نشرت صحيفة “فرانكفورتر الجماينة/ FAZ” الألمانية مقالًا حصريًّا للرأي بقلم “تيفين تافيسي/ Tevin Tafese”؛ خبير اقتصادي وأحد علماء معهد جيجا GIGA الألماني، جاء تحت عنوان “مصير إفريقيا متوقف على ما يدور في إيران”، محذرًا من أن الحرب مع إيران تُهدّد الانتعاش الاقتصادي لإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتزيد من تفاقم نقاط الضعف في هذه البلدان.
ربما كانت هناك بعض المبالغة بأن يكون مصير المنطقة مرهونًا كليًّا بإيران، لكن الحرب الإيرانية كشفت الغطاء عن ضغوط اقتصادية وأمنية كبيرة تُعيد تشكيل أولويات المنطقة في المرحلة الحالية، خاصةً في ظل الانكشاف البنيوي للقارة أمام الصدمات الدولية وضرورة التحوُّط الإستراتيجي خشية الاصطفاف الكامل مع أطراف النزاع، ونتيجة تضرر قطاعات هامة كالاقتصاد والطاقة والغذاء وتداعيات ذلك على معدلات النمو والتضخم. ومِن ثَم على المنطقة ترتيب أوراقها في ضوء مستجدات بالغة الأثر أزاحت إيران عنها النقاب باشتباكها في نزاع دولي متعدد الأطراف والتداعيات.
بقلم: تيفين تافيسي
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
على الرغم من الصدمات الخارجية الهائلة التي شهدتها السنوات الماضية –بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب العدوانية الروسية على أوكرانيا، وصولًا إلى ارتفاع أسعار الفائدة العالمية والاضطرابات في البحر الأحمر–؛ أظهرت اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قُدرة على الصمود فاقت التوقعات في كثير من الأحيان.
وخلال الفترة بين عامي 2023 و2025م، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 3 و4%، ونما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.5 و1.5% -مع تسارع ملحوظ في الآونة الأخيرة-، بينما انخفض التضخم من حوالي 7% إلى أقل من 4%. كما استقرت الأوضاع المالية: إذ انخفض العجز الأوّلي من مستويات قياسية تجاوزت 3% جراء الجائحة إلى أقل من 1%، ما أدَّى إلى استقرار نسبة الدَّين، ولو مؤقتًا، بعد عَقد من الارتفاعات الحادة.
قرابة 300 مليون شخص يعانون من سوء التغذية
إلا أن هذا الانتعاش يقوم على أساسٍ هشّ. ففي العديد من البلدان، لا يزال معدل النمو أقل من المتوسط المسجل في الفترة من 2000 إلى 2019م، كما أنه مُوزّع بشكل غير متكافئ في القارة. وهكذا ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مؤخرًا إلى ما يقرب من 280 مليون شخص؛ نتيجةً لارتفاع أسعار الغذاء والنزاعات المسلحة والظواهر الجوية المتطرفة.
وفي الوقت نفسه، تعاني سبع دول إفريقية من أزمة ديون، بينما هناك 14 دولة أخرى مُعرَّضة لخطر كبير. وفي ظل تجاوز عجز الموازنة في بعض الأحيان نسبة 3%، تتجاوز تكاليف الفوائد وخدمة الديون في العديد من البلدان حاليًّا الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة.
بدون النفط والغاز لا يمكن أن تحقق إفريقيا الكثير
تعتمد إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى اعتمادًا كبيرًا على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج.
في خضم هذا الوضع المتوتر، يتزامن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز مع تضرُّر البنية التحتية الحيوية للطاقة في دول الخليج؛ جرّاء الحرب مع إيران. وقد خفّض البنك الدولي بالفعل توقعاته بشأن النمو في القارة لعام 2026م بمقدار 0.3 نقطة مئوية لتصل إلى 4.1%. ويتوقف مدى تأثر كل دولة على حدة على مدة النزاع وشدته، فضلًا عن علاقاتها الاقتصادية المتشابكة مع دول الخليج.
وهناك ثلاث قنوات نقل ذات أهمية خاصة في هذا الصدد: تجارة الطاقة والمواد الخام، والاستثمارات، والتحويلات المالية.

ارتفاع التضخم ومخاطر الأمن الغذائي
يُؤثر النزاع بشكل مباشر على إمدادات الطاقة؛ إذ يشهد مضيق هرمز مرور ما يقرب من 38% من النفط الخام العالمي المنقول بحرًا على مستوى العالم، فضلًا عن خُمس الغاز الطبيعي المسال. وبالنسبة للعديد من دول المنطقة الإفريقية، أصبحت دول الخليج العربي موردًا رئيسيًّا، بل في الأغلب أهم مورد للمنتجات النفطية والغاز الطبيعي، لا سيما وأن قدرات التكرير والمعالجة والتصنيع المحلية لا تزال محدودة في كثير من المناطق، على الرغم من التقدم المُحْرَز. وتتأثر تحديدًا دول شرق وجنوب إفريقيا، مثل كينيا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا وموزمبيق، إذ تستورد في بعض الأحيان أكثر من نصف وارداتها من المنتجات النفطية المُعالَجة من دول الخليج. ولذلك، أثَّر الارتفاع الحاد في الأسعار الفورية لخام برنت والغاز الطبيعي المسال منذ نهاية فبراير بشكل خاص على هذه الاقتصادات.
أما بالنسبة لعدد قليل من الدول الإفريقية المُصدِّرة للنفط والغاز، فقد يكون الوضع مُواتيًا لها على المدى القصير. ففي نيجيريا، تعمل مصفاة “دانجوت” الجديدة بكامل طاقتها منذ حصار مضيق هرمز لتلبية احتياجات الدول المجاورة؛ كما قد يستفيد قطاع الغاز الطبيعي المسال في موزمبيق بعد استئناف العمل مؤخرًا في أكبر مشروع في كابو ديلغادو. ولكن، مِن المُرجَّح أن تظل هذه الآثار الإيجابية استثناءً. فبالنسبة لمعظم الدول، تفوق الأعباء الفوائد، لا سيما ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد تكاليف النقل، وتصاعد ضغوط التضخم.
بدأت بوادر الخطر تلوح بالفعل في قطاع المواد الغذائية. ويشير مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في مارس 2026م إلى ارتفاع الأسعار بسبب النزاع. وعلى المدى المتوسط، هناك توقعات بحدوث ارتفاعات حادة أخرى في الأسعار؛ نظرًا لتوقف تجارة الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية من منطقة الخليج، وخاصةً من قطر، بشكل شبه كامل. وتعتمد دول مثل السودان وتنزانيا والصومال وكينيا بشكل خاص على هذه الأسمدة. وقد يؤدي نقص الإمدادات إلى انخفاض كبير في المحاصيل بعد موسم الزراعة القادم، ما قد يُسبِّب عواقب وخيمة محتملة على الأمن الغذائي.
وتشير محاكاة أجراها معهد “كيل” للاقتصاد العالمي إلى أن أسعار المواد الغذائية في بعض الدول الإفريقية قد ترتفع بأكثر من عشرة بالمئة إذا استمر حصار مضيق هرمز؛ ما قد يُؤدي إلى خسائر كبيرة في الرفاهية الاجتماعية.
هل يُهدّد المستثمرون بالانسحاب من دول الخليج؟
ثمة قناة ثانية، أقل وضوحًا، ولكنها قد تكون أكثر أهمية على المدى المتوسط والطويل، تتعلق بالاستثمار. فقد اكتسب رأس المال القادم من دول الخليج أهمية بالغة في إفريقيا خلال السنوات الماضية، لا سيما بالتزامن مع انخفاض المساعدات التنموية الغربية وتراجع القروض الصينية، مما أدّى إلى فجوات تمويلية كبيرة. وقد وسّعت الشركات والصناديق المدعومة من دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر نطاق وجودها في مشاريع النفط والغاز، والطاقات المتجددة، والنقل، والمعادن الإستراتيجية.
يُفاقِم الصراع الحالي من خطر قيام دول الخليج بتركيز رأس المال والاهتمام السياسي بشكل أكبر على منطقتها، وإعادة النظر في التزاماتها، أو تأجيل مشاريعها. بالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء، ستتسع فجوة الاستثمار الكبيرة بالفعل، لا سيما في القطاعات الحيوية للنمو والبنية التحتية والتحول الطاقي. يُضاف إلى ذلك خطر هروب رؤوس الأموال على نطاق واسع من الجنوب العالمي إلى استثمارات يُفْتَرَض أنها أكثر أمانًا في الشمال العالمي. وقد ظهرت بالفعل بوادر هذا الخطر: ففي مارس، انخفضت قيمة عملات 29 دولة إفريقية، بينما ارتفع متوسط تكاليف التمويل الخارجي من 7.61% إلى 8.31%.
تحويلات العمال المهاجرين تُهدّد بالتوقف
تُعدّ التحويلات المالية القناة الثالثة الرئيسية لتدفُّق الأموال. وبما يزيد عن 50 مليار دولار، تُعدّ هذه التحويلات أهم تدفق مالي خارجي للمنطقة الإفريقية، متقدمةً حتى على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأموال التعاون الإنمائي العام. وتُعدّ التحويلات الواردة من دول الخليج ذات أهمية خاصة لشرق إفريقيا؛ ووفقًا للتعداد السكاني السعودي لعام 2022م، يعمل 715.000 إثيوبي في المملكة العربية السعودية وحدها. وإذا تراجعت الأنشطة الاقتصادية في دول الخليج، سوف يؤثر ذلك تحديدًا على البلدان الأكثر فقرًا والأكثر اعتمادًا على التحويلات. ونظرًا لأن التحويلات المالية تصل مباشرة إلى الأُسَر، فإن أيّ انخفاض فيها سيؤدي مباشرة إلى انخفاض مستويات المعيشة.
تباينت ردود فعل الحكومات الإفريقية؛ إذ لجأت عدة حكومات إلى التخفيضات الضريبية ودعم مالي وتثبيت الأسعار؛ فقد خفّضت جنوب إفريقيا وناميبيا ضرائب الوقود، وأوقفت زامبيا مؤقتًا ضريبة القيمة المضافة وضريبة الاستهلاك، وأدخلت إثيوبيا إعانات، بينما حافظت كينيا على الأسعار ثابتة على الرغم من الارتفاع الخارجي في التكاليف. وبالتوازي مع ذلك، أوقفت عدة بنوك مركزية دورة التيسير النقدي؛ حيث أبقت جنوب إفريقيا سعر الفائدة الرئيسي عند 6.75 في المائة، وكينيا عند 8.75 في المائة.
رغم أن هذه الإجراءات توفر راحة مؤقتة للأُسَر والشركات؛ إلا أنها تنطوي على مخاطر مالية. فالعجز الذي انخفض مؤخرًا يعاود الارتفاع مجددًا، وتتزايد علاوات المخاطر، وتزداد تكلفة إعادة تمويل الديون القائمة. بالنسبة للعديد من دول جنوب إفريقيا التي تعاني، في الأصل، من ارتفاع خدمة الديون وضيق هامش المناورة المالية، فإن تدابير الإغاثة واسعة النطاق لا يمكن تحمُّلها إلا في نطاق محدود؛ لذا يُعدّ تقديم الإعفاءات المؤقتة للأسر الفقيرة والمنتجين الزراعيين هو البديل الأنسب على المدى القصير.
على المدى المتوسط إلى الطويل، تظهر الأزمة مرة أخرى أن القارة يجب أن تُقلّل من اعتمادها الهيكلي على مصادر الطاقة الخارجية وقدرات التكرير. الاستثمار في قدرات المعالجة المحلية –كما تظهر مصفاة دانجوتي بشكل واضح–، وفي الطاقة المتجددة أمر حاسم؛ حتى لا تؤدي الصدمة الخارجية التالية إلى إعاقة عملية اللحاق بالركب الاقتصادي للقارة مرة أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































