قدّم رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، الجمعة، طلبًا إلى المحكمة العليا في مقاطعة ويسترن كيب، بمدينة كيب تاون؛ لوقف بدء إجراءات عزله البرلمانية مؤقتًا، إلى حين الفصل في الطعن الذي رفعه ضد تقرير اللجنة المستقلة المنشأة بموجب المادة 89 من الدستور، في أحدث تطور بالقضية المعروفة بـ”فضيحة فالا فالا” التي تعود إلى سرقة أموال من مزرعته الخاصة عام 2020.
ويستند طلب رامافوزا إلى أن المضي في إجراءات العزل قبل صدور حكم قضائي بشأن قانونية التقرير قد يلحق به ضررًا لا يمكن تداركه، خصوصًا إذا بدأت لجنة العزل البرلمانية جلساتها الرسمية قبل انتهاء المسار القضائي.
هذه الخطوة تأتي بعد أسابيع من حكم المحكمة الدستورية الذي أعاد تنشيط ملف العزل، عندما اعتبرت أن البرلمان أخطأ في تعامله السابق مع تقرير اللجنة المستقلة، ما دفع الجمعية الوطنية إلى استكمال الترتيبات الخاصة بتفعيل آلية العزل المنصوص عليها في المادة 89.
وفي الوقت ذاته، تواصل الجمعية الوطنية مراجعة القواعد المنظمة لعملية العزل، وسط نقاشات قانونية بشأن تفسير بعض جوانب المادة 89، بما في ذلك طبيعة المسؤولية التي يمكن أن تترتب على الرئيس وما إذا كانت تقتصر على الأفعال المباشرة أم تشمل أيضًا الأفعال غير المباشرة.
قضية عزل رامافوزا في “فضيحة فالا فالا”
تعود جذور القضية إلى فبراير 2020 عندما تعرضت مزرعة “فالا فالا” الخاصة بالرئيس رامافوزا في إقليم ليمبوبو (شمال شرق) لعملية سطو.
وبحسب الرواية التي قدمها الرئيس لاحقًا، فقد تمكن اللصوص من سرقة مبلغ قدره 580 ألف دولار أمريكي كان مخبأ داخل أثاث في المزرعة، وتحديدًا داخل أريكة.
لكن الحادثة لم تتحول إلى قضية سياسية إلا بعد نحو عامين، عندما كشف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الجنوب إفريقي، آرثر فريزر، عن تفاصيلها في شكوى رسمية قدمها إلى السلطات.
واتهم فريزر الرئيس بالتستر على السرقة وعدم إبلاغ أجهزة إنفاذ القانون بالشكل المناسب، كما أثار تساؤلات حول مصدر الأموال وطبيعة الاحتفاظ بها داخل المزرعة.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى ملف سياسي وقانوني معقد يتداخل فيه القانون الدستوري وقوانين الصرف الأجنبي وقواعد المساءلة الرئاسية.
ما هي الاتهامات الموجهة للرئيس رامافوز؟
تركزت الاتهامات الأساسية الموجهة للرئيس سيريل رامافوزا على عدة نقاط.
- أولها الشكوك المتعلقة بمصدر الأموال التي كانت موجودة في المزرعة، خاصة أن المبالغ كانت بالدولار الأمريكي.
- ثانيها الادعاءات المتعلقة بطريقة تعامل السلطات مع الحادثة، وما إذا كانت كل الإجراءات القانونية قد اتُّبعت بعد وقوع السرقة.
- أما ثالثها فيتعلق باحتمال انتهاك بعض القوانين الخاصة بالإفصاح المالي والرقابة على العملات الأجنبية.
وقد نفى رامافوزا باستمرار ارتكاب أي مخالفة، مؤكدًا أن الأموال جاءت من صفقة قانونية لبيع جاموس إفريقي ضمن نشاطه التجاري في مجال تربية الماشية.
كما شدد على أن جميع الاتهامات الموجهة إليه تفتقر إلى الأدلة التي تثبت ارتكابه سلوكًا غير قانوني.
وأحد أبرز أسباب استمرار الجدل حول قضية فالا فالا يتمثل في التباين الواضح بين نتائج الجهات التي نظرت في الملف؛ فالبنك الاحتياطي الجنوب إفريقي لم يجد ما يثبت وقوع مخالفات تتعلق بقوانين الصرف الأجنبي.
كما خلصت هيئة الحامية العامة، وهي الجهة المكلفة بالتحقيق في إساءة استخدام السلطة، إلى عدم وجود مخالفات من جانب الرئيس.
لكن اللجنة المستقلة التي أنشئت في إطار المادة 89 توصلت إلى استنتاج مختلف، معتبرة أن هناك أسئلة جدية تحتاج إلى إجابات، وأن الرئيس لديه قضية تستوجب الرد عليها.
وأشارت اللجنة إلى وجود شكوك جوهرية بشأن شرعية مصدر الأموال المسروقة، وهو ما منح المعارضة أرضية للمطالبة بمواصلة إجراءات العزل.
ماذا تقول المادة 89 في قضية “عزل رامافوزا”؟
تنص المادة 89 من دستور جنوب إفريقيا على إمكانية عزل رئيس الجمهورية في حالات محددة تشمل انتهاك الدستور أو القانون، أو ارتكاب سوء سلوك جسيم، أو العجز عن أداء مهام المنصب.
وظلت هذه المادة لسنوات طويلة حاضرة في النصوص الدستورية أكثر من حضورها في الواقع السياسي، إلى أن جرى تطوير قواعد تنفيذها بعد عام 2018 عبر إنشاء آليات أكثر وضوحًا تشمل تشكيل لجنة مستقلة ولجنة برلمانية خاصة بالعزل.
وأصبحت المادة 89 اليوم محور الصراع بين الرئيس ومعارضيه، بعد أن استند البرلمان إليها في إعادة فتح ملف عزل رامافوزا المتعلق بـ”فضيحة فالا فالا”.
وتمر عملية عزل الرئيس في جنوب إفريقيا بعدة مراحل تبدأ بدراسة الاتهامات وتقييم ما إذا كانت تستحق الانتقال إلى مرحلة أعمق من التحقيق.
وبعد ذلك تتولى لجنة برلمانية فحص الوقائع والأدلة والاستماع إلى مختلف الأطراف، وفي نهاية المطاف، تقدم اللجنة توصية إلى البرلمان، وإذا أوصت بالعزل، يُطرح الأمر للتصويت داخل الجمعية الوطنية.
لكن الدستور يشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان لإقالة الرئيس، ما يجعل نجاح أي محاولة لعزل رامافوزا مرتبطًا أيضًا بالتوازنات السياسية داخل البرلمان.
توازنات معقدة بعد انتخابات 2024
تختلف البيئة السياسية الحالية في جنوب إفريقيا عن تلك التي كانت قائمة عندما ظهرت القضية لأول مرة، فبعد انتخابات 2024، لم يعد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي يمتلك الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها منذ نهاية نظام الفصل العنصري.
وأصبح الحزب مضطرًا للعمل ضمن ائتلاف حكومي يضم عدة أحزاب، ما جعل أي أزمة سياسية تواجه الرئيس أكثر حساسية وتعقيدًا، ورغم ذلك، لا يزال الحزب يمتلك عددًا من المقاعد يسمح له نظريًا بمنع تمرير قرار العزل إذا التزم أعضاؤه بالتصويت لصالح الرئيس.
وقد أبدت أحزاب المعارضة دعمها لاستمرار إجراءات العزل؛ فحزب المقاتلون من أجل الحرية الاقتصادية (EFF) يعد من أكثر الأطراف إصرارًا على مواصلة المسار البرلماني، واعتبر أن لجوء رامافوزا إلى القضاء يهدف إلى تأخير الإجراءات.
وقال المتحدث باسم الحزب، سيناوو ثامبو، إن “عمل لجنة العزل يجب أن يستمر إلى أن يتم إلغاء تقرير اللجنة المستقلة للمادة 89”.
وفي المقابل، أعلنت أحزاب أصغر داخل الائتلاف الحاكم، مثل التحالف الوطني، دعمها للرئيس وتعهدت بالتصويت ضد عزله، أما حزب التحالف الديمقراطي (DA)، ثاني أكبر أحزاب الائتلاف، فقد دعا إلى استمرار عمل اللجنة البرلمانية وعدم تعطيلها.
الطعن القضائي الذي يعوّل عليه رامافوزا
يركز الرئيس الجنوب إفريقي في معركته الحالية على الطعن القضائي ضد تقرير اللجنة المستقلة.
ويقول رامافوزا إن اللجنة “أساءت فهم صلاحياتها، وأخطأت في تقييم المعلومات المقدمة إليها، وفسرت بصورة خاطئة الاتهامات الأربع الموجهة ضده”.
ومن المقرر النظر في هذه الدعوى خلال شهر سبتمبر المقبل، في وقت يأمل فيه فريق الرئيس القانوني في أن يؤدي الحكم لصالحه إلى إبطال التقرير، وبالتالي إسقاط الأساس الذي تستند إليه إجراءات العزل البرلمانية.
ورغم الدعوى القضائية التي رفعها الرئيس، تواصل المؤسسات البرلمانية التحضير للمضي في إجراءات العزل؛ فقد أعادت لجنة القواعد في الجمعية الوطنية القواعد المنظمة لعملية العزل إلى اللجنة الفرعية المختصة لمزيد من التنقيح، تنفيذًا لحكم المحكمة الدستورية الأخير.
وتشمل التعديلات مناقشة تفاصيل إجرائية تتعلق بطريقة عمل لجنة العزل، وصلاحياتها، وآليات التصويت داخل البرلمان، كما انتُخب ماكاشولي غانا، وهو عضو في حزب رايز مزانسي (تأسس عام 2023) الشريك في الائتلاف الحكومي، رئيسًا للجنة العزل.
وأكد غانا أن الطعن القضائي الذي قدمه رامافوزا “لن يوقف عمل اللجنة”.
ويُعد رامافوزا أول رئيس يواجه إجراءات عزل بموجب القواعد الجديدة التي تم اعتمادها عام 2018، لكن جنوب إفريقيا شهدت سابقًا محاولة لعزل الرئيس الأسبق جاكوب زوما عام 2016.
وفي تلك الحالة، نجا زوما من التصويت بفضل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي كان يتمتع بها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي آنذاك.
حول هذه القصة: وداعًا “ستالينغراد”.. هل تطوي جنوب إفريقيا عصر هروب الرؤساء من العدالة؟
وجاءت محاولة عزله بعد أن قضت المحكمة الدستورية بأنه انتهك الدستور من خلال عدم إعادة الأموال العامة التي أُنفقت على تطوير منزله الخاص في إقليم كوازولو ناتال.
انعكاسات قضية “فالا فالا” على حزب المؤتمر الوطني
تضع قضية فالا فالا حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (الحاكم) أمام اختبار سياسي جديد، فالحزب الذي قاد جنوب إفريقيا منذ نهاية نظام الفصل العنصري يواجه تراجعًا انتخابيًا ملحوظًا وتآكلاً تدريجيًا في شعبيته.
وتحول القضية إلى ملف دائم الحضور في الإعلام والبرلمان يمنح خصوم الحزب مادة سياسية جاهزة لمهاجمته.
كما أن تاريخ الحزب يظهر أنه سبق أن أطاح برئيسين سابقين هما ثابو مبيكي وجاكوب زوما عندما رأى أن استمرار بقائهما في السلطة يضر بصورة الحزب ومصالحه الانتخابية.
في الأخير، لا توجد مؤشرات حاسمة حتى الآن، على أن رامافوزا سيُعزل من منصبه، لكن القضية ما زالت مفتوحة على أكثر من مسار؛ فمن جهة، يراهن الرئيس على القضاء لإبطال تقرير اللجنة المستقلة ووقف إجراءات العزل، ومن جهة أخرى، تواصل المعارضة والبرلمان العمل على استكمال المسار الدستوري المنصوص عليه في المادة 89.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى فضيحة فالا فالا واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في جنوب إفريقيا منذ نهاية نظام الفصل العنصري في التسعينات، مع استمرار تأثيرها على المشهدين السياسي والحزبي وعلى مستقبل الرئيس نفسه داخل السلطة والحزب الحاكم.
وللتوسع والاطلاع على جانب آخر من الحياة السياسية والحزبية في جنوب إفريقيا، يمكن مشاهدة الفيديو التالي: “لماذا فقد حزب المؤتمر الوطني الافريقي الأغلبية في انتخابات 2024؟”:
المصدر: قراءات إفريقية، BBC، هيئة الإذاعة الجنوب إفريقية
أحدث المقالات











































