تصاعدت المخاوف الأمنية في نيجيريا عقب مقتل 20 مدنيًا على الأقل، خلال الساعات الماضية، في هجوم شنّه مسلحون من جماعة “بوكو حرام” على قرى في ولاية بورنو (شمال شرق).
تعكس هذه العمليات عودة قوية لنشاط الجماعة المتشددة بالتزامن مع ضغوط سياسية متزايدة لمراجعة الاستراتيجية العسكرية، وإعادة تقييم برامج إعادة إدماج المقاتلين السابقين، وعلى رأسها عملية “الممر الآمن” التي تواجه انتقادات متصاعدة بشأن فعاليتها ومحدودية الدعم الشعبي لها.
هجوم دامٍ في ولاية بورنو
قتل ما لا يقل عن 20 مدنيًا في هجوم نفذه مقاتلو “بوكو حرام” على قرى تقع في جنوب غابة سامبيسا بولاية بورنو شمال شرق نيجيريا، ضمن موجة تصعيد أمني متواصل منذ أسابيع.
وبحسب تقارير محلية، فإن المهاجمين اقتحموا القرى قبيل صلاة المغرب يوم الثلاثاء، واستمر الهجوم حتى فجر الأربعاء، بعد أن تمكنوا من التغلب على عناصر الأمن المحليين قبل تنفيذ عمليات قتل بحق السكان.
وتقع هذه القرى على الطرف الجنوبي لغابة سامبيسا، وهي منطقة تُعد تقليديًا أحد أهم معاقل “بوكو حرام”، كما تشهد مواجهات متكررة بين الجماعة وتنظيم “داعش في غرب إفريقيا” في إطار صراع على النفوذ والسيطرة.
ويأتي هذا الهجوم ضمن تصاعد في وتيرة العمليات التي تنفذها “بوكو حرام” وتنظيم “داعش في غرب إفريقيا”، مع تحول ملحوظ نحو استهداف مواقع الجيش والشرطة.
ويشير هذا التحول إلى محاولة جماعة بوكو حرام المتشددة استعادة المبادرة العسكرية بعد سنوات من الضربات الأمنية التي حدّت من تحركاتها.
وتواجه القوات النيجيرية تحديات متزايدة في مناطق شمال شرق البلاد، حيث تعتمد الجماعات المسلحة على تكتيكات حرب العصابات والانتشار في مناطق وعرة، خصوصًا غابة سامبيسا والمناطق المحيطة ببحيرة تشاد.
مجلس الشيوخ يطالب بمراجعة شاملة
في أعقاب الهجوم، عقد مجلس الشيوخ النيجيري جلسة طارئة أدان خلالها الهجمات الإرهابية لبوكو حرام، ودعا إلى “مراجعة شاملة” لعمليات الجيش في شمال شرق البلاد.
وطلب المجلس من قائد الأركان العامة للجيش، أولوفيمي أولوييدي، إجراء تدقيق عملياتي ولوجستي شامل للحوادث الأخيرة، وفحص الظروف المحيطة بها، وتقييم كفاية المعدات العسكرية، ومراجعة قواعد الاشتباك.
كما شدد المجلس على ضرورة تعزيز التدريب على حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسقوط ضحايا مدنيين خلال العمليات العسكرية، في إشارة إلى حادثة قصف جوي استهدف سوقًا تستخدمه الجماعة المسلحة، واتُّهم الجيش بقتل عشرات المدنيين خلاله.
وخلال الجلسة، أكد رئيس مجلس الشيوخ غودسويل أكبابيو أن التمرد الإرهابي سيُهزم في نهاية المطاف، لكنه شدد على ضرورة تكثيف الجهود لتعزيز الأمن القومي، في ظل تصاعد الهجمات على التشكيلات العسكرية.
بوكو حرام وملف الرهائن
بالتوازي مع الهجوم الأخير، دعا مجلس الشيوخ الحكومة إلى تكثيف الجهود لإنقاذ 416 رهينة تحتجزهم “بوكو حرام” منذ نهاية مارس الماضي. وهدد المسلحون بتصفية الرهائن إذا لم تُلبَّ مطالبهم بدفع فدية مالية تبلغ 3.7 مليون دولار.
وحذر السيناتور النيجيري علي ندومي من خطورة الموقف، داعيًا إلى تدخل عاجل من الرئاسة والبرلمان. وجاءت هذه التحذيرات بعد ظهور مقطع فيديو نشره فصيل من “بوكو حرام” يُظهر الرهائن المختطفين في منطقة نغوشي، مع تهديد بتصفيتهم خلال 72 ساعة في حال عدم الاستجابة للمطالب.
وكان المسلحون قد اختطفوا هؤلاء الأشخاص عقب هجوم على قاعدة عسكرية في مارس الماضي، حيث أحرقوا مركبات عسكرية وقتلوا عدداً من الجنود قبل اقتياد الآخرين إلى الأسر.
جدل الاستراتيجية الأمنية
أعادت هذه التطورات الجدل حول الاستراتيجية الأمنية التي تعتمدها الحكومة النيجيرية في مواجهة التمرد، خاصة في ظل استمرار الهجمات رغم العمليات العسكرية المكثفة.
ويرى مراقبون أن الاعتماد على الحل العسكري وحده لم يعد كافيًا، ما دفع السلطات إلى تبني برامج بديلة مثل عملية “الممر الآمن”، التي تُعد أحد أبرز البرامج غير العسكرية التي أطلقتها نيجيريا لإعادة إدماج المقاتلين السابقين في المجتمع.
ويهدف البرنامج إلى نزع التطرف وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج، خصوصًا للمقاتلين منخفضي الخطورة الذين يسلمون أنفسهم للسلطات.
ووفق بيانات منشورة في فبراير 2025، فقد أُعيد إدماج 2190 مستفيدًا بنجاح، بينما استسلم أكثر من 130 ألف شخص للسلطات منذ إطلاق البرنامج عام 2015.
مع ذلك، لا يزال البرنامج يواجه انتقادات واسعة بسبب تركيزه على الجناة وإهمال الضحايا، إضافة إلى انتشار معلومات مضللة بشأن نتائجه.
انتقادات “الممر الآمن” وضرورات المصالحة
يرى منتقدون أن البرنامج يمنح المقاتلين السابقين فرصة للعودة إلى مجتمعات لم تُستشر أو تُهيأ لاستقبالهم، ما يخلق توترات اجتماعية ويضع الضحايا أمام واقع التعايش مع من ألحقوا بهم الأذى. ويؤكد هؤلاء أن إعادة الإدماج دون مصالحة حقيقية قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
كما يشير خبراء إلى أن غياب إشراك المجتمعات المحلية في عملية إعادة الإدماج يحدّ من الدعم الشعبي للبرنامج، ويعزز الشكوك حوله. ويؤكدون أن المصالحة المجتمعية ضرورية لضمان نجاح إعادة إدماج المقاتلين السابقين.
في المقابل، تطرح دراسات متخصصة أن المصالحة تمثل حلقة أساسية في أي برنامج لإعادة الإدماج، لأنها تربط بين عودة المقاتلين واستعداد المجتمعات لاستقبالهم. ويشدد خبراء على أن تجاهل الضحايا قد يؤدي إلى تراكم مظالم اجتماعية تعيد إنتاج العنف.
وتقترح هذه الدراسات عدة مسارات لتعزيز المصالحة، من بينها إشراك المجتمعات المحلية في قرارات إعادة الإدماج، وتنظيم جلسات حوار بين المقاتلين السابقين والضحايا، وربط إعادة الإدماج بمشروعات تنموية في المناطق المتضررة.
تحديات مستمرة في حوض بحيرة تشاد
تأتي هذه التطورات في سياق تحديات أمنية أوسع في حوض بحيرة تشاد، حيث تنشط “بوكو حرام” وتنظيم “داعش في غرب إفريقيا” عبر حدود نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون.
وتستغل الجماعات المسلحة ضعف السيطرة الأمنية في المناطق الحدودية لتنفيذ هجمات خاطفة والانسحاب بسرعة.
كما تواجه القوات النيجيرية تحديات لوجستية، من بينها صعوبة التضاريس، ونقص المعدات في بعض المناطق، واعتماد الجماعات المسلحة على شبكات دعم محلية.
مستقبل المواجهة
يرى مراقبون أن تصاعد الهجمات الأخيرة يشير إلى مرحلة جديدة من الصراع، قد تدفع الحكومة النيجيرية إلى إعادة تقييم مزيج الأدوات العسكرية وغير العسكرية.
ويؤكدون أن نجاح أي استراتيجية يتطلب الجمع بين العمليات الأمنية وبرامج إعادة الإدماج والمصالحة والتنمية المحلية.
وفي ظل استمرار الهجمات وملف الرهائن المفتوح، تبقى شمال شرق نيجيريا أمام اختبار أمني معقد، حيث تتداخل التحديات العسكرية مع الاجتماعية والإنسانية، في وقت يتزايد فيه الضغط الداخلي لإيجاد مقاربة أكثر شمولاً لمكافحة التمرد.

نقلاً عن:











































