تُعدُّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حدثاً مفصلياً يتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة، ليترك بصماته العميقة على توازنات القوى السياسية والأمنية في مناطق متعددة، وفي مقدمتها القارة الإفريقية. إذ يُتوقع أن تعيد هذه الحرب توجيه أنماط التفاعلات والتوازنات الدولية بشكلٍ عام، وفي إفريقيا بصورةٍ خاصة، حيث ستشهد القارة محاولات من قوى دولية لإعادة التموضع الإستراتيجي وتعزيز النفوذ عبر أدوات متعددة، تشمل الشراكات السياسية، والتعاون العسكري، والاستثمارات الاقتصادية.
وفي هذا السياق؛ تبرز إفريقيا بوصفها مجالاً حيوياً للتنافس الدولي المتصاعد، وميداناً لمحاولة تلافي النتائج السلبية الكبيرة المتوقعة للحرب، ولا سيما على المستوى الاقتصادي. وقد دفع هذا الأمرُ العديدَ من القوى، كالصين وروسيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وحتى إيران، بوصفها الأطراف الرئيسية في هذا الصراع، إلى البحث في طبيعة «اليوم التالي» للحرب، ومدى تأثيرها في علاقاتها ومصالحها في القارة.
وأمام هذا الاتجاه؛ تواجه الدول الإفريقية تحديات معقدة، يتمثل أهمها في كيفية التوفيق بين مصالحها الوطنية والضغوط الخارجية، لذا تبنت أغلب دول القارة منذ البداية مسلك «الحياد البراجماتي»، متجنبةً الانخراط الكامل في محاور الصراع.
وعليه؛ يهدف هذا التقرير إلى تحليل الكيفية التي ستؤثر بها هذه الحرب في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في إفريقيا، مع التركيز على مواقف الدول الإفريقية وإستراتيجياتها في التعامل مع تداعياتها، في ظل بيئة دولية تتسم بتعدد الأقطاب وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية داخل القارة.
وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: البراجماتية الإفريقية تجاه الحرب وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية.
ثانياً: تحول العلاقات الإفريقية بعد الحرب.. النفوذ المتراجع، والخيارات الانتقائية، وتصاعد الفرص.
ثالثاً: السيناريوهات المحتملة.. تحوّط إستراتيجي أم اصطفاف خارجي؟.
أولاً: البراجماتية الإفريقية تجاه الحرب وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية:
بالنظر إلى المواقف الإفريقية تجاه هذه الحرب منذ اندلاعها؛ نجد أنها اتسمت بالحسابات البراجماتية؛ إذ تخلى بعضها عن المنطلقات الأيديولوجية في صياغة استجابات السياسة الخارجية. وبينما كان من المتوقع أن توجه الحكومات الإفريقية انتقادات حادة لإسرائيل وحلفائها، إلا أنها-وعلى نقيض ذلك- امتنعت في معظمها عن إدانة واشنطن أو تل أبيب بشكل مباشر، وبدلاً من ذلك وجهت غالبية هذه الدول انتقادات علنية للضربات الصاروخية الإيرانية. ويعكس هذا الحياد حالةً من السعي نحو التوازن الدقيق، حيث تعمل الدول الإفريقية جاهدةً لتجنب استعداء شركائها الاقتصاديين والأمنيين الرئيسيين، مع الحفاظ على مرونة دبلوماسية كافية[1].
وفي السياق ذاته؛ تترتب على هذه الحرب تبعاتٌ أمنية، ولا سيما إذا ما تصاعدت حدة الاستقطابات السياسية داخل القارة بين القوى المؤيدة للحرب وتلك المعارضة لها. ففي ظل حالة الرفض الشعبي والمجتمعي التي تواجهها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية حرب الإبادة في قطاع غزة عام 2023م، قد يمتد أثر ذلك إلى الواقع الأمني في إفريقيا عبر احتمال استهداف مصالحهما، ومن هنا؛ جاء تبنّي الدول الإفريقية للنهج البراجماتي في معظم مواقفها تجاه هذه الحرب مدفوعاً بعدة أسباب، أبرزها:
1- مخاوف من تحول القارة لمنطقة صراع بالوكالة:
استجابةً لحالة عدم اليقين المتزايدة، تبنّت العديد من الدول الإفريقية موقف «الحياد الحذر»، محاكيةً في ذلك ردود أفعالها إبان الصراع الروسي الأوكراني. ويعكس هذا الحياد إدراكاً واسعاً بأن تداعيات صراعاتٍ كهذه تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة، مما يفرض على العواصم الإفريقية انتهاج مسلكٍ متوازن.
ومع تصاعد حدة التنافس الجيوسياسي والأمني الناجم عن هذه الحرب- والذي سيفضي بدوره إلى صراع محموم على مناطق النفوذ- فإن المشهد الأمني في إفريقيا سيشهد تحولاتٍ قد تقوّض استقرار بعض الدول، لذا تبرز مخاوف جدية من انجرار بعض الدول الإفريقية إلى «حروب بالوكالة»، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، لتصبح تلك الدول أهدافاً مباشرة للتصعيد.
كما أن وجود قواعد عسكرية في دول مثل جيبوتي والصومال، وتسهيلات أمنية إسرائيلية في إريتريا، قد يضع هذه الدول ضمن نطاق المواجهة. وفي هذا الصدد؛ تبرز جيبوتي كهدفٍ محتمل، إذ تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية (كامب ليمونييه)، فضلاً عن كونها مركزاً لوجستياً حيوياً للعمليات الأمريكية في القرن الإفريقي والخليج، وعلى مقربةٍ منها تبرز «صوماليلاند» بوصفها موقعاً مرشحاً لوجود أمني إسرائيلي، علماً أن كليهما يقع عند إحدى أهم نقاط الاختناق البحري في العالم[2]. ومما يعزز ذلك: أن غالبية دول القرن الإفريقي سارعت عقب اندلاع هذه الحرب إلى إدانة إيران بشكلٍ واضح وصريح؛ بل إن «أرض الصومال» ذهبت إلى أبعد من ذلك حين وصفت التحركات الإيرانية بأنها «غير مبررة»، معتبرةً إياها إعلان حربٍ من طرف واحد[3].
ولعلّ أحد أبرز المخاوف الإفريقية- والدافع الرئيس وراء تبنّي موقف الحياد- يتمثل في تحوّل القواعد العسكرية الأجنبية المقامة على أراضيها إلى أهدافٍ لهجمات مسلحة محتملة، إذ إن أي استخدام لهذه القواعد في أي مواجهة مع إيران قد يجعل الدول المضيفة عرضةً لردود فعلٍ انتقامية، مما يهدد أمنها القومي بشكلٍ مباشر. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد القلق ليشمل استهداف منشآت إستراتيجية مرتبطة بالمصالح الغربية، كالقواعد العسكرية في المحيط الهندي، الأمر الذي قد يوسّع نطاق التهديدات ليشمل ممراتٍ بحرية حيوية ومناطق نفوذ إستراتيجية متاخمة للقارة.
2- تراجع الاعتبارات الأيديولوجية التقليدية في السياسات الإفريقية:
على الأرجح؛ ستتراجع الاعتبارات الأيديولوجية التقليدية التي كانت تهيمن على العلاقات الإفريقية، مدفوعةً بتبعات هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، ومن ثَمّ يرى مراقبون أن هذه الحرب ستعيد تشكيل التحالفات السياسية في مناطق حيوية، وبالأخص منطقة القرن الإفريقي، إذ قد تفضي الحرب إلى تغييرٍ جوهري في الحسابات الإستراتيجية لهذه المنطقة الحساسة، حيث تشير التقديرات إلى أن دول الخليج قد تقلص انخراطها هناك لتركز على أولويات البناء الداخلي، مما قد يخلق «فراغاً نسبياً» في النفوذ، وهو ما قد يدفع قوى أخرى، كتركيا ومصر، إلى تعزيز حضورها وتوسيع نطاق تأثيرها[4].
وفي الوقت ذاته؛ من المرجح أن تتجه دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي عززت مؤخراً علاقاتها الأمنية مع إيران، إلى البحث عن شركاء جدد، وذلك في محاولةٍ لتنويع تحالفاتها الدولية وتخفيف حدة الاعتماد على طرفٍ واحد، خاصةً إذا ما أدت الحرب إلى تقليص قدرة طهران على تقديم الدعم العسكري أو الاقتصادي الموعود[5]. وبغض النظر عن علاقاتها مع روسيا؛ يأتي هذا التحول في ظل توقعاتٍ بتعطل الدعم الإيراني لهذه الدول جراء ضبابية المشهد السياسي في طهران، والشكوك المحيطة بطبيعة النظام الذي سيتولى سدة الحكم مستقبلاً.
3- تصاعد أهمية الطرق البحرية الإفريقية:
في الوقت ذاته؛ ستكون القارة على موعدٍ مع تصاعد الأهمية الإستراتيجية للمواني الإفريقية والطرق والممرات البحرية، إذ إن نتائج الحرب على إيران، وما قد يصاحبها من تهديداتٍ أمنية، ستدفع بالضرورة نحو البحث عن مساراتٍ بديلة للتجارة الدولية. ومن هنا؛ ستحظى مواني القارة ولا سيما الشرقية منها والمطلة على المحيط الهندي باهتمامٍ كبير، حيث ستسعى القوى الدولية والإقليمية إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دولٍ محورية، مثل كينيا، وتنزانيا، وموزمبيق، ومدغشقر، وحتى جنوب إفريقيا[6]، ولهذا السبب تطمح الكثير من الدول الإفريقية إلى الاستفادة من هذه المزايا الجيوسياسية والاقتصادية سعياً لإنعاش خزائنها، وتعزيز معدلات نموها.
ثانياً: تحول العلاقات الإفريقية بعد الحرب.. النفوذ المتراجع، والخيارات الانتقائية، وتصاعد الفرص:
قد تؤدي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تغيير خريطة التحالفات الدولية، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل ستمتد آثارها لتشمل القارة الإفريقية كأحد أبرز ميادين هذا التحول. إذ يُتوقع أن تتجه الدول الإفريقية في أعقاب هذه الحرب نحو إعادة تعريف شراكاتها، وسط حالة من الاستقطاب الدولي المحموم الذي ستقوده القوى الإقليمية والدولية داخل القارة.
وفي هذا السياق؛ سيشهد الموقف الإفريقي تصاعداً ملحوظاً في «البراجماتية السياسية»، مع تبلور رؤى متباينة تجاه طبيعة هذه التحالفات وشكلها، ولعل لجوء الدول الإفريقية إلى هذا النهج يأتي مدفوعاً بتبعات السياسات التي تبنتها القوى الدولية الفاعلة. ويتسم المشهد الجيوسياسي في إفريقيا حالياً بتحولاتٍ عميقة، تزامناً مع تراجع النفوذ الغربي التقليدي، في مقابل سعي قوى دولية أخرى (كروسيا وتركيا والصين) لملء هذا الفراغ. وفي هذا الإطار؛ تُمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران «محفزاً إستراتيجياً» لهذا التحول، إذ تفتح المجال أمام روسيا وتركيا لتعزيز نفوذهما في القارة عبر تقديم نفسيهما كشريكين بديلين، ولا سيما في ظل التوقعات بأن القارة قد تواجه جملةً من الأزمات الاقتصادية والأمنية الناتجة عن تداعيات الحرب. ويمكن تفصيل هذه المواقف على النحو التالي:
1- الولايات المتحدة والقوى الغربية:
قبل اندلاع هذه الحرب، انتهجت الولايات المتحدة سياسة «الانتقائية» في تعاملها مع القارة الإفريقية، عبر إستراتيجياتٍ قامت على تعظيم المنافع الاقتصادية والاعتماد على التدخل المحدود والموجه، بدلاً من الهيمنة المباشرة الشاملة. أما في أعقاب هذه الحرب، فمن المتوقع أن تعيد واشنطن توجيه بوصلتها السياسية نحو منطقة الشرق الأوسط والممرات البحرية المرتبطة بها، وبناءً على ذلك؛ ستتمحور سياستها الإفريقية حول ما يخدم مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار؛ ستحرص الإدارة الأمريكية على تعزيز وجودها العسكري في دولٍ محورية مثل جيبوتي وكينيا، بما في ذلك تطوير وتوسيع القواعد الإستراتيجية، وفي مقدمتها قاعدة «خليج ماندا»[7]، وذلك بما يضمن تخصيص الموارد العسكرية والدبلوماسية الكفيلة بتأمين تدفقات الطاقة العالمية. وفي الوقت ذاته؛ تدرك واشنطن أن أي تراجعٍ في انخراطها السياسي أو الأمني تجاه إفريقيا سيفتح الباب على مصراعيه أمام روسيا وتركيا والصين للتمدد وملء الفراغ بدلاً منها.
2- إسرائيل:
تمتلك إسرائيل في إفريقيا مصالح إستراتيجية متعددة، ترتكز في جوهرها على تصدير التقنيات العسكرية والمنظومات الزراعية المتطورة، وتعزيز الروابط الدبلوماسية وفق ما يُعرف تاريخياً بـ«إستراتيجية المحيط». وفي أعقاب هذه الحرب، من المرجح أن تتجه إسرائيل نحو تعميق انخراطها في القارة، ولا سيما في منطقة شرق إفريقيا ودول الساحل التي قد تشهد نفوذاً إيرانياً محتملاً.
وتشير التقديرات إلى أن التوجه الإسرائيلي نحو الاعتراف بصوماليلاند ليس مجرد خطوة دبلوماسية، بل هو جزءٌ من إستراتيجية كبرى تهدف إلى عسكرة منطقة القرن الإفريقي وإحكام السيطرة عليه، وذلك عبر مساعٍ حثيثة لإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية محتملة في ميناء «بربرة»، مما يمنحها قدرات مراقبة واستطلاع متقدمة تشرف مباشرة على خطوط الملاحة الدولية.
علاوةً على ذلك؛ تدرك إسرائيل أن مخرجات الحرب ستفرض عليها ضرورة تعزيز وجودها عند مضيق «باب المندب»، بوصفه الشريان الحيوي وسلسلة الإمداد الرئيسية المؤدية إلى قناة السويس وأوروبا[8]، إذ تخشى تل أبيب من تعرض مصالحها لهجمات مستقبلية في تلك المنطقة من قِبَل الحوثيين، الذين يلوحون بتوسيع نطاق انخراطهم في دائرة الصراع المباشر، استجابةً لأي تصعيد عسكري يستهدف العمق الإيراني.
ومن المعلوم أن إسرائيل تسعى حثيثاً لتعزيز تحالفاتها مع دول القرن الإفريقي وشرق القارة (ولا سيما كينيا وإثيوبيا ورواندا)، لضمان أمن الممرات الملاحية في البحر الأحمر، خاصةً في ظل الهيمنة الإيرانية على مضيق «هرمز».
وفي السياق ذاته؛ يُشكّل الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية بصوماليلاند منذ ديسمبر 2025م ركيزةً أساسية في إستراتيجية تل أبيب لما بعد الحرب، إذ يُتوقع أن تعمل إسرائيل على تدشين «تحالف ثلاثي» يضم كلّاً من إثيوبيا وأرض الصومال إلى جانبها. وتهدف تل أبيب من خلال هذا التحالف إلى إرساء نموذجٍ جديد لـ«توازن القوى» في المنطقة، يطوّق النفوذ الإيراني والتوسع التركي المحتمل، ويخلق ثقلاً موازياً للتحالفات التقليدية.
تستغل تل أبيب في ذلك طبيعة التحالفات في القرن الإفريقي، التي تتسم بطابعٍ مرن وبراجماتي، حيث لا تقوم تلك الروابط على ثوابت أيديولوجية بقدر اعتمادها على المصالح الآنية وتدفقات الدعم العسكري والاقتصادي. ويأتي هذا التحول الجيوسياسي في ظل احتمالاتٍ عدة، من بينها تراجع انخراط بعض دول الخليج في ملفات المنطقة[9]، نظراً لانكفائها على أولوياتها التنموية والأمنية الداخلية، لذلك قد تميل الكفة لصالح الأطراف القادرة على الحفاظ على حضور ميداني مستمر، وهو ما قد يخدم إسرائيل إذا نجحت في تأمين هذا الاستمرار.
3- الصين:
من المعروف أن الصين ترتكز في سياستها تجاه إفريقيا على تعزيز الشراكات الاقتصادية ودعم مشروعات البنية التحتية الكبرى، وذلك في إطار «مبادرة الحزام والطريق». إذ تُقدّم بكين تمويلاً مستداماً للدول الإفريقية، مع التركيز على الاستثمارات طويلة الأمد في قطاعات المواني والطاقة والسكك الحديدية. وفي ظل «الحياد النشط» الذي تتبناه الصين تجاه هذه الحرب؛ فإنها تطمح لاستغلال الفراغ الذي قد يُخلفه انشغال الولايات المتحدة والقوى الغربية بتداعيات الصراع.
وفي السياق ذاته؛ يبرز مفهوم أمن الطاقة كمحركٍ أساسي للسيادة الوطنية الصينية، إذ تظل بكين أكبر مستورد للنفط الخام عالمياً، بمعدلاتٍ قياسية بلغت نحو (11.6) مليون برميل يومياً في عام 2025م. وحيث إن قرابة (45%) من هذه الواردات تمر عبر مضيق «هرمز»؛ فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تضع سلاسل الإمداد الصينية أمام مخاطر جيوسياسية جسيمة. وبناءً عليه؛ ستسعى الصين إلى تكثيف تعاونها مع الدول الإفريقية البديلة والمنتجة للنفط- مثل (أنجولا، ونيجيريا، والجزائر، وجنوب السودان) تحوّطاً من أي انسدادٍ في شريان الإمداد الخليجي، وضماناً لاستمرارية دورتها الصناعية.
ولتحقيق ذلك؛ ستعوّل بكين على ما يُعرف بـ «دبلوماسية المواني» عبر استثماراتها الضخمة في مواني شرق إفريقيا، لتخلق مساراتٍ لوجستية بديلة عابرة للقارات بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية، لذا ستندفع الصين بشكلٍ أكبر نحو تعزيز مخزونها الإستراتيجي لتفادي صدمات الإمداد المستقبلية، وهي سياسة بدأت بكين بتطبيقها فعلياً مع مطلع عام 2026م، حيث نجحت في تكوين احتياطي نفطي يكفي لمدة 104 أيام، عبر إضافة ما يتجاوز (1.24) مليون برميل يومياً إلى سعتها التخزينية[10].
ولم تكتفِ بكين بزيادة سعتها التخزينية فحسب، بل ترجمت مخاوفها الجيوسياسية إلى تحركٍ شرائي واسع النطاق، حيث سجلت واردات الصين من النفط ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة (16%) خلال الشهور الأولى من عام 2026م[11]. ويعكس هذا التدفق النوعي في الإمدادات رغبةً صينية في التحوط الإستراتيجي لأي تطورات تؤثر في مسارات الطاقة، مما قد يؤدي إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أو ارتفاعٍ حاد في الأسعار العالمية.
علاوةً على ذلك؛ قد تتخذ بكين من تداعيات الحرب على إيران ذريعةً لتعزيز وجودها البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، تحت غطاء حماية الملاحة التجارية وتأمين سلاسل الإمداد. كما يمنح هذا المناخ الأمني المضطرب الصين فرصةً للتفاوض على إنشاء مرافق «مينائية ثنائية الاستخدام» في دولٍ إستراتيجية مثل كينيا وتنزانيا وموزمبيق، حيث توفر هذه المواني تسهيلاتٍ تقنية ولوجستية للسفن الصينية دون الحاجة للإعلان عن قواعد عسكرية رسمية، مما يُجنّب الدول المضيفة الحرج السياسي أمام المجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار؛ قد تبرز تبعات الحرب كمحفزٍ لترسيخ إستراتيجية «عقد اللؤلؤ» الصينية؛ حيث تُمثل قاعدة جيبوتي نموذجاً مرجعياً للتوسع المستقبلي. بيد أن هذا التمدد البحري الصيني قد يخلق حالةً من «الاحتكاك الإستراتيجي» المباشر مع الوجود الأمريكي في جيبوتي، مما يكرس حالة الاستقطاب الدولي في القارة. إذ تهدف الإستراتيجية البحرية لبكين في جوهرها إلى بسط الحماية على خطوط المواصلات البحرية الممتدة من الشرق الأوسط وصولاً إلى بحر الصين الجنوبي، لضمان تدفق الموارد الحيوية بعيداً عن التهديدات الأمنية المحتملة.
4- روسيا:
يُتوقع أن تتجه روسيا في أعقاب هذه الحرب نحو تحقيق مكاسب سياسية وإستراتيجية ملموسة، مستثمرةً في خطابها الذي يُصوّر الصراع كدليلٍ إضافي على ما تصفه بـ«انحياز النظام الدولي وازدواجية معاييره». وتهدف موسكو من خلال هذا الخطاب إلى حشد القارة الإفريقية ضمن كتلة «الجنوب العالمي» الساخط على الهيمنة الغربية، وهو مصطلح بات ركيزةً أساسية في القمم الروسية الإفريقية لتعزيز التضامن ضد ما تسميه بـ«الاستعمار الجديد».
ومع انصراف التركيز الأمريكي نحو منطقة الشرق الأوسط؛ ستتراجع بالضرورة قدرة واشنطن على مراقبة الأنشطة الروسية المتنامية، وبخاصةٍ في منطقة الساحل، مما يمنح موسكو مساحةً أوسع للمناورة عبر أذرعها الجديدة، وفي مقدمتها «الفيلق الإفريقي»، ومن خلال تقديم نفسها كـ«حليف ضامن للسيادة الوطنية» بعيداً عن اشتراطات الغرب، وستسعى روسيا للحصول على امتيازاتٍ استخراجية في الموارد الإستراتيجية كالذهب والمعادن النفيسة، مستفيدةً في الوقت ذاته من التدفقات النقدية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط العالمية لدعم حضورها العسكري والدبلوماسي المستدام في القارة.
5- تركيا:
تتبنّى تركيا نهجاً إستراتيجياً يقوم على مفهوم «القوة المتوسطة الصاعدة»، حيث تمزج ببراعة بين الدبلوماسية الإنسانية، والتعاون الديني والثقافي، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وفي مقدمتها «طائرات بيرقدار» التي باتت تُعرف بـ«دبلوماسية المُسيّرات» كأداة نفوذ فاعلة. وتقُدّم أنقرة نموذجاً «شاملاً» للقادة الأفارقة يربط بين المسارات التنموية والتحالفات الأمنية، إذ لم تعد تكتفي بالدور الإغاثي، بل انتقلت إلى مربع الشريك الإستراتيجي الذي يوفر حلاً أمنياً وعسكرياً سريعاً، مما جعل منها «بديلاً ثالثاً» جذاباً يحرر الدول الإفريقية من الاستقطاب الحاد بين القوى الغربية والشرقية.
وتتجلى قوة هذه السياسة في الأرقام المحققة، حيث توسَّع نطاق التبادل التجاري التركي مع إفريقيا ليتجاوز حاجز (37) مليار دولار خلال عام 2025م، كما عززت شركات المقاولات التركية من بصمتها الجيوسياسية عبر إنجاز أكثر من (2000) مشروع في البنية التحتية بمختلف أنحاء القارة، بقيمةٍ إجمالية قاربت (100) مليار دولار أمريكي. وشملت هذه الاستثمارات الحيوية تطوير المطارات الدولية، وشبكات الطرق الإستراتيجية، والمستشفيات الحديثة، بالإضافة إلى قطاعات الإسكان العملاقة، مما كرس مكانة أنقرة كلاعبٍ محوري في معادلة البناء والأمن الإفريقية على حدٍّ سواء[12].
وفي مواجهة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستسعى تركيا، باعتبارها قوةً دولية ذات مصالح إستراتيجية راسخة، إلى ترسيخ مكانتها كـشريكٍ أكثر استقراراً وموثوقية مقارنةً بالقوى الدولية الأخرى. ويتجلى هذا التوجه بوضوح في منطقة القرن الإفريقي، حيث نجحت أنقرة في بناء علاقاتٍ متوازنة وقوية مع كلٍّ من الصومال وإثيوبيا في آنٍ واحد؛ مستندةً في الصومال إلى حضورها العسكري الوازن عبر قاعدة «تركسوم»، التي تُعدّ كبرى قواعد التدريب العسكرية التركية في الخارج، مما يمنحها دوراً محورياً في رسم ملامح الأمن الإقليمي وتوازناً إستراتيجياً مع الوجود العسكري في المنطقة.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية لعام 2025م عمق هذه المرونة التركية في الاستثمار بالقرن الإفريقي، إذ تجاوز حجم استثماراتها في إثيوبيا حاجز (2.5) مليار دولار، تركزت بشكل إستراتيجي في الصناعات التحويلية كالمنسوجات والبنية التحتية، مما ساهم في خلق آلاف فرص العمل المباشرة للأفارقة. وفي السياق ذاته؛ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي مع إثيوبيا حوالي (253) مليون دولار، مما جعلها ثاني أكبر مستثمر أجنبي في البلاد بعد الصين[13]، مما يمنحها ثقلاً سياسياً وقدرةً على لعب دور «الوسيط الإستراتيجي» في ملفات المنطقة المعقدة، بعيداً عن صراعات المحاور التقليدية.
وفي الصومال أيضاً؛ تكرس تركيا شراكةً إستراتيجية متميزة في قطاع الطاقة، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الجوية في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تساهم أنقرة بشكلٍ حيوي في تحديث المنظومات الدفاعية الصومالية وتزويدها بالدعم التقني واللوجستي. وتبرز هنا الأهمية الإستراتيجية لقاعدتها العسكرية هناك «قاعدة تركسوم» التي ستتحول بموجب تداعيات هذه الحرب إلى مركزٍ إقليمي متقدم لإدارة وتوجيه العمليات الجوية والتدريبية رفيعة المستوى، مما يكرس الحضور التركي كقوة استقرار عسكرية جوية وحيدة قادرة على ملء الفراغ التقني في المنطقة.
لذلك؛ فإنه من المتوقع أن يكون من أبرز نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو الانكفاء العسكري الإيراني وتراجع قدرة طهران على تصدير تقنياتها ومسيراتها، الأمر الذي سيضاعف الفرص أمام تركيا لتوسيع حصتها السيادية ونفوذها العسكري في هذا المجال، ولا سيما في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي اللتين ستجدان في أنقرة البديل الأكثر موثوقية والأقل كلفة سياسية في ظل الصراع الدولي المحتدم.
6- إيران:
سعت إيران تاريخياً إلى بناء نفوذٍ متصاعد في إفريقيا عبر القنوات الإنسانية والتقنية، كآليةٍ إستراتيجية للالتفاف على حِزم العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ عام 1979م. بيد أن انخراطها الراهن في مواجهةٍ عسكرية مباشرة سيؤدي حتماً إلى تقليص قدرتها على ممارسة هذا الدور الوظيفي، مما يخلق «فراغاً إستراتيجياً» تتسابق القوى الإقليمية والدولية لاستغلاله، ولا سيما في دول الساحل الإفريقي التي تبحث عن بدائل أمنية ناجزة في أعقاب تراجع النفوذ الفرنسي.
وفي حال تراجع الدور الإيراني؛ يُتوقع أن تعمد روسيا وقوى صاعدة أخرى إلى توسيع نفوذها في قطاعاتٍ جيوإستراتيجية حساسة، مثل استخراج اليورانيوم في النيجر، في حين ستجد تركيا فرصةً مواتية لتعزيز حضورها البحري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد تذهب هذه القوى أبعد من ذلك عبر استغلال التبعات الاقتصادية للحرب- ولا سيما اضطراب سلاسل التوريد وتفاقم أعباء الديون الإفريقية لتقديم نماذج تمويلية بديلة تقوم على «مقايضة الموارد بالبنية التحتية»، وهو نمط يعزز التبعية الاقتصادية لهذه القوى الصاعدة.
ومع ذلك؛ يظل الموقف الإيراني عصياً على الانحصار التام، فعلى الرغم من الانكفاء التكتيكي المتوقع؛ تظل القارة الإفريقية بالنسبة لطهران ساحةً خلفية حيوية ونافذةً إستراتيجية لكسر «طوق الحصار الإستراتيجي» الخانق عليها[14]. وهذا يعني أن إيران ستستميت في الحفاظ على حدٍّ أدنى من مصالحها، محولةً حضورها من التوسع الشامل إلى الارتكاز النوعي في نقاط نفوذ محددة، تضمن لها البقاء داخل دائرة التأثير الإفريقي ومواصلة الالتفاف على الضغوط الدولية.
ثالثاً: السيناريوهات المحتملة.. تحوّط إستراتيجي أم اصطفاف خارجي؟:
ثمّة مجموعة من السيناريوهات التي يمكن أن تكشف عنها شكل التوازنات الدولية المتوقعة في إفريقيا بعد نهاية هذه الحرب، وهي كالتالي:
السيناريو الأول: تصاعد محور الدعم الضمني للتحالف الغربي:
يتمثل السيناريو الأول في احتمالية نشوء تحالفٍ إستراتيجي، سواءٌ كان معلناً أو ضمنياً، يضم الولايات المتحدة والقوى الغربية، إلى جانب قوى إقليمية تتقاطع مصالحها مع التوجهات الأمريكية، ولا سيما في دولٍ مثل إثيوبيا وكينيا وصوماليلاند. وتبرز ملامح هذا السيناريو في المواقف السياسية المعلنة لهذه الدول، والتي اتسمت بإداناتٍ صريحة لإيران منذ بداية المواجهة، مقابل صمتٍ إستراتيجي تجاه العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.
وسيتم تسويق هذا التحالف دولياً تحت شعارات «مكافحة الإرهاب» و«حماية التجارة العالمية» في البحر الأحمر وخليج عدن، مما يمنحه شرعيةً دولية وقبولاً شعبياً في مواجهة تبعات هذه الحرب من الناحية الأمنية.
وفي هذا السياق؛ يُشكّل الموقف الإثيوبي مؤشراً قوياً على هذا التوجه، إذ وصف رئيس الوزراء «آبي أحمد» الضربة الإيرانية بأنها «هجومٌ شنيع، وانتهاكٌ صارخ لسيادة دولة شقيقة ومجالها الجوي». ويعكس هذا الخطاب رغبة أديس أبابا وشركائها في حجز مقعدٍ متقدم ضمن «المظلة الأمنية الغربية» الجديدة؛ سعياً للحصول على دعمٍ عسكري وتقني متطور، بالإضافة إلى مكاسب اقتصادية قد تشمل إعفاءاتٍ من الديون أو مِنحاً استثمارية كبرى من المؤسسات المالية الدولية.
السيناريو الثاني: تصاعد محور الحياد السيادي والبحث عن بدائل دولية:
يتطوّر هذا السيناريو حول مجموعة من القوى القارية المؤثرة التي تتبنّى سياسة الحياد الحذر، وتقودها دولٌ وازنة مثل نيجيريا وغانا، حيث اتسمت مواقفها بضبط النفس وتجنّب التصعيد دون الانزلاق نحو إدانات صريحة لأي طرف. وتتقاطع هذه الرؤية مع التوجهات الإستراتيجية لدولٍ مثل جنوب إفريقيا والسنغال، التي حذرت من أن توازنات النظام العالمي باتت عرضةً للخطر الجسيم.
وتتصاعد وجاهة هذا السيناريو في حال انتهت المواجهة بانتصار عسكري للمحور الأمريكي الإسرائيلي، إذ قد يترك ذلك وراءه هزيمة أخلاقية مدوية في الوجدان الإفريقي، تترسخ معها قناعة لدى النخب الحاكمة في بريتوريا وأكرا ودكار بأن المنظومة الدولية القائمة على القواعد الغربية قد انهارت تماماً. وفي هذه اللحظة الفارقة، قد تتحول هذه الدول من منتقد للنظام إلى قائد لكتلة قارية تطالب بالانفصال التدريجي عن الهيمنة المالية والنقدية الغربية، والترويج لبناء تحالفات أمنية وإقليمية بينية، مع تسريع الانضمام لتكتل بريكس كبديل مؤسسي للمنظمات الدولية.
كما سيؤدي هذا التحول إلى تصاعد المطالبات الشعبية الإفريقية بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الفرنسي والأمريكي، باعتباره أداةً لفرض الهيمنة. وفي المقابل؛ سيتم تعزيز الشراكة مع القوى الشرقية كالصين وروسيا كشركاء لوجستيين وتسليحيين يتبنون مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وسيصاحب ذلك توجه نحو تحقيق السيادة الطاقية والمعدنية، من خلال إعادة النظر في عقود التصدير للغرب ورفض تقديم امتيازات تفضيلية، رداً على ما تعتبره هذه الدول ازدواجية في المعايير الدولية، مما يمنح القارة مساحةً أكبر للمناورة وتحقيق الاستقلال الإستراتيجي.
السيناريو الثالث: إفريقيا كخزان بديل للطاقة (الأكثر ترجيحاً):
يفترض هذا السيناريو أن تعرّض حقول النفط في منطقة الخليج العربي لهجمات إيرانية، وتصاعد التهديدات التي تطال مضيق هرمز، سيؤدي حتماً إلى دفع القوى الدولية والإقليمية للبحث عن بدائل عاجلة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وهنا تبرز الدول الإفريقية كمرشح رئيسي لتكون المورد البديل والآمن نسبياً للأسواق العالمية. ومع ذلك؛ فإن هذا التحول الإستراتيجي لن يغير بالضرورة من واقع التبعية الاقتصادية لدول القارة، بل قد يؤدي إلى تعميقها، حيث ستظل الاقتصادات الإفريقية أسيرة لنمط تصدير المواد الخام دون القدرة على الولوج إلى مرحلة التصنيع المحلي أو القيمة المضافة.
ويرتبط هذا النمط الاقتصادي بتأكيد حالة الهشاشة البنيوية في القارة، إذ ستجد الدول الإفريقية نفسها في مواجهة ضغوط دولية مكثفة لزيادة الإنتاج الخام لتلبية احتياجات الغرب والشرق على حدٍّ سواء، دون الحصول على التكنولوجيا اللازمة لتطوير صناعات وطنية مستقلة. وفي ظل هذا التنافس المحموم؛ قد تضطر الدول الإفريقية للدخول في صفقات طويلة الأمد ترهن مواردها الطبيعية مقابل حلول مالية مؤقتة لسد أعباء ديونها المتراكمة، مما يجعل من طفرة الطاقة المرتقبة وسيلةً لتثبيت النظام الاقتصادي القديم القائم على استنزاف الموارد بدلاً من أن تكون قاطرةً للتنمية الشاملة[15].
وختاماً؛ يمكن القول:
إن مواقف الدول الإفريقية من المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لا تتسم بالانحياز المطلق لأي طرف، بل تسير في فلك إدارة المصالح المتشابكة والمعقدة. لذا لجأت أغلب دول القارة إلى اتباع نهج براجماتي يوازن بين تجنّب التصعيد الخارجي والحفاظ على مكتسباتها مع أطراف الصراع كافةً. ومن المتوقع أن يظل الموقف الإفريقي بعد نهاية هذه الحرب محكوماً بضرورات حماية الاعتبارات الاقتصادية والشراكات الأمنية والسياسية الحيوية.
وعلى المدى البعيد؛ تشير المعطيات إلى أن القارة مقبلةٌ على موجة من التحركات الدولية الساعية لتوظيف الموارد الإفريقية اقتصادياً لتعويض الخسائر الناجمة عن الحرب، مما يفرض على دول القارة إعادة تقييم تحالفاتها وتنويع شراكاتها لتقليل التعرض للصدمات الخارجية. ويترافق ذلك مع تزايد الدعوات لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، في ظل تراجع الثقة في فعالية المؤسسات الدولية الحالية وقدرتها على إدارة الأزمات الكبرى.
وأمام هذه التحولات؛ يبرز بناء القدرة على الصمود كأولوية إستراتيجية للدول الإفريقية، خاصةً مع تزايد تعقيدات البيئة الدولية وتسارع التغير في موازين القوى. ومع ذلك؛ فإن نتائج الحرب وتداعيات اليوم التالي لها قد لا تخلو من التحديات، إذ يحتمل أن يؤدي تداخل مصالح الفاعلين الإقليميين وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة إلى زعزعة الاستقرار في مناطق بعينها كالقرن الإفريقي. كما أن تهديد الممرات البحرية الحيوية قد يفاقم الأزمات الإنسانية عبر تعطيل سلاسل الإمداد وتراجع تدفقات التجارة والمساعدات، وهو ما يضع القارة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع صراعٍ يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] Samir Bhattacharya, US-Israel War on Iran and Rise of African Pragmatism, Observer Research Foundation, Mar 12, 2026, at: https://shorturl.at/TCPnX
[2] تومي أولاديبو، لماذا قد يصبح القرن الإفريقي الجبهة التالية في الحرب مع إيران؟، جيسكا، 18 مارس 2026، متاح على الرابط الآتي: https://shorturl.at/sfxir
[3] Sheriff Bojang Jnr, Africa picks sides in the US/Israel-Iran war, the Africa report, March 02, 2026, at: https://shorturl.at/Xg2ua
[4] Brendon J. Cannon, Gulf attention is turning inward: why the Iran war could destabilise the Horn of Africa, the conversation, March 9, 2026, at: https://shorturl.at/xwb56
[5] Spotlight on Africa: Africa faces security worries as Iran conflict spreads, RFI English, 17/03/2026, at: https://shorturl.at/4Cnl0
[6] أحمد أمل، تداعيات مزدوجة: تأثير حرب إيران في إفريقيا بين الضغوط المباشرة والتحولات الجيوسياسية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17 مارس 2026، متاح على الرابط الآتي: https://shorturl.at/BhN0s
[7] المرجع السابق نفسه.
[8] Jonathan Gorvett, Türkiye, Israel and the Scramble for the Horn of Africa, The Washington Report on Middle East Affairs, March 16, 2026, at: https://shorturl.at/yDA2p
[9] Brendon Cannon, Gulf attention is turning inward: why the Iran war could destabilise the Horn of Africa, Defence Web, 12 March 2026, at: https://shorturl.at/LQwjv
[10] Erica Downs, Where China Gets Its Oil: Crude Imports in 2025 Reveal Stockpiling and Changing Fortunes of Certain Suppliers, Including Those Sanctioned, Center on Global Energy Policy, January 29, 2026, at: https://shorturl.at/lH5ND
[11] Alicia García-Herrero, What the war in Iran means for China, Bruegel, 17 March 2026, p.3.
[12] Türkiye Sets $40 Billion Trade Target with Africa, Building on a Decade of Influence, Ecofin Agency, 17 October 2025, at: https://shorturl.at/p736X
[13] Turkey set to deepen ties with Africa, The Independent, March 17, 2026, at: https://shorturl.at/GJVIe
[14] محمد عبد الكريم، اليوم التالي للحرب الأمريكية في الشرق الأوسط: ما مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا؟، قراءات إفريقية، 12 مارس 2026، متاح على الرابط الآتي: https://shorturl.at/vacrC
[15] أحمد أمل، مرجع سبق ذكره.











































