ألقت السلطات الإسبانية، اليوم السبت، القبض على شخصين وأخضعت آخرين للتحقيق للاشتباه في تورطهم في شبكة للاتجار بالحيوانات الغريبة، بعد ضبط عشرات الكائنات المحمية، بينها سحالي إفريقية نادرة، كانت تُنقل دون الوثائق القانونية المطلوبة عبر مطار سان بابلو بمدينة إشبيلية، في واقعة تثير القلق على الحياة البرية في إفريقيا.
وقالت قوات الحرس المدني الإسباني إن التحقيقات، التي بدأت أواخر عام 2025، قادت إلى اعتراض حقيبة سفر تضم عددًا من الحيوانات الخاضعة لاتفاقيات دولية لتنظيم تجارة الحياة البرية، قبل أن تسفر عمليات تفتيش لاحقة لخمسة منازل وثلاثة مواقع صناعية عن ضبط 256 حيوانًا، إضافة إلى عشرات الكلاب والقطط ومبالغ نقدية يشتبه في ارتباطها بالنشاط غير القانوني.
ومن بين أبرز المضبوطات سحالي مراقب السافانا، وهي نوع كبير من السحالي موطنه الأصلي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويُتداول على نطاق واسع في سوق الحيوانات الأليفة الغريبة، إلى جانب ضفادع وعناكب وزواحف أخرى مطلوبة لدى هواة اقتناء الكائنات النادرة.
ولا تبدو الواقعة الإسبانية حادثة منفصلة، بل تعكس تحولاً متزايدًا في طبيعة جرائم الحياة البرية، إذ لم تعد تقتصر على صيد الأفيال ووحيد القرن والحيوانات الضخمة، وإنما امتدت إلى استهداف الحشرات والعنكبيات والزواحف الصغيرة، في نشاط بات أحد أشكال “القرصنة البيئية” الحديثة.
من الأفيال ووحيد القرن إلى النمل والعقارب
ارتبطت جرائم الحياة البرية في إفريقيا لعقود طويلة بصور الصيادين غير الشرعيين الذين يستهدفون الأفيال للحصول على العاج، ووحيد القرن من أجل قرونه، وحيوان البنغول للاستفادة من حراشفه، وهي تجارة حققت أرباحًا كبيرة وأسهمت في تهديد العديد من الأنواع بالانقراض.
لكن الوقائع الأخيرة تشير إلى ظهور اتجاه مختلف، يعتمد على استهداف كائنات أصغر حجمًا وأقل لفتاً للانتباه، مثل النمل والعقارب والعناكب والسحالي النادرة، التي باتت تحقق عوائد مرتفعة في الأسواق المتخصصة.
وتسعى شبكات التهريب لتنويع أنشطتها وتقليل المخاطر، إذ إن نقل الحشرات والعنكبيات والزواحف الصغيرة أكثر سهولة من تهريب الحيوانات الكبيرة أو أجزاء أجسامها، كما أن الطلب العالمي المتزايد عليها خلق أسواقًا جديدة ذات أرباح مرتفعة.
وبينما كان الهدف التقليدي لهذه الجرائم يتمثل في الحصول على العاج أو القرون أو الحراشف، أصبح الهدف الجديد هو الاتجار بالكائنات الحية نفسها، سواء لأغراض الاقتناء الشخصي أو التربية أو العرض في مجموعات الهواة.

كينيا وجنوب إفريقيا.. وقائع تكشف اتساع الظاهرة
لم تقتصر قضايا تهريب الكائنات البرية الصغيرة على أوروبا، بل شهدت القارة الإفريقية نفسها عددًا من الوقائع اللافتة خلال الأشهر الأخيرة.
ففي منتصف مارس الماضي، أوقفت السلطات في مطار جومو كينياتا الدولي في العاصمة الكينية نيروبي مواطنًا صينيًا بعد العثور بحوزته على أكثر من 2200 نملة حية.
وبحسب المعلومات التي أعلنتها السلطات، آنذاك، فإن المشتبه به كان يعتزم البقاء في كينيا لمدة أسبوعين والتعاون مع أفراد محليين لتجميع هذه الأنواع قبل تهريبها إلى الخارج.
وأشارت التحقيقات إلى أن بعض هذه الأنواع قد يصل سعر الواحدة منها إلى نحو 220 دولارًا في الأسواق المتخصصة، قبل أن تصدر المحكمة حكمًا بسجن المتهم لمدة عام مع فرض غرامة مالية كبيرة.
وفي جنوب إفريقيا، ألقت الشرطة مطلع الأسبوع الماضي القبض على رجل في مطار كيب تاون بعدما عثرت بحوزته على 150 عقربًا سامًا ومجموعة من العناكب الحية.
وأوضحت السلطات أن المشتبه به أخفى الكائنات داخل حقيبة سفره وبين ملابسه في محاولة لتهريبها، قبل توقيفه بموجب قوانين حماية الطبيعة والبيئة، فيما نقلت المضبوطات إلى منشأة متخصصة للحياة البرية للحفاظ عليها.
وتضاف هذه الوقائع إلى القضية الإسبانية الأخيرة، التي تضمنت ضبط سحالي إفريقية ضمن شبكة دولية للاتجار بالحيوانات الغريبة، بما يشير إلى أن الطلب على هذه الأنواع لم يعد يقتصر على الأسواق المحلية، وإنما أصبح جزءًا من تجارة عابرة للحدود.

لماذا تستهدف عصابات التهريب هذه الكائنات؟
تشير المعطيات المتعلقة بهذا النوع من الجرائم إلى أن المحرك الأساسي هو الطلب المتزايد من هواة جمع الحشرات والكائنات النادرة في عدد من دول أوروبا وآسيا وأجزاء أخرى من العالم.
ويقوم بعض الهواة بإنشاء مستعمرات معقدة للنمل أو بيئات مخصصة للعناكب والعقارب والزواحف، ما يدفعهم للبحث عن أنواع نادرة يصعب الحصول عليها بالطرق التقليدية.
ومن بين الأنواع التي تحظى بإقبال خاص بعض أنواع نمل شرق إفريقيا، التي تتميز بأحجامها الكبيرة وسلوكياتها المعقدة في بناء المستعمرات، وهو ما أسهم في ارتفاع قيمتها السوقية.
كما تحظى بعض السحالي والعناكب والعقارب النادرة باهتمام جامعي الحيوانات الغريبة، الذين يدفعون مبالغ كبيرة للحصول على أنواع مميزة أو طفرات لونية نادرة.
وأدى هذا الطلب إلى ظهور سوق سوداء متخصصة، تعتمد على شبكات تجمع الكائنات من بيئاتها الطبيعية، ثم تهريبها عبر المطارات أو خدمات الشحن أو الطرود البريدية، باستخدام وسائل مختلفة لإخفائها وتزوير الوثائق الخاصة بها.
وتشير القضية الإسبانية إلى أن المحققين يشتبهون في استعانة أفراد الشبكة بموظفين في شركات توصيل الطرود لتسهيل نقل الحيوانات الحية وتوفير المستندات اللازمة لإخفاء مصدرها الحقيقي.

ما مخاطر القرصنة البيئية على الحياة البرية في إفريقيا؟
لا تتوقف تداعيات هذه الظاهرة عند قيمتها الاقتصادية أو مخالفتها للقوانين البيئية، بل تمتد إلى التأثير المباشر في النظم الطبيعية.
ويحذر علماء الأحياء من أن إزالة أعداد كبيرة من الحشرات والعنكبيات من بيئاتها الأصلية قد تؤدي إلى اضطرابات بيئية متسلسلة يصعب تعويضها.
وتبدأ هذه التداعيات بتراجع الأعداد الطبيعية للكائنات المستهدفة، وهو ما قد يؤثر في عمليات تهوية التربة التي تسهم فيها بعض الحشرات، ثم يمتد إلى تعطيل عمليات نثر البذور وانتشار النباتات، وصولاً إلى التأثير في السلاسل الغذائية داخل النظم البيئية المختلفة.
ويشير مختصون إلى أن الكائنات الصغيرة تؤدي أدوارًا بيئية لا تقل أهمية عن الحيوانات الكبيرة، بل تمثل في كثير من الأحيان البنية الأساسية التي تقوم عليها النظم البيئية.
ولهذا؛ فإن فقدان أعداد كبيرة منها قد ينعكس على صحة التربة والتنوع البيولوجي واستقرار البيئات الطبيعية، خاصة في مناطق السافانا والغابات الإفريقية.
كما يحذر خبراء الحياة البرية من أن التركيز الإعلامي والتشريعي على مكافحة صيد الأفيال ووحيد القرن لا ينبغي أن يحجب الانتباه عن التهديدات الجديدة، التي تستهدف أنواعًا أقل شهرة ولكنها لا تقل أهمية من الناحية البيئية.
وتكشف الوقائع المسجلة في إسبانيا وكينيا وجنوب إفريقيا عن اتساع نطاق هذه التجارة، وتحولها من نشاط محدود إلى شبكة عابرة للحدود تستفيد من ارتفاع الطلب العالمي على الكائنات النادرة وصعوبة مراقبة حركة الحشرات والعنكبيات والزواحف الصغيرة.
في ظل هذا التحول، لم تعد جرائم الحياة البرية في إفريقيا مرتبطة فقط بالعاج أو قرون وحيد القرن، بل دخلت مرحلة جديدة تقوم على تهريب الكائنات الحية الصغيرة، التي قد تبدو أقل أهمية للوهلة الأولى، لكنها تمثل جزءًا أساسيًا من التوازن البيئي في القارة، ما يجعل مكافحتها تحديًا متزايدًا أمام سلطات إنفاذ القانون وجهود حماية التنوع البيولوجي.
من الفيلة إلى النمل والعقارب.. تهريب الحياة البرية في إفريقيا يدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا 🐜#افريقيا #أفريقيا #qiraatafrican #african pic.twitter.com/daQOUkeQpy
— قراءات إفريقية (@qiraatafrican) June 18, 2026
المصدر: قراءات إفريقية وAFP وBBC وAfrica Briefing وTRT











































