نِهاد محمود
باحثة دكتوراه بكلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة
مقدمة:
يشهد العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا حضوراً متنامياً ضمن فضاءات المجتمع المدني، حيث تتداخل الأبعاد الدينية والاجتماعية والتنموية لتُشكّل استجابةً لتحديات تواجه المجتمعات الهشة، وتبرز أهمية هذا الدور بشكلٍ خاص في السياقات الإفريقية، وبخاصةٍ تلك التي تأثرت بضعف الدولة الوطنية عقب الاستقلال واستمرار تداعيات الإرث الاستعماري، مما أتاح مساحةً واسعة للفاعلين غير الحكوميين، ومن بينهم المنظمات الإسلامية، للقيام بأدوارٍ مهمة في توفير الخدمات، وتعزيز شبكات التكافل، وسدّ الثغرات التي خلّفتها مؤسسات الدولة.
ورغم هذا الدور المتجذر؛ فإن صورة هذا النشاط الإسلامي بأبعاده الدينية والخدمية في إفريقيا لا تزال موضع تباين واسع في الأدبيات الغربية المعاصرة، والتي تراوحت قراءاتها بين اتجاهات تحليلية تسعى إلى فهم أدواره من منظور اجتماعي وتنموي، مقابل اتجاهاتٍ أخرى تتبنّى مقاربات أمنية، تركز على الظاهرة من خلال عدسات الارتياب والمساءلة، وتضعها أحياناً في سياق السياسات المرتبطة بمكافحة التطرف أو النفوذ الديني العابر للحدود.
استناداً إلى ما تقدّم؛ تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية للتصورات الغربية، ولا سيما الأكاديمية منها، بشأن العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا جنوب الصحراء، مع التركيز على ما تطرحه من رؤى تفسيرية، وأحياناً أمنية، في تناولها لأدوار المنظمات الإسلامية غير الحكومية، كما تسعى الدراسة إلى استكشاف الانعكاسات الفعلية لهذه التصورات على أداء تلك المنظمات، وينعكس هذا التوجّه في التساؤل الرئيس الذي تتمحور حوله الدراسة، وهو: كيف تناولت الأدبيات الأكاديمية الغربية العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا جنوب الصحراء، وما مدى تأثير هذه التصورات في عمل المنظمات الإسلامية غير الحكومية، خصوصاً على مستوى التمويل والأدوار التنموية المنوطة بها؟
وستتناول الدراسة ذلك من خلال التمهيد والمحاور الآتية:
تمهيد: مدخل نظري وتاريخي لفَهم مسارات العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا.
المحور الأول: تمثيلات العمل الخيري الإسلامي في إفريقيا في ضوء الأدبيات الغربية المعاصرة.
المحور الثاني: أثر التصورات الغربية في سياسات التمويل والمساعدات تجاه المنظمات الإسلامية غير الحكومية في إفريقيا.
المحور الثالث: المعهد الإسكندنافي.. مقاربة أكاديمية بديلة في دراسة المنظمات الإسلامية غير الحكومية في إفريقيا.
خاتمة.
تمهيد:
مدخل نظري وتاريخي لفَهم مسارات العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا:
نظراً لتعدد أبعاد العمل المؤسسي الإسلامي في القارة الإفريقية وتشابك سياقاته؛ تقتضي الدراسة تأسيس إطار نظري ومنهجي يُتيح تحليل الظاهرة بقدرٍ منضبط من الدقة والتماسك، لذا يتناول هذا التمهيد ثلاثة عناصر رئيسية، أولها: تحديد منهجية الدراسة التي اعتُمدت لتحليل التصورات الغربية حول هذا النمط من العمل؛ وثانيها: الوقوف على مفهوم المنظمات الإسلامية غير الحكوميّة وخصائصها؛ وثالثها: تتبّع النشأة التاريخية لهذا العمل في إفريقيا، وذلك في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها القارة، وما فرضته من تحديات وفرص أثّرت في تطور هذا النمط من النشاط المجتمعي والديني.
أولاً: منهجية الدراسة:
تعمد هذه الدراسة في سعيها للإجابة عن التساؤل الرئيس، المتعلّق بتصورات المؤسسات الأكاديمية الغربية حول العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا، إلى تبنّي «المنهج الكيفي» Qualitative Methodology في تحليل عينة مختارة من الدراسات والإسهامات الفكرية الصادرة عن مراكز فكر ومؤسسات بحثية غربية[1]، وتشمل هذه العينة نماذج مختلفة من الكيانات البحثية، من بينها مؤسسات ذات صلة بالدوائر الأمنية، كمركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية Africa Centre for Strategic Studies الأمريكي، كما تركز الدراسة على معهد سياسات الأمن Center for Security Policy، ومجلة فورين بوليسي Foreign Policy، ككيانات أمريكية أخرى تتناول العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا. كذلك تتناول الدراسة إسهامات بحثية أخرى صادرة عن مؤسسات أوروبية، مثل دار نشر جامعة بامبرغ الألمانية University of Bamberg Press، والمعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا Nordiska Afrikainstitutet، بما يتيح المقارنة بين التوجهات التحليلية المختلفة (الأوروبية والأمريكية) وتمثيلات هذه التصوّرات وسياقاتها السياسية والمعرفية.
وبالإضافة إلى المنهج الكيفي؛ تتبنّى الدراسة نظرية إدارة المخاطر Risk Management Theory، التي تُقدِّم تفسيراً للمنطق الكامن وراء سعي الغرب إلى «أمننة» Securitization الجمعيات الخيرية الإسلامية[2]، رغم أن هذه الجمعيات تؤدي دوراً في تقليل الفقر، والذي يُفترض أنه من العوامل الرئيسية المساهمة في الإرهاب، حيث توضح هذه النظرية أن إدراك الخطر لا يستند دائماً إلى وقائع موضوعية، بل كثيراً ما يتأثر بخلفياتٍ سياسية وثقافية، وهو ما يؤدي إلى اتخاذ إجراءات رقابية صارمة تجاه مؤسسات قد تكون في جوهرها فاعلةً في مكافحة محفزات الإرهاب مثل الفقر والتهميش، ومن خلال توظيف هذه النظرية تسعى الدراسة إلى تحليل كيف تبرر بعض الاتجاهات الأكاديمية الغربية التدخلات المكثفة في عمل الجمعيات الخيرية الإسلامية، وما إذا كانت هذه السياسات تؤدي فعلياً إلى تقليل المخاطر، أم أنها تُسهم- بالعكس- في تقويض دور المجتمع المدني وتعزيز مشاعر العداء[3].
ثانياً: المنظمات الإسلامية غير الحكومية.. المفهوم والخصائص:
فيما يتعلق بماهيّة المنظمات الإسلامية غير الحكومية، تُقدّم الباحثة الإيطالية «فاليريا ساجّيومو» Valeria Saggiomo تعريفاً مباشراً لها في دراستها عن المنظمات الإسلامية غير الحكومية الناشطة في الصومال، المنشورة سنة 2011م، بوصفها كيانات- سواءٌ رسمية أو غير رسمية- تقوم بأعمال تطوعية في المجال الإغاثي انطلاقاً من العقيدة الإسلامية، وتعتمد في تمويلها على الموارد الخيرية الإسلامية مثل الزكاة والصدقة، وتُنبّه «ساجيومو» إلى أن العمل الخيري في هذا الإطار يُعدّ واجباً دينياً على كل مسلم[4]، فمن يستطع من المسلمين يجب عليه أن يدفع الزكاة المفروضة من ماله. ومع ذلك؛ سيكون من المضلل الادعاء بأن الأغنياء فقط هم من يساهمون في العمل الخيري؛ إذ يُشجع الإسلام المسلمين جميعاً على تقديم الصدقات، سواءٌ كانت صغيرة أو كبيرة، بغض النظر عن وضعهم المادي. ومن ثَمّ؛ يُعدّ هذا المصدر– أي التبرعات الفردية– ربما الأهم في تمويل المنظمات الإسلامية غير الحكومية، سواءٌ في البلدان ذات الأغلبية المسلمة أو في الدول الغربية[5].
كما تشير «ساجيومو» إلى أن المنظمات الإسلامية غير الحكومية يمكنها الحصول على تمويل عام من حكوماتها الأم، كذلك يُقدّم بعضها طلبات ويستفيد من مساعدات مالية أمريكية وبريطانية، من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID ووزارة التنمية الدولية البريطانية DFID، إلا أنه، ومنذ أحداث 11 سبتمبر التي اندلعت عام 2001م، فُرضت قيود على الحكومات في منح التمويل للمنظمات غير الحكومية[6].
من جهةٍ أخرى؛ تندرج هذه المنظمات (أي الإسلامية القائمة بأعمال تطوعية وخدمية)- وفقاً لتصنيف بعض علماء الاجتماع- ضمن ما يُعرف بـ«المنظمات القائمة على الإيمان» Faith-Based Organizations FBOs، باعتبارها فاعلاً رئيساً داخل منظومة المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية NGOs[7].
وعن تعريف البنك الدولي World Bank لهذه المنظمات القائمة على الإيمان، يشير إلى أنها: كيانات ذات هوية دينية واضحة، غالباً ما تجمع بين العمل الإيماني والبُعد الاجتماعي أو الأخلاقي في أنشطتها. كما يؤكد- البنك الدولي- على إدراكه للقيمة الفريدة لهذه المنظمات، مع إعلان أكثر من 80% من سكان العالم عن انتماءاتهم الدينية، بالإضافة إلى انتشار هذه المنظمات في معظم دول العالم، ما يجعلها شريكاً فعّالاً في مجالات متعددة من قضايا التنمية. وجديرٌ بالملاحظة أن البنك الدولي كان قد بدأ بالفعل انخراطه الرسمي مع تلك المنظمات القائمة على الإيمان منذ عام 1998م، بمبادرة من رئيسه آنذاك «جيمس وولفنسون» James Wolfensohn، ومنذ ذلك الحين استمر هذا التفاعل بين البنك الدولي والمنظمات القائمة على الإيمان، وتوسّعا معاً في ملفاتٍ عدة ركزت على قضايا تغيّر المناخ والاستثمار في رأس المال البشري، ولاسيما في المناطق الأكثر هشاشة، داخل إفريقيا وخارجها[8].
في المقابل؛ يشير بعض الباحثين أمثال «جيريمي ر. كلارك» Jeremy R. Clarke و«أنتوني وير» Anthony Ware- وهما باحثان أستراليان- إلى غياب تعريفٍ دقيق وشامل لمفهوم المنظمات الدينية أو القائمة على الإيمان. ومع ذلك؛ يقترح بعضهم عدداً من التعريفات لماهية هذه الكيانات، من بينهم الباحثين «جيريمي ر. كلارك» Jeremy R. Clarke و«مايكل جينينغز» Michael Jennings، حيث يُعرّفان المنظمات الدينية بأنها: مؤسسات تستلهم نشاطها من تعاليم دينية أو من تأويل ديني معيّن لها. ورغم أن هذا التعريف يحظى بقبول نسبي في الأوساط البحثية؛ فإن عدداً آخر من الباحثين يفضلون استخدام مصطلح «المنظمات الإسلامية غير الحكومية»، نظراً لما تشترك فيه هذه الكيانات مع غيرها من المنظمات غير الحكومية من خصائص، مثل الطوعية والاستقلال وعدم الربحية، والاعتماد على قيم الإيثار وخدمة المجتمع[9].
وبشكلٍ عام؛ يُبين ما سبق أن تحديد ماهيّة المنظمات الإسلامية غير الحكومية يُمثل خطوةً ضرورية لفهم طبيعة هذا الفاعل المهم في ميدان العمل الإنساني-التنموي، خاصةً في السياقات التي تشهد أزمات تبدو في وقتها مستعصية، كما هو الحال في بعض دول إفريقيا- نتيجةً لما يعصف بها من صراعاتٍ واضطرابات، داخليةً كانت أو إقليمية.
ومن خلال ما استعرضناه من تعريفات أكاديمية ومؤسسية؛ يتضح أن هذه المنظمات تُمثّل تجسيداً لا يمكن إنكاره للهويّة الدينية في المجال العام، من خلال توظيف أدوات تمويل إسلامية، والعمل ضمن منطق يتقاطع فيه البُعد الإيماني مع الممارسة التنموية والاجتماعية، كما يُظهر التداخل بين الخصوصية الدينية والطابع المؤسسي في عملها أنها ليست فقط امتداداً للعمل الخيري التقليدي، بل فاعلاً مدنياً معاصراً يسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والتنمية، بما يعكس الأدوار المتزايدة التي باتت تضطلع بها تلك المنظمات على المستويين المحلي والدولي.
ثالثاً: نشأة العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا:
يُعدّ تتبّع نشأة العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا خطوةً أساسية لفهم تحوّله من مبادرات دينية فردية إلى كيانات منظمة تستجيب للتحولات السياسية والاجتماعية المحيطة، حيث تكشف الجذور التاريخية عن تفاعله المبكر مع التحديات الاستعمارية وما بعد الاستعمار.
وعن النشأة التاريخية؛ يُعزى ظهور العمل الخيري في إفريقيا تحت ظل المنظمات الإسلامية غير الحكومية إلى الحقبة الاستعمارية، حيث جاءت هذه الكيانات إلى حدّ كبير كرد فعل على الأنشطة التنصيرية التي استطاعت الجمع بين العمل الديني والتعليمي، بالإضافة إلى تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية التي تبلورت أكثر فأكثر في مرحلة ما بعد الاستقلال عن المستعمر الأوروبي[10].
وخلال العقود التي تلت مرحلة الاستقلال عانت بعض المجتمعات في إفريقيا من عددٍ من الأزمات، كالاضطرابات السياسية التي يصاحبها غياب جزئي أو كلي لدور الدولة، ولا سيما في تقديم الخدمات الأساسية، ما يترتب عليه بعض المشكلات كانعدام الأمن الغذائي وتدهور الأوضاع الصحية، وفي ظل تكرار تلك الأزمات في إفريقيا خلال العقود الماضية- وحتى الآن، وعدم وجود حلول جذرية لبعضها، لعبت المنظمات الإسلامية، سواءٌ الدولية أو المحلية، دوراً مهماً في تقديم جهود للإغاثة لتخفيف معاناة المتضررين. وفي هذا الإطار؛ يُعدّ الموقف الإيجابي والاستباقي الذي اتخذته بعض هذه المنظمات داخل الدول الإفريقية أمراً يستحق التقدير؛ حيث لم تميز في دعمها بين المجتمعات باختلاف خلفياتها الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية، وأسهمت بشكلٍ واضح في التخفيف من الأوضاع القاسية التي تمر بها تلك المجتمعات[11]. وفي هذا السياق؛ نستحضر ما أكدته واحدة من أبرز المنظمات القائمة على الإيمان، وهي «هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية»[12] Islamic Relief Worldwide التي تأسست عام 1984م، في أحد تصريحاتها، حيث شددت على أن تقديم المساعدات يتم بناءً على الحاجة فقط دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون، انطلاقاً من القيم الإسلامية التي تحث على إغاثة كل محتاج، وهو ما تلتزم به في جميع مشاريعها[13]. وقد مثَّلت الهيئة نموذجاً بارزاً للدور الإنساني الفعّال لما يمكن أن تؤديه تلك المنظمات في الاستجابة للأزمات الكبرى، ولا سيما في البيئات الإفريقية الهشّة كالصومال، التي بدأت المنظمة الإغاثية عملها بها بشكلٍ ملحوظ منذ العام 2006م[14].
وفيما يتصل بجهود هيئة الإغاثة الإسلامية في إفريقيا، فقد قامت بعد تأسيسها بعامٍ واحد (1985م) بجمع أكثر من 100 ألف جنيه إسترليني، لمواجهة المجاعة التي اندلعت حينذاك في شرق إفريقيا[15]. كما برز دور المنظمة عندما أعلنت الأمم المتحدة عن مجاعة أخرى في شرق إفريقيا خلال عام 2011م، حيث كان هناك 4 ملايين صومالي يواجهون أزمة إنسانية حادة، بينهم 2 مليون نازح، وحينها سارعت المنظمة إلى تنفيذ تقييم عاجل للاحتياجات في مناطق عدة بالصومال مثل بايBay، وباكول Bakool، وجيدو Gedo، وشبيلي السفلى Lower Shabelle، ثم أسّست مكتباً ميدانياً للطوارئ في مدينة بيدوا Baidoa، التي كانت مركزاً للمجاعة[16]. وخلال هذه الأوقات الصعبة تولت المنظمة العالمية عملها في الصومال من خلال توزيع المساعدات الغذائية الأساسية لنحو 45,000 شخص، وتوفير المياه النظيفة لـ 15,000 فرد عبر شاحنات مخصصة، إلى جانب إصلاح 5 آبار مياه عميقة، وتقديم برامج تغذية تكميلية لما يقارب 35,000 من الأطفال الصوماليين المصابين بسوء التغذية، والنساء الحوامل والمرضعات، كما عملت على تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية للحد من الوفيات الناتجة عن بعض الأمراض كالإسهال الحاد والحصبة[17].
وحتى وقتنا الراهن لا تزال جهود تلك المنظمات مستمرة، على سبيل المثال: في أعقاب الحرب الأهلية في السودان، التي اندلعت في أبريل من عام 2023م، أطلقت مؤسسة قطر الخيرية[18]– التي تأسست عام 1992م- في يوليو من عام 2024م حملة «نداء السودان» لمساعدة النازحين والمتضررين من الحرب في السودان، في ظل أسوأ أزمة نزوح في العالم. وأفادت المؤسسة بأن الحملة تهدف إلى توفير سلال غذائية، ومياه شرب نظيفة، ومرافق صرف صحي، وخدمات رعاية صحية، وخيام إيواء، ليستفيد منها أكثر من مليون شخص. بالإضافة إلى ذلك؛ تعمل على توفير الرعاية الصحية والعلاج لـ200,000 مريض، بما فيها تحسين الخدمات الصحية في مختلف المناطق وتوفير خيام إيواء لـ250,000 متضرر، في محاولة لإعادة الأمن والاستقرار للأسر النازحة[19].
وتُظهر مثل هذه التجارب، وغيرها، قدرة المنظمات الخيرية الإسلامية على تنفيذ تدخلات سريعة وفعّالة في بيئات النزاع، كما عكست تطور العمل التطوعي الإسلامي من الإغاثة الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم، مؤكدةً قدرة هذا النمط من المنظمات على التكيف مع البيئات الهشّة أو تلك التي تعاني من أوضاع مضطربة، بما يجعلها فاعلاً محورياً في المشهد الإفريقي، ولا سيما في سياقات ما بعد الاستعمار، حيث تعجز الدولة الوطنية أحياناً عن الوفاء بوظائفها الأساسية، وهو ما يعيد تأكيد أهمية هذه الكيانات كشريك تنموي لا يمكن تجاوزه.
المحور الأول:
تمثيلات العمل الخيري الإسلامي في إفريقيا في ضوء الأدبيات الغربية المعاصرة:
على الرغم من أن العمل المؤسسي الإسلامي، سواءٌ على المستوى العالمي أو بالتركيز على السياق الإفريقي، يحظى باهتمامٍ متزايد في الأدبيات الصادرة عن المؤسسات البحثية الغربية، فإن هذا التناول لا يخلو من تباين واضح في الرؤى بشأن أهداف هذا النوع من العمل وآثاره؛ ففي الوقت الذي تركز فيه بعض الجهات الأوروبية على الجوانب التنموية والاجتماعية التي يضطلع بها العمل المؤسسي الإسلامي في المجتمعات الإفريقية والدول النامية عموماً، تميل جهاتٌ بحثية أخرى- ولا سيما الأمريكية منها كما تكشَّف لهذه الدراسة- إلى التعامل مع هذا النشاط بمزيد من الحذر، وتذهب بعض هذه المقاربات إلى النظر في إمكانية استغلال الأطر المؤسسية الإسلامية كغطاء لتمويل جماعات متطرفة أو تمرير أجندات سياسية–دينية، خاصةً في البيئات التي تفتقر إلى الرقابة القانونية الصارمة، أو في مناطق الصراع والنزاع المسلح.
وفي ضوء هذا التباين، في المنظور الأكاديمي الغربي المعني بمسألة العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا، نسعى إلى تحليل اتجاهين رئيسيين كما يتجليان في تلك الأدبيات؛ حيث يتبنّى الاتجاه الأول مقاربةً أمنية تُركّز على ما تعتبره أدواراً غير معلنة لتلك المنظمات، بينما يُبرز الاتجاه الثاني مساهماتها التنموية والاجتماعية، داعياً إلى فهمها ضمن أُطر المجتمع المدني المحلي وسياقاته. وعليه؛ سوف يُخصّص هذا الجزء من الدراسة لمناقشة كلا الاتجاهين على النحو التالي:
أولاً: المنظور الأمني الأمريكي للعمل الخيري الإسلامي:
تُظهر بعض أدبيات مراكز الفكر الغربية، ولا سيما تلك المرتبطة ببعض المؤسسات الأمنية والإستراتيجية، توجهاً نحو تأطير العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا ضمن مقاربات أمنية تُغلّب الشك والريبة، وتتعامل هذه المقاربات مع المنظمات الإسلامية، حتى غير المسلحة منها، بوصفها أدوات محتملة لنشر الفكر المتشدد والتأثير في التوازنات الدينية والاجتماعية في القارة الإفريقية، وينعكس ذلك بوضوح في عدد من الدراسات- صادرة عن جهات أمريكية- تربط بين النشاط الدعوي أو الخيري الإسلامي وبين صعود الأيديولوجيات المتطرفة، ونتناول أبرزها فيما يلي:
1- مركز سياسات الأمن[20]:
في هذا الإطار المعني بتفنيد الطرح الأمريكي حول العمل الخيري الإسلامي الموجه صوب إفريقيا، نبدأ بمقالٍ نُشِر سنة 2005م من خلال مركز سياسات الأمن Center for Security Policy، وهو مركز فِكر أمريكي تم تأسيسه عام 1988م، للكاتب «ديفيد ماكورماك» David McCormack، والذي جاء بعنوان «دوامة إفريقية: الإسلاموية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى»[21] An African Vortex: Islamism in Sub-Saharan Africa، حيث ناقش الطريقة التي أسهمت بها بعض الأموال الإسلامية، كتلك القادمة من المملكة العربية السعودية، في دعم المنظمات الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، لكنه يعرض هذا من منظور أمني مشوب بالشك والريبة، حيث يُصوِّر هذه الجهود في مجالات العمل الخيري والدعوي– كاستضافة الحجاج، وتوزيع المصاحف بلغات إفريقية، وتقديم وجبات الإفطار في رمضان، كجزءٍ من مشروع أيديولوجي لنشر الفكر الوهابي، وتوسيع نفوذ الحركات الإسلامية المتشددة في القارة. ويزعم- دون أدلة واضحة- أن هذه الأموال تُموّل عدداً من الحركات في إفريقيا، كما يشير إلى أن بعض المنظمات الخيرية الإسلامية متورطة في تحويل الأموال إلى جماعات إرهابية كتنظيم القاعدة في الصومال، موضحاً أن هذه التحويلات تتم تحت غطاء دعم الأيتام أو بناء المساجد والمدارس. ويضيف أن هذا الدعم لا يقتصر على المال بل يتعداه إلى توفير بيئة أيديولوجية لتجنيد الأفراد ونشر التطرف، وفي المجمل يعكس الكاتب خطاباً سياسياً وأمنياً يختزل الجهود الخيرية الإسلامية في تهديد السلم والأمن الدوليين، على نحوٍ يسهم في وصم العمل الخيري الإسلامي بصفته أداة اختراق وهيمنة لا وسيلة دعم وتنمية.
2- مجلة فورين بوليسي[22]:
وبالاتجاه نحو منصة أمريكية أخرى، تُعدّ الورقة المنشورة في مجلة فورين بوليسي Foreign Policy في عام 2013م، والتي جاءت بعنوان «المنظمات غير الخيرية»[23] Uncharitable Organizations، بقلم الباحثَين الأمريكيين «آرون ي. زيلين» Aaron Y. Zelin، و«ديفيد غارتنشتاين روس» Daveed Gartenstein-Ross، مثالاً دالاً على المقاربة الأمنية الضيقة التي تتبنّاها بعض المنصات الأمريكية في تناولها للمنظمات الإسلامية، إذ تنطلق الورقة من فرضيةٍ تُماهي بين العمل الخيري الإسلامي والنشاط المسلح، وتُقدّم سردية مؤسسية مشحونة بالارتياب، تستند في تحليلها إلى «منطق استخباراتي» أكثر من كونه تحليلاً سياسياً؛ فهي لا تُفرّق بين حالات حقيقية لانتهاكات، وأخرى تمارس أدواراً إنسانية بحتة، بل تُدرجها ضمن شبكة اتهامات واسعة تَستخدم مفاهيم مثل «الدعوة من خلال الخدمات» و«الاختراق المجتمعي» لتبرير هذا الخلط المنهجي.
وتتوسع الورقة في تقديم أمثلة تشمل «مؤسسة الحرمين» السعودية، و«جمعية إحياء التراث الإسلامي» الكويتية، و«قطر الخيرية»، ومنظمات تركية، زاعمةً ارتباطها بدعم تنظيمات متطرفة في شرق إفريقيا وتونس ومالي، كما تربط بين الدعم المقدم من تلك المنظمات وبعض أحداث الإرهاب مثل تفجيرات السفارتين الأمريكيتين عام 1998م، معتمدةً في ذلك على منطق الاشتباه المعمم.
وتتعامل الورقة مع الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية التي تقدمها هذه الكيانات كوسائل لاكتساب الشرعية الشعبية لا لاعتبارات إنسانية، ويُلاحظ أن مصطلح «غير خيرية» Uncharitable الذي جاء في عنوان الدراسة نفسه- «المنظمات غير الخيرية» Uncharitable Organizations- يُحمِّل هذه المنظمات حُكماً أخلاقياً مسبقاً قبل تحليل الوقائع، ما يعكس تحيزاً خطابياً واضحاً، كما تتجاهل الورقة تماماً أصوات المجتمعات المحلية المستفيدة من تلك الخدمات، وتُسقِط عليها تصوُّراً أحادياً يرى فيها ضحية قابلة للاختراق، لا فاعلاً قادراً على التمييز أو رفض الهيمنة.
وبالطبع، لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الإرث الثقيل لما بعد أحداث 11 سبتمبر (2001م)، الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الغرب والعمل الخيري الإسلامي، حيث باتت الحدود بين الإغاثة والدعوة، والتنمية والتجنيد غير واضحة في التحليل الأمني الأمريكي على وجه الخصوص. وفي ضوء هذه الرؤية، تُصبح البنية المؤسسية الإسلامية– ولا سيما العابرة للحدود– محل شكٍّ دائم، لا بوصفها مؤسسات مدنية ذات أهداف تنموية، بل كمواقع محتملة للتعبئة العقائدية، ويُفرّغ هذا التعميم أي محاولة لفهم تنوع المشهد الخيري الإسلامي من محتواها، ويُسهم في إعادة إنتاج أنماط من «الاستشراق الأمني» تُقدّم الدين في صورة التهديد الكامن.
3- مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية[24]:
استمراراً للحديث عن المنصات الأمريكية، التي تتناول أنشطة المنظمات الإسلامية في إفريقيا بمنظور التهديد الأمني وتنفيذ أجندة غير معلنة، نشير إلى ورقة تحليلية أخرى أصدرها مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية Africa Center for Strategic Studies سنة 2016م، وهو مركز فِكر تابع لوزارة الدفاع الأمريكية وممول من الكونجرس، وقد جاءت هذه الورقة للباحث «عبدي سعيد موسى علي كور» Abdisaid Musse Ali-Koor بعنوان «التطرف الإسلامي في شرق إفريقيا»[25] Islamist Extremism in East Africa، والتي ركزت على المنظمات الإسلامية وبخاصةٍ تلك الناشطة في القارة الإفريقية من زاوية نقدية حادة، إذ ترى أنها لعبت دوراً محورياً في إدخال نمط من الإسلام المتشدد إلى المنطقة (أي شرق إفريقيا)، تتناقض مع التقاليد الإسلامية المحلية التي اتسمت عبر قرون بالتنوع والتسامح والتعايش الديني، ولا سيما في المناطق الساحلية من كينيا وتنزانيا وأوغندا.
ووفقاً لتحليل الورقة؛ فإن بعض المنظمات الإسلامية الناشطة في إفريقيا– كجمعية العون المباشر ومؤسسة الحرمين، وجمعية إحياء التراث الإسلامي- تمارس أدواراً لا تقتصر على تقديم الخدمات، بل تقوم أيضاً بإعادة تشكيل الهوية الدينية للمجتمعات من خلال ما تُسمّيه «أسلمة المعرفة» أو فرض أنماط سلوكية وثقافية ذات طابع محافظ، يعتبره الباحث ذا طابع غير إفريقي دخيل، وهنا تتقاطع النظرة الأمنية بالثقافية، إذ تُصوّر هذه المنظمات بوصفها أدوات تغذي روح التمايز والانغلاق، وتقلّص من مساحة التعايش التقليدية التي كانت سائدة بين المسلمين والمسيحيين، بل أيضاً داخل الطوائف الإسلامية المختلفة مثل الطرق الصوفية وجماعة الأحمدية.
ورغم الطابع التحذيري الذي يغلّف خطاب الدراسة تجاه المنظمات الإسلامية غير الحكومية؛ فإنه من المهم الإشارة إلى أنها لا تتبنّى موقفاً إقصائياً مطلقاً، بل تتضمن إشارات واضحة إلى أهمية التمييز بين مختلف أنماط الفاعلين الإسلاميين؛ ففي بعض المواضع تُحذّر من خطورة الوقوع في فخ تعميم الاتهام أو تجريم كافة الجماعات الإسلامية، مؤكدةً أن ذلك من شأنه أن يُغذّي شعور المظلومية ويفاقم مناخ التوتر والانقسام داخل المجتمعات المحلية، كما تُنبّه الدراسة إلى أن جزءاً من جاذبية الخطاب الديني المتشدد في شرق إفريقيا يعود إلى أوضاع التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تعاني منها شرائح واسعة من المسلمين في بعض المناطق، خاصةً في السواحل ومحيط المدن الكبرى. ومن هنا؛ تدعو الورقة إلى معالجة هذه الاختلالات العميقة بوصفها مدخلاً ضرورياً لحماية المجتمعات من التطرف، وتشجع على تحسين فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسية للمسلمين في إطار وطني جامع، بما يحد من انجذاب بعض الفئات إلى الطروحات الراديكالية.
ورغم اعتماد هذا الطرح الصادر عن مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية على مقاربة أمنية تنتمي للمنظور الغربي؛ فإنه يُقر بأن مواجهة التطرف لا يمكن أن تعتمد فقط على الأدوات الأمنية، بل تتطلب التعامل مع الأسباب الأعمق مثل الفقر، والتهميش، والشعور بالظلم، ما يعكس وعياً–وإن كان محدوداً– بأن التشدد لا ينشأ في فراغ، وإنما في بيئات تعاني من ضعف التنمية والتمييز. ورغم أهمية هذا الاعتراف فإنه غالباً ما يبقى في حدود التحليل النظري، دون أن ينعكس على السياسات الغربية الفعلية في إفريقيا. كما أن خطاب المركز، رغم نبرته التحذيرية، يكشف بشكل غير مباشر عن قصور الرؤية الأمنية التقليدية في فهم واقع المنظمات الإسلامية، التي لا يمكن اختزالها في مجرد تهديد، بل تُمثل فاعلاً مدنياً يمكن أن يسهم في تحقيق الاستقرار والتنمية، إذا ما تم التعامل معه بإنصاف.
يتضح مما سبق: أن تمثيلات العمل الخيري الإسلامي في الأدبيات الأمريكية حول إفريقيا لا تزال محكومةً في جانب كبير منها بمنطق الريبة والتهديد، حيث تطغى المقاربة الأمنية على الاعتبارات الإنسانية والتنموية، وتُختزل أدوار المنظمات الإسلامية في سرديات متكررة حول الاختراق العقائدي ودعم العنف والتطرف. وقد عمدت الدراسة إلى تتبّع هذا التصوُّر عبر فترة زمنية واسعة- من عام 2005م أي بعد سنوات قليلة من وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001م، وحتى عام 2018م حيث صدور أحدث الإسهامات البحثية التي تناولت هذا الموضوع- وذلك لبيان مدى استمرارية هذا النمط التمثيلي في التصورات الأكاديمية الأمريكية- وفقاً للموضوعات التي ركزت عليها الدراسة- رغم تغيّر السياقات الإقليمية والدولية، بما يعني أن تلك النظرة لم تشهد تحولاً جوهرياً ملحوظاً، بل أعادت إنتاج نفسها على نحوٍ متكرر، وإنْ بصيغ وأدوات مختلفة.
ثانياً: المنظور الأوروبي للعمل الخيري الإسلامي.. ألمانيا نموذجاً:
في إطار سعينا إلى تحليل الكيفية التي يتم بها تمثيل المنظمات الإسلامية غير الحكومية في الأدبيات الغربية، وخاصةً في القارة الإفريقية، نتطرق إلى إحدى دور النشر الغربية التي ركزت على تناول ظاهرة العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا في كتاب «الدين والتنمية في إفريقيا» Religion and Development in Africa، الصادر عام 2020م عن دار النشر الألمانية التابعة لجامعة بامبرغ University of Bamberg Press، وقد تناول الكتاب مسألة الدين والتنمية في القارة برؤية متوازنة ومقاربة نقدية منفتحة، حاول خلالها مراعاة تنوع الفاعلين الدينيين في العمل الخيري، ومن بينهم المنظمات الإسلامية، ويُعزى هذا التوازن إلى حرص دار النشر على أن يتم تحرير الكتاب على يد ثلاثة من أبرز الباحثين الأفارقة في هذا الحقل (الدراسات الدينية والعمل المؤسسي في إفريقيا)، وهم «إيزرا تشيتاندو» Ezra Chitando و«ماسيوا غوندا» Masiiwa R. Gunda و«لوفمور توغاراساي» Lovemore Togarasei، كما أن تنوع خلفيات الباحثين المشاركين في الفصول المختلفة للكتاب (التي وصلت إلى 25 فصلاً) بين مسلمين ومسيحيين، أضفى على العمل طابعاً شمولياً، ومنع انزلاقه نحو أي طرح إقصائي، ما يجعله نموذجاً لقراءة موضوعية تسعى إلى الفهم والتحليل بدلاً من الإدانة أو التبرير.
وبالتركيز على أبرز فصول الكتاب التي تناولت مسألة العمل الخيري الإسلامي في إفريقيا؛ نُطالع الفصل السابع من هذا الكتاب المعنون بـ«المنظمات الإسلامية غير الحكومية في إفريقيا: جمعيات تنافسية أم حلفاء إنسانيون؟» Africa’s Muslim Non-Governmental Organizations: Competitive Charities, Altruistic Allies?، للباحث الجنوب إفريقي «محمد هارون» Muhammed Haron، المتخصص في دراسات الأديان والعلاقات الدولية، حيث نجد أنه يناقش موقع منظمات المجتمع المدني الإسلامية وتأرجحها بين الدوافع الدعوية والأهداف الإنسانية، ويعرض تطوّر هذه المنظمات في سياق تصاعد الأزمات الإنسانية في القارة، مشيراً إلى دورها المتزايد في تقديم المساعدات، خاصةً في المناطق المهمّشة التي تفتقر إلى حضور الدولة أو تفشل فيها الآليات الرسمية للتنمية.
ورغم صدور ذلك الإسهام البحثي الجماعي عن دار نشر ألمانية (التابعة لجامعة بامبرغ) كما ذكرنا سلفاً؛ فقد حرص الباحث على تقديم قراءة متماسكة تسلط الضوء على الأبعاد التنموية والإنسانية التي تضطلع بها هذه المنظمات، دون أن يُغفل الإشارة إلى التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، كما نبَّه إلى تصاعد الخطاب الغربي الرقابي تجاه هذه الكيانات، موضحاً كيف أصبحت تلك الكيانات موضعاً للاشتباه بناءً على ما وُصف بأنه «روابط مزعومة بأيديولوجيات متطرفة»، دون الاستناد في كثيرٍ من الأحيان إلى أدلة قانونية واضحة.
وعلى خلاف ما يُلاحظ في بعض الأدبيات الغربية التي تتبنى هذه الاتهامات؛ يعمد «هارون» إلى تفكيك هذا الطرح وإبراز أثره السلبي في عمل المنظمات الخيرية الإسلامية، ولا سيما تلك التي أثبتت قدرتها على تقديم خدمات حيوية في مناطق تعاني من ضعف الدولة أو غيابها، مثل الصومال وتشاد، ويؤكد في أكثر من موضع أن جزءاً كبيراً من التصورات السلبية تجاه هذه المنظمات هو نتيجة خلفيات أيديولوجية وتعميمات أمنية مسبقة، لا تعكس حقيقة الأداء الميداني لهذه الجهات.
وبالنظر إلى محتوى هذا الفصل الذي أعده «هارون»، والسياق العام للكتاب، يمكن القول إن الطرح لا يعيد إنتاج الرؤية الغربية النمطية التي تميل إلى الربط الحتمي بين العمل المؤسسي الإسلامي والتطرف، بل يُقدّم قراءةً مغايرة للسياقات السياسية والمعرفية التي تُشكّل تصورات الغرب إزاء المنظمات الإسلامية في إفريقيا. ومن خلال ذلك يسعى إلى تجاوز الثنائية المبسطة التي تضع هذه المنظمات بين خيارين فقط: (إما كيان إنساني بحت، أو ذراع أيديولوجي مقلق)، مشدداً على أن كثيراً من هذه الكيانات تنطلق من مرجعيات دينية تعكس ثقافة العطاء والتكافل، دون أن تكون بالضرورة جزءاً من مشروع سياسي توسّعي. ويُعدّ هذا التوجه خطوة مهمة نحو فَهمٍ أعمق وأكثر اتزاناً لطبيعة هذه المنظمات وسياقاتها المحلية، كما يلفت الانتباه إلى أن تصنيف الفاعلين الإسلاميين بناءً على خلفياتهم الدينية دون النظر إلى أدائهم العملي يختزل المشهد بشكلٍ غير منصف.
وتُبرز قراءة «هارون» كذلك أن التصورات الغربية، ولا سيما الأمنية منها، غالباً ما تتغافل عن الفروقات الدقيقة بين أنماط الفاعلين الدينيين، وتُسقط عليهم تصوّراً واحداً يُحمّلهم مسؤوليات أيديولوجية تتجاوز أدوارهم الواقعية. وفي المقابل؛ يدعو هذا الطرح الذي يقدمه الفصل والكتاب ككل إلى تحليل هذه المنظمات في ضوء وظائفها الاجتماعية وارتباطها بالمجتمعات المحلية، لا من خلال افتراضات مسبقة أو هواجس أمنية. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها في لحظةٍ يتزايد فيها التداخل بين الديني والإنساني، ويُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في إفريقيا، حيث تصبح هذه المنظمات، في كثيرٍ من الأحيان، ملاذاً حقيقياً للفئات الهشة، وفاعلاً لا غنى عنه في مشهد تنموي مضطرب. ومن هنا؛ يُمكن اعتبار هذا الطرح مثالاً على انفتاح نقدي داخل بعض الأوساط الأكاديمية الغربية، يسعى إلى إعادة الاعتبار للدور المدني للمنظمات الإسلامية، وفهمه ضمن إطاره الاجتماعي والثقافي، بدلاً من إخضاعه لتصنيفات مسبقة تتسم بالارتياب.
لم يختلف الأمر كثيراً في كتابٍ آخر بعنوان «الدين والصحة في سياق كوفيد 19: تجارب من زيمبابوي» Religion and Health in a COVID-19 Context: Experiences from Zimbabwe، وهو الصادر أيضاً عن دار النشر الألمانية سالفة البيان «بامبرغ» عام 2023م[26]، حيث تناول مسألة الدين والصحة في سياق جائحة كوفيد-19 من خلال رصد استجابات مختلف الفاعلين الدينيين في زيمبابوي، بمن فيهم المنظمات الإسلامية، وإن كان بشكلٍ أقل نسبياً من نظرائهم المسيحيين. ويأتي هذا التناول في إطار تحليلي أوسع يُبرز تنوّع المشهد الديني في البلاد، ويتتبع كيف قامت كيانات إسلامية، ولا سيما في المناطق الحضرية مثل هراري، بالمشاركة في حملات التوعية الصحية، وتوزيع المساعدات الغذائية والطبية، ورغم أن هذه الجهود لم تحظَ بنفس مستوى التوثيق المؤسسي الممنوح للكنائس الكبرى؛ فإن الكتاب يسلط الضوء على اعتماد المنظمات الإسلامية على شبكات محلية، مثل المساجد والمجموعات الشبابية، لنقل رسائل صحية ودينية متداخلة، مع الالتزام بالإرشادات الرسمية من غير تبنٍّ لأي خطاب رافض أو صدامي.
وبالتركيز على أبرز فصول الكتاب التي تناولت مسألة تفاعل الجهات الدينية مع جائحة كوفيد-19؛ يبرز حديثنا حول الفصل الخامس من الكتاب ذاته (الدين والصحة في سياق كوفيد 19) المعنون بـ«استجابة إسلامية لجائحة كوفيد-19 في زيمبابوي» Covid-19 In Zimbabwe: An Islamic Response to The Pandemic للباحثة والمحاضرة «سيلينديوي زفينغوانيسي» Silindiwe Zvingowanisei بقسم الفلسفة والدين والأخلاق بجامعة زيمبابوي، والذي تناول بالدراسة والتحليل مكانة المنظمات الإسلامية الناشطة في مجال الصحة العامة، ودورها في الاستجابة لعدد من الأمراض والأوبئة، وقد ركزت «زفينغوانيسي» على البُنى التنظيمية الإسلامية مثل «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في زيمبابوي» و«مؤسسة الكوثر لمكافحة الإيدز»-وكلاهما كيانات إسلامية ناشطة في زيمبابوي- مبيّنةً أدوارها التاريخية في مكافحة أوبئة مثل الإيدز والكوليرا، وشراكاتها السابقة مع جهات رسمية ودينية مثل مجلس الكنائس في زيمبابوي والمجلس الوطني لمكافحة الإيدز، كما استعرض الفصل مساهمة هذه المؤسسات الإسلامية خلال جائحة كوفيد-19 في تقديم الرعاية المنزلية، وترويج ممارسات النظافة والعزل، إضافةً إلى توزيع المياه النظيفة عبر مشاريع حفر الآبار، وتقديم الدعم النفسي والمجتمعي. كما يكشف الفصل من خلال رصده الدقيق لتجربة ميدانية غير نمطية، عن ديناميكية المنظمات الإسلامية «القائمة على الإيمان» وقدرتها على التكيّف مع الأزمات، بل والابتكار داخلها، حتى في ظل شُحّ الموارد وضعف الدعم الرسمي.
وتقودنا هذه المعاينة لتجربة زيمبابوي- كما وردت في الكتاب بشكل عام- إلى تأمل أوسع في موقع المؤسسات الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، خارج الثنائية الاختزالية بين «الفاعلية الخيرية» و«الريبة الأمنية»، إذ تكشف مثل هذه الدراسات الميدانية– التي تصدر عن باحثين أفارقة يعملون داخل مجتمعاتهم– عن صورةٍ أكثر تعقيداً وثراءً للمنظمات الإسلامية، باعتبارها فاعلاً اجتماعياً قادراً على اجتراح حلول محلية للتحديات الصحية والتنموية، من دون أن يتماهى بالضرورة مع أنماط السلطة السائدة أو الخطابات الغربية المهيمنة، ومن خلال التوثيق الأمين لأدوار تلك المنظمات تتجلى إمكانية بناء خطاب أكاديمي مغاير، يعترف بتعدد مسارات العمل الإسلامي المؤسسي، ويُقيّمه في ضوء أثره الفعلي، لا بناءً على مرجعيات أيديولوجية خارجية، وهو ما يُمثل خطوة ضرورية لفهم الدين كجزء لا يتجزأ من النسيج المدني الإفريقي، لا كمصدر تهديد بل كمورد مجتمعي ذي طاقة إصلاحية وحيوية.
المحور الثاني:
أثر التصورات الغربية في سياسات التمويل والمساعدات تجاه المنظمات الإسلامية غير الحكومية في إفريقيا:
لا يمكن فهم واقع العمل الخيري الإسلامي في إفريقيا دون التوقف عند تأثير التصورات الغربية في طريقة التعامل مع هذا النوع من المنظمات- ولاسيما الدولية منها، ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر أثّر المناخ العالمي بشكلٍ سلبي في الجمعيات الخيرية الإسلامية، بحيث انعكست التداعيات على الفئات الأكثر حاجةً للمساعدات، ويبدو أنه في كل مرّة تشارك فيها جمعية خيرية إسلامية بنشاط في جمع التبرعات أو تتعاون مع وكالات أخرى لإيصال المساعدات إلى المستفيدين في مناطق النزاع، فإنها تُواجه خطراً كبيراً في أن تُصنّف كمنظمة إرهابية. ويحدث ذلك حتى عندما تكون الجمعية الخيرية الإسلامية منظمة شرعية تعمل وفقاً لأقصى معايير الرقابة والإجراءات الأمنية التي وضعتها الحكومات الغربية والدول الإسلامية لمكافحة الإرهاب، وفي الوقت ذاته ساهمت بعض الدراسات الغربية في تشكيل صورة نمطية سلبية عن هذه المنظمات، ما أدى إلى فرض رقابة أكبر على أنشطتها، والحد من قدرتها على إقامة شراكات محلية ودولية[27].
من هذا المنطلق؛ نناقش في هذا القسم من الدراسة كيف أثّرت هذه التصورات الأكاديمية في تعامل المنظمات مع بيئة العمل المحيطة بها، ولا سيما على المستوى التمويلي، مما أدى إلى فرض قيود على أدائها التنموي والإنساني.
أولاً: انعكاسات التصورات الأكاديمية الغربية على فعالية المنظمات الإسلامية.. هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية نموذجاً:
يتبيّن للمتأمل في الأدبيات الأكاديمية الغربية حول العمل الخيري الإسلامي وجود توجه نحو مساءلة أدوار المنظمات الإسلامية غير الحكومية، وتأطيرها أحياناً ضمن مقاربات أمنية أو أيديولوجية، وهو ما انعكس في الضغوط التي واجهتها بعض الكيانات الإسلامية البارزة مثل هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والتي واجهت ضغوطاً متزايدة منذ عام 2014م، نتيجة حملات إعلامية وتقارير صادرة عن مراكز بحثية غربية، على رأسها «منتدى الشرق الأوسط» Middle East Forum[28]، وهو مركز فِكر أمريكي يعزز مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلى جانب تقارير حكومية أوروبية أخرى عززت الرؤية نفسها. وقد ركزت هذه الحملات على اتهامات تتعلق بتمويل التطرف، واستضافة شخصيات دينية مثيرة للجدل، وبناءً على هذه الاتهامات اتخذت عدة دول ومؤسسات مالية إجراءات مباشرة ضد المنظمة، حيث صنّفتها بعض الدول ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وأغلقت بنوك كبرى مثل UBS وHSBC حساباتها المصرفية، كما أنهت الحكومة الهولندية تعاونها الرسمي معها، فيما أبدت دولٌ مثل ألمانيا والسويد تحفظات رسمية حيال نشاطها[29].
وقد انعكس هذا المناخ من التشكيك والتضييق بشكلٍ واضح على قدرتها في تأمين التمويل، خاصةً من الجهات الحكومية الغربية، إذ تشير التقارير المالية الخاصة بالمؤسسة إلى انخفاض الدعم الحكومي السنوي من نحو 12 مليون دولار في عام 2011م إلى 15 ألف دولار فقط بحلول عام 2022م، كما سيوضح الشكل رقم (1) كما يلي[30]:
شكل رقم (1):
تحولات الدعم المالي الحكومي الغربي لمنظمة الإغاثة الإسلامية العالمية خلال الفترة (2007-2022م):

Source: Adopted from: Sam Westrop, «Why Has the Islamic Relief Franchise Lost the Support of Western Governments?», Middle East Forum, Sep 2023, Available at: https://www.meforum.org/why-has-the-islamic-relief-franchise-lost, Accessed in Jul 4, 2025.
تكرر الأمر نفسه حينما أشار مركز دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا The MENA Research Center- مركز فكر غربي مقره فيينا وأستراليا تأسس سنة 2018م- في مقالٍ له صدر عام 2021م، إلى تأثر هيئة الإغاثة الإسلامية بالصورة التي نقلها تقرير صادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات في ألمانيا وهولندا، حيث أشار إلى أنها داعمة للإرهاب[31].
من جهةٍ أخرى؛ يشير «سام ويستروب» Sam Westrop- مدير مشروع المراقبة الإسلامية التابع لـ«منتدى الشرق الأوسط»- مركز الفكر الأمريكي سالف البيان- إلى أن منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية وغيرها من المنظمات الخيرية الإسلامية تتلقى تمويلاً من الحكومات الغربية. ويذهب إلى ما هو أبعد من تدفق التمويل الغربي، من خلال الدعوة الصريحة إلى إغلاق هذه المنظمات بالكامل، معتبراً أنها جمعيات خيرية عامة تعمل على نفقة الغرب بالكامل. ويستكمل «ويستروب» أن استمرار عمل المنظمات الخيرية الإسلامية رغم خفض التمويل الرسمي والتقارير السلبية، يسهم في توسيع نفوذ ما يُعرف بالإسلام السياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي. وبناءً على هذا التصور؛ يشدد على ضرورة إغلاق هذه المنظمات بشكل كامل، باعتبارها أدوات ناعمة تُستخدم في تعزيز النفوذ الإسلامي محلياً ودولياً، وتعمل في نظرهم تحت مظلة العمل الخيري لكنها تخدم أهدافاً أيديولوجية أوسع[32].
وتُثير مثل هذه الممارسات تساؤلات جوهرية حول مدى حيادية التصورات التي تُبنى عليها بعض السياسات، خصوصاً في ظل تعاون عدد من الكيانات الإسلامية، كهيئة الإغاثة الإسلامية، مع مؤسسات دولية موثوق بها مثل الأمم المتحدة، إذ تنطلق بعض تلك التصورات من خلفيات أيديولوجية أو اعتبارات سياسية، مما يطرح إشكالاً أخلاقياً بشأن الجهة التي تتحمل تبعات تجفيف مصادر التمويل، هل هي المنظمات الدينية ذاتها، أم المجتمعات الإفريقية الفقيرة التي تفقد بذلك أحد أهم خطوط الدعم المتبقية؟ ويزداد الإشكال عمقاً في ظل غياب بدائل واضحة تلبي احتياجات الفئات الأشد هشاشة، والتي تعتمد بشكلٍ كبير على هذه الكيانات الإنسانية.
ثانياً: سياسات مكافحة الإرهاب وأثرها في القطاع الخيري الإسلامي:
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، أطلقت العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تدابير صارمة لمكافحة الإرهاب، كان لها تأثيرٌ مباشر وغير مباشر في عمل الكيانات الخيرية، خاصةً ذات الطابع الإسلامي، فقد أدت هذه التدابير- التي شملت تشديد الرقابة وتقييد التحويلات المالية- إلى عرقلة عمل العديد من المنظمات الإسلامية، وخلق بيئة من الريبة تجاه الجهات المانحة، على نحوٍ يضعف قدرة الجمعيات على تقديم المساعدة، ولا سيما في المناطق الأكثر احتياجاً، مثل بعض الدول الإفريقية كالصومال، حيث تضررت منظمات إسلامية كثيرة بسبب الاشتباه أو الربط غير المنصف بينها وبين أنشطة غير قانونية، أو جماعات إرهابية لديها كتنظيم الشباب[33].
وعليه؛ نحاول التعمق في بعض الحالات الإفريقية التي تأثرت من مثل هذه السياسات، وفي هذا الإطار تبرز حالة برنامج كيكوشيب للمساعدة الذاتية المجتمعية Kibera Community Self Help Programme KICOSHEP في العاصمة الكينية نيروبي، الذي كان يعتمد على منحة من وكالة الإغاثة الإسلامية الأفريقية Islamic African Relief Agency IARA، ومقرها بالولايات المتحدة، لتمويل دار للأطفال، بمن فيهم الأيتام المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، لكن بعد أن صادرت وزارة الخزانة الأمريكية أصول وكالة الإغاثة الإسلامية في أكتوبر من عام 2004م، حيث تم رفض طلب مديرة برنامج كيكوشيب «آن أويتي» بالإفراج عن الأموال، وقد علّقت «أويتي» في عام 2005م قائلةً: «سيؤثر هذا حتماً على الأطفال بشكل سلبي»[34].
ولم يختلف الأمر كثيراً في الصومال وأرض الصومال (الإقليم الانفصالي)؛ حيث وظّفت جمعية «الحرمين»- وهي جمعية خيرية مقرها السعودية- أكثر من ٧٠٠ شخص في دور الأيتام الخمسة التابعة لها في الصومال وأرض الصومال، وبعد أن أُدرج فرع «مؤسسة الحرمين» على قائمة الإرهاب الأمريكية عام 2004م، طُلب من جميع الموظفين الدوليين مغادرة الصومال ومن ثَمّ إغلاقه، وانعكس ذلك مباشرةً على إغلاق دور أيتام كانت المؤسسة تديرها في الصومال. وخلال الفترة ذاتها أدى منع تحويل الأموال من دول الخليج للمنظمات الإسلامية في تشاد بعد ضغوط أمريكية إلى إغلاق أكثر من نصف جمعيات الإغاثة الإسلامية في البلاد، ونتيجةً لذلك تُرك نحو 500 يتيم بدون دعم بسبب تعثر التبرعات والتحويلات[35].
علاوةً على ذلك؛ شهدت جمعيات خيرية أخرى تراجعاً حاداً في حجم التبرعات، كما في حالة «الندوة العالمية للشباب الإسلامي» World Assembly of Muslim Youth– مؤسسة خيرية سعودية، حيث انخفض دخلها بنسبة 40% بعد أحداث سبتمبر بسبب تخوّف المانحين من مخالفة القوانين الأمريكية، وقد ترتب على ذلك تزايد الاعتماد على قنوات غير رسمية في التبرع، ما أثّر سلباً في شفافية العمل الخيري، ولا سيما في المناطق التي تعاني من بعض الخدمات الأساسية مثل بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، التي تعتمد بشكل كبير على تمويل هذه المؤسسات[36].
وبشكلٍ عام؛ أصبحت الجمعيات الخيرية الإسلامية الناشطة في مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا هي الأكثر تضرراً من العقوبات المالية ضد العمل الخيري المؤسسي؛ حيث تم تعليق الملايين من الجنيهات والدولارات من قِبَل البنوك بسبب المخاوف من أن هذه المؤسسات الخيرية قد تُتهم بتمويل الإرهاب[37].
وبخصوص إفريقيا جنوب الصحراء؛ فقد تأثرت بشكلٍ كبير من الموارد اللازمة لتسيير أعمالها واستمرار مشاريعها الخيرية، وقد تم تقليص هذا التمويل بشكلٍ ملحوظ بسبب التحديات الأمنية والإرهابية في الصومال ودول الساحل ونيجيريا، حيث شكّل وجود جماعات مثل القاعدة، وحركة الشباب، وبوكو حرام، أبرز العقبات التي تعترض طريق الجمعيات الإسلامية العاملة في هذه المناطق[38].
المحور الثالث:
المعهد الإسكندنافي.. مقاربة أكاديمية بديلة في دراسة المنظمات الإسلامية غير الحكومية في إفريقيا:
في ظل تنامي أدوار المنظمات الإسلامية غير الحكومية في مجالات الإغاثة والتنمية والعمل المجتمعي، يبرز «المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا»[39] The Nordic Africa Institute أو Nordiska Afrikainstitutet. كأحد مراكز الفِكر الرائدة التي أولت اهتماماً منهجياً لدراسة هذا النمط من الفاعلين. وقد تأسس المعهد عام 1962م، ويُموَّل بشكل رئيسي من ثلاث دول إسكندنافية هي: السويد، النرويج، وفنلندا. وفي هذا الإطار؛ يسعى هذا القسم من الدراسة إلى تحليل كيفية تناول المعهد لظاهرة العمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا، وذلك عبر قراءة تحليلية لعملين رئيسيين صدرا عنه، نستعرضهما فيما يلي:
أولاً: البُعد الاجتماعي للعمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا في ضوء المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا:
في إطار مطالعتنا لتناول المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا للعمل المؤسسي الإسلامي في إفريقيا؛ نتطرق في البداية إلى كتاب «الرعاية الاجتماعية في المجتمعات المسلمة في إفريقيا» Social Welfare in Muslim Societies in Africa، الصادر عن المعهد في عام 2002م، وهو الكتاب الذي حرّره الباحث والأكاديمي الفنلندي «هولجر فايس» Holger Weiss- المتخصص في تاريخ إفريقيا والدراسات الإسلامية، كما أنه يعمل أستاذاً للتاريخ بجامعة آبو أكاديمي بفنلندا Åbo Akademi University، ويُعدّ الكتاب من أوائل المؤلفات التي تناولت البُعد المؤسسي والاجتماعي للمنظمات الإسلامية داخل القارة الإفريقية من منظور أكاديمي متعدد الأبعاد، بمشاركة باحثين أفارقة وأوروبيين[40].
ينطلق الكتاب، البالغ 187 صفحة، من فرضيةٍ مفادها: أن المنظمات الإسلامية ليست مجرد أدوات دعوية أو قنوات لتمويل خارجي، بل هي استجابات محلية لمشكلات عميقة مثل الفقر، هشاشة الدولة، ضعف البنى الصحية والتعليمية، وتآكل الحماية الاجتماعية. ويُظهر كيف أن هذه المنظمات، سواءٌ التقليدية منها أو الحديثة، قد قامت بأدوار بديلة عن الدولة في الرعاية الاجتماعية.
كما كانت واحدة من أهم القضايا التي يعالجها الكتاب هي تحوّل الزكاة من فعل تعبُّدي فردي إلى أداة مؤسسية منظمة. وهذا التحول لم يكن مجرد تطور داخلي، بل جاء كرد فعل على التغيرات الاقتصادية والسياسية، ومنها ضغوط السياسات النيوليبرالية، وانسحاب الدولة من الخدمات الاجتماعية، خاصةً منذ التسعينيات. وفي هذا السياق؛ يُظهر الكتاب كيف بدأت بعض المنظمات الإسلامية تتبنّى هياكل إدارية معقدة، وتُعيد صياغة خطابها بلغة تنموية مبتكرة، لكي تضمن الاستمرار وتوسيع التمويل، سواءٌ من جهات خليجية أو من شركاء دوليين. ويُبرز كيف تعاملت هذه المنظمات مع مخاطر الشكوك الأمنية بعد أحداث 11 سبتمبر، فاضطر بعضُها إلى تعديل خطابها أو حتى الانسحاب من بعض المواقع الجغرافية الحساسة.
وبشكلٍ عام، ورغم صدور الكتاب في وقت مبكر نسبياً (2002م)، فإنه يكشف عن وعي بحثي بقيمة العمل الخيري الإسلامي في إفريقيا كفاعل مؤسسي لا يمكن تجاهله في تحليل بنية المجتمعات المسلمة، ولا سيما في ظل بعض الاضطرابات التي تواجه عدداً من الدول الإفريقية، ومن خلال ربطه بين مفاهيم دينية تقليدية كـ«الزكاة» و«الوقف» والممارسات الحديثة للرعاية الاجتماعية، لا يُقدّم الكتاب فقط وصفاً لواقع قائم، بل يُعيد تفكيك المفهوم الغربي للرعاية الاجتماعية نفسه- رغم أن الكتاب لا يُصرّح بذلك بشكل مباشر إلا أن مضمونه يوحي ضمناً- بوصفه نتاجاً للدولة الحديثة، في مقابل نموذج إسلامي قائم على تعددية الفاعلين ومركزية القيم المجتمعية، كما يُبرز الكتاب أهمية التعامل مع المؤسسات الإسلامية من خلال أدوات تحليلية غير أمنية، تضعها في سياقها الثقافي والتاريخي، بدلاً من إخضاعها لفرضيات مُسبقة تُحمّلها أكثر مما تحتمل، ما يمثل خطوةً مهمة في تصحيح اختزالات معرفية لطالما طغت على الأدبيات الغربية عن الإسلام في إفريقيا، وخصوصاً تلك التي أهملت البُعد البنائي والمؤسسي لصالح التركيز على بعض الخطابات الدينية القليلة المتشددة أو الحركات السياسية فقط.
ثانياً: العمل الخيري الإسلامي في غانا.. قراءة في منظور المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا:
في مطالعةٍ أخرى للإنتاج الفكري للمعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا حول المنظمات الإسلامية في إفريقيا، نشير إلى تقرير بحثي مطوَّل بعنوان «التسوُّل والعطاء في غانا: مواقف المسلمين تجاه الفقر والمعاناة» Begging and Almsgiving in Ghana: Muslim Positions towards Poverty and Distress، من إعداد الباحث «هولجر فايس» سالف البيان، عام 2007م[41].
في البداية، يركز التقرير، البالغ 180 صفحة، على الحالة الغانية باعتبارها نموذجاً مركباً يجمع بين الهشاشة الاقتصادية والتنوع الديني، حيث يُشكّل المسلمون في غانا أقليةً دينية من حيث العدد، لكنها فاعلة من حيث الشبكات الاجتماعية والمؤسسية، ولا سيما في شمال البلاد ومحيط العاصمة أكرا. ويتناول «فايس» مواقف المسلمين في غانا تجاه قضايا الفقر والمعاناة، عبر تتبع ممارسات العطاء الإسلامي، وخصوصاً الزكاة والصدقة، وكيف تتجلى هذه الممارسات في المجال العام، ويمضي في تحليل كيفية تكيّف المسلمين مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية من خلال أدوات دينية، تتحول تدريجياً من مستوى فردي أو شعائري إلى آليات أكثر تنظيماً وتنسيقاً، وفي بعض الأحيان تتبلور في منظمات إسلامية غير حكومية.
ويُولي هذا الإسهام البحثي أهميةً واضحة للمنظمات الإسلامية غير الحكومية، مُركّزاً على ظهورها ونموها خلال فترة التسعينيات، حيث بدأ عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية في الظهور في أكرا وغيرها من المدن الكبرى، مدفوعةً بتنامي الحاجة الاجتماعية وضعف استجابة الدولة تجاه بعض التحديات. ويركز «فايس» في هذا الإطار على أن هذه المنظمات ليست مجرد امتداد لمشاريع خارجية كما يُشاع، بل هي تعبير عن محاولات محلية لإعادة تنظيم العمل الخيري الإسلامي وفق أنماط مؤسسية، تستفيد من الموارد الخليجية، ولكنها تعيد توجيهها بما يتناسب مع الواقع في غانا، وهو ما يجعل من هذه المنظمات فاعلاً دينياً واجتماعياً مزدوجاً، يُزاوج بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الخدمة الاجتماعية.
ويعرض الباحث في قسم محوري من تقريره البحثي بعنوان «إعادة تفسير الزكاة أو عدمه؟» كيف أن الزكاة لم تعد مجرد عبادة فردية، بل أصبحت محلاً للنقاش داخل الأوساط الدينية والمدنية في غانا، حيث يطالب البعض بتقنينها وتطوير صيغتها نحو إطارٍ أشبه بمؤسسة وطنية، بينما يتمسك آخرون ببقائها فعلاً تعبدياً اختيارياً، وهنا تبرز مسألة الصراعات الداخلية حول تمثيل الإسلام في الفضاء العام، وداخل حدود تدخل الدولة أو العلمانية في تنظيم ممارسة دينية ذات أبعاد اجتماعية. كما يحلل «فايس»- في إسهامه البحثي المطوّل عن العمل الخيري الإسلامي في غانا- العلاقة بين المنظمات الإسلامية والمؤسسات الصوفية التقليدية، ويبدو أن الباحث مهتم بإبراز أن هذا التنوع لا يعني التنافر بالضرورة، بل يعكس مرونة الإسلام كدين يتفاعل مع احتياجات المجتمع وفق شروطه الواقعية.
وفي المجمل، تطرح الورقة تساؤلات مهمة حول مستقبل العطاء الإسلامي في إفريقيا وبخاصة إقليمها الغربي، وما إذا كانت هذه المنظمات قادرةً على الحفاظ على استقلاليتها، أو أنها ستخضع تدريجياً لإملاءات سياسية– سواءٌ محلية أو دولية– بحكم ارتباطها بالتمويل الخارجي. وجديرٌ بالإشارة أن الدراسة لا تُقدّم صورة مثالية للمنظمات الإسلامية، لكنها أيضاً لا تقع في فخ شيطنتها، بل تسعى إلى فهمٍ دقيق لدورها الاجتماعي، ونقاط قوتها، وكذلك مواطن التوتر التي تحيط بها.
وبشكلٍ عام؛ يأتي هذا الطرح في سياق متسق مع توجهات المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا، الذي اختار أن يدرس الظواهر الإسلامية في إفريقيا من منظور سوسيولوجي-تاريخي، يبتعد عن المقاربات الأمنية الشائعة في مراكز الفكر الغربية. وبالتالي؛ فإن هذا التناول يُكمل ما طُرح في كتاب «الرعاية الاجتماعية في المجتمعات المسلمة في إفريقيا» الصادر أيضاً عن المعهد، ويُشكّلان معاً نواةً لرؤية بحثية موضوعية تنأى عن التنميط، وتعزز فهماً واقعياً لبعض مسارات تطور العمل المؤسسي الإسلامي في القارة الإفريقية.
خاتمة:
في ضوء ما تناولته الدراسة من تحليل للتصورات الأكاديمية الغربية حول أدوار المنظمات الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، يظهر أن العمل المؤسسي الإسلامي قد شكّل رافداً حيوياً للتنمية وتقديم الخدمات الإنسانية في سياقاتٍ تعاني من هشاشة الدولة أو ضعف البنى الأساسية، وعلى الرغم من التحديات التي واجهت هذه المنظمات؛ فقد استطاعت في كثير من الحالات أن تملأ فراغاً خلّفته المؤسسات الرسمية أو الدولية، من خلال شبكاتها المجتمعية، وآلياتها المستندة إلى التضامن الديني والواجب الأخلاقي.
غير أن هذه الأدوار لم تسلم من التسييس، خاصةً في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث أُخضعت العديد من المنظمات الإسلامية غير الحكومية لمنظورات أمنية غربية أربكت عملها وقيّدت وصولها إلى التمويل، دون النظر إلى الأثر المباشر لهذه الإجراءات على المجتمعات المستفيدة، وخصوصاً في القارة الإفريقية، كما أظهرت الدراسة كيف أن التعميمات الأيديولوجية والاشتباهات السياسية كثيراً ما كانت على حساب فعالية المشاريع، وعدالة توزيع الدعم، واستمرار الخدمات للفئات الأشد احتياجاً.
وأخيراً، يمكن القول إن ثمّة حاجةً لإعادة النظر في الكيفية التي تُصاغ بها التصورات الأكاديمية التي تنعكس على السياسات الدولية تجاه العمل الخيري الإسلامي، بحيث تكون أكثر توازناً وتفريقاً بين النشاط الدعوي المرتبط بأجندات سياسية، والنشاط الإنساني الذي يستند إلى معايير مهنية وأخلاقية. كذلك على المنظمات الإسلامية نفسها أن تُطور من أدوات الحوكمة والشفافية والمساءلة لديها، بما يعزز من مصداقيتها، ويقلل من احتمالات استهدافها أو توظيفها في سياقاتٍ غير إنسانية. وعليه؛ نقول إن استمرار المنظمات الإسلامية في أداء دور تنموي فاعل في إفريقيا يظل مرهوناً بقدرتها على التكيّف مع المتغيرات، وتطوير خطابها المؤسسي ليكون أكثر انفتاحاً واندماجاً مع المعايير الدولية، ولا سيما أن إفريقيا، بما تواجهه من تحديات إنسانية متصاعدة، لا تزال بحاجةٍ إلى كل الفاعلين القادرين على المساهمة في التنمية المستدامة، ولا سيما المنظمات الإسلامية– بما راكمته من خبرات وشبكات– التي تملك الإمكانيات لذلك، شريطة أن تتمكن من حماية استقلالها، وتعزيز الثقة بها، وبخاصةٍ على المستوى العالمي.
ـــــــــــ
المراجع والإحالات:
[1] John W. Creswell, Qualitative Inquiry and Research Design: Choosing Among Five Approaches, (London: SAGE Publications, 2007, 2nd ed.), Available at:
https://revistapsicologia.org/public/formato/cuali2.pdf, Accessed in Jul 19, 2025.
[2] الأمننة: يرتبط مفهوم الأمننة ارتباطاً مباشراً بمدرسة كوبنهاغن في دراسات الأمن، التي أعادت صياغة فهم الأمن بوصفه عملية بنائية تعتمد على الخطاب. ووفقاً لهذه المدرسة- التي طوّرها باحثون مثل باري بوزان وأولي ويفر وغيرهما- لا تُعدّ التهديدات الأمنية معطيات موضوعية قائمة بذاتها، بل تُنتَج من خلال «الفعل الخطابي» الذي يقوم فيه فاعل سياسي بتقديم قضية ما– كالهجرة أو الدين أو المساعدات– باعتبارها تهديداً وجودياً يتطلب استجابات استثنائية خارج الأطر السياسية المعتادة. ومن ثَمّ؛ فإن الأمننة عند كوبنهاغن ليست فقط توصيفاً لحالة تهديد، بل هي عملية سياسية واجتماعية تُظهر كيف تنتقل القضايا من النقاش العام إلى حقل الأمن، وفقاً لقدرة الفاعلين على إقناع الجمهور بوجود خطر داهم يستدعي إجراءات غير اعتيادية. للمزيد حول مفهوم «الأمننة» انظر:
– Barry Buzan, Ole Wæver, and Jaap de Wilde, Security: A New Framework for Analysis, (Colorado: Lynne Rienner Publishers, 1988).
[3] Mohamed, Abdulfatah Said, “The War on Terror and Islamic Charities: Securitization and the Evolution of Policy and Practice”, PhD Dissertation, (Devon: University of Exeter, Feb 2018), pp.74-75, Available at: https://ore.exeter.ac.uk/repository/bitstream/handle/10871/36880/Mohamedsaid%20A.pdf?isAllowed=y&sequence=2, Accessed in Jul 19, 2025.
[4] يحتلّ العمل الخيري موقعاً محورياً في الدين الإسلامي، ليس بوصفه ممارسة اجتماعية تطوعية فحسب، بل باعتباره مقصداً عاماً وثابتاً من مقاصد الشريعة الإسلامية، وفي هذا السياق تتضافر النصوص القرآنية والسُّنة النبوية في التأكيد عليه، أمراً ومدحاً وتحفيزاً، على سبيل المثال ورد لفظ «الخير» في القرآن الكريم قرابة (180) مرةً، وتنوعت سياقاته ما بين الإشارة إلى الخير المادي والمعنوي، مما يدلّ على سعة مفهوم الخير في الدين الإسلامي وارتباطه بجميع أبعاد الحياة المدنية والروحية، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، كما وصف تعالى المؤمنين بقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]، وفي السُّنة النبوية يقول الرسول ﷺ: «مَن دَلّ على خيرٍ فلَهُ مثلُ أجرِ فاعلِه»، ويؤكد ذلك: أن السعي في أعمال البر ليس خياراً فردياً محضاً، بل سلوكاً جماعياً يعكس صلاح البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع المسلم، للمزيد انظر:
– إبراهيم البيومي غانم، «العمل الخيري مقصد عام للشريعة الإسلامية»، (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 2018م)، متاح على الرابط: https://2u.pw/ZoSZN، تم الاطلاع في 19 يوليو 2025م.
[5] Valeria Saggiomo, From Charity to Governance: Islamic NGOs and Education in Somalia, Open Area Studies Journal, )Rotterdam: Bentham Science Publishers, Vol.(4), No.(1), 2011), pp.53-54.
[6] Idem.
[7] Ezra Chitando, Masiiwa Ragies Gunda & Lovemore Togarasei (Eds.), Religion and development in Africa, In: Muhammed Haron, “Africa’s Muslim Non-Governmental Organizations: Competitive Charities, Altruistic Allies?”, (Kapuzinerstraße: University of Bamberg), p.139.
[8] “Faith Based and Religious Organizations”, World Bank, Available at:
https://www.worldbank.org/en/about/partners/brief/faith-based-organizations , Accessed in Jul 3, 2025.
[9] “Islamic Relief USA. East Africa Crisis Response: July–December 2011”, Islamic Relief USA, 2015, P.4, Available at:
https://irusa.org/wp-content/uploads/2015/06/IRUSA-2011-East-Africa_Book_Web1.pdf, Accessed in Jul 3, 2025.
[10] Mohamed Salih, “Islamic NGOs in Africa: The Promise and Peril of Islamic Voluntarism”, Published paper in Centre of African Studies University of Copenhagen, pp.6-7, Available at: https://www.researchgate.net/publication/242360482_Islamic_NGOs_in_Africa_The_Promise_and_Peril_of_Islamic_Voluntarism, Accessed in Jul 5, 2025.
[11] Ezra Chitando, Masiiwa Ragies Gunda & Lovemore Togarasei (Eds.), Religion and development in Africa, In: Muhammed Haron, “Africa’s Muslim Non-Governmental Organizations: Competitive Charities, Altruistic Allies?”, Op.Cit.
[12] تأسست هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية عام 1984م على يد الدكتور هاني البنا، وهو طبيب وناشط إنساني من أصل مصري، إلى جانب عدد من زملائه أثناء دراستهم في جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة، استجابةً لأزمة المجاعة في إفريقيا. أطلق الفريق حينها نداءً للإغاثة، وبدؤوا بجمع التبرعات من المنازل والمتاجر والمساجد، واستخدموا ما جمعوه لتوفير الغذاء للمتضررين من المجاعة. وفي عام 1985م، أطلقت المنظمة أول مشاريعها الإنسانية، من خلال دعم مزرعة لتربية الدواجن في السودان، وفي العام نفسه (1985م)، استأجر المؤسسون مكتباً صغيراً في برمنجهام، ومن هناك تمكّنوا من جمع نحو 120,000 دولار أمريكي لدعم جهود الإغاثة، للمزيد انظر:
https://www.islamic-relief.me/about-us/history/
[13] “Do no harm commitment”, Islamic Relief, Available at: https://islamic-relief.org/about-us/do-no-harm-commitment/, Accessed in Jul 20, 2025.
[14] للمزيد حول عمل منظمة الإغاثة الإسلامية بالصومال انظر:
https://islamic-relief.org/where_we_work/somalia/
[15] Islamic Relief South Africa, Available at: https://www.islamic-relief.org.za/about-us/history/, Accessed in Jul 3, 2025.
[16] “Islamic Relief USA. East Africa Crisis Response: July–December 2011”, Op.Cit.
[17] Idem.
[18] للمزيد حول مؤسسة قطر الخيرية انظر: الموقع الرسمي للمؤسسة على الرابط التالي:
https://www.qcharity.org/ar/qa
[19] “Qatar Charity Launches “Sudan Appeal”, Qatar News Agency, Jul 15, 2024, Available at: https://2u.pw/PgFeA, Accessed in Jul 20, 2025.
[20] للمزيد حول مركز سياسات الأمن الأمريكي Center for Security Policy انظر: الموقع الرسمي للمركز عبر الرابط التالي: https://centerforsecuritypolicy.org/our-mission/
[21] David McCormack, “An African Vortex: Islamism in Sub‑Saharan Africa”, (Washington, DC: Center for Security Policy, January 2005), Available at:
https://centerforsecuritypolicy.org/an-african-vortex-islamism-in-sub-saharan-africa/6/, Accessed in Jul 20, 2025.
[22] حول مجلة فورين بوليسي الأمريكية، التي تأسست قبل 40 عاماً على يد «صموئيل هنتنغتون» Samuel Huntington وصديقه المقرب «وارن دميان مانشيل» Warren Demian Manshel، انظر: الموقع الرسمي للمجلة على الرابط التالي: https://foreignpolicy.com/m_about_us/
[23] Gartenstein‑Ross, Daveed, and Aaron Y. Zelin. “Uncharitable Organizations”, Foreign Policy, Feb 25, 2013, Available at:
https://foreignpolicy.com/2013/02/25/uncharitable-organizations/.
[24] يُعدّ مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية Africa Center for Strategic Studies، منذ تأسيسه عام 1999م، إحدى أبرز المنصات البحثية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، والمُكرّسة لدراسة قضايا الأمن في القارة الإفريقية. وقد أنشئ المركز بتمويل من الكونجرس الأمريكي، ويرتكز نشاطه على توسيع الفهم لقضايا الأمن في إفريقيا. للمزيد انظر: الموقع الرسمي للمركز على الرابط التالي: https://africacenter.org/who-we-are/
[25] Abdisaid Musse Ali-Koor, Islamist Extremism in East Africa, (Washington, D.C.: Africa Center for Strategic Studies, August 2016), Available at: https://africacenter.org/publication/islamist-extremism-east-africa/, Accessed in Jul 4, 2025.
[26] Molly Manyonganise (Ed.) Religion and Health in the Context of Covid-19: Experiences from Zimbabwe, In: Silindiwe Zvingowanisei, “COVID-19 in Zimbabwe: An Islamic Response to the Pandemic”, (Bamberg: University of Bamberg Press, 2023), pp.91-110.
[27] Mohamed Abdulfatah Said, Op.Cit., p.12.
[28] يُعدّ منتدى الشرق الأوسط مركز فكر أسسه دانيال بايبس Daniel Pipes عام ١٩٩٤م، وهو أكاديمي أمريكي، يهدف المركز إلى تعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وحماية القيم الغربية من التهديدات الإقليمية، وفي الشرق الأوسط، يركز المنتدى على سبل دحر الإسلام المتطرف؛ والعمل على قبول الفلسطينيين لإسرائيل؛ ووضع استراتيجيات لاحتواء إيران؛ والتصدي للفوضى الآخذة في التزايد. للمزيد انظر: موقع منتدى الشرق الأوسط على الرابط:
https://www.meforum.org/about/about-the-middle-east-forum
[29] Sam Westrop, “Why Has the Islamic Relief Franchise Lost the Support of Western Governments?”, Middle East Forum, Sep 2023, Available at:
https://www.meforum.org/why-has-the-islamic-relief-franchise-lost, Accessed in Jul 4, 2025.
[30] Ibid.
[31] “Under the Microscope of Censorship: Islamic Relief”, The MENA Research Center, Nov 14, 2021, Available at: https://www.mena-researchcenter.org/under-microscope-of-censorship-islamic-relief-organization/, Accessed in Jul 4, 2025.
[32] Sam Westrop, Op.Cit.
[33] Kate Mackintosh and Ingrid Macdonald, “Counter-terrorism and humanitarian action”, Humanitarian Practice Network, Aug 6, 2013, Available at:
https://odihpn.org/publication/counter-terrorism-and-humanitarian-action-2/, Accessed in Jul 4, 2025.
[34] “The Impact of Counterterrorism Measures on Charities and Donors After 9/11, Charity and Security Network”, Aug 16, 2010, Available at:
https://charityandsecurity.org/issue-briefs/the-impact-of-counterterrorism-measures-on-charities-and-donors-after-9-11/, Accessed in Jul 4, 2025.
[35] Ibid.
[36] Mohammed R. Kroessin, Islamic Charities and the ‘War on Terror’: Dispelling the Myths, Humanitarian Practice Network, July 31, 2007, Available at: https://odihpn.org/publication/islamic-charities-and-the-%C2%91war-on-terror%C2%92-dispelling-the-myths/, Accessed in Jul 19, 2025.
[37] Mohamed, Abdulfatah Said, Op.Cit., p.182.
[38] Ibid., P.200-201.
[39] للمزيد حول المعهد الإسكندنافي لدراسات إفريقيا انظر: الموقع الرسمي للمعهد عبر الرابط التالي: https://nai.uu.se/about-us.html
[40] Holger Weiss (ed), Social Welfare in Muslim Societies in Africa, (Uppsala: Nordiska Afrikainstitutet, 2002).
[41] Holger Weiss, Begging and Almsgiving in Ghana: Muslim Positions towards Poverty and Distress, Research Report, (Uppsala: Nordic Africa Institute, 2007), Available at: https://www.diva-portal.org/smash/get/diva2:240664/FULLTEXT01.pdf, Accessed in Jul 14, 2025.











































