الأفكار العامة:
-معاناة مدن إفريقية من أزمة صحية مستمرة؛ بسبب تراكم النفايات، وضعف الصرف الصحي، والتوسع الحضري السريع.
-البنك الدولي: إفريقيا جنوب الصحراء تنتج 174 مليون طن نفايات صلبة سنويًّا، يُجمع أقل من 50%.
-الأمم المتحدة: 90% من النفايات تُلقَى بمواقع عشوائية أو مكشوفة.
-الأمم المتحدة: سكان الحضر بإفريقيا تجاوز عددهم 600 مليون (2025)، وسيبلغ 950 مليونًا (2050)، مما يضغط على الأنظمة الهشّة.
-النمو الحضري يكشف فجوة بين الاحتياجات والموارد، بسبب اختلال الميزانيات المحلية.
-البنك الدولي: إدارة النفايات تستهلك 20% من ميزانيات البلديات دون خدمة شاملة.
-منظمة الصحة العالمية: 24% من أمراض إفريقيا مرتبطة بعوامل بيئية، أبرزها سوء إدارة النفايات.
بقلم: محمد انديونغ
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
يُواجه العديد من المدن الإفريقية أزمة صحية مستمرة ناتجة عن تراكم النفايات، وعدم كفاية أنظمة الصرف الصحي، والتحضر السريع. تكشف بيانات البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية عن ظاهرة هيكلية تُلحِق آثارًا اقتصادية غير مرئية غالبًا على الإنتاجية، والمالية العامة، وجاذبية المناطق الحضرية في القارة.
تندرج قضية الصرف الصحي في إفريقيا ضمن إطار اختلال قابل للقياس بين إنتاج النفايات ومعالجتها. وفقًا لتقرير البنك الدولي “ماذا عن النفايات 2.0″، تنتج إفريقيا جنوب الصحراء نحو 174 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية سنويًّا، مع جمع أقل من 50% منها. يتجنّب الجزء الأكبر من هذه الكميات الدوائر الرسمية، مما يؤدي إلى تراكم واسع في المناطق الحضرية ويُترجَم إلى نمط من الجمع غير المنظم.
تؤكد بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومبادرات المدن النظيفة الإفريقية أن أكثر من 90% من النفايات تُودَع في مواقع غير خاضعة للرقابة أو في الهواء الطلق. في نيروبي، يستقبل مكب دندورا، الذي وثَّقه موئل الأمم المتحدة، ما يصل إلى 2000 طن يوميًّا على مساحة 45 هكتارًا تقريبًا، مما يعكس التشبُّع التدريجي للبنى التحتية الحالية.
الديناميكية السكانية تُضخِّم هذه الأحجام؛ فتقديرات الأمم المتحدة تشير إلى تجاوز عدد سكان المناطق الحضرية في إفريقيا 600 مليون نسمة في 2025، مع اقترابها من 950 مليون نسمة بحلول 2050، مما يزيد الضغط على الأنظمة غير الكافية أصلاً.
يكشف النمو السريع للمدن عن فجوة مستمرة بين الاحتياجات والموارد المتاحة. في كينشاسا، تشير تقييمات موئل الأمم المتحدة إلى إنتاج آلاف الأطنان من النفايات يوميًّا دون تغطية كاملة للخدمات البلدية. تتكرر الحالات المماثلة في لاغوس وياوندي؛ حيث تعيق النفايات غير المُجمَّعة شبكات الصرف الصحي.
يعود هذا الخلل جزئيًّا إلى التوازنات المالية المحلية؛ إذ يُشير البنك الدولي إلى أن إدارة النفايات تستحوذ على ما يصل إلى 20% من ميزانيات البلديات دون ضمان خدمة شاملة. وبالتالي، تعتمد المجتمعات المحلية آليات جزئية، تاركة مناطق غير مغطاة.
تظهر الآثار مباشرة خلال الأحداث المناخية؛ حيث تُفاقم النفايات المتراكمة في المجاري من الفيضانات في المناطق الحضرية، مما يُسبِّب تكاليف إضافية لإصلاح الأضرار في الممتلكات والبنى التحتية.
تشكل الرابطة بين سوء الصرف الصحي والصحة العامة آلية رئيسية للخسائر الاقتصادية؛ فتقديرات منظمة الصحة العالمية تُفيد أن 24% من الأمراض في إفريقيا مرتبطة بعوامل بيئية، بما في ذلك سوء إدارة النفايات. ولذا تجد عدوى الإسهال والكوليرا وأمراض الجهاز التنفسي بيئات خصبة في المناطق غير الصحية.
تؤثر هذه الظاهرة مباشرة على الإنتاجية؛ إذ يُؤدي الغياب الناتج عن الأمراض، والإنفاق الطبي، وانخفاض القدرة البدنية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، خاصةً في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية.
كما يُسبِّب التعرض اليومي للنفايات آثارًا أقل وضوحًا لكنها دائمة؛ يُشير البنك الدولي إلى انتشار المواد البلاستيكية الدقيقة في البيئات الحضرية الإفريقية الناتجة عن تدهور النفايات البلاستيكية غير المُجمَّعة، مما يثير تحديات صحية قيد التقييم.
خسائر اقتصادية غير مركزية لكنّها جوهرية:
إن الأثر الاقتصادي الناجم عن تدنّي المستوى الصحي يتجاوز بكثير التكاليف المرتبطة بالإدارة المباشرة. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي؛ فإن سوء إدارة النفايات يتسبّب في خسائر سنوية تتجاوز 8 مليارات دولار في قارة إفريقيا، تشمل تداعياته قطاعات الصحة والبنية التحتية والبيئة.
وتتنوع مظاهر هذه الخسائر؛ إذ يسهم تردّي البنية التحتية الناتج عن الفيضانات في رَفْع معدلات الإنفاق العام، بينما تُشكّل التكاليف الصحية عبئًا إضافيًّا على كل من النظم الصحية وتكاليف الأُسَر المعيشية. كما ينعكس ذلك سلبًا على جاذبية المدن، لا سيما فيما يتعلق بجذب الاستثمارات وتنشيط القطاع السياحي.
المؤشرات الرئيسية لإدارة النفايات في إفريقيا:

في بعض الحالات، تُقدّر المؤسسات الدولية أن مُجمَل هذه التأثيرات قد تصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني. وغالبًا ما يُستهان بهذا الثقل الكلي، كونه موزّعًا عَبْر قطاعات متعددة دون أن يظهر كنوع نفقة واحد قابل التحديد.
في ظل أوجه القصور في النظم الرسمية، ينشأ اقتصاد مُوازٍ حول النفايات. في مواقع مثل دنـدورا والعديد من المدن الكبرى في غرب إفريقيا، يقوم آلاف العمال بجمع المواد القابلة لإعادة التدوير. ويُولِّد هذا النشاط دخْلاً لكنه يُمارَس دون تأطير صحي أو هيكلة اقتصادية. مع ذلك، يكشف عن وجود حقل لم يُستَغل بعدُ على نطاق صناعي.
يشير البنك الدولي إلى أن تحسين نُظُم جمع النفايات وتثمينها يمكن أن يُخفّض التكاليف الإجمالية بنسبة تتراوح بين 20% و50%، مع خلق فرص اقتصادية رسمية في مجالي إعادة التدوير ومعالجة النفايات.
سياسات عامة نشطة بنتائج متباينة:
شرعت عدة دول إفريقية في تنفيذ برامج استثمارية لتحسين إدارة النفايات. فقد قامت المملكة المغربية باستثمار حوالي 40 مليار درهم (نحو 4 مليارات دولار) في إطار البرنامج الوطني للنفايات المنزلية، وسُجِّل تحسّن ملحوظ في جمع النفايات بالمناطق الحضرية وفقًا لوزارة الداخلية.
وتُنفِّذ السنغال برنامج تعزيز إدارة النفايات الصلبة، المدعوم من البنك الدولي بمبلغ 295 مليون دولار، بهدف تحديث إدارة النفايات الصلبة. أما غانا، فتُنفِّذ برنامج «غريد» المُموَّل بمبلغ 200 مليون دولار، ويشتمل على عنصر المرونة الحضرية.
تتميز رواندا بنهج تنظيمي صارم وإجراءات مجتمعية منتظمة، مُشار إليها غالبًا مِن قِبَل المؤسسات الدولية كمعيار للنظافة الحضرية.
ورغم هذه الاستثمارات، لا تزال النتائج متفاوتة بين الأقاليم. ففي لاغوس، سُجِّلت تراكمات مستمرة في بعض الأحياء؛ وفي كينشاسا، لا تغطّي الخدمات إلا جزءًا من الاحتياجات رغم المشاريع الجارية.
تعكس هذه الفوارق تحديات تشغيلية تشمل: التنسيق المؤسسي، ورصد المشاريع، واستمرارية التمويل، والإدارة المحلية. فالموارد موجودة، لكنّ تحويلها إلى خدمات فعّالة لا يزال غير مُكتمل، مما يُطيل أمد الخسائر الاقتصادية عبر الحفاظ على مستويات عالية من سوء الصحة العامة، رغم الالتزامات المالية.
ضغوط خارجية تُفاقِم الاختلالات:
تُشكّل تدفقات النفايات المستوردة عاملاً إضافيًّا. وتُشير تحليلات الأمم المتحدة إلى أن العديد من البلدان الإفريقية تتلقّى نفايات بلاستيكية أو إلكترونية أو منسوجات من مناطق أخرى. وتُضاف هذه المدخلات إلى الأحجام المحلية دون زيادة مكافئة في قدرات المعالجة، ممّا يُفاقِم تشبُّع البنية التحتية القائمة.
مع ذلك، توجد حلول ناشئة على المستوى المحلي. ففي كينيا، تقوم بعض الشركات بتحويل النفايات البلاستيكية إلى مواد بناء؛ وفي كوت ديفوار، تُنفَّذ مشاريع لإنتاج الطاقة من النفايات.
تُظهر هذه المبادرات جدوى النماذج البديلة، لكنّ توسيع نطاقها لا يزال مشروطًا بتوفير التمويل، والاستقرار التنظيمي، والاندماج في السياسات العامة.
لا تعتمد إدارة النفايات على الحكومات فحسب، بل السلوك الفردي أيضًا؛ فالممارسات مثل الإيداع غير النظامي وعدم الفرز تُفاقم حالة عدم النظافة. ولا تزال حملات التوعية محدودة أمام حجم هذه الظاهرة. ويبدو أن التعليم البيئي عامل حاسم لدعم السياسات العامة وتحسين الفعّالية الشاملة للنظام.
تتلاقى كل هذه العناصر في استنتاج مركزي: عدم النظافة ليس مشكلة بيئية فحسب، بل عامل اقتصادي هيكلي. وعطفًا على ذلك تنتشر الخسائر المرتبطة به عبر الصحة، والبنية التحتية، والإنتاجية، وجاذبية المدن.
ويُشير البنك الدولي إلى أن تكاليف إدارة النفايات قد ترتفع بحدة بحلول عام 2030، في حال عدم تحسين النظم، ممّا يُضاعف العبء الاقتصادي لهذه الظاهرة.
يتطلب التحضّر السريع في إفريقيا إعادة تنظيم أنظمة إدارة النفايات. وتُوضّح الأدلة المتاحة أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن سوء الأحوال الصحية لا تزال مُقوَّمة بأقلّ من قيمتها الحقيقية بشكل كبير، رغم تأثيرها المباشر على مسارات التنمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/economie/gestion-defectueuse-des-dechets-chaque-annee-lafrique-jette-par-les-fenetres-plus-de-8-milliards-de_E2IEIMUYAVBPPK5JGKOHBETCWY/











































