تمهيد:
أدى الصعود الشعبوي في العقدين الماضيين إلى تحفيز العديد من الدراسات حول دوافعها، لكن لا يزال هناك نقص في المعلومات حول عواقبها الاقتصادية والسياسية. وقد أدى صعودها في القارة الإفريقية، ولا سيما في الدورات الانتخابية لعامي 2024 و2025م، إلى تقلبات كبيرة في الحوكمة الاقتصادية للعديد من الدول.
ولقد تناولت العديد من الدراسات بالتحليل مشهد الانتخابات في القارة، غير أنها لم تضع موجات الحكم فيها في قوالب أيديولوجية- إنْ صحّت العبارة، ولم تركز على تداعياتها الاقتصادية، وهو ما استهدفته المقالة من خلال:
أولاً: الشعبوية.. التاريخ والمفهوم والخصائص والوضع الحالي.
ثانياً: الشعبوية في إفريقيا جنوب الصحراء.. المشهد الحالي.
ثالثاً: الشعبوية الاقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء وعواقب الصعود الشعبوي الاقتصادية.
أولاً: الشعبوية.. التاريخ والمفهوم والخصائص والوضع الحالي:
تُعرّف الشعبوية بأنها «أيديولوجية سطحية تصور «الشعب النقي» في مواجهة «النخبة الفاسدة»، وغالباً ما تتجلى في السياسة الاقتصادية من خلال التوسع المالي قصير الأجل، والخطاب الحمائي، وتقويض المؤسسات التنظيمية المستقلة»[1].
يصف الشعبويون شريحةً من المجتمع بأنها «الشعب الحقيقي»، ويُقدّمون أنفسهم على أنهم صوتهم الوحيد والحقيقي، ويقاتلون إلى جانبهم ضد النخب وغيرهم ممن يغتصبون حقوقهم ومزاياهم. وهناك ثلاثة أنواع منها: الاقتصادية والسياسية والثقافية. لها خصائص مشتركة، لكن الظروف التي تؤدي إلى ظهور كلٍّ منها وعواقبها مختلفة.
تتضمن الشعبوية الاقتصادية تبنّي سياسات اجتماعية واقتصادية تنقل الموارد من الأثرياء إلى الطبقات المتوسطة والدنيا. تحظى هذه السياسات بشعبية مبدئية لدى العامة لأن فوائدها تفوق تكاليفها على المدى القصير بالنسبة لمعظم الناس، إلا أنه يصعب استدامتها على المدى الطويل لأن تكاليفها تتجاوز فوائدها في نهاية المطاف حتى بالنسبة لأولئك الذين استفادوا منها في البداية.
تتضمن الشعبوية السياسية تجاهل المؤسسات أو تقويضها أو الاستيلاء عليها أو التخلص منها بطريقة استبدادية، لأنها تُعتبر عوائق أمام «إرادة الشعب» بدلاً من أن تكون بمثابة ضوابط وتوازنات.
تتضمن الشعبوية الثقافية تفضيل عرق أو جنسية أو دين أو طائفة أو طبقة معيّنة، وخاصةً السكان الأصليين، باعتبارهم «الشعب الحقيقي»، على حساب الآخرين، وخاصةً المهاجرين.
وعلى الرغم من اختلاف أسباب كلّ نوع من أنواع الشعبوية الثلاثة؛ فإنها تشترك في العديد من الخصائص[2].
يُقسّم الشعبويون المجتمع عادةً إلى فئتين، كالأغنياء والفقراء، والحضر والريف، والأغلبية والأقلية، والبروليتاريا والبرجوازية، أو السكان الأصليين والمهاجرين. ويطلقون على إحداهما اسم «الشعب»، ويعاملون الباقي على أنهم «الآخرون» الذين ينتهكون حقوق الشعب، لأن الشعبويين ينظرون إلى الآخرين كأعداء، وإلى الاقتصاد كلعبة محصلتها صفر، فإنهم يرفضون أي حلول وسط.
كما يميلون إلى التجمع تحت قيادة زعيم كاريزمي ذي نزعة استبدادية، ويرفضون أي مؤسسات وسيطة بين الشعب وزعيمهم، ويتبعون الزعيم بشكلٍ أعمى. لا يثق الشعبويون بالخبراء ووسائل الإعلام، ويتهمونهم بمحاولة تضليل الشعب.
لكل هذه الأسباب؛ يميل الشعبويون إلى أن يكونوا مناهضين للتعددية، وغير ليبراليين، ومستقطبين، وعرضةً لتصديق ونشر نظريات المؤامرة. وهي ذات أيديولوجية سطحية للغاية، ولزيادة تماسكها يجب ربطها بأيديولوجية أكثر عمقاً، ولهذا السبب يمكننا الحديث عن الشعبوية اليمينية والشعبوية اليسارية.
على الرغم من أن الشعبويين يُشكلون تهديداً للديمقراطية؛ فإنهم يخدمون أيضاً غرضاً من خلال لفت الانتباه إلى المشكلات الخطيرة والمهملة منذ فترة طويلة، والمؤسسات المختلة، وشرائح المجتمع التي تم تهميشها.
لكن الحلول المبسطة التي يُقدّمونها ليست علاجاً لهذه المشكلات. في الواقع؛ هدفهم ليس حل المشكلات، بل استغلالها انتهازياً لجذب المؤيدين وإضعاف المؤسسات التي تراقب سلطتهم وتوازنها.
قد تفقد الإدارات والقادة الشعبويون زخمهم، غالباً بسبب عدم الوفاء بوعودهم وردود الفعل السلبية التي أثاروها. ولكن بحلول وقت مغادرتهم السلطة؛ من المرجح أن يكونوا قد ألحقوا ضرراً بالغاً بالاقتصاد والمؤسسات الديمقراطية ووحدة بلدانهم، وأنهم قد نقلوا النزعة الشعبوية/ الصعود الشعبوي إلى الأحزاب السياسية الرئيسية[3].
تاريخياً، يعود أصل المصطلح إلى «حزب الشعب»، الذي تأسس في الولايات المتحدة عام 1892م واستمر حتى عام 1908م. وخلال الفترة 1849-1860م، ظهرت حركة شعبوية يمينية أخرى، عُرفت باسم «حركة لا أدري»، وكانت معادية للكاثوليكية والمهاجرين، وتؤمن بتفوق البيض البروتستانت.
وكان «حزب العملة الخضراء»، الذي نشط خلال الفترة 1874-1884م، حزباً شعبوياً آخر. في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ظهرت حركة شعبوية في روسيا أيضاً، أُطلق عليها اسم «نورودنيكي» (الشعب)، دافعت هذه الحركة عن مصالح الريف وشجعت القرويين على الثورة ضد القيصر لتشكيل نظام اشتراكي[4].
وحتى منتصف الخمسينيات كان المؤرخون يستخدمون مصطلح «الشعبوي» للإشارة إلى الحزب الشعبوي، لكن لاحقاً أصبح علماء الاجتماع يستخدمونه لوصف جميع الحركات المناهضة للنخب والمؤسسة الحاكمة. واليوم، يمتنع الشعبويون عن وصف أنفسهم بالشعبويين لأن هذا المصطلح أصبح يحمل دلالة سلبية.
الصعود الشعبوي بلغ على مستوى الدول ذروتها في عام 2020م، حيث يحكم أكثر من 25% من الدول حالياً قادة شعبويون. وبإنشاء قاعدة بيانات لدراسة التاريخ الاقتصادي للشعبوية؛ تم تحديد 51 رئيساً ورئيس وزراء شعبوياً بين عامي 1900 و2020م، وتبين أن التكلفة الاقتصادية للشعبوية باهظة، فبعد 15 عاماً انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10% مقارنةً بسيناريو بديل معقول لا يشهد شعبوية.
وعادةً ما يترافق التفكك الاقتصادي، وتراجع الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتآكل المؤسسات مع الحكم والصعود الشعبوي[5]، مع انخفاضٍ ملحوظ طويل الأمد في الاستهلاك والإنتاج. كما تُعدّ الشعبوية مزعزعةً للاستقرار السياسي، وتُحدث تدهوراً مؤسسياً. ويشير التحليل إلى أن الشعبوية باقية، ولها تاريخ طويل وطبيعة متسلسلة؛ فإذا حُكمت دولةٌ ما بشعبوي مرّةً؛ فمن المرجح أن تشهد وصول شعبوي آخر إلى السلطة في المستقبل[6].
شهد عام ٢٠٢٤م لحظةً محورية للديمقراطية، حيث جرت انتخابات في أكثر من سبعين دولةً حول العالم. وُصف هذا العام بأنه «عام الشعبوية اليمينية»، حيث حققت الأحزاب الشعبوية مكاسب ملحوظة في العديد من الديمقراطيات الكبرى في العالم، وقد أجبر هذا التحول العديد من الدول على مواجهة النفوذ المتزايد لها والنظر في احتمالية استمرارها. وكان من الأحداث المهمة بالنسبة للكثيرين إعادة انتخاب الرئيس ترامب، الذي أشعل فوزه في عام ٢٠١٦م موجات لاحقة من المشاعر الشعبوية.
ووفقاً لتقرير استطلاع أجرته شركة إيبسوس، وشمل ٢٨ دولةً و٢٠٦٣٠ مستجيباً، وجد أن هناك ميلاً واسعاً نحو الصعود الشعبوي والقادة الشعبويين. كما كشف عن ازدياد المشاعر المناهضة للمؤسسة الحاكمة، والتشاؤم حيال تقدّم البلدان المعنية، حيث يعتقد 63% في المتوسط بضرورة وجود «قائد قوي» لاستعادة زمام الأمور من النخب، ويرغب 74% في المتوسط في رؤية ظهور نوع من «الحكومة الفاعلة».
ولم تكن الديمقراطيات خارج الغرب بمنأى عن رواج السياسات والصعود الشعبوي، حيث يواجه العديد منها، انتشاراً مطرداً للشخصيات الشعبوية، كما هو الحال في جنوب آسيا والهند وأمريكا اللاتينية وإفريقيا[7].
ثانياً: الصعود الشعبوي في إفريقيا جنوب الصحراء.. المشهد الحالي:
يُستخدم مصطلح «الشعبوية» بكثرة في إفريقيا للإشارة إلى ظواهر شديدة التباين. وفي الوقت نفسه؛ تُمثل القارة حالةً بالغة الصعوبة في تحديد مفهوم الشعبوية، نظراً لهيمنة القادة ذوي النزعة الشخصية، وغياب أيديولوجية سياسية واضحة لدى العديد من الأحزاب السياسية. وبدراسة وتحليل حالات الصعود الشعبوي في إفريقيا؛ وُجد أنها لا تظهر إلا عندما تتجلى كإستراتيجية سياسية مدعومة بخطاب أيديولوجي وأداءات اجتماعية وثقافية[8].
تاريخياً؛ ارتبط الصعود الشعبوي في إفريقيا بمرحلة ما بعد الاستقلال، حيث سعى القادة إلى بناء شرعية سياسية من خلال وعود بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، وهو ما اتخذ غالباً طابعاً يسارياً أو اشتراكياً في أدبيات الفكر السياسي الإفريقي[9].
وقد كشفت الانتخابات الإفريقية لعامي 2024 و2025م عن موجة من الصعود الشعبوي تُعيد تشكيل المشهد السياسي. وقد أدى استغلال الأحزاب لحالة الإحباط الشعبي إلى عواقب تتجاوز حدود القارة، حيث صورت الحركات الشعبية الانتخابات على أنها صراع بين المواطنين والنخب الفاسدة. في تنزانيا، اعتمد كلٌّ من حزب تشاما تشا مابيندوزي الحاكم وبعض أطياف المعارضة بشكلٍ كبير على الخطاب الشعبوي، مستغلين غضب الشعب من ارتفاع تكاليف المعيشة والفساد ومحدودية الفرص الاقتصادية. وسلكت جنوب إفريقيا نمطاً مشابهاً، كثّف حزب مقاتلي الحرية الاقتصادية خطابه الاقتصادي الراديكالي، بينما صعّد حزب MK بزعامة جاكوب زوما هجماته على المحاكم ولجنة الانتخابات ووسائل الإعلام. حصل حزب MK على أكثر من أربعة ملايين صوت في انتخابات عام 2024م رغم عدم تقديمه برنامجاً سياسياً واضحاً[10].
يُقدّم الباحثون عدة تفسيرات مترابطة لموجة الصعود الشعبوي التي تجتاح إفريقيا، حيث يرى البعض أنها رد فعل عكسي على الآثار الملموسة للإخفاقات الاقتصادية، ونقص الخدمات الاجتماعية، والفساد المستشري، والعجز عن التعامل مع تزايد الجريمة، والتفاوتات العرقية، ومعاداة الهجرة، وكراهية الأجانب، وتوزيع الموارد، كالأراضي.
ويمكن تصنيف القادة الشعبويين في القارة إلى مجموعتين؛ الأولى: المعروفة باسم الشعبويين من الجيل القديم، وهي تضم أولئك الذين شاركوا في السياسة على مستوى الدولة على المستوى التنفيذي خلال التسعينيات، وهي فترة تميزت بترسيخ الديمقراطية. أما المجموعة الثانية: المسماة بالشعبويين من الجيل الجديد، فتضم أولئك الذين وصلوا إلى السلطة في ظل الديمقراطيات الراسخة حالياً، بدءاً من العقد الثاني من الألفية الثالثة.
وتجدر الإشارة إلى أن الشعبويين يوجدون بأشكال عديدة وعلى جميع مستويات المجتمع الإفريقي. ولا يقتصر التركيز هنا على القول بأنهم محصورون في القيادة السياسية؛ بل إن معظم الشعبويين منخرطون بنشاطٍ في السياسة على مستوى عالٍ بما يكفي ليُعتبروا قادة سياسيين على نطاق واسع.
وباستخدام التحليل البصري وتحليل الخطاب النقدي لدراسة أساليب الصعود الشعبوي في إفريقيا، في جنوب إفريقيا وأوغندا، حيث ترتبط الشرعية السياسية غالباً بالخبرة العسكرية أو المشاركة الثورية، تؤكد النتائج هيمنة أسلوبَي «الرجل العسكري الوطني» و«المناضل». يحافظ هؤلاء القادة على صورتهم العامة من خلال أفعال رمزية، مثل ارتداء الزي العسكري واستخدام الخطاب الثوري.
في المقابل؛ تُظهر كينيا تفضيلاً لنهج «رجل الأعمال»، مُسلطةً الضوء على النجاح المُحقق من خلال المثابرة في الاقتصاد غير الرسمي. ويمكن لشريحة كبيرة من السكان، الذين يواجهون تحديات مالية مماثلة، أن يتفهموا هذا النهج[11].
ثالثاً: الشعبوية الاقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء وعواقبها الاقتصادية:
إن الاقتصادات التي يقودها الشعبويون تقع فريسةً لهذه السياسات على نطاق واسع، بغض الطرف عما إذا كانت الحكومة يسارية أو يمينية، أو كانت في أوروبا أو أمريكا الجنوبية[12].
وتُعدّ الشعبوية الاقتصادية في السياق الإفريقي ظاهرةً معقدة ومتعددة الأبعاد، حيث تتقاطع فيها تطلعات التحرر الوطني مع برامج التنمية الاشتراكية والسياسات القائمة على حشد الجماهير المهمشة ضد النخب التقليدية أو القوى الاستعمارية السابقة. وتتسم الممارسة الشعبوية في إفريقيا بالتناقض، فبينما بدأت كأيديولوجية للتحرر من العبودية والاستعمار؛ تحولت في كثيرٍ من الأحيان إلى أدوات للحكم السلطوي.
من الناحية الاقتصادية؛ غالباً ما تتبنّى الأنظمة الشعبوية سياسات تأمين حياة البسطاء، عبر دعم السلع الأساسية أو تأميم الموارد، لكنّ هذه السياسات تصطدم بواقع تغوّل سلطة رأس المال والضغوط الاقتصادية العالمية. هذه التجارب، تؤدي غالباً إلى تآكل شرعية القادة عندما يعجزون عن تلبية الوعود الاقتصادية، مما يدفعهم أحياناً لاستخدام العنف أو تعزيز النزعات السلطوية للبقاء في السلطة[13].
والتاريخ السياسي الإفريقي يثبت أن الشعبوية التي لا تستند إلى مؤسسات ديمقراطية قوية تنتهي غالباً إلى أزمات اقتصادية هيكلية، مما يعزز الحاجة إلى تبنّي نماذج تنموية أكثر واقعيةً وشمولية بدلاً من الوعود الشعبوية قصيرة الأمد[14].
وبإعطاء الأولوية لإعادة التوزيع الفوري أو الأجندات الاقتصادية القومية على حساب الإصلاح الهيكلي طويل الأجل؛ تُخلّ الحركات الشعبوية- في كثيرٍ من الأحيان- بالاستقرار اللازم للاستثمار الأجنبي المباشر والنمو الاقتصادي المستدام[15].
وهناك مجموعة من التداعيات الاقتصادية، التي تم رصدها لنهج الصعود الشعبوي في بعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ومنها:
– التقلبات المالية وتآكل المؤسسات:
في العديد من الدول الإفريقية، يلجأ القادة الشعبويون إلى إستراتيجيات اقتصادية قائمة على المحسوبية، حيث تُوجّه موارد الدولة نحو قواعد انتخابية محددة للحفاظ على الدعم السياسي، مما يؤدي غالباً إلى مستويات ديون غير مستدامة[16]. وكما أشارت تحليلات حديثة لتنزانيا وجنوب إفريقيا؛ فإن التحول نحو الخطاب الشعبوي- الذي غالباً ما يتمحور حول التظلمات المتعلقة بتكاليف المعيشة والفساد- قد أدى إلى تدهور «الحيز الديمقراطي» الضروري للرقابة الاقتصادية الشفافة[17]. وعندما تتعرض مؤسسات مثل البنوك المركزية ولجان الانتخابات والهيئات القضائية لهجمات من قبل الفاعلين الشعبويين؛ فإن حالة عدم اليقين الناتجة تخلق «علاوة مخاطرة» تُثني تدفق رؤوس الأموال الخاصة[18].
– الأثر على الاستثمار واستقرار السوق:
غالباً ما تقاس التكلفة الاقتصادية للشعبوية بانخفاض ثقة المستثمرين. في جنوب إفريقيا، يؤدي ظهور أحزاب مثل حزب MK، الذي يشكك في نزاهة القضاء ولجنة الانتخابات، إلى خلق مناخ من عدم اليقين القانوني[19]. ويرى الاقتصاديون أنه عندما يُنظر إلى سيادة القانون على أنها ثانوية للتعبئة السياسية؛ ترتفع تكلفة الاقتراض للدولة، حيث تطالب الأسواق الدولية بعوائد أعلى للتعويض عن المخاطر المتوقعة لانقلاب السياسات أو المصادرة.
كذلك؛ فإن التركيز على الخطاب الاقتصادي الراديكالي- الذي غالباً ما يفتقر إلى إطار مالي متماسك- قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، كما هو الحال في العديد من الأسواق الناشئة، حيث سبقت دوراتُ الصعود الشعبوي تاريخياً انخفاضَ قيمة العملة والضغوطَ التضخمية[20].
– العواقب الهيكلية طويلة الأجل لـ الصعود الشعبوي:
تشمل التداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لهذا التوجه احتمال حدوث تدهور مؤسسي، حيث يتم التضحية بمهنية الخدمة المدنية من أجل الولاء السياسي[21]. فعندما تعطي الأنظمة الشعبوية الأولوية للمحسوبية على حساب الجدارة؛ تنخفض كفاءة تقديم الخدمات العامة، مما يزيد من تفاقم المظالم الاقتصادية التي غذت الصعود الشعبوي في المقام الأول. وهذا يخلق حلقة مفرغة: يؤدي الركود الاقتصادي إلى مزيد من الغضب، والذي بدوره يغذي وعوداً شعبوية أكثر راديكالية، مما يعيق في نهاية المطاف التحول الهيكلي الضروري للاقتصادات الإفريقية للاندماج بشكلٍ أكثر فعالية في السوق العالمية.
ختاماً:
يتضح مما سبق؛ أنّ التحديات الديمقراطية والتنموية التي تواجه إفريقيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالشعبوية، وأن الدول النامية التي حققت نجاحاً منذ الحرب العالمية الثانية فعلت ذلك بتجنّبها نهج الصعود الشعبوي، وهو نهجٌ نادراً ما يُتبع في إفريقيا. وقد شهدت القارة موجات متكررة من الشعبوية عبر الأجيال، ويرتبط فشلها في تحقيق تنمية مستدامة منذ القرن التاسع عشر ارتباطاً وثيقاً بهذه الدورات. وبينما تمكنت موريشيوس والرأس الأخضر وبوتسوانا من تجاوز دورات الصعود الشعبوي وتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد؛ فإن تكرار هذا النجاح في كامل القارة سيكون بالغ الصعوبة.
إن تعريف الشعبوية في السياق الإفريقي يُمثل تحدياً بحد ذاته، ففي كثيرٍ من الحالات؛ ما يبدو أنه شعبوية هو في الواقع رد فعل على أنظمة سياسية راسخة فشلت في توفير الخدمات والمساءلة والفرص الاقتصادية. تحمل هذه التطورات تداعيات حقيقية؛ فالحوكمة المستقرة والقائمة على القواعد في إفريقيا ضرورية لضمان أمن سلاسل الإمداد، والتعاون في مجال الطاقة، والشراكات الأمنية الإقليمية. وعندما تُضعف السياسات الشعبوية المؤسسات؛ تصبح السياسات غير قابلة للتنبؤ، ويصعب التعاون طويل الأمد.
…………………………………….
[1] Mudde, Cas. Populist Radical Right Parties in Europe.at: https://www.pacedifesa.org/public/documents/Cas%20Mudde%20Populist%20Radical%20Right%20Parties%20in%20Europe%20%202007.pdf
[2] علي أكارجا، ثلاثة أنواع من الشعبوية: الاقتصادية والسياسية والثقافية، 1/6/2021. متاح على الرابط: https://theforum.erf.org.eg/2021/05/31/three-types-populism-economic-political-cultural/
[3] علي أكارجا، مرجع سبق ذكره.
[4] المرجع السابق.
[5] Funke, Manuel, Moritz Schularick, and Christoph Trebesch. 2023. “Populist Leaders and the Economy.” American Economic Review 113 (12): 3249–88.
[6] https://cepr.org/voxeu/columns/cost-populism-evidence-history
[7] Neo Sithole, Populist Expression in Sub-Saharan Africa: An Archetype Analysis of New Generation Populists May 2025Hungarian Journal of African Studies / Afrika Tanulmányok 19(1):81-106. at: https://www.researchgate.net/publication/398151022_Populist_Expression_in_Sub-Saharan_Africa_An_Archetype_Analysis_of_New_Generation_Populists
[8] Resnick, Danielle, ‘Populism in Africa’, in Cristóbal Rovira Kaltwasser, and others (eds), The Oxford Handbook of Populism, Oxford Handbooks (2017; online edn, Oxford Academic, 6 Nov. 2017). at: https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780198803560.013.4, accessed 3 Apr. 2026.
[9] Thandika Mkandawire, African intellectuals and nationalism in the changing global context,2001. at: https://www.researchgate.net/publication/291539505_African_intellectuals_and_nationalism_in_the_changing_global_context
[10] Nonkululeko Njilo, When anger shapes votes. 17/12/2025. at: https://www.freiheit.org/sub-saharan-africa/when-anger-shapes-votes
[11] Neo Sithole. Op.cit.
[12] https://uabonline.org/international-news
[13] https://www.academia.edu/24661976/populism_in_Africa_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7
[14] Acemoglu, Daron and Robinson, James. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty. at: https://ia801506.us.archive.org/27/items/WhyNationsFailTheOriginsODaronAcemoglu/Why-Nations-Fail_-The-Origins-o-Daron-Acemoglu.pdf
[15] Acemoglu, Daron and Robinson, James. Op.cit.
[16] https://www.amherst.edu/news/magazine/issues/fall2012/amherstcreates/stiglitz/node/443402
[17] Nonkululeko Njilo. Op.cit.
[18] https://www.researchgate.net/publication/328767168_Straight_talk_on_trade_ideas_for_a_sane_world_economy_by_Dani_Rodrik
[19] Nonkululeko Njilo. Op.cit.
[20] Sachs, Jeffrey D. The End of Poverty: Economic Possibilities for Our Time. at: https://www.economia.unam.mx/cedrus/pdf/jeffrey_sachs_the_end_of_poverty_economic_possibilities_for_our_time__2006.pdf
[21] https://nicf.gov.in/wp-content/uploads/2025/02/Political-Order-and-Political-Decay-From-the-Industrial-Revolution-to-the-Globalisation-of-Democracy-by-Francis-Fukuyama.pdf










































