في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، وعودة هذا الممر الحيوي إلى صدارة الاهتمام الدولي، تتكثف التحركات الأمريكية لإعادة ترتيب علاقاتها مع دول القرن الإفريقي، وعلى رأسها إدارة رئيس إريتريا أسياس أفورقي، الدولة التي ظلت لعقود خارج دوائر النفوذ الغربي التقليدي.
وبينما تطرح هذه التحركات في ظاهرها كجزء من مساعٍ لإعادة الاستقرار إلى واحد من أهم شرايين التجارة العالمية، فإنها تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الأهداف الأمريكية، وما إذا كانت واشنطن تسعى بالفعل إلى تحويل إريتريا إلى “حصن” متقدم في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، مع وجود “الحوثيين” على الضفة الأخرى باليمن.
سياسة أمريكية جديدة تجاه إريتريا
عسكرة البحر الأحمر
يمثل البحر الأحمر واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره ما يقرب من 13% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا.
إلا أن هذا الشريان الحيوي بات خلال الآونة الأخيرة مسرحًا لتصاعد التوترات العسكرية، خاصة في ظل الهجمات التي نفذتها جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن خلال عام 2025. والتي استهدفت سفنًا تجارية وأثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة.
وتنظر واشنطن إلى هذه التطورات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، لا سيما مع تزامنها مع تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.
ويعزز هذا الطرح الدعم المتبادل بين إيران والحوثيين أو من خلال التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
في هذا السياق الإقليمي غير المستقر أمنًا، فإن البحث عن شركاء إقليميين قادرين على لعب دور في تأمين البحر الأحمر بات -وفق مراقبين- أولوية ملحة للولايات المتحدة.
موقع استراتيجي وعزلة طويلة
تتمتع إريتريا بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ تمتد سواحلها على البحر الأحمر لمسافة طويلة، وتقع في مواجهة مباشرة للسواحل اليمنية.
هذا الموقع يمنحها قدرة فريدة على التأثير في أمن الملاحة البحرية، ويجعلها هدفًا مغريًا لأي قوة دولية تسعى لتعزيز حضورها في المنطقة.
لكن على الرغم من هذه الأهمية، ظلت إريتريا لعقود -حتى منذ استقلالها عن إثيوبيا- دولة معزولة نسبيًا عن النظام الدولي، رافضة الانخراط مع مؤسسات دولية.
كما خضعت لعقوبات أمريكية مشددة، وتم استبعادها من نظام التحويلات المالية “سويفت”، في خطوة وضعتها في مصاف دول مثل روسيا وكوريا الشمالية.
هذه العزلة، التي ترافقت مع نظام سياسي شديد المركزية بقيادة الرئيس أسياس أفورقي منذ الاستقلال عام 1993، جعلت من إريتريا حالة فريدة في إفريقيا، يصعب اختراقها أو التأثير عليها عبر الأدوات التقليدية للسياسة الخارجية الغربية.
تحول أمريكي تجاه أفورقي
تشير تقارير صحفية أمريكية إلى أن واشنطن بدأت مؤخرًا في مراجعة سياستها تجاه نظام أفورقي، في محاولة لإعادة ضبط العلاقات معها.
ويأتي هذا التحول في إطار إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن سياسة العقوبات والعزلة لم تحقق أهدافها، بل ربما ساهمت في تعزيز استقلالية نظام الرئيس أفورقي.
وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، تدرس الولايات المتحدة إمكانية تخفيف بعض العقوبات المفروضة على نظام أفورقي، مقابل انخراطها في ترتيبات أمنية إقليمية تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني.
ويُنظر إلى هذا العرض كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر، في ظل ما تعتبره واشنطن تراجعًا نسبيًا في نفوذها العالمي.

وساطة إقليمية خلف الكواليس
في هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة عن إجراء محادثات غير معلنة بين مسؤولين أمريكيين وإريتريين، بوساطة مصرية.
وتضمنت هذه اللقاءات مناقشة سبل تطبيع العلاقات، وإمكانية التعاون في مجالات الأمن البحري والاستقرار الإقليمي.
وكشف تقارير أن الرئيس أفورقي، الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، التقى مع مسعد بولس، المبعوث الإفريقي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال الأشهر الماضية، في لقاءات جرت بوساطة مصرية.
وبحسب مصادر لموقع “سيمافور“، من المتوقع عقد اجتماع آخر قريبًا بين الجانبين. ورفضت وزارة الخارجية الأمريكية التعليق على هذه التقارير، التي كانت وول ستريت جورنال أول من نشرها.
فيما أشار مصدر مطلع إلى أن فكرة إعادة ضبط العلاقات مع نظام أفورقي “قيد الدراسة منذ فترة طويلة”.
في المقابل، حذّر عدد من المحللين، لـ”سيمافور”، من أن استئناف العلاقات مع نظام أفورقي قد يواجه صعوبات، بسبب الطبيعة غير المتوقعة لقيادتها السياسية.
وقال كاميرون هدسون، المسؤول السابق في البيت الأبيض لشؤون إفريقيا: “في مرحلة ما، كانت كل إدارة أمريكية تعتقد أنها قادرة على ترويض أسياس”.
احتواء إيران أم إعادة تموضع؟
يطرح هذا التقارب المحتمل تساؤلات حول الدوافع الحقيقية للولايات المتحدة. فبينما يتم تقديمه كجزء من جهود تعزيز الاستقرار في البحر الأحمر.
ويرى محللون أنه يندرج في إطار استراتيجية أوسع لاحتواء إيران، عبر بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على الحد من نفوذها.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إريتريا كحلقة محتملة في ما تسميه واشنطن “محور مواجهة” النفوذ الإيراني، خاصة في ظل موقعها الجغرافي القريب من اليمن، حيث تنشط جماعة الحوثيين المدعومة من طهران.
غير أن هذا الطرح لا يخلو من انتقادات، إذ يشير مراقبون إلى أن محاولة إدماج نظام أفورقي في ترتيبات عسكرية تقودها الولايات المتحدة قد تؤدي إلى زعزعة استقرارها الداخلي، أو إدخالها في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحها.
ويرى منتقدو السياسة الأمريكية أن ما يحدث مع إريتريا ليس حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط متكرر في التعامل مع الدول “غير المنخرطة” في النظام الدولي.
يبدأ هذا النمط بفرض العزلة والعقوبات، ثم الانتقال إلى محاولة استمالة الدولة المستهدفة، قبل إدماجها في منظومة المصالح الغربية.
ويستشهد هؤلاء بحالات مثل السودان، الذي شهد تقاربًا مع الولايات المتحدة بعد رفع العقوبات عنه، قبل أن ينزلق إلى صراع داخلي مدمر.
كما يتم استحضار تجربة ليبيا في عهد الزعيم الراحل معمر القذافي، الذي انفتح على الغرب قبل أن يُطاح به في تدخل عسكري أدى إلى انهيار الدولة.

الموقف الإريتري: السيادة أولاً
في المقابل، تؤكد إريتريا أن سياستها الخارجية تقوم على مبادئ السيادة والاستقلال وعدم التدخل، وترفض ما تعتبره محاولات لفرض أجندات خارجية عليها.
وفي رد رسمي على التقارير الإعلامية التي تحدثت عن دراسة واشنطن إعادة العلاقات مع أسمرة، انتقدت سفارة إريتريا لدى الولايات المتحدة ما وصفته بـ”السرديات الانتقائية” التي تهدف إلى تقويض فرص الانخراط البنّاء.
وشددت على أن العقوبات الأمريكية لم تحقق أي نتائج إيجابية، لا على مستوى استقرار الإقليم ولا على صعيد تحقيق أهداف السياسة الأمريكية، معتبرة أن التحول نحو الحوار يمثل خطوة متأخرة لكنها ضرورية.
كما أكدت إريتريا التزامها بالاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي، رافضة الادعاءات التي تربط بين تحسين علاقاتها مع واشنطن واحتمالات زعزعة الاستقرار.
بين الفرص والمخاطر
على المستوى الداخلي، قد يرى بعض الإريتريين في التقارب مع الولايات المتحدة فرصة للخروج من العزلة الاقتصادية، وتحسين الأوضاع المعيشية التي تأثرت بالعقوبات الطويلة.
لكن في المقابل، هناك مخاوف من أن يؤدي هذا التقارب إلى فقدان جزء من الاستقلالية السياسية، أو إلى جر البلاد إلى صراعات إقليمية معقدة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن إدماج نظام أفورقي في ترتيبات أمنية تقودها واشنطن قد يساهم في تعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر، لكنه قد يزيد أيضًا من حدة الاستقطاب بين القوى الإقليمية، خاصة في ظل التنافس بين الولايات المتحدة وإيران.
سيناريوهات مفتوحة
يبقى مستقبل العلاقات الأمريكية الإريترية مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين تطبيع تدريجي قائم على المصالح المشتركة، وبين تعثر الجهود بسبب الخلافات العميقة في الرؤى السياسية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وتزايد أهمية البحر الأحمر كمسرح للتنافس بين القوى الكبرى، يبدو أن إريتريا ستظل لاعبًا مهمًا في معادلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الجغرافية مع الحسابات السياسية.
وتعكس التحركات الأمريكية تجاه نظام أفورقي تحولاً في مقاربة واشنطن للتعامل مع الدول المعزولة، من سياسة الإكراه إلى محاولة الانخراط.
لكن هذا التحول لا يخلو من حسابات استراتيجية تتجاوز مجرد تحسين العلاقات الثنائية، ليصل إلى إعادة رسم خريطة النفوذ وعسكرة البحر الأحمر.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها في مواجهة إيران، تجد إريتريا نفسها أمام مفترق طرق: بين الانفتاح على العالم، والحفاظ على استقلاليتها التي شكلت جوهر سياستها منذ الاستقلال.
وفي ظل هذا التوازن الدقيق، ستحدد القرارات القادمة ملامح دورها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.










































