، وتقدّم بها اقتصادها آسيوياً ودولياً- عاملاً مهماً من شأنه أن يحرك عجلة اقتصاد كينيا، ويدفع بتنميتها إلى الأمام، فكينيا في أشد الحاجة إلى مدينة ذكية، واقتصاد مرن، وتكنولوجيا متقدمة، تساعدها في إدارة مواردها البشرية والطبيعية، والاستفادة منها. فموقع كينيا الجيواستراتيجي يحتم عليها استصحاب تكنولوجيا متقدمة تدير بها شؤونها.
العلاقات الثنائية وانعكاساتها: خمسة أعوام من النشاط المكثف
يمكن تتبع انعكاسات العلاقات بين كوريا وكينيا على الجانب الكيني من خلال تقسيم مرحلة علاقات الانفتاح التام بين كينيا وكوريا (2022-2026م)، ومدتها خمس سنوات، من المنظور المنهجي إلى فترتين؛ الفترة الأولى تبدأ من عام 2022م إلى عام 2024م، أما الفترة الثانية فتبدأ من عام 2025م إلى عام 2026م.
وقد شهدت العلاقات المشتركة بين البلدين نشاطاً مكثفاً، خلال هاتين الفترتين، اللتين تختلفان في طبيعة تلك الانعكاسات. وعليه، سيتم تسليط الضوء على معطيات ذلك النشاط المكثف من خلال رصد أهم الأحداث التي يُراعَى فيها التسلسل التاريخي.
أ) الانعكاسات في الفترة الأولى (2022-2024م)
نحاول في هذه الفترة المهمة من العلاقات بين كوريا وكينيا رصد بعض الأحداث المهمة التي تمت على مستوى العلاقة بين البلدين، والتي انعكست إيجاباً على قطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية في كينيا، وذلك على النحو التالي:
أولاً: إبرام اتفاقية تجارة حرة بين البلدين:
وذلك أنه بعد نحو عام (تحديداً في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2023م) من زيارة الرئيس الكيني لكوريا في نوفمبر 2022م، أعلنت كوريا عن إبرام اتفاقية تجارة حرة، وشراكة اقتصادية مع سبع دول، ثلاث منها إفريقية، ضمنها كينيا.
وتهدف كوريا من خلال ذلك إلى إنشاء شبكة تجارية متبادلة المنفعة مع الدول الشريكة، تتجاوز مجرد فتح الأسواق التجارية[22].
ثانياً: اعتماد وظائف للبحارة الكينيين على متن السفن الكورية:
حيث شهد منتصف مارس 2024م نشر تقرير مهم في هذا المجال، ورد فيه أنه ستفتح الفرص للبحارة الكينيين، لتأمين توظيف 1000 ضابط على متن السفن الكورية سنوياً. ومن أهم ما جاء في هذا التقرير أن الكينيين يتمتعون باللياقة البدنية، ويمكنهم التحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة، ومنضبطون.
وورد في التقرير ذاته أنه تم توقيع مذكرة تفاهم بين المعهد الكوري للتكنولوجيا البحرية، ومصايد الأسماك، وأكاديمية بنداري Bandari البحرية[23].
ثالثاً: تعزيز العلاقات الثنائية والتجارية:
حيث شهد شهر أبريل 2024م التزام كينيا وكوريا بتعزيز العلاقات الثنائية والتجارة، وذلك عبر لقاء المبعوث الرئاسي الخاص لكوريا والنائب الأول لوزير الخارجية في مقر الرئاسة في نيروبي، بالرئيس ويليام روتو.
حيث أشار روتو إلى أن كينيا تقدر شراكتها مع كوريا في تطوير التعليم الفني والمهني، وقطاعات التدريب، والصحة العامة، والمياه والصرف الصحي، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات[24].
رابعاً: اتفاقية تطوير مدينة الوسائط الرقمية في «كونزا تكنوبوليس»:
إذ بعد شهرين إلا قليلاً (3 يونيو 2024م)، وقعت كينيا اتفاقية مع كوريا لتطوير مدينة الوسائط الرقمية في «كونزا تكنوبوليس».
وجاء في تفاصيل تلك الاتفاقية أن كينيا وقعت اتفاقاً مالياً مع جمهورية كوريا، بناءً على اتفاق تمويل مشروع موقع بقيمة 284.1 مليون دولار أمريكي، لإنشاء مدينة إعلامية رقمية حديثة في «كونزا تكنوبوليس»[25].
خامساً: الاحتفال بمرور 60 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين كوريا وكينيا:
حيث شهد شهر أكتوبر 2024م هذا الاحتفال، الذي يأتي في ضوء تعزيز الشراكات الاقتصادية والثقافية المتبادلة بين البلدين، والتي عززت التعاون القوي في مختلف القطاعات، بما في ذلك التجارة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة.
وقد جمعت فعاليات الاحتفال التي أُقيمت في نيروبي كبار المسؤولين الحكوميين من كلا البلدين لاستعراض الإنجازات ورسم ملامح التعاون المستقبلي. كما استقطبت الفعالية، التي حضرها أكثر من 300 مندوب، متخصصين في الصناعة وشركات دولية ووكالات تنمية من كينيا وكوريا[26].
نلاحظ أنه على الرغم من قِصر هذه الفترة من العلاقات بين كوريا وكينيا (2022-2024م)، التي تمتد إلى ثلاث سنوات، فإنها كانت تتسم بالانفتاح الواضح لتلك العلاقة بين البلدين، مما يدل على سعي البلدين إلى تعزيز العلاقة بينهما عملياً.
ففي هذه الفترة تم إبرام اتفاقية تجارة حرة بينهما، تمخض عنها إنشاء شبكة تجارة متبادلة المنافع، تجاوزت مجرد إنشاء أسواق تجارية. كما تم اعتماد وظائف للبحارة الكينيين (نحو ألف وظيفة سنوياً)، لجمع هؤلاء البحارة بين اللياقة البدنية والانضباط والمهارة بالتحدث بالإنجليزية، ولا شك أن لكل ذلك انعكاساته الإيجابية على الجانب الكيني.
كما نلاحظ أيضاً، في ضوء انعكاس العلاقة بين البلدين على الجانب الكيني، أنه في هذه الفترة تم تعزيز العلاقات الثنائية والتجارية، فكسبت كينيا جراء ذلك تطويراً في التعليم الفني والمهني والتدريب والصحة العامة والمياه والصرف الصحي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
بجانب ذلك، موّلت كوريا تطوير مدينة الوسائط الرقمية «كونزا تكنوبوليس» بمبلغ 284.1 مليون دولار. يضاف إلى ذلك الاحتفال بمرور 60 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وفي سياق هذا الاحتفال، تم إقرار العمل لتعزيز الشراكات الاقتصادية والثقافية المتبادلة، كما تم إقرار التعاون في مجالات مهمة، منها: التجارة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة.
ب) الانعكاسات في الفترة الثانية (2025-2026م)
نحاول في هذه الفترة المهمة أيضاً من العلاقات بين كوريا وكينيا (2025-2026م) رصد بعض الأحداث المهمة، التي تمت على مستوى العلاقة بين البلدين، والتي انعكست إيجاباً على قطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية في كينيا، وذلك على النحو التالي:
أولاً: لقاء سفير جمهورية كوريا لدى كينيا ووكيلة شؤون المغتربين الكينية
وقد تم اللقاء في مايو 2025م، وخلال الاجتماع بينهما أكدا على المساهمة الكبيرة للمغتربين في التنمية الوطنية، وجددا التزامهما المشترك بحماية حقوق ورفاهية مجتمعات المغتربين.
كما اتفقا على أهمية تعميق التعاون لمعالجة القضايا العابرة للحدود، مع التركيز بشكل خاص على مكافحة الاتجار بالبشر. وشدد الجانبان على ضرورة تعزيز الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف، وتوطيد العلاقات بين الشعبين من خلال الدبلوماسية الثقافية[27].
ثانياً: اجتماع رفيع المستوى بين وزير الدفاع الكيني وسفير كوريا لدى كينيا
حيث شهد شهر أغسطس 2025م، في سياق تعزيز الشراكة بين كوريا وكينيا، انعقاد هذا الاجتماع، الذي نوقشت فيه الشراكات في مجالات عديدة، من بينها الدفاع، ولا سيما بناء السفن والأمن البحري، بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وتناول الاجتماع أيضاً الوضع الأمني في القرن الإفريقي، وشبه الجزيرة الكورية. والبحث عن سبل استفادة البلدين الصديقين من نفوذهما المتنامي في المجتمع الدولي؛ لتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين الدائمين[28].
ثالثاً: لقاء رئيس الوزراء الكيني وسفير كوريا لدى نيروبي
شهد 11 سبتمبر 2025م هذا اللقاء الذي انعقد في نيروبي، والذي وُصف بأنه جاء لتأكيد الشراكة بين بلديهما، مع التركيز على تعزيز التعاون في مجالات التجارة والابتكار والنمو الأخضر. كان عنوانه العريض: كوريا الجنوبية وكينيا تعززان شراكتهما التجارية الإستراتيجية.
وقد سلط اللقاء الضوء على مساهمة كوريا في تنمية كينيا في قطاعات تشمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعليم والزراعة. ومن أبرز المشاريع المشتركة مدينة كونزا للإعلام الرقمي، والمعهد الكيني للعلوم والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة AIST، ومكاتب المعهد الدولي للقاحات، التي تم إنشاؤها مؤخراً في مدينة كونزا التكنولوجية[29].
تم التأكيد في هذا اللقاء على التزام كينيا بتعزيز التعاون في مجالات تنقل العمالة، والطاقة، ومكافحة تغير المناخ. كما تم الترحيب بدعم كوريا من خلال مشاريع الوكالة الكورية للتعاون الدولي KOICA، والافتتاح المزمع لبنك التصدير والاستيراد الكوري في نيروبي.
إضافةً إلى ذلك التزم رئيس الوزراء الكيني وسفير كوريا لدى نيروبي، في اللقاء ذاته، بتعميق التعاون في مبادرات الاقتصاد الأخضر، حيث أعربت كينيا عن رغبتها في الانضمام إلى المعهد العالمي للنمو الأخضر[30].
رابعاً: قيام منتدى الأعمال الكوري الكيني
حيث جرى- في سياق رسم كلٍّ من كينيا وكوريا مساراً جديداً للتجارة والاستثمار في منتدى نيروبي رفيع المستوى، الذي تم في نهاية شهر نوفمبر 2025م- تجديد كينيا وجمهورية كوريا التزامهما بتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية الثنائية.
وقد أكدت الوفود رفيعة المستوى، التي شاركت في المنتدى من البلدين، على الأهمية الإستراتيجية التي يوليها البلدان لتعميق التعاون الاقتصادي[31].
وفي المنحى ذاته ركّز هذا المنتدى- الذي أقامته وزارة الخارجية الكينية لترويج الاستثمار، وغرفة التجارة والصناعة الكورية، والمعهد الكوري للصناعات المعدنية- على إطلاق العنان لإمكانات السوق الكينية غير المستغلة في كوريا، والتي لا تمثل حالياً سوى 0.02٪ من التجارة العالمية لكينيا.
ولا يزال حجم التجارة السنوية بين كينيا وكوريا- والذي يُقدّر بما بين 200 و500 مليون دولار أمريكي- أقل من إمكاناته، مع استمرار اختلال الميزان التجاري لصالح كوريا[32].
خامساً: تعزيز ابتكار البيانات والتحول الرقمي
تم هذا الاجتماع في مايو 2026م. وقد تركزت المناقشات فيه على الاستفادة من تجربة كوريا الجنوبية المتقدمة في إدارة البيانات الموحدة، واستخدام الأنظمة القائمة على البيانات لتحسين الابتكار والكفاءة وتقديم الخدمات العامة.
كما ركز الاجتماع على توسيع نطاق التعاون في مجال ابتكار البيانات والتحول الرقمي وبناء القدرات، في ظل استمرار كينيا في تحديث بنيتها التحتية الرقمية. وسلط الاجتماع الضوء على أهمية تطوير أطر عمل قوية، تدعم الاستخدام الفعّال للبيانات في القطاعين الحكومي والصناعي[33].
سادساً: لقاء الرئيس الكيني بنظيره الكوري
تم اللقاء في 17 يونيو 2026م على هامش قمة مجموعة السبع (التي أُقيمت في الفترة من 15-17 يونيو بمدينة إيفيان لي بان بفرنسا)، حيث استعرضا التقدم المحرز في الاتفاقيات القائمة، ووضعا خريطة طريق لمجالات تعاون جديدة.
وقد أكد البلدان مجدداً التزامهما بتعزيز العلاقات الثنائية، حيث وسّع البلدان تعاونهما في قطاعات رئيسية، تشمل التجارة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة والزراعة. ويأتي هذا الاجتماع في أعقاب إنشاء مكاتب دائمة لبنك التصدير والاستيراد الكوري KEXIM والوكالة الكورية للتعاون الدولي KOICA في نيروبي، مما يعزز الدعم للاستثمار والبنية التحتية والتعاون التنموي[34].
يتضح من رصدنا للأحداث المهمة، التي حدثت أثناء الفترة من 2025م إلى 2026م- ومدتها سنتان- أن انعكاساتها على الجانب الكيني في ضوء العلاقات الثنائية بين كوريا وكينيا، تجمع بين التركيز والتأكيد على مجالات سابقة يراد تعزيزها وتطويرها، ومجالات جديدة لم يتم التطرق إليها من قبل، تحمل إبراز قضايا جديدة.
ومن المجالات التي يراد التركيز عليها: زيادة التجارة والاستثمار وتكنولوجيا المعلومات والاتصال ومدينة كونزا. وقد اقترن ذلك التركيز في ضوء إنشاء مؤسسات مالية كورية في نيروبي، منها: إنشاء مكاتب دائمة لبنك التصدير والاستيراد الكوري، والوكالة الكورية للتعاون الدولي.
أما الجديد، الذي برز نتيجةً للعلاقات الثنائية بين البلدين في هذه الفترة، فيتمثل في: تعميق التعاون لمعالجة القضايا العابرة للحدود، ومكافحة الاتجار بالبشر، وتعزيز الشراكة على مستوى الدفاع (بناء السفن، والأمن المائي)، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الاستقرار والسلام الإقليميين، وتنقل العمالة.
وكذلك مكافحة تغير المناخ، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية الشعبية، والنمو الأخضر، وغيرها من المجالات التي تدل على ولوج هذه الشراكة مجالات جديدة، الأمر الذي مكّن كينيا من الاستفادة من علاقاتها مع كوريا، ومكّن كوريا أيضاً من الاستفادة من تلك العلاقات.
مستقبل العلاقات الثنائية: تشابك الحرص والتطوير والتعزيز
يمكن النظر إلى مستقبل العلاقات الكورية الكينية من خلال متغيرين أساسيين، هما: تزايد أحداث السنوات الخمس الأخيرة (2022-2026م)، على النحو الذي رصدناه في هذه الفترة المهمة من العلاقات الثنائية بين البلدين، قبل قليل، والتي تدل على أن هذه العلاقات تنتقل إلى مجالات أوسع بمرور السنوات، تعزيزاً وتأكيداً وتنوعاً في المجالات المستهدفة.
أما المتغير الثاني، فيتمثل في الحضور الكيني في القمم والاجتماعات الكورية الإفريقية. وفي هذا السياق، سنشير إشارات سريعة للقمة الكورية الإفريقية الأولى يومي 4 و5 يونيو 2024م بمدينة إلسان شمال العاصمة الكورية سيول. بجانب الاجتماع الوزاري الكوري الإفريقي، الذي انعقد في الفترة من 31 مايو حتى 2 يونيو 2026م.
وقد هدفت كوريا من خلاله إلى تعزيز علاقاتها الإستراتيجية مع إفريقيا من خلال اجتماعات ثنائية مع 11 وزير خارجية.
الأمر المهم أنه بعيداً عن الزخم الإفريقي المشارك في القمة الكورية الإفريقية الأولى، الذي يتطلع للفرص المتاحة خلال هذه القمة، استطاعت كينيا أن تحقق إنجازات نوعية مهمة، تخص تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، لعل أهمها:
أولاً: وقعت كينيا وكوريا على تمويل تنموي ميسر بقيمة 485 مليون دولار، على هامش هذه القمة، ويشمل ذلك 238 مليون دولار لتنفيذ مشروع مدينة كونزا للإعلام الرقمي.
وثانياً: دعمت كوريا الجنوبية إنشاء المعهد الكيني المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، على غرار المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا، وهو مؤسسة محورية في التحول الاقتصادي في كوريا.
وثالثاً: أبدت كينيا حرصها على تعزيز العلاقات التجارية مع كوريا، لتحقيق تجارة متوازنة بين البلدين الصديقين، بما في ذلك التنمية البحرية والتصنيع الأخضر والتصنيع عموماً[35].
أما فيما يخص الاجتماع الوزاري الكوري الإفريقي، الذي هدفت كوريا من خلاله إلى تعزيز علاقاتها الإستراتيجية مع إفريقيا من خلال اجتماعات ثنائية مع 11 وزير خارجية، كما هدفت من خلاله إلى تعزيز التعاون المشترك مع الدول الإفريقية في مختلف المجالات.
فقد استفادت كينيا يداً بيد مع دول إفريقية أخرى من مجالات أتاحتها كوريا في هذا الاجتماع، لعل أهمها: توسيع نطاق التعاون في جميع أنحاء إفريقيا، وإقامة شراكات في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية، إضافةً إلى دعم التنمية وتبادل الموارد البشرية[36].
على ذلك، يمكن القول إنه في المحصلة النهائية لم تخرج كينيا صفر اليدين من القمة الكورية الإفريقية الأولى، والاجتماع الوزاري الكوري الإفريقي، فقد حصلت على تمويل تنموي مهم لتنفيذ مشروع مدينة «كونزا تكنوبوليس»، وهو مشروع سيُدخل كينيا إلى عالم المدن الذكية في إفريقيا.
إضافةً إلى دعم التعليم الفني، وإضافةً إلى ذلك أيضاً تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين، كما كسبت إضافة نوعية في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية، ودعم التنمية وتبادل الموارد البشرية.
كما يمكن القول، في المحصلة النهائية، إن هذين الحدثين (القمة والاجتماع) يكشفان عن سيناريو واعد، وهو أن مستقبل العلاقات الكورية-الكينية سيكون أكثر تطويراً وتعزيزاً وانفتاحاً على تفاصيل الأجندات التي يتم الاتفاق عليها عادةً في مناسبات مختلفة، وستكون هناك فرص للإقبال على التعاون في مجالات متجددة.
بجانب ذلك، هناك مؤشرات عديدة، تم سردها في هذا المقال، تدل على استفادة الجانبين الكوري والكيني من هذه العلاقات حاضراً ومستقبلاً، مما يكفل لهذه العلاقات خاصيات الحرص والتطوير والتعزيز في المستقبل القريب والبعيد.
خاتمة
يُستنتج مما تم تناوله من محاور أساسية لهذا المقال، أن كوريا لديها رغبة أكيدة في خلق علاقات وشراكات إستراتيجية مع إفريقيا لتبادل المنافع. وأن كينيا استطاعت بما تتمتع به من موقع جيواستراتيجي، وإمكانات موارد طبيعية وبشرية أن تستقدم عدداً من الدول المتقدمة اقتصادياً، الباحثة عن نفوذ لها في إفريقيا، بما في ذلك كوريا، التي وجدت فيها ما يحقق لها ما تطمح إليه من فرص ومصالح قابلة للتبادل.
كما يُستنتج أيضاً أن العلاقات بين كوريا وكينيا مرت بثلاث مراحل، هي: مرحلة الكمون، ومرحلة النشاط المحدود، ومرحلة الانفتاح التام، الذي حدث في عهد الرئيس ويليام روتو، ووصلت فيه العلاقات إلى مراحل متقدمة.
وأن العلاقات بين البلدين انعكست على مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية في كينيا، فاستفادت كينيا من فرص عديدة أُتيحت لها في مجالات: التعليم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمياه والصرف الصحي، والبنية التحتية وغيرها. وقد عُزّزت هذه الاستفادة بخبرة كوريا في هذه المجالات المختلفة.
وأخيراً، أضيفت في السنوات الأخيرة من مسيرة العلاقات بين البلدين مجالات تعميق التعاون لمعالجة القضايا العابرة للحدود، وتعزيز الشراكة على مستوى الدفاع (بناء السفن، والأمن المائي)، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الاستقرار والسلام الإقليميين، وتنقل العمالة، ومكافحة تغير المناخ، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية الشعبية، والنمو الأخضر.
وفي المسار ذاته، وجدت كوريا في كينيا شريكاً إستراتيجياً في شرق إفريقيا، في مجالات عديدة، لعل أهمها: مجالا التجارة والاستثمار، فالبلدان مستفيدان عملياً من الشراكات المتفق عليها بينهما، كما أنهما مستفيدان من مجمل العلاقات بينهما، الأمر الذي يضمن للعلاقات بين البلدين مستقبلاً مزدهراً.
المراجع والإحالات
[1] TRADE RELATIONS, Kenya and S. Korea to deepen economic ties at Nairobi meet, In: https://www.the-star.co.ke/business/2023-10-01-kenya-and-s-korea-to-deepen-economic-ties-at-nairobi-meet/
[2] Michael Weidokal Why Has South Korea Taken Off, While Kenya Has Not? in: https://www.linkedin.com/pulse/why-has-south-korea-taken-off-while-kenya-michael-weidokal
[3] المؤتمر الوزاري السابع للتعاون الاقتصادي الكوري الإفريقي، على الرابط:
https://www.afdb.org/ar/akhbar-wa-ahdath/al-ahdath/64206
[4] كوريا وإفريقيا تتحدان لحشد المزيد من التمويل والتكنولوجيا…، على الرابط:
https://www.afdb.org/ar/akhbar-wa-ahdath/balaghat-sahafyah/64285
[5] زراعة الأرز: كوريا الجنوبية تطلق مشروع تعاون في إفريقيا، على الرابط:
[6] كوريا وإفريقيا تتحدان لحشد المزيد من التمويل، مرجع سابق.
[7] كوريا الجنوبية تقيم شراكة واسعة مع 48 دولة إفريقية…، على الرابط:
https://www.agenzianova.com/ar/news/la-corea-del-sud-stabilisce-un-vasto-
[8] Korea Deepens Strategic Engagement with Africa through Bilateral Meetings with 11 Foreign Ministers, in: https://www.twk.co.kr/news/articleView.html?idxno=2128
[9] المؤتمر الوزاري الثامن للتعاون الاقتصادي الكوري الإفريقي (KOAFEC)، على الرابط:
[10] Kenya’s Strategic Importance: Within East Africa and Beyond, In:
[11] Ministry of Finance and Economy Korea-Kenya EDCF Framework Arrangement, in:
https://english.mofe.go.kr/pc/selectTbPressCenterDtl.do?boardCd=N0001&seq=5460
[12] Why Kenya is South Korea’s springboard to the African continent, In: https://eastasiaforum.org/2024/06/14/why-kenya-is-south-koreas-springboard-to-the-african-continent/
[13] المرجع نفسه.
[14] KENYA, SOUTH KOREA PLEDGE TO WORK TOGETHER, in:
https://mfa.go.ke/kenya-south-korea-pledge-to-work-together
[15] Kenya and South Korea evolve defence partnership. In:
https://defenceweb.co.za/joint/diplomacy-a-peace/kenya-and-south-korea-evolve-
[16] أول زيارة لرئيس كينيا إلى كوريا منذ 32 عاما…، على الرابط:
https://arabic.korea.net/NewsFocus/Policies/view?articleId=224633
[17] KENYA, SOUTH KOREA PLEDGE، مرجع سابق.
[18] Celebrating Kenya’s Independence Day, Korea-Kenya ties, in:
https://www.koreaherald.com/article/10017147
[19] أول زيارة لرئيس كينيا إلى كوريا منذ 32 عاماً، مرجع سابق.
[20] المرجع نفسه.
[21] KENYA, SOUTH KOREA PLEDGE، مرجع سابق.
[22] كوريا الجنوبية تعلن قرب إبرام إتفاقية تجارة حرة وشراكة اقتصادية مع المغرب، على الرابط: https://rue20.com/738920.html
[23] KENYANS TO BENEFIT FROM SEAFERARS JOBS IN SOUTH KOREA. In: https://shippingmaritime.go.ke/kenyans-benefit-seaferars-jobs-south-korea
[24] Kenya, South Korea commit to enhancing bilateral ties, boost trade, In:
[25] Kenya signs a Financing Agreement with Republic of Korea for the development of a Digital Media City at Konza Technopolis, In:
https://konza.go.ke/2024/06/04/kenya-signs-a-financing-agreement-with-korea-for-
[26] Christine Muchira, Kenya, South Korea celebrate 60 years of diplomatic ties, cementing mutual economic, cultural partnerships, in: https://www.kbc.co.ke/kenya-south-korea-celebrate-60-years-of-diplomatic-ties-cementing-mutual-economic-cultural-partnerships/
[27] KENYA-REPUBLIC OF KOREA TIES, in:
https://www.diaspora.go.ke/news-details.php?nid=60
[28] Kenya and South Korea evolve defence partnership. In:
https://defenceweb.co.za/joint/diplomacy-a-peace/kenya-and-south-korea-evolve-defence-partnership
[29] Policy Updates, in:
[30] المرجع نفسه.
[31] Kenya and Korea Chart New Trade and Investment Path at High-Level Nairobi Forum, in: https://www.investmentpromotion.go.ke/kenya-and-korea-chart-new-trade-
[32] المرجع نفسه.
[33] Jennifer Onyeagoro, Kenya and South Korea Explore Strategic Partnership to Advance Data Innovation and Digital Transformation, in:
https://techafricanews.com/2026/05/07/kenya-and-south-korea-explore-strategic-
[34] Abdimalik Hajir, Kenya and Republic of Korea Strengthen Strategic Partnership Across Key Sectors, in: https://www.dawan.africa/news/kenya-and-republic-of-korea-strengthen-strategic-partnership-across-key-sectors
[35] PRESIDENT RUTO: KENYA IS KEEN ON LEVERAGING KOREA TECHNOLOGY TO EXPAND OPPORTUNITIES, In: https://www.president.go.ke/president-ruto-kenya-is-keen-on-leveraging-korea-technology-to-expand-opportunities/
[36] Korea Deepens Strategic Engagement with Africa through Bilateral Meetings with 11 Foreign Ministers, in: https://www.twk.co.kr/news/articleView.html?idxno=2128










































