شهدت السياسة الفرنسية في إفريقيا تحوّلاً نحو إعادة التموضع إلى شرق إفريقيا، مع اعتبار كينيا مساراً لتعويض التراجع الحاد في النفوذ الفرنسي بغرب القارة، وذلك بعد الانسحاب المهين من دول الساحل الإفريقي على إثر ردود الأفعال المناهضة للاستعمار.
وكان النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا قد برز بشكلٍ أساسي في عملية برخان التي انطلقت عام 2013م كأكبر انتشار عسكري خارجي لفرنسا، بميزانية قُدّرت بنحو 600 مليون يورو وقرابة 4500 جندي، بزعم مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، لكنها انتهت إلى نتائج سياسية معاكسة مع تصاعد الخطاب المناهض للوجود الفرنسي[1]. ومن ثَمّ؛ تسارعت وتيرة الانسحابات مع طرد القوات الفرنسية من مالي عام 2023م، ثم من بوركينا فاسو، وإلغاء تشاد لاتفاقها الدفاعي في 2024م، وصولاً إلى استعادة السنغال لقاعدتها العسكرية الفرنسية في منتصف 2025م، وجاء هذا الطرد في سياقٍ متشابه من اتهامات تتعلق بانعدام الأمن وزعزعة الاستقرار.
هذا التسلسل من الانكفاءات دفع فرنسا إلى البحث عن بدائل أخرى، حيث تُطرح كينيا اليوم بوصفها خياراً إستراتيجياً لإعادة بناء النفوذ الفرنسي[2].
وفي هذا المقال، أناقش عودة فرنسا إلى إفريقيا عبر كينيا، وذلك عقب تراجع نفوذها في غرب إفريقيا. كما أتناول دلالات الاتفاق الدفاعي بين البلدين، وأُبرز العوائد الاقتصادية المحتملة على دول شرق إفريقيا من عودة فرنسا. كذلك، سأضع كينيا في سياق أوسع إلى جانب جيبوتي ضمن الإستراتيجية الفرنسية لتوطيد نفوذها في شرق القارة. وأخيراً، أستعرض كيف يوظّف الرئيس الكيني ويليام روتو التفاهمات الإقليمية والدولية لتعزيز شعبيته قبيل الانتخابات المرتقبة في عام 2027م.
أولاً: كينيا كبديل إستراتيجي لفرنسا بعد أفول النفوذ في الساحل:
عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن النهج الجديد لفرنسا في إفريقيا بتصريحه في مؤتمر السفراء، في 8 يناير 2026م، قائلاً: «مع قمة نيروبي، التي ستُعقد في مايو المقبل، هناك اجتماع مهم للغاية سيُجسد هذه الثورة الحقيقية في النهج الفرنسي الجديد». وأضاف: «دعونا نمضي قُدماً في إفريقيا بالمنطق، ونُظهر الكفاءة، ونُعزز شراكاتنا»[3]. ومن المقرر أن تستضيف كينيا يومي 11 و12 مايو 2026م القمة الفرنسية الإفريقية «إفريقيا إلى الأمام» بحضور الرئيس الفرنسي، إلى جانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والمستشار الألماني فريدريش ميرز، وعدد من قادة ومؤسسات إفريقيا. وتحمل هذه القمة سابقة رمزية، إذ تُعدّ كينيا أول دولة إفريقية غير ناطقة بالفرنسية تستضيف هذا الحدث منذ انطلاقه عام 1973م، بعدما ظل حكراً على فرنسا أو الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، مما يؤكد التحول في جغرافيا الدبلوماسية الفرنسية ورغبتها في فتح مناطق جديدة لوجودها[4].
وتحمل القمة الإفريقية الفرنسية المرتقبة في نيروبي دلالات رمزية مهمة، فهي تبدو وسيلة للتعبير عن تغيّر الموقف القاري لفرنسا، الذي يعكس مقاربةً أكثر انفتاحاً على فضاءات غير فرانكوفونية. ووفق موقع قصر الإليزيه، من المتوقع أن تسلط القمة الضوء على اتساع نطاق الشراكات الاقتصادية بين الدول الإفريقية وفرنسا، خصوصاً في مجالات الطاقة والمناخ ومشكلات التمويل والنظم الصحية، وغيرها من الملفات التنموية، ويُنتظر أن تعمل القمة على تمويل التنمية ومعالجة التحديات الهيكلية التي تواجه القارة[5].
واستمراراً للتقارب الفرنسي مع كينيا؛ دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الكيني ويليام روتو لحضور اجتماع مجموعة دول السبع المقرر انعقاده في يونيو 2026م، ليكون بذلك الرئيس الإفريقي الوحيد المدعو. ويأتي هذا التطور في إطار توجه أوسع نحو إدماج كينيا في نقاشات النظام المالي العالمي، خصوصاً في ملفات إصلاح البنية المالية الدولية، وتعزيز آليات التضامن، وإعادة هيكلة الديون، إلى جانب توسيع تمويل المناخ، وهي ملفات تُشكّل محوراً أساسياً في الخطاب الكيني بقيادة روتو[6].
وفي مارس 2026م، أطلقت فرنسا دليل ممارسة الأعمال التجارية في كينيا، بهدف مساعدة المستثمرين الفرنسيين لمعرفة السوق الكيني بشكل أفضل. ويُنظر إلى هذا الدليل باعتباره أداة دعم للشركات الفرنسية الساعية إلى إنشاء وتوسيع عملياتها داخل كينيا. وفي هذا السياق، تجاوزت التجارة الثنائية بين البلدين 300 مليون دولار، في حين تُعدّ فرنسا خامس أكبر مستثمر في كينيا، حيث يساهم استثمارها في دعم نحو 46 ألف وظيفة داخل البلاد[7].
تثير العودة الفرنسية لشرق إفريقيا استدعاءً لإرث تاريخي مظلم، لا يزال حاضراً في الذاكرة السياسية الإفريقية، وعلى رأسه الدور الفرنسي في الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في رواندا عام 1994م ضد قبائل التوتسي، إذ اتُّهمت فرنسا بتسليح وتدريب قوات النظام الحاكم في رواندا آنذاك، إضافةً إلى العلم المسبق باحتمالات الانزلاق نحو حربٍ واسعة دون اتخاذ إجراءات رادعة، ما أسفر عن مقتل قرابة المليون شخص. كما أُثير جدلٌ واسع حول «عملية الفيروز» التي قادتها فرنسا تحت غطاء إنساني، لكنها ساهمت في إطالة أمد النزاع ووفرت ممرات لهروب بعض المتورطين في الجرائم. وشكّل إقرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2021م بالمسؤولية «الجسيمة» لفرنسا في تلك الأحداث تحوّلاً لافتاً في الخطاب الرسمي، وهو ما يجعل إعادة تموضع فرنسي في شرق القارة محمّلةً بظلال تاريخية تعيسة[8].
ثانياً: دلالات الاتفاق الدفاعي بين كينيا وفرنسا:
صادق البرلمان الكيني على اتفاقية دفاع مشترك مع فرنسا في 9 أبريل الجاري، والتي دخلت حيز النفاذ فعلياً منذ نوفمبر 2025م، وتمتد لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد تلقائياً لمرّة واحدة. وتنص الاتفاقية على توطيد التعاون الدفاعي بين البلدين عبر حزمة من الأنشطة، لعل أبرزها ما نصت عليه المادة 4.2 بشأن تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمن البحري وعمليات حفظ السلام، إلى جانب ما ورد في المادة 4.1 من الاتفاقية من تكثيف عمليات تبادل الضباط في مجالات التعلم والتدريب والبحث الدفاعي. مما يشير إلى توجه نحو تكامل عملياتي واسع[9].
تسعى كينيا، المستقرة إلى حدٍّ كبير مقارنةً بجوارها في القرن الإفريقي، إلى توظيف اتفاقيتها الدفاعية مع فرنسا في تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز شراكاتها الأمنية، من خلال الحصول على تدريب متقدم ونقل للتكنولوجيا فضلاً عن الدعم العملياتي، وذلك لمواجهة عمليات القرصنة في سواحلها على المحيط الهندي ونشاط حركة الشباب في البلاد. وتُعدّ كينيا ثاني أكثر البلاد تضرراً من هجمات حركة الشباب بعد الصومال، حيث وثقت قاعدة بيانات ACLED مقتل 2235 شخصاً في كينيا نتيجة هجمات الحركة منذ عام 2008م، فيما شهد عام 2023م تصاعداً ملفتاً بـ 122 عملاً إرهابياً، دون أي مؤشرات على انحسار هذه العمليات في عام 2024م[10].
إلا أن الاتفاقية تنطوي على بنود تثير شكوكاً بشأن السيادة الكينية ومدى التوازن بين التعاون والشراكات غير المتكافئة. فمثلاً لفرنسا الحق في التعاون الأمني والاستخباراتي على الأراضي الكينية، إلى جانب إمكانية تمركز القوات العسكرية الفرنسية في المواني. ويُعدّ هذا الحضور الميداني، الذي تعززه تقارير عن نشر نحو 800 جندي فرنسي في كينيا، تحوّلاً من التنسيق إلى تموضع عملياتي قد يكون دائماً[11].
ويستدعي ذلك سوابق حساسة في العلاقة بين كينيا والقوى الغربية، ولا سيما تجربة القوات البريطانية BATUK في كينيا، التي وُجهت إليها اتهامات من البرلمان الكيني بارتكاب انتهاكات جسيمة شملت اعتداءات جنسية وجرائم قتل وتدمير بيئي في مناطق لايكيبيا وسامبورو وماساي في كينيا. لذلك؛ لابد أن تنظر كينيا إلى هذا الوجود بوصفه عاملاً قد يُنتج إشكاليات وليس فقط بوصفه داعماً أمنياً[12].
كما توفر الاتفاقية غطاءً قانونياً موسعاً للقوات الفرنسية، إذ تحتفظ فرنسا بالولاية القضائية الأساسية على الجرائم المرتكبة من الجنود الفرنسيين في كينيا أثناء أداء مهامهم الرسمية، وتظل المسائل التأديبية خاضعةً حصراً للسلطات الفرنسية، وهو ما يحد من قدرة المؤسسات الكينية على الرقابة والمحاسبة.
ثالثاً: الفرص الاستثمارية وآفاق النمو الاقتصادي للتحول الفرنسي لشرق إفريقيا:
يمكن للتحول الفرنسي إلى شرق إفريقيا أن يتيح لدول كينيا ورواندا وتنزانيا الحصول على تمويل وشراكات بمليارات الدولارات، إذ إن دول شرق إفريقيا أصبحت وجهة استثمارية جذابة لكونها أبرز التكتلات الاقتصادية ديناميكيةً في إفريقيا، مع معدلات نمو للناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 5% و7%، وذلك يتجاوز المتوسط القاري المتوقع لعام 2026م والبالغ نحو 4.1%، ما يعزز مكانتها كبيئة واعدة للاستثمار. كما يُنظر إلى الاستثمارات الفرنسية في مشاريع البنية التحتية باعتبارها ذات عائد اقتصادي مرتفع، إذ تُشير تقديرات إلى أن كل دولار يُنفق في هذا القطاع قد يُولّد عائداً يتراوح بين 3 و4 دولارات، ما قد يُفسر أيضاً اهتمام باريس بإعادة توجيه جزء من إستراتيجيتها الاقتصادية نحو شرق إفريقيا[13].
وتبرز كينيا ورواندا كمركزين ماليين وإقليميين للابتكار والتكنولوجيا المالية، فضلاً عن كونهما بوابتين لوجستيتين تربطان إفريقيا بالأسواق الخارجية، وذلك في سياقٍ أوسع يتمثل في الأهمية الجيوستراتيجية لدول شرق إفريقيا، التي يتيح موقعها على المحيط الهندي الربط بين طرق التجارة البحرية والوصول المباشر إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا، بما يجعلها نقطة ارتكاز للتدفقات التجارية والاستثمارية.
يعزز هذا الطرح دوغلاس ييتس، أستاذ العلوم السياسية في المدرسة الأمريكية للدراسات العليا في باريس والخبير في العلاقات الفرنسية الإفريقية، إذ أشار إلى أن «فرنسا تسعى إلى توسيع علاقاتها لتشمل دولاً أخرى غير الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا لأسباب تجارية، ولا سيما أن أكبر شريكين تجاريين لفرنسا في القارة يأتيان من الدول الناطقة بالإنجليزية، وهما نيجيريا وجنوب إفريقيا». وأضاف أنه «من المتوقع أن تبرم شركة توتال الفرنسية المتخصصة في الطاقة شراكات في قطاع الطاقة الكيني»[14].
يمكن القول إن التحول الفرنسي في إفريقيا يقترب من مقاربة براغماتية تُشبه- إلى حدٍّ ما- توجهات إدارة دونالد ترامب خلال ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025م، حيث يتراجع التركيز على الوجود العسكري المباشر في دول إفريقيا والمساعدات التقليدية لصالح نموذج قائم على الاستثمار والشراكات الاقتصادية. وهو ما يوضحه السفير الفرنسي لدى زيمبابوي، بول برتراند، إذ أشار إلى أن فرنسا «تنتقل من نهج التبرعات إلى نهج اقتصادي متبادل»[15].
ومع ذلك، يجب على كينيا تجنب الاعتماد المفرط على رأس المال الفرنسي أو المشاريع الممولة بشكلٍ كبير من الخارج، والتي تسهم بشكلٍ ضئيل في بناء اقتصاد وطني قوي، فلابد أن تنظم كينيا الاستثمارات الأجنبية بشكلٍ يناسب اقتصادها. وفي هذا السياق، يشير باحثون أن تزايد تدفقات رأس المال الاستخراجية والخدمية قد زادت من التبعية الخارجية، وأضعفت سلاسل القيمة المحلية، وساهمت في التراجع الصناعي في أجزاء واسعة من إفريقيا. ويشكل استمرار صعوبة جذب إفريقيا للاستثمار الأجنبي المباشر الموجه نحو التصنيع عائقاً رئيسياً أمام نموها الاقتصادي واندماجها الأعمق في الاقتصاد العالمي[16].
رابعاً: بين جيبوتي وكينيا.. محور جديد يتشكل في شرق إفريقيا:
وتُشير الاتفاقية الدفاعية- الموقعة مؤخراً بين البلدين- إلى ما يشبه إعادة تموضع إستراتيجي لباريس في القارة، فبعد سنوات من تراجع نفوذها في غرب إفريقيا، يبدو أنها تتجه نحو الشرق الناطق بالإنجليزية بحثاً عن موطئ قدم بديل. وفي هذا السياق، تبرز كينيا كنقطة ارتكاز، ليس فقط لموقعها الساحلي على المحيط الهندي، ولكن أيضاً لقربها من جيبوتي، حيث تحتفظ فرنسا بقاعدتها العسكرية الوحيدة في إفريقيا والتي تضم نحو 1500 جندي. ويُفضي الجمع بين الوجود الفرنسي الراسخ في جيبوتي والتمركز المتنامي في كينيا إلى تشكيل محور عملياتي يمتد عبر شرق القارة، وهو ما قد يمنح باريس منصة جديدة لإعادة بناء نفوذها في شرق ووسط إفريقيا[17].
وتُعدّ جيبوتي ركيزةً أساسية لفرنسا للحفاظ على نفوذها بالقارة، إلا أن النفوذ الفرنسي يواجه تنافساً دولياً محتدماً داخل الدولة الصغيرة ذات الموقع الإستراتيجي. فإلى جانب الوجود الفرنسي، تحتضن جيبوتي قاعدة معسكر ليمونييه التي تديرها الولايات المتحدة منذ عام 2002م، وهي القاعدة الأمريكية الدائمة في القارة، فضلاً عن قواعد عسكرية لكلٍّ من الصين واليابان وإيطاليا.
وذلك إلى جانب استثمارات متزايدة في مواني جيبوتي من قِبَل دولة الإمارات والسعودية، ما يخلق بيئةً تنافسية تُضيّق الحركة أمام باريس. وفي المقابل؛ قد تواجه فرنسا في كينيا منافسةً من قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة، إلا أنها تبدو أقل حدة مقارنةً بالحالة الجيبوتية، وهذا يعزز جاذبية نيروبي كمساحة مكملة لإعادة تموضع النفوذ الفرنسي في شرق إفريقيا[18].
خامساً: كيف يوظف «روتو» الشراكات الإقليمية لتعزيز فرصه الانتخابية؟:
يتجه الرئيس الكيني ويليام روتو إلى تكثيف التفاهمات الإقليمية والدولية قبيل الانتخابات الكينية المقرر انعقادها في أغسطس 2027م، إذ يعمل روتو على تطوير دور بلاده في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات العظمى[19]، ففي مارس الماضي، زار الرئيس الموزمبيقي «دانيا تشابو» نيروبي بدعوة من نظيره الكيني روتو[20]، بهدف إبرام شراكات أكثر تطوراً بين البلدين. وقد ركزت هذه التفاهمات على مجالات التجارة والطاقة والتدريب الدبلوماسي وغيرها من القطاعات. وفي أبريل الجاري، أبرمت كينيا 11 اتفاقيةً مع المغرب، تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الأمن والزراعة والصحة.
تسهم هذه الشراكات التنموية التي يبرمها روتو في تعزيز شعبيته في بعض المناطق الكينية، فمن خلال مشروعات البنية التحتية، يتدفق التمويل المخصص للطرق والإسكان والطاقة إلى غرب كينيا ومناطق لوو نيانزا والساحل ولوهيا وكيسي، وهي مناطق اتسمت لعقود بالتهميش، ما جعلها أبرز المستفيدين مؤخراً. وقد أسهم ذلك، بالإضافة لعوامل أخرى، في تعزيز موقع روتو بوصفه الفائز الأقرب لانتخابات 2027م. وليس هذا فقط، إذ إن اقتراب الانتهاء من بناء ملعب تالانتا في نيروبي، إلى جانب الزخم المتجدد لمشروع تمديد خط السكة الحديد ليصل إلى غرب كينيا، يحملان أهميةً رمزية، ويعززان من فرص روتو في كسب مزيدٍ من التأييد الشعبي داخل البلاد.
ويظل الغضب الشعبي مستمراً في كينيا بسبب ارتفاع الضرائب وأسعار الغذاء والوقود. ومع ذلك، شدد روتو قبضته على آليات قد تُمكّنه، وفق تقديرات موقع The Africa Report، من الفوز في انتخابات أغسطس 2027م. فخلال السنوات الثلاث الماضية، عمل روتو على ترسيخ هيمنة حزبه، الحزب الديمقراطي المتحد، من خلال استقطاب النخب السياسية وتوسيع قاعدة تقاسم السلطة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في منتصف عام 2024م، عندما أبرم روتو اتفاقاً مع الحركة الديمقراطية البرتقالية، الحزب المعارض الرئيسي في البلاد، مما أتاح تشكيل تحالف يقوم على الحسابات السياسية أكثر من العواطف، وهو ما قد يعزز فرصه في حسم الانتخابات المقبلة[21].
في الختام:
لا يمكن قراءة التوجه الفرنسي نحو كينيا باعتباره انتقالاً جغرافياً من غرب القارة إلى شرقها، بل هو اختبار حقيقي لقدرة باريس على إعادة صياغة علاقتها مع إفريقيا خارج إرث الهيمنة التقليدية. إذ إن نجاح هذا التحول لن يُحدَّد بحجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات الموقعة؛ بقدر ما يقاس بمدى قدرة فرنسا على بناء شراكات متكافئة تُعزز من استقلال القرار الإفريقي، ولا تُعيد إنتاج أنماط التبعية القديمة في ثوبٍ جديد. وعليه؛ فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت فرنسا ستنجح في إيجاد بديل إستراتيجي في كينيا، بل الأهم: هل تستطيع أن تُقنع إفريقيا سواءٌ الشرق أو الغرب بأنها لم تعد القوة الاستعمارية ذاتها التي لفظتها شعوب الساحل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] Jonathan Guiffard, “Operation Barkhane: Success? Failure? Mixed Bag?,” Institut Montaigne, March 30, 2023, at:
https://www.institutmontaigne.org/en/expressions/operation-barkhane-success-failure-mixed-bag
[2] Wanga, Justus. “France Turns to Nairobi, Taps India and Germany in Africa Reset.” The EastAfrican, January 10, 2026, at: https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/world/france-turns-to-nairobi-taps-india-and-germany-in-africa-reset-5322482
[3] AllAfrica. Macron défend un partenariat «inédit» avec le continent AllAfrica, January 8, 2026, at: https://fr.allafrica.com/stories/202601080236.html
[4] Ministry for Europe and Foreign Affairs (France). “Africa Forward: Africa-France Partnerships for Innovation and Growth Summit.” Published April 3, 2026, at: https://www.diplomatie.gouv.fr/en/presse-et-ressources/decouvrir-et-informer/actualites/sommet-africa-forward-partenariats-entre-l-afrique-et-la-france-pour-l-innovation-et-la-croissance
[5] Élysée (Présidence de la République française). “Africa Forward: Africa-France Partnerships for Innovation and Growth Summit.” Published March 17, 2026, at: https://www.elysee.fr/en/emmanuel-macron/2026/03/17/africa-forward-africa-france-partnerships-for-innovation-and-growth-summit
[6] The Standard. “Ruto to Represent Africa at G7 Summit amid Push for Financial Reforms.”, at: https://www.standardmedia.co.ke/africa/article/2001543884/ruto-to-represent-africa-at-g7-summit-amid-push-for-financial-reforms
[7] State Department for Trade (Kenya). “France Business Guide Launched to Boost Investment in Kenya.” Published March 11, 2026, at: https://www.trade.go.ke/france-business-guide-launched-boost-investment-kenya
[8] “جنود فرنسيون لن يخضعوا للمساءلة عن مذبحة شهدتها رواندا”، Swissinfo، نشر في 19 مايو 2019. https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%AF-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%86-%D9%8A%D8%AE%D8%B6%D8%B9%D9%88%D8%A7-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A1%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%B0%D8%A8%D8%AD%D8%A9-%D8%B4%D9%87%D8%AF%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%A7/46586578
[9] Parliament of Kenya. Defence Cooperation Agreement between the Government of the Republic of Kenya and the Government of the French Republic. Nairobi: National Assembly, at: https://www.parliament.go.ke/sites/default/files/2025-12/Defence%20Cooperation%20Agreement%20between%20the%20Gvt%20of%20the%20Republic%20of%20Kenya%20%26%20the%20Gvt%20of%20the%20French%20Republic.pdf
[10] ACLED “What’s Next for the Fight against al-Shabaab in Kenya and Somalia.” Published September 4, 2024, at: https://acleddata.com/report/whats-next-fight-against-al-shabaab-kenya-and-somalia-august-2024
[11] The Star. “Kenya, France Sign Defence Pact to Expand Military Cooperation, Troop Access, at: https://www.the-star.co.ke/news/2026-04-15-kenya-france-sign-defence-pact-to-expand-military-cooperation-troop-access
[12] BBC News. “Kenyan MPs Accuse British Soldiers of Sexual Abuse and Environmental Damage, at: https://www.bbc.com/news/articles/cvgq5dvygllo
[13] EA Business World. “France Shifts Capital Focus to East Africa.” Published April 10, 2026, at: https://www.eabusinessworld.com/2026/04/10/france-shifts-capital-focus-to-east-africa/
[14] Clynch, Harry. “France Embraces Anglophone Africa as Ties to Former Colonies Fray.” African Business, October 27, 2025, at: https://african.business/2025/10/trade-investment/france-embraces-anglophone-africa-as-ties-to-former-colonies-fray
[15] Musarurwa, Tawanda. “France Seeks to Strengthen ‘Win-Win’ Relationship with Africa.” The Herald (Zimbabwe). Published 2026, at: https://www.heraldonline.co.zw/france-seeks-to-strengthen-win-win-relationship-with-africa/
[16] Qiraat African. “Why France’s Focus Is Shifting to Anglophone Africa.” Published December 28, 2025, at: https://qiraatafrican.com/en/19018/why-frances-focus-is-shifting-to-anglophone-africa/
[17] Feseha, Markos Haile. “Re-evaluating the French Presence in the Horn of Africa.” Horn Review, June 5, 2025, at: https://hornreview.org/2025/06/05/re-evaluating-the-french-presence-in-the-horn-of-africa/
[18]” الصومال وسؤال الحليف الخليجي: لماذا تتقدم السعودية وتتراجع الإمارات؟”، Geeska، على الرابط:
https://www.geeska.com/ar/alswmal-wswal-alhlyf-alkhlyjy-lmadha-ttqdwm-alswdyt-wttraj-alamarat
[19] “توافقات أمنية تعزز شراكة كينيا وفرنسا”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، على الرابط:
https://ecssr.ae/ar/products/1/205534
[20] Agência de Informação de Moçambique (AIM). “Mozambique and Kenya Sign Agreements.” Published March 27, 2026, at: https://aimnews.org/2026/03/27/mozambique-and-kenya-sign-agreements/
[21] The Africa Report. “Unloved but Unbeatable: How Ruto Is Locking Down Kenya’s 2027 Election, at: https://www.theafricareport.com/406846/unloved-but-unbeatable-how-ruto-is-locking-down-kenyas-2027-election/











































