تشهد مالي منذ الساعات الأولى لأمس الأول السبت واحدة من أخطر موجات التصعيد الأمني منذ سنوات، بعد هجمات منسقة أدت إلى اغتيال وزير الدفاع، شنّتها جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة، متحالفة مع متمردين طوارق، استهدفت العاصمة باماكو ومدنًا استراتيجية في البلاد.
وتزامن ذلك مع اغتيال وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، وتجدّد المعارك في مدينة كيدال الواقعة بإقليم أزواد (شمال) ومدينة غاو عاصمة منطقة كاغو على ضفاف نهر النيجر (شمال شرق) وكاتي بالقرب من العاصمة باماكو.
وجاءت هذه الهجمات وسط حديث عن انسحاب قوات روسية، وفرض حظر تجول، وإدانات دولية واسعة.
وتعد هذه التطورات من أخطر التحديات التي تواجه المجلس العسكري الحاكم منذ وصوله إلى السلطة عام 2020، في ظل تصاعد تحالف بين جماعات متطرفة وانفصالية.
يرصد هذا التقرير 7 ملامح لهجمات القاعدة والانفصاليين
هجمات المتمردين والقاعدة
بدأت الأحداث صباح السبت عندما شنّت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتنسيق مع متمردي “جبهة تحرير أزواد”، هجمات متزامنة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية في عدة مناطق، بينها العاصمة باماكو.
وتواصلت المعارك التي وُصفت بأنها واحدة من أكبر العمليات المنسقة التي تشهدها البلاد منذ سنوات، مع تحرك مسلحين على متن شاحنات ودراجات نارية، ووقوع اشتباكات في أكثر من محور.
وتركزت الهجمات على مواقع تُعد حساسة في بنية السلطة العسكرية الحاكمة، خصوصًا مدينة كاتي التي تضم قاعدة عسكرية رئيسية ومقر إقامة رئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا.
كما تركزت على محيط مطار باماكو الدولي ومقرات حكومية.
وذكرت تقارير أمنية أن اختيار الأهداف كان لافتًا، لأن كاتي وباماكو تمثلان “قلب النظام”، فيما تمثل كيدال رمزًا لاستعادة الجيش السيطرة عليها في 2023.
في حين أظهرت مقاطع فيديو متداولة قوافل مسلحين تتحرك داخل المدن، في حين بقي السكان داخل منازلهم خشية اتساع المعارك.
وأعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” مسؤوليتها عن الهجمات، مؤكدة أنها استهدفت مواقع عسكرية ومقار حكومية، في عملية منسقة مع متمردي “جبهة تحرير أزواد”.
هذه العملية وصفتها تقارير ومراقبون أنها واحدة من أكثر العمليات جرأة ضد الحكومة العسكرية في باماكو.

اغتيال وزير الدفاع في مالي
وفي أخطر تطور، قُتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا إثر هجوم بسيارة مفخخة استهدف منزله في قاعدة كاتي العسكرية قرب العاصمة باماكو، خلال الهجمات المنسقة التي شهدتها البلاد.
وأسفر الانفجار عن تدمير مقر إقامته بالكامل.
وأكدت مصادر من عائلة الوزير كامارا، البالغ من العمر 47 عامًا، مقتله مع زوجته وطفلين داخل المنزل، فيما ذكرت تقارير حكومية أنه خاض اشتباكات مع المهاجمين قبل إصابته ونقله إلى المستشفى حيث توفي متأثرًا بجراحه.
وأعلنت الحكومة المالية الحداد الوطني لمدة يومين، مع تنكيس الأعلام على المباني العامة، مشيدة بدور كامارا في إعادة بناء المؤسسة العسكرية وقيادة العمليات الأمنية ضد الجماعات المسلحة.
ويُعد كامارا أحد أبرز قادة المجلس العسكري ومهندس التقارب العسكري مع روسيا، ما جعل اغتياله يمثل ضربة قوية لقيادة الجيش، ويعكس قدرة الجماعات المسلحة على استهداف شخصيات بارزة داخل السلطة.

معارك كيدال وهجمات على المدن
بالتزامن مع الهجمات، اندلعت اشتباكات عنيفة في مدينة كيدال شمال البلاد بين الجيش المالي المدعوم بعناصر روسية ومقاتلي جبهة تحرير أزواد المتحالفين مع جماعة مرتبطة بالقاعدة.
وزعمت جبهة تحرير أزواد سيطرتها الكاملة على المدينة، مؤكدة أن مقاتليها ينتشرون في الشوارع، وأن القوات الحكومية تراجعت إلى مواقع محدودة داخل المعسكرات العسكرية.
كما قالت الحركة إنها سيطرت على مواقع أخرى في منطقة غاو شمال البلاد، في إطار هجوم واسع يهدف إلى استعادة السيطرة على إقليم أزواد.
وتُعد كيدال مدينة استراتيجية، إذ كان الجيش المالي قد استعادها في نوفمبر 2023 بدعم من مقاتلي مجموعة فاغنر الروسية، منهيًا أكثر من عقد من سيطرة المتمردين الطوارق عليها، حيث تعد المدينة معقلاً تاريخيًا لهم.
وأفاد شهود بأن المعارك استمرت لساعات في ضواحي باماكو، بينما تحدثت الحكومة عن إصابة 16 شخصًا فقط وتسجيل أضرار مادية محدودة، مؤكدة أن الوضع أصبح تحت السيطرة.
لكن عدد الضحايا مرشّح للارتفاع، خصوصًا في صفوف المدنيين.
وتراجعت حدّة المعارك مساء الأحد، وتوقفت مع تواجد المتمردين عند تخوم المدينة. كذلك، عاد الهدوء إلى مدينة كاتي المحصّنة والتي تعد معقلاً للمجلس العسكري والواقعة على بعد 15 كيلومترًا من العاصمة باماكو، بعدما أفاد أحد السكان بسماع طلقات صباحاً.
واستُؤنفت حركة الملاحة الجوية في مطار باماكو الدولي الأحد بعد توقف دام 24 ساعة. لكن في سيفاري (وسط البلاد)، ظلت الأوضاع “ضبابية” إذ ما زالت تُسمع طلقات نارية في بعض الأماكن، وفق مسؤولين محليين.
انسحاب الفيلق الروسي
في السياق، زعمت جبهة تحرير أزواد التوصل إلى اتفاق مع عناصر “الفيلق الإفريقي” الروسي يسمح بانسحابهم من المعسكر رقم 2 في مدينة كيدال، بعد حصار استمر ساعات.
ونشرت الحركة مقاطع فيديو قالت إنها تظهر مغادرة القوات الروسية المعسكر وسط هتافات مسلحين.
وقالت الجبهة إن الاتفاق يشمل خروج القوات الروسية تحت مرافقة مسلحة، فيما لم يصدر تعليق رسمي من الجيش المالي بشأن هذه التطورات.
ويأتي ذلك بعد إعلان المتمردين أن المدينة أصبحت “حرة” وأن القوات الحكومية انسحبت منها.
إلى ذلك، أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بالتنسيق مع “جبهة تحرير أزواد” مسؤوليتها عن الهجمات، مؤكدة أنها استهدفت مواقع عسكرية وحكومية في باماكو وكاتي ومناطق شمالية.
كما تحدثت الجماعة عن السيطرة على مواقع في غاو، في حين لم تتمكن مصادر مستقلة من التحقق الكامل من هذه المزاعم.
رد الجيش المالي
من جانبه، أعلن الجيش في مالي أنه قتل “مئات” المهاجمين وصدّ الهجمات التي استهدفت مواقع متعددة في العاصمة باماكو ومناطق أخرى، مؤكداً أن الوضع أصبح تحت السيطرة.
كما أطلقت القوات المسلحة عمليات تمشيط واسعة في باماكو ومدينة كاتي والمناطق المنتجة للذهب، لتعقب المسلحين ومنع هجمات جديدة.
وأعلنت هيئة الأركان رفع مستوى التأهب في جميع أنحاء البلاد، مع تكثيف الدوريات العسكرية وتعزيز نقاط التفتيش.
كما قررت السلطات المالية فرض حظر تجول ليلي في العاصمة باماكو لمدة 72 ساعة، مع رفع مستوى الإنذار في جميع أنحاء البلاد.
علاوة على نشر قوات إضافية حول المواقع الحكومية والعسكرية، في محاولة لمنع هجمات جديدة وتأمين العاصمة.
إدانات دولية
من جانبه، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ إزاء الهجمات، داعيًا في بيان إلى دعم دولي منسق لمواجهة تصاعد الإرهاب في منطقة الساحل.
كما أدانت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) الهجمات، ووصفتها بأنها أعمال شنيعة تهدد الاستقرار الإقليمي.
وأدانت الولايات المتحدة الهجمات وأكدت دعمها للشعب المالي وجهود تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد.
كما أدانت روسيا الهجمات ووصفتها بأنها محاولة لزعزعة الاستقرار، مؤكدة استمرار دعمها للقوات المسلحة المالية.
خلفيات الصراع
تعيش مالي أزمة أمنية منذ 2012 مع تصاعد نشاط الجماعات الجهادية والانفصالية. ووصل المجلس العسكري إلى السلطة بعد انقلابين في 2020 و2021، متعهدًا باستعادة الأمن.
لكنه اعتمد بشكل متزايد على الدعم العسكري الروسي بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة.
وتعرَّضت دولة مالي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960م حتى عام 2021م لخمسة انقلابات عسكرية أعوام 1968 و1991 و2012، وانقلابين متتاليين خلال تسعة أشهر في أغسطس 2020 ومايو 2021.
وتعود بواعث انقلاب أغسطس 2020 إلى الأداء السيئ للحكومة منذ انقلاب 2012، وعدم توفير الخدمات الأساسية.
علاوة على تأثر الدولة الأكبر مساحة في غرب إفريقيا، بحالة من عدم الاستقرار مع انتشار الجماعات الإرهابية على غرار تنظيمي داعش والقاعدة.
الأمر الذي أدى في النهاية إلى الإطاحة بالرئيس إبراهيم بو بكر كيتا في انقلاب عسكري لاقى ترحيبًا شعبيًا، وتشكيل حكومة انتقالية (عسكرية/ مدنية)
وبعد سلسلة من المشاورات والمفاوضات مع المجلس العسكري، تم ترشيح وزير الدفاع السابق، باه نداو، كرئيس مؤقت، تم تكليفه بمسؤولية تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية خلال 18 شهرًا.
مع تعيين رئيس المجلس العسكري العقيد أسيمي غويتا نائبًا لرئيس الحكومة المؤقتة على أن يتولى مسؤولية الإشراف على الأمن والدفاع في البلاد.
وخلال الفترة الانتقالية، وقعت مناوشات بين قادة الحكومة، انتهت بالإطاحة بالرئيس الانتقالي من قبل نائبه العسكري أسيمي غويتا، الذي نصب نفسه رئيسًا لمرحلة انتقالية جديدة.
وسيطر غويتا منذ ذلك الحين عبر الجيش مرة أخرى على الحكم في مايو 2021.
وعلى عكس انقلاب 2020م، واجه تحرك غويتا عدم ترحيب شعبي، كما أدّى إصرار الجيش على إبقاء السلطة بيده إلى عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي وإيكواس.
كما أن المسار التصادمي للحكومة العسكرية المالية مع فرنسا، ومطالبتها بخروج القوات العسكرية الفرنسية والجيوش الأوروبية الأخرى، أدى إلى عدم استقرار الأوضاع في البلاد.

وكانت مالي قد أعلنت إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، وجميعها يقودها عسكريون وصلوا إلى السلطة بين عامي 2020 و2023، انسحابها من إيكواس لتؤسس تكتلا إقليميا جديدا يركز على التعاون الأمني والسياسي.
وقد اتجهت هذه الدول إلى تعزيز علاقاتها مع موسكو، في مقابل انتقادها المستمر لدول المجموعة التي ما زالت تحتفظ بروابط وثيقة مع فرنسا.
وتواجه دول تحالف الساحل الثلاث تحديات أمنية معقدة، أبرزها التمردات المسلحة التي تقودها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة.
وتزيد هذه الأوضاع الأمنية من صعوبة أي مسار تفاوضي، وتطرح تساؤلات حول قدرة الإيكواس على إعادة دمج هذه الدول في منظومتها الإقليمية.
وتشير التطورات إلى أن مالي تواجه مرحلة حساسة، مع احتمال توسع القتال في الشمال واستمرار الهجمات على مواقع حكومية.
كما أن اغتيال وزير الدفاع وادعاءات سقوط كيدال قد يعيدان تشكيل ميزان القوى بين الجيش والمتمردين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الصراع في منطقة الساحل، حسب مراقبين.
نقلاً عن:











































