في ظل التوسع المتزايد في استخدام الخدمات الرقمية، وتنامي توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، يكتسب الأمن السيبراني الإفريقي أهمية متزايدة، في وقت تُشكّل فيه الجرائم الإلكترونية أحد أخطر التهديدات الأمنية الناشئة في قارة إفريقيا.
وعلى الرغم من أن هذا الانتشار الرقمي يُتيح فرصًا لتعزيز التنمية بمختلف أبعادها، إلا أنه يخلق في الوقت نفسه بيئة أكثر قابلية للاستغلال من جانب شبكات الجريمة السيبرانية (أي التي تُرتكب عبر مصادر الإنترنت المختلفة).
ينعكس ذلك على تصاعد المخاطر المتعلقة بأمن البيانات وخصوصية المستخدمين، وما يرافقها من تقويض للثقة في الخدمات الرقمية، وتأثيره المحتمل في كفاءة المؤسسات وقدرة الدول على حماية فضائها السيبراني، لا سيما داخل القارة الإفريقية.
في هذا السياق، يوضح تقرير “تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026″، الصادر عن منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول”، حدوث تحوُّل جوهري لافت في طبيعة الجرائم والتهديدات السيبرانية داخل القارة.
فلم تَعُد هذه الجرائم تقتصر على حوادث فردية أو هجمات محدودة، بل أصبحت تُمثّل نشاطًا إجراميًّا منظمًا وعابرًا للحدود، يتَّسم بقدرته العالية على التطوُّر والتكيُّف مع التحوُّلات التكنولوجية المتسارعة، بما يؤدي إلى اتساع نطاق التهديدات وتعقُّد البيئة الأمنية الرقمية في إفريقيا.
تأسيسًا على ما سبق؛ يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة في تقييم تقرير الإنتربول للتهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026، ومحاولة تفكيك واقع الفضاء السيبراني واتجاهاته وتحولاته وما يواجهه من تحدياته، علاوة على رصد المبادرات والأطر الوطنية الإفريقية لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
في هذا المقال:
الإطار العام لتقرير الإنتربول حول الأمن السيبراني الإفريقي لعام 2026
في محاولته تقييم مشهد الفضاء السيبراني وتهديداته التي تواجه القارة الإفريقية، يتألف تقرير الإنتربول من 4 أقسام رئيسة (إضافة إلى المقدمة والخاتمة والتوصيات الاستراتيجية)؛ إذ يناقش القسم الأول مشهد الجريمة السيبرانية في إفريقيا اليوم، مُسلِّطًا الضوء على اتجاهات هذه التهديدات عبر 4 من أقاليم القارة الإفريقية الفرعية (الوسط- الشرق- الغرب- الجنوب).
ثم ينتقل التقرير إلى أبرز التهديدات السيبرانية التي تواجه إفريقيا، كالهجمات التي تستهدف البنية التحتية الرقمية لبعض بلدان إفريقيا أو اختراق البريد الإلكتروني للشركات، يضاف لذلك ابتزاز الأشخاص عبر الإنترنت، والاحتيال المالي واختراق البيانات وغيرها من مهددات سيتم تفصيلها لاحقًا.
أما المحور الثالث فيبرز التحديات الهيكلية التي تقف عائقًا أمام مواجهة التهديدات السيبرانية، سواء كانت متعلقة بالأُطُر القانونية الداخلية أو قصور التنسيق الإقليمي بين دول القارة، أو ما ينقصها من قدرات وإمكانات للمجابهة، وبخاصة مع طبيعة تطوُّر التهديدات الناشئة في هذا الفضاء الرقمي.
وقبل الخاتمة والتوصيات التي يضعها التقرير أمام القارئ وصُنّاع القرار والباحثين المهتمين بالبيئة الرقمية وتهديداتها في إفريقيا، يُسلّط تقرير الإنتربول الضوء على ما وصلت له إفريقيا وما بذلته من جهد للتصدي للجرائم السيبرانية حتى الآن، رغم الصعوبات ونقص بعض القدرات والموارد لديها.
واقع الفضاء السيبراني الإفريقي: الاتجاهات والتحولات
يبرز التقرير في هذا المحور كيف أن الاقتصاد الرقمي في إفريقيا يواصل توسُّعه على نطاق غير مسبوق، مدفوعًا بالتبني السريع للتكنولوجيا والنمو المتزايد في الاتصال عبر الهواتف المحمولة ورقمنة الخدمات الأساسية في القطاعين العام والخاص.
على سبيل المثال سجَّلت القارة في عام 2025 وجود أكثر من 1.1 مليار اشتراك في خدمات الهاتف المحمول، وشهدت معاملات رقمية تجاوزت قيمتها 1.1 تريليون دولار أمريكي (شكل 1)، ما عزّز مكانتها باعتبارها عنصرًا مُهمًّا في منظومة الاقتصاد الرقمي العالمية.
مع وجود نحو 570 مليون مستخدم للإنترنت في إفريقيا، أصبحت قطاعات البنية التحتية الحيوية بما في ذلك الخدمات المالية والرعاية الصحية والإدارة الحكومية وقطاع الاتصالات، أكثر عُرضة للتهديدات السيبرانية الممنهجة.

في هذا الإطار أدَّى انتشار التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء (IoT)، وتقنية سلسلة الكتل (Blockchain)، إلى ظهور مسارات جديدة للاستغلال والهجوم؛ إذ جرى استغلالها مِن قِبَل الفاعلين في مجال الجريمة السيبرانية لتنفيذ هجمات عالية التوسُّع والاستهداف (جدول 1).
| نوع الجريمة الإلكترونية | النسبة من إجمالي الحالات |
| الاحتيال عبر الإنترنت، بما في ذلك التصيد الإلكتروني | 17% |
| الابتزاز والانتقام الإلكتروني والتنمر أو المضايقات عبر الإنترنت | 14% |
| سرقة الهوية والاحتيال المالي | 14% |
| اختراقات البيانات | 11% |
| تهديدات أخرى | 8% |
| اختراق البريد الإلكتروني التجاري (BEC) | 10% |
| برمجيات الفدية وأدوات سرقة بيانات الحسابات المصرفية | 7% |
| الهجمات على البنية التحتية الحيوية | 6% |
| الجرائم المرتبطة بالأسواق غير المشروعة والاتجار بالبشر عبر الإنترنت | 5% |
| هجمات حجب الخدمة الموزع (DDoS) | 4% |
| تعدين العملات الرقمية الخبيث (Cryptojacking) | 4% |
(جدول 1) توزيع حالات الجرائم السيبرانية المُبلَّغ عنها في إفريقيا حسب نوع الجريمة خلال 2025، وفق تقرير الانتربول
ويوضّح (الشكل 2) نتائج المسح الذي أجرته “الإنتربول” بشأن التهديدات السيبرانية في إفريقيا؛ شمل 49 دولة، استجابت منها 36 دولة بنسبة مشاركة بلغت 73%، مع تفاوت معدلات الاستجابة بين 4 أقاليم فرعية شاركوا في هذ المسح؛ حيث بلغت 63% في وسط إفريقيا، و56% في شرق إفريقيا، و85% في الجنوب الإفريقي، بينما سجَّل إقليم غرب إفريقيا أعلى نسبة استجابة بواقع 94%.

وعلى الرغم من تصاعد هذه التهديدات وأنماطها المتعددة، لا تزال القدرات في مجال الأمن السيبراني في جميع أنحاء القارة متفاوتة.
في هذا السياق، تشير تقديرات الدول الأعضاء في غرب وجنوب إفريقيا التي استجابت لاستطلاع الإنتربول للدول الأعضاء إلى أن الجرائم الإلكترونية تمثل الآن على الأرجح أكثر من 30% من إجمالي الجرائم المسجَّلة. ويمثل هذا زيادة ملحوظة مقارنةً بالعام السابق، مؤكدًا التطور العملياتي المتزايد للشبكات الإجرامية عبر الفضاء الرقمي داخل القارة الإفريقية.
الأمن السيبراني في إفريقيا: تحديات هيكلية وفجوات تشريعية
يكشف تقرير الإنتربول في نسخته الصادرة عام 2026، عن مجموعة من العوائق التشريعية والتحديات، تحد من قدرة الدول الإفريقية على مواجهة الجرائم السيبرانية بفاعلية، والتي نبرز أهمها فيما يلي:
1-التباين التشريعي وأثره في الاستجابة للجرائم السيبرانية:
يبرز التقرير في هذا القسم أن التشريعات المتعلقة بالجرائم السيبرانية في إفريقيا لا تزال مجزأة؛ إذ يوجد لدى 83% من البلدان الإفريقية -التي استجابت لمسح الإنتربول- قوانين تتعلق بالجرائم السيبرانية، بينما لا تزال 17 دولة في طور صياغة قوانين مخصصة للجرائم السيبرانية.
ورغم وجود التزامات إقليمية ودولية مثل اتفاقية مالابو التابعة للاتحاد الأفريقي واتفاقية الأمم المتحدة الجديدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، المُوقَّعة في هانوي (عاصمة فيتنام) عام 2025، والتي توفّر مسارًا نحو التنسيق، إلا أن التنفيذ لا يزال متأخرًا بشكل ملحوظ.
علاوةً على ذلك، يوضح أن تفاوت تفسير المصطلحات والتعريفات القانونية بشأن الجرائم السيبرانية -أو غياب مصطلحات موحدة متفق عليها-، يُؤخّر المساعدة القانونية وتبادل الأدلة، ويسمح للمجرمين باستغلال هذه الثغرات القانونية.
وبينما قيّمت 61% من الدول التي شملها الاستطلاع أُطرها القانونية بأنها مُرضية إلى ممتازة، دعت 31% منها صراحةً إلى حاجتها لإصلاح عاجل، لا سيما في مجالات حفظ الأدلة الرقمية، والوصول إلى البيانات عبر الحدود، وتجريم الاحتيال الذي يتم بواسطة الذكاء الاصطناعي.
2-فجوة القدرات التقنية والمؤسسية:
يُسلّط الإنتربول الضوء هنا حول أجهزة إنفاذ القانون في مختلف أنحاء إفريقيا، والتي تعمل في ظل قيود شديدة تَحُدّ من قدرتها على مواجهة الجرائم السيبرانية المتزايدة؛ على سبيل المثال: أفادت 94% من أجهزة إنفاذ القانون بالدول الإفريقية التي استجابت للمسح بوجود نقص في التمويل لديها.
فيما أشارت 78% إلى عدم كفاية الميزانيات، والموظفين المتخصصين (وغيرها من أدوات لتحجيم التهديدات السيبرانية فصلها التقرير).
كما أن 17% فقط من البلدان التي استجابت للاستطلاع لديها وحدات متخصّصة في مكافحة الجرائم السيبرانية، بينما لا يزال هناك اعتماد واسع على أفراد غير مُؤهّلين للتعامل مع هذه التهديدات.
من جهة أخرى، يشير التقرير إلى أن جاهزية الدول الإفريقية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي كانت منخفضة إلى حدّ يثير القلق؛ فلا يمتلك سوى 22% من الدول الإفريقية التي استجابت لمسح الإنتربول، من وحدات الأدلة الجنائية الرقمية معرفة متقدّمة بأدوات الذكاء الاصطناعي.
يُضاف إلى ذلك أن نسبة مُحلّلي المعلومات الاستخباراتية الذين يمتلكون خبرة متقدمة في هذا المجال لا يتجاوزون نسبة 8%. أما ضباط الأكثر خبرة والقيادات فيمتلكون الحد الأدنى من المعرفة فقط، ما يجعلهم غير مُؤهّلين لتحديد الصور المزيفة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو الهويات الاصطناعية، أو حملات التصيد الاحتيالي الآلية.
وهو ما يجعلنا أمام منظومة قد تُفقد فيها الأدلة أو تتأخر عملية الوصول إليها، بما ينعكس على سرعة ملاحقة المجرمين وفرص استعادة الأصول المتحصلة من الجرائم.
3-عوائق التنسيق وتبادل المعلومات:
يشير التقرير هنا إلى معضلة جوهرية تتمثل في أن الطبيعة العابرة للحدود للجرائم السيبرانية تضعف فاعلية الاستجابة عندما لا تتوافر آليات سريعة ومنسَّقة لتبادل المعلومات والأدلة. وتزداد هذه المشكلة نتيجة اختلاف الأُطُر القانونية وتفاوت مستويات التعاون بين الأقاليم.
شرق إفريقيا على سبيل المثال يُظْهِر تنسيقًا عاليًا بين فِرَق الاستجابة لطوارئ الحاسوب (CERT) -وهي مجموعات عمل مسؤولة عن رَصْد التهديدات السيبرانية، والاستجابة الفورية للحوادث الأمنية-، ويُظهر غرب إفريقيا تعاونًا متوسطًا، أما جنوب القارة فجهودها متفاوتة، بينما لا يزال مستوى التعاون في وسط إفريقيا متراجعًا للغاية (شكل 3).

يُضاف إلى ما سبق، الحاجة إلى تبسيط الإجراءات الخاصة بالتحقيق في الجرائم التي تمتد إلى أكثر من اختصاص قضائي.
وفي حين تظل قنوات الإنتربول الآلية إحدى الآليات الأساسية للتعاون، فإن التقرير يشير إلى أن هذه القنوات تُواجه بدورها ضغوطًا مرتبطة بحجم الطلب ونقص الموارد، فضلًا عن عدم قدرتها على تجاوز الاختلافات القضائية والقانونية بين الدول.
4-ضعف الشراكة بين القطاعين العام والخاص وإشكالية مساءلة المنصات الرقمية:
تُعدّ الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية للاستجابة الفعّالة للجرائم الإلكترونية، إلا أنها لا تزال متراجعة للغاية في جميع أنحاء إفريقيا.
في هذا السياق أفادت 44% من الدول المشمولة بالمسح والمستجيبة له، الآن بتحقيق “تحسُّن ملحوظ أو جزئي” في مشاركة الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بانخفاض عن 89% في التقييمات السابقة، لا تزال هناك عقبات، لا سيما مع افتقار أجهزة إنفاذ القانون إلى قنوات واضحة وقانونية لطلب البيانات من منصات مثل ميتا وتيك توك وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي.
وبينما توجد مذكرات تفاهم، فإن قلة من الوكالات تمتلك القدرة التقنية أو القانونية لتنفيذها بفعالية. والنتيجة هي نظام تُخزَّن فيه الأدلة ومسارات المعاملات وبيانات الحسابات في أنظمة معزولة، أو يصعب الوصول إليها، أو تتأخّر.
وعليه، يظل القطاع الخاص بدون شراكات منظمة قائمة على الثقة ومُؤطّرة قانونيًّا، مجرد مراقب سلبي بدلًا من أن يكون مشاركًا فاعلًا في مكافحة الجرائم الإلكترونية. ويُلخّص (شكل 4) أبرز هذه التحديات المشار إليها سابقًا.

المبادرات والأُطر الوطنية الإفريقية لمكافحة الجرائم الإلكترونية
عقب استعراض أبرز التحديات أمام مكافحة الجرائم السيبرانية، يحاول التقرير في هذا القسم رَصْد أبرز المبادرات والإستراتيجيات المُعلَن عنها مؤخرًا في عدد من الدول الإفريقية بشأن التعاطي مع تلك الجرائم.
على سبيل المثال أصدرت 17 دولة قوانين بشأن الجرائم الإلكترونية أو عدّلتها، مما يشير إلى تزايد الاعتراف بالتهديدات السيبرانية باعتبارها قضايا تتعلق بالأمن القومي.
في هذا السياق، أطلقت بوركينا فاسو منصة الإبلاغ «أليرت-بي سي إل سي سي» Alerte-BCLCC، واعتمدت إستراتيجية وطنية لمكافحة الجرائم الإلكترونية للفترة (2025- 2029).
وبينما أقرَّت الجمعية الوطنية في ساحل العاج مشروع قانون الأمن الرقمي لعام 2025، بما يتماشى مع المعايير الدولية، فعَّلت زامبيا قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2025، واضعةً تعريفات واضحة للمضايقات عبر الإنترنت، وحماية البيانات، والاحتيال الرقمي.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في موريشيوس، التي أعلنت عن مخطط التحول الرقمي لديها للفترة (2025- 2029)، وأنشأت وكالة وطنية للمرونة السيبرانية والأمن السيبراني.
وبخصوص كينيا، فقد مضت قُدمًا في مشروع قانون إساءة استخدام الحاسوب والجرائم الإلكترونية (المعدل) لعام 2024، بهدف استهداف تبديل شرائح الاتصال والمكالمات الاحتيالية. وفي هذا الإطار، أقرت جنوب السودان مشروع قانون الجرائم الإلكترونية وإساءة استخدام الحاسوب لعام 2025، وأنشأت إدارة وطنية مخصصة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
أما أنغولا، فقد اعتمدت إستراتيجية وطنية للأمن السيبراني، وأنشأت مركزًا وطنيًّا للأمن السيبراني. وبخصوص السنغال، فقد أطلقت برنامج «السيادة الرقمية»، بمخصصات بلغت 24 مليون دولار أمريكي لتحديث المنصات ومكافحة المضايقات عبر الفضاءات الرقمية، إلى جانب نشر منصة وطنية لحماية الأطفال على الإنترنت.

وعليه، فقد أظهرت عدة دول -كما أوردنا- مؤشرات عديدة على الالتزام بالأمن الرقمي في عام 2025؛ من خلال تعديل أو الدفع قُدمًا بالأُطر القانونية المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لمخاطر الأمن السيبراني، لكنّ التنفيذ المستدام يبقى الخطوة الحاسمة التالية.
خاتمة:
ختامًا؛ يتضح من قراءة تقرير الإنتربول 2026 حول التهديدات السيبرانية في إفريقيا، أنها تجاوزت كونها تهديدًا تقنيًا محدودًا، لتصبح أحد المكونات المتنامية للبيئة الأمنية الإفريقية.
يعزز هذه التهديدات تداخل أبعادها الأمنية والاقتصادية والمؤسسية، وتسارع وتنوُّع أنماط الهجمات، إلى جانب تنامي توظيف التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، بما يمنح الشبكات الإجرامية قدرات أكبر على التكيُّف والاستهداف.
مع ذلك، يدعو التقرير إلى قَدْر من التفاؤل بشأن مستقبل الأمن السيبراني في إفريقيا، استنادًا إلى ما أحرزته وكالات إنفاذ القانون في الأقاليم الفرعية الأربعة التي تناولها التقرير من تقدُّم خلال عام 2025، سواء على مستوى تعزيز القدرات، أو تطوير الأُطر التشريعية، أو توسيع نطاق التعاون عبر الحدود.
كما أن القارة تمتلك مقومات يمكن البناء عليها، وأن العمل المنسَّق بين الدول قادر على تحقيق تقدُّم ملموس في مواجهة التهديدات السيبرانية المتطورة، وهو ما يؤكد أن تعزيز التعاون الإفريقي يمكن أن يُشكّل ركيزة أساسية للحد من آثار هذه التهديدات.
ومِن ثَم، فإن التحدي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في مواصلة تطوير القدرات الوطنية، وإنما في تجاوز نمط الاستجابة التفاعلية الذي تتحرَّك فيه المؤسسات بعد وقوع الهجوم أو اكتشاف الجريمة، نحو مقاربة استباقية قادرة على رَصْد مؤشرات التهديد والتنبؤ بأنماطه والتدخل قبل اتساع نطاق آثاره.
ويتطلب ذلك بناء منظومة إفريقية أكثر تكاملًا للأمن السيبراني، لا تقتصر على التعامل مع الجرائم بعد وقوعها، وإنما تعزز الوقاية والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية والفنية، وتطوير قدرات التحليل الجنائي الرقمي، ورفع جاهزية أجهزة إنفاذ القانون للتعامل مع التهديدات الناشئة.
فضلًا عن وضع آليات أسرع لتبادل الأدلة الرقمية والتنسيق عبر الحدود؛ فطبيعة الفضاء السيبراني، بما يتسم به من سرعة انتشار الهجمات وقدرتها على تجاوز الحدود وتغيُّر أدواتها بصورة مستمرة؛ تجعل من الاستجابة المتأخرة أكثر كلفة وأقل فاعلية.
ومن هنا، فإن الانتقال من ردّ الفعل إلى الاستباق لا يُمثّل مجرد تحسين في آليات مكافحة الجرائم السيبرانية، وإنما يصبح ضرورة لحماية الأمن الإفريقي في بيئة رقمية تتزايد فيها فرص الاستغلال الإجرامي بالتوازي مع اتساع مسار التحول الرقمي في القارة.
نرشح لك:
صناديق التداول المُوجَّهة نحو الذكاء الاصطناعي ومستقبل الاستثمار الرقمي في إفريقيا
مؤشر جاهزية الشبكات 2025: قراءة تحليلية لواقع التحول الرقمي في إفريقيا
التحول الرقمي في إفريقيا.. قراءة في ضوء تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026
يعرض الفيديو التالي تقرير الإنتربول لعام 2025” عن تحديات الأمن الرقمي في أفريقيا:
مصدر التقرير:
INTERPOL AFRICAN CYBERTHREAT ASSESSMENT REPORT 2026, Lyon: The International Criminal Police Organization –INTERPOL, June 2026), https://share.google/sfNJfoUvKxFv8U7ol
حول الإنتربول:
يتمثل دور الإنتربول في تمكين الشرطة في دول المنظمة الأعضاء البالغ عددها 196 دولة من العمل معًا لمكافحة الجريمة العابرة للحدود وجعل العالم مكانًا أكثر أمانًا. وتُقدّم هذه الخدمات الشرطية في جميع أنحاء العالم وتدعم أربعة برامج عالمية: الجرائم المالية والفساد؛ ومكافحة الإرهاب؛ والجرائم الإلكترونية؛ والجريمة المنظّمة والناشئة.
أما عن برنامج مكافحة الجرائم الإلكترونية التابع للإنتربول؛ فيبرز أنه في عصر رقمي متسارع يواجه فيه أكثر من نصف سكان العالم خطرًا محتملًا من الجرائم الإلكترونية، يحاول هذا البرنامج تقديم استجابة عالمية لمنع الجرائم الإلكترونية وكشفها والتحقيق فيها وتعطيلها، بهدف مساعدة الدول الأعضاء على مكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود بشكل أكثر فعالية.










































