ميّزت «إستراتيجية الدفاع القومي الأمريكية 2026» U.S. National Defense Strategy NDS 2026 تحولاً أمريكياً خطيراً، يمكن وصفه بالواقعية المتبادلة transactional realism (أو الصفقات الواقعية)، انتقالاً من أفكار «صيانة النظام الليبرالي» وتأكيد عهد الرئيس السابق جو بايدن على «الردع المتكامل» deterrence، إلى إستراتيجيةٍ تقوم بتضييق مجال الالتزامات الأمريكية (بشكل انتقائي بطبيعة الحال زمنياً وموضوعياً)، وتعيد ترتيب أولويات الأهمية الإقليمية وفق مبدأ وحيد تقريباً، وهو تعرض مصالح الولايات الأمريكية المباشرة/الملحة للتهديد، وإعادة تحديد الاستقرار باعتباره سيطرةً بتكلفة معقولة وليس تحولاً سياسياً أو بناء دولة على المدى البعيد[1]. وهو ما ينطبق أكثر ما ينطبق على مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر الجنوبي بشكلٍ محدد.
ويحاول المقال الحالي قراءة إستراتيجية الولايات المتحدة تلك وانعكاساتها في البحر الأحمر، وكذلك تحولاتها في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والتي وقعت بعد أسابيع قليلة من اعتماد هذه الإستراتيجية، وهو الحدث الذي يلقي بظلالٍ من الشك حول مرونة الإستراتيجية الأمريكية وجدية التزام إدارة الرئيس دونالد ترامب بها بشكلٍ مؤسساتي، في ضوء ما عُرف عن الأخير بخياراته الشعبوية في السياسة الخارجية.
إستراتيجية الدفاع القومي الأمريكية: إفريقيا على الهامش؟:
أعلنت وزارة الحرب الأمريكية «إستراتيجية الدفاع القومي الأمريكية» نهاية يناير 2026م، وجاءت في نحو 30 صفحةً لم تُذكر فيها القارة الإفريقية إلا في فقرة وحيدة يمكن قراءتها على النحو الآتي:
تتمثل أولوية وزارة الحرب في إفريقيا في منع الإرهابيين الإسلامويين من استخدام الملاذات الآمنة الإقليمية لضرب الولايات المتحدة. وفيما يتسق مع مصدر هذه الإستراتيجية- أي المقاربة المستدامة لمواجهة الإرهاب- فإننا سنظل على أهبة الاستعداد للقيام بعمل مباشر ضد الإرهابيين الإسلامويين الذين لديهم القدرة أو العزم على ضرب الولايات المتحدة، بما في ذلك التنسيق الوثيق مع العملاء والشركاء الخارجيين. وفي الوقت نفسه سنسعى لتمكين الحلفاء والشركاء من قيادة الجهود لإضعاف التنظيمات الإرهابية الأخرى والقضاء عليها[2].
وقد استهلت الإستراتيجية بالإشارة إلى أن الرئيس ترامب في فترة رئاسته الأولى، ثم عند عودته لفترة رئاسة ثانية في يناير 2025م، قد أعاد بناء الجيش الأمريكي ليصبح أكبر قوة في العالم وعلى نحوٍ مطلق، ووفق مبدأ مثير للجدل (بالنسبة لبقية العالم) قوامه «استعادة السلام عبر (استخدام) القوة» أو restoring peace through strength[3].
ورأت إدارة ترامب أن «الإستراتيجية» المعلنة مطلع العام الجاري تُمثل انقطاعاً عن الإستراتيجيات السابقة، بما في ذلك الواردة في فترة رئاسة ترامب الأولى، مع استبعادها قضايا مثل روسيا وأوروبا والتغير المناخي (على سبيل المثال). ولاحظ مراقبون أن الإستراتيجية الحالية تغطي نفس موضوعات الإستراتيجية السابقة (2025)، وأنها ليست وثيقة للتطبيق لكنها وثيقة سياسية ثانوية، وتعكس بشكلٍ جوهري رؤية الرئيس ترامب الذي ورد اسمه فيها 47 مرّةً، وتتبنّى لغةً شعبوية واضحة، وترفض مقاربة الأمن القومي للإدارات السابقة بما فيها إدارة ترامب الأولى[4].
على أي حالٍ؛ فإن تقاطع اهتمام وثيقة «الإستراتيجية» بمسألة الإرهاب العالمي مع اهتمامها بنفس القضية في حالة إفريقيا (كوجه اهتمام وحيد بالقارة على نحوٍ مثير للدهشة البالغة داخل هذه الوثيقة) يؤشر بجدية إلى التهميش المتزايد للقارة الإفريقية في السياسة الأمنية والعسكرية الأمريكية في العام 2026م، وأن رؤية الرئيس ترامب للقارة وقادتها تظل دون تغييرٍ يُذكر (أي تتراوح بين السخرية والاحتقار).
الولايات المتحدة والبحر الأحمر: بين صوماليلاند والحرب على إيران:
تتسق سياسات الرئيس الأمريكي ترامب بشكلٍ كامل مع رؤيته أن الصراعات والحروب خارج الولايات المتحدة مجرد أداة لتحقيق عائدات للناخب الأمريكي وإدارته؛ وتكشف «الإستراتيجية» بوضوح عن هذه الرؤية القافزة فوق العلاقات الدولية التقليدية إلى غلبة سلوك «رجال الأعمال» والزعماء الدوغمائيين والصفقات اللحظية، وتجلت هذه النزعة في موقف واشنطن من الاعتراف بصوماليلاند «دولة مستقلة»، وربطه بحجم التنازلات التي يمكن لـ«حكومة هرجيسا» تقديمه للولايات المتحدة. وهو الأمر الذي كشف عنه رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله في تصريحاتٍ مهمة (عقب اعتراف إسرائيل بالإقليم دولةً مستقلة في نهاية عام 2025م وفي زخم تداعياته)- أن «صوماليلاند تسعى للبناء على اعتراف إسرائيل الأخير (به) كجمهورية معلنة ذاتياً، عبر تكثيف المقاربة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة والعواصم الكبرى الأخرى، وطرح (الإقليم) نفسه شريكاً إستراتيجياً وغنياً بالموارد في إقليمٍ هش»[5]، وهو ما يجد آذاناً صاغية في واشنطن، ولا سيما مع تداعيات الحرب على إيران، ومن بينها تزايد عسكرة «ممر البحر الأحمر» وتحوله من منطقة بحرية آمنة نسبياً إلى إقليمٍ غير مستقر، رغم كونه محوراً مهماً للتجارة العالمية، ومحلاً للتنافس المستدام من قِبَل القوى العظمى. ولاحظ مراقبون أنه رغم هذه «التجارة الصامتة» بين واشنطن وهرجيسا؛ فإن السياسة الأمريكية تجاه صوماليلاند لا تزال محكومةً بالأطر الدبلوماسية[6].
وبدا هذا التوجه البراغماتي، الذي يجمع بين سياسات الدولة ورؤية الرئيس لمصالحه وأهم شركائه في العمل (وفي مستوى جديد من جهة انكشافه وجرأته على أقل تقدير)، في اتساق تعيين إسرائيل «أول سفير لها في صوماليلاند» في 15 أبريل الجاري، أي بعد ما يقل عن أربعة أشهر من مبادرة إسرائيل بالاعتراف بالإقليم الصومالي دولةً مستقلة ذات سيادة كأول دولة في العالم تُقدِم على مثل هذه الخطوة، وجاء تعيين السفير مايكل لوتم M. Lotem ليدل على أهمية الخطوة في سياسة إسرائيل الخارجية- حيث يتمتع بسيرة متعمقة في إفريقيا (يعمل حالياً سفيراً اقتصادياً غير مقيم في إفريقيا)، إذ مثل بلاده في كينيا وأوغندا وتنزانيا وملاوي وسيشيل-، ومن المعروف مدى الأهمية القصوى التي توليها إسرائيل لدول شرق إفريقيا منذ عام 1948م. ورغم هذه الخطوة المثيرة للجدل، والتي تقوّي بشكلٍ غير مسبوق احتمالات نشوب حرب إقليمية في البحر الأحمر، فإن موقف إدارة الرئيس ترامب يتفهم هذه الخطوة تماماً. مع ملاحظة تقارير غربية مهمة (the Algemeiner, April 16, 2026)[7] مواصلة عمل الإدارة الأمريكية على تقوية صلاتها «بصوماليلاند» بخطوات محددة، لا يمكن فصلها عن السياسة الإسرائيلية، مثل لقاء وفد أمريكي ضم قائد القوات الجوية الأمريكية الجنرال داغفين أندرسون Dagvin R. M. Anderson وقائد قيادة إفريقيا الأمريكية مع «رئيس أركان قوات صوماليلاند المسلحة» يوم 14 أبريل الجاري، أي قبل 24 ساعة فقط من الإعلان الإسرائيلي المذكور. وبادر مسؤولون من «صوماليلاند»، في تصريحاتٍ للقناة 12 الإسرائيلية، بتأكيد أن «السيطرة على قرب باب المندب (من قِبَل الإقليم) والبحر الأحمر سوف تغيّر بشكلٍ كبير مقاربة الولايات المتحدة في التعامل مع الحوثيين وإيران»، الأمر الذي يكشف طبيعة السياسة الأمريكية في البحر الأحمر، والتي تقوم على دفع تناقضات مصالح «الحلفاء» داخل الإقليم إلى نقطة صدام حتمية بغض النظر عن تكلفة هذا الصدام إقليمياً ودولياً.
البحر الأحمر ومسار التفاوض الأمريكي-الإيراني: إفريقيا غائبة!:
روّجت الميديا الغربية منتصف أبريل الجاري للتهديدات الإيرانية بتعطيل الملاحة في البحر الأحمر حال استمرار الحصار الأمريكي البحري على مواني إيران، مع ملاحظة استمرار عملية التفاوض بين إيران والولايات المتحدة[8]. وجاء مع هذا التجاهل للمخاوف الإفريقية، في المقام الحالي، تهديد الجيش الإيراني بـ«توسيع حصاره لمضيق هرمز ليشمل خليج عمان والبحر الأحمر» في حال عدم تعليق الولايات المتحدة لحصارها على المواني الإيرانية[9].
وفي المقابل؛ فإن رؤية دول البحر الأحمر الإفريقية لأمن هذا الإقليم المهم تتعارض بشكلٍ كامل مع وثيقة الإستراتيجية الأمريكية- المشار إليها سابقاً، وعلى سبيل المثال: فإنه يمكن إجمال رؤية هذه الدول (كما عبّر عنها على سبيل المثال وزير الخارجية المصري في حديثٍ مهم نشره موقع Atlantic Council في 9 أبريل الجاري)[10] في أنه لا يمكن تأمين الممرات المائية «مع تجاهل النظام السياسي للدول المطلة» على هذه الممرات، وهو الأمر الذي تنتهجه عملياً الولايات المتحدة (أي تتجاهل النظام السياسي للدول المطلة على البحر الأحمر، وتركز على فكرة تأمين الممرات البحرية، وربما يكون ذلك أداةً لزعزعة استقرار هذه الدول بالأساس على المدى البعيد).
لكن ما يهمنا في السياق الحالي، وبغض النظر عن مخرجات المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الجارية، واحتمالات «العودة إلى الحرب»، فإن الإستراتيجية الأمريكية في البحر الأحمر ستظل، على الأقل حتى نهاية ولاية ترامب الحالية، قائمةً على زاوية ضيقة للغاية لا تكترث إلا بمصالح واشنطن (وإسرائيل) المباشرة في البحر الأحمر كمؤشر وحيد لبوصلتها هناك، بينما تغيب اعتبارات المصالح الإفريقية (إلا في مدار الاتساق مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية في الإقليم كما هو حال «صوماليلاند» وإثيوبيا) بشكلٍ متزايد عن هذه الإستراتيجية الأمريكية المعلنة.
———————
المراجع:
[1] Selamawit Getachew, How the 2026 U.S. Defense Strategy Recasts the Horn of Africa, Horn Review, February 13, 2026, at:
https://hornreview.org/2026/02/13/how-the-2026-u-s-defense-strategy-recasts-the-horn-of-africa/
[2] Department of War, 2026 NDS: National Defence Strategy: Restoring Peace Through Strength for a New Golden Age of America, January 23, 2026, at:
https://media.defense.gov/2026/Jan/23/2003864773/-1/-1/0/2026-NATIONAL-DEFENSE-STRATEGY.PDF
[3] Ibid, pp. 2-3.
[4] Mark F. Cancian and Chris H. Park, The 2026 National Defense Strategy by the Numbers: Radical Changes, Moderate Changes, and Some Continuities, Center for Strategic & International Studies, January 27, 2026, at:
[5] The Red Sea Power Game: Israel’s recognition of Somaliland and the contest for influence in the Horn of Africa, March 2, 2026, at:
[6] Gulaid Yusuf Idaan, The Strategic Imperative for U.S. Engagement with Somaliland: Rethinking Policy Frameworks in the Red Sea Corridor, Modern Diplomacy, March 5, 2026, at:
[7] David Michael Swindle, Israel Names First Ambassador to Somaliland as US Strengthens Ties to Counter Houthi Threath, The Algemeiner, April 16, 2026, at:
[8] Iran threatens shipping in Red Sea if U.S. blockade continues, CNN, April 16, 2026, at:
[9] Iran Warns It Will Blockade the Sea of Oman and Red Sea Unless U.S. Ends Its Naval Blockade, Democracy Now, April 16, 2026, at:











































