اعتمدت الجمعية التشريعية للشعب (البرلمان) في بوركينا فاسو، مشروع القانون المتعلق بوضعية الاحتياط العسكري، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى دعم الجيش في مواجهة الجماعات المسلحة التي تنشط في البلاد.
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد التحديات الأمنية التي تواجهها واغادوغو منذ سنوات، مع استمرار الهجمات التي تنفذها الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش” في منطقة الساحل، الأمر الذي دفع السلطات الانتقالية إلى تبني مقاربة تقوم على تعبئة الموارد الوطنية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الدفاع عن البلاد.
اعتماد قانون الاحتياط العسكري
اعتمد نواب الجمعية التشريعية للشعب مشروع القانون، الثلاثاء، خلال جلسة عامة ترأسها رئيس البرلمان عثمان بوغوما، وسط إجماع كامل من أعضاء المجلس، في خطوة وصفتها السلطات بأنها محطة مفصلية في مسار تعزيز الدفاع الوطني والأمن الداخلي.
وأكدت الحكومة أن النص الجديد يمنح البلاد إطارًا قانونيًا منظمًا وملائمًا للواقع الوطني في مجالي الدفاع والاحتياط العسكري، بما يسمح بتطوير منظومة تعبئة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات الأمنية المتزايدة.
وترى لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن، التي درست المشروع، أن القانون يعكس “التزامًا وطنيًا قويًا”؛ للحفاظ على وحدة الأراضي البوركينابية وتعزيز أمن البلاد، مشيرة إلى أن النص يتجاوز مجرد الترتيبات الإدارية نحو بناء رؤية دفاعية طويلة المدى قائمة على تعبئة المواطنين وتعزيز العلاقة بين الجيش والمجتمع.

احتياط من درجتين في بوركينا فاسو
ينظم القانون الجديد الاحتياط العسكري ضمن مكوّنين رئيسيين، أولهما احتياط الدرجة الأولى الذي يضم العسكريين السابقين وعناصر الشرطة والمتطوعين السابقين للدفاع عن الوطن، وهم أفراد يمتلكون خبرة عسكرية أو أمنية سابقة ويمكن تعبئتهم بشكل فوري عند الضرورة.
أما احتياط الدرجة الثانية، فيشمل المواطنين المتطوعين والمجندين السابقين في الخدمة الوطنية، على أن يخضعوا لتدريبات تدريجية ومتخصصة تؤهلهم للمشاركة في دعم العمليات الدفاعية والأمنية.
وبحسب السلطات، فإن هذه المنظومة الجديدة تهدف إلى إنشاء قوة احتياطية منظمة وقابلة للاستدعاء السريع، بما يعزز القدرات العملياتية للقوات المسلحة الوطنية ويوفر دعماً بشرياً إضافياً في حالات الطوارئ أو التصعيد الأمني.
تعبئة 100 ألف مدني
ويعد الهدف الأكثر اهتمامًا في المشروع هو إعلان السلطات نيتها تجنيد وتدريب 100 ألف عنصر احتياطي بحلول نهاية عام 2026، ضمن خطة حكومية واسعة لتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية.
وكان وزير الحرب والدفاع الوطني، الجنرال سيليستين سيمبوري، قد أعلن في أواخر أبريل الماضي أن بلاده ستعمل على تدريب “جميع المواطنين القادرين على القتال” واستدعائهم عند الحاجة ضمن قوات الاحتياط.
وقال سيمبوري إن هذه الخطوة تأتي في سياق ما وصفه بـ”الثورة الشعبية التقدمية”، التي تقوم على تعبئة المواطنين للدفاع عن الوطن والمشاركة في مواجهة الأزمات الأمنية والإنسانية.
وأضاف أن التطورات الدولية الراهنة تفرض على بوركينا فاسو تعزيز سيادتها الأمنية، معتبرًا أن “القوة أصبحت تتقدم على القانون” في النظام الدولي الحالي، وهو ما يبرر الحاجة إلى بناء آلية دائمة للتعبئة الوطنية.
تدهور أمني وقطيعة مع فرنسا
تأتي هذه الإصلاحات في وقت تواجه فيه بوركينا فاسو واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في تاريخها الحديث، إذ تشهد البلاد منذ عام 2015 تصاعدًا مستمرًا في هجمات الجماعات المسلحة، خصوصًا في المناطق الشمالية والشرقية والحدودية مع مالي والنيجر.
وأسفرت أعمال العنف خلال السنوات الماضية عن سقوط آلاف القتلى ونزوح أكثر من مليوني شخص، فيما فقدت الدولة السيطرة الكاملة على أجزاء واسعة من الأراضي، وفق تقديرات منظمات دولية وتقارير أمنية.

ورغم العمليات العسكرية المتواصلة، ما تزال الجماعات المتشددة قادرة على تنفيذ هجمات ضد الجيش والمدنيين والبنى التحتية، الأمر الذي دفع السلطات إلى البحث عن أدوات جديدة لتعزيز الانتشار الأمني وتوسيع القاعدة البشرية للقوات المسلحة.
كما يتزامن اعتماد القانون مع تحولات جيوسياسية كبيرة تشهدها منطقة الساحل، حيث اتجهت بوركينا فاسو إلى إعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية بعد إنهاء التعاون العسكري مع فرنسا وطرد القوات الفرنسية من أراضيها.
كما عززت واغادوغو تقاربها مع مالي والنيجر، اللتين تخضعان أيضًا لحكم عسكري، ضمن إطار “تحالف دول الساحل” الذي تسعى الدول الثلاث من خلاله إلى بناء تعاون أمني وسياسي مستقل عن النفوذ الغربي التقليدي.
نقلاً عن:











































