إعداد/ د. شيرين جابر
باحث أول بمركز الدراسات الاستراتيجية- مكتبة الإسكندرية، دكتوراه العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.
مقدمة:
برزت أوغندا كفاعل غير تقليدي في ساحة الصراع بين إسرائيل وإيران في عام 2026م، بعد إعلان قائد جيشها موهوزي كاينيروجابا استعداد بلاده لدعم إسرائيل عسكريًا إذا تعرضت لتهديد وجودي، وهو موقف أدى إلى إعادة قراءة السياسة الخارجية الأوغندية في إطار جديد يتجاوز الانقسامات التقليدية في السياسة الدولية.
تُمثل تصريحات القائد الأوغندي أكثر من كونها مجرد موقف فردي؛ إذ إنها تعكس ميل نمطي في خطاب النخبة إلى توظيف الدين والتاريخ كأدوات لإعادة رسم أولويات السياسة الخارجية، لا سيما في سياق علاقات أوغندا الإقليمية والدولية. وتأتي هذه التطورات في سياق تغيرات أوسع يشهدها النظام الدولي، إذ يتعرض التنافس بين إسرائيل وإيران إلى تصعيد مكثف يمتد أثره إلى مختلف المناطق، بما في ذلك إفريقيا، حيث تسعى دول مثل أوغندا إلى إعادة تعريف دورها عبر التصريحات والتحركات السياسية التي قد تؤسس لتحالفات جديدة أو تغير في التحالفات القائمة.
ومع أن التصريحات لاقت ردود فعل وتحليلات متباينة بين مؤيد وناقد، فإنها بلا شك تفتح بابًا للتفكير في تحول أدوار الدول الأفريقية من فواعل إقليمية محلية إلى فواعل ذات تأثير ممكن في صراعات كبرى، وهو ما يجعل فهم الدوافع والانعكاسات أمرًا ضروريًا للتحليل السياسي المعاصر.
أولاً- الموقف الأوغندي بين الرمزية السياسية وإشارات التحول
يمثل الموقف الأوغندي الأخير تجاه الصراع بين إسرائيل وإيران حالة مركبة تتجاوز حدود التصريحات المباشرة، ليعكس نمطًا أوسع من الدبلوماسية التصريحية التي باتت تلجأ إليها بعض الدول متوسطة القوة في سياق إعادة التموضع داخل النظام الدولي. فقد أعلن قائد الجيش الأوغندي استعداد بلاده للانخراط في الحرب إلى جانب إسرائيل في حال تعرضها لخطر وجودي، وهو تصريح يحمل دلالات تتجاوز مضمونه الظاهري ليشير إلى محاولة واعية لإعادة تعريف موقع أوغندا في التفاعلات الدولية([1]).
I'm ready to deploy 100,000 Ugandan soldiers in Israel. Under my command. To protect the Holy Land. The land of Jesus Christ our God!
— Muhoozi Kainerugaba (@mkainerugaba) April 10, 2026
يقتضي تحليل هذا الموقف التمييز بين الرمزية السياسية والإشارة الاستراتيجية. فمن ناحية، يُعرف قائد الجيش الأوغندي بخطابه الحاد واستخدامه المتكرر لمنصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن مواقف مثيرة للجدل، وهو ما يدفع بعض التحليلات إلى اعتبار هذه التصريحات امتدادًا لأسلوب شخصي أكثر منه تعبيرًا رسميًا عن سياسة الدولة. ومع ذلك، فإن كون المتحدث يشغل موقعًا محوريًا داخل بنية السلطة، فضلًا عن كونه نجل الرئيس، يمنح هذه التصريحات وزنًا سياسيًا خاصًا يجعلها أقرب إلى «إشارات محسوبة» موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد([2]).
وفي هذا السياق، يمكن فهم الموقف والسياسة الخارجية الأوغندية باعتبارها جزءًا من استراتيجية إرسال الإشارات (Strategic Signaling)، حيث تسعى الدولة إلى اختبار ردود الفعل الدولية، وإعادة صياغة صورتها كفاعل مستعد للانخراط في قضايا دولية كبرى. فالتصريح لا يقتصر على إعلان دعم سياسي، بل يتضمن إيحاءً بالاستعداد العسكري، وهو ما يهدف إلى رفع مستوى الحضور السياسي لأوغندا في مشهد دولي يتسم بالتنافس الحاد على النفوذ([3]).
كما يعكس هذا الموقف تفاعلاً مع السياق الدولي الأوسع، حيث يشهد الصراع بين إسرائيل وإيران تصعيدًا متزايدًا، وتتعامل معه بعض الدول باعتباره ساحة لإعادة ترتيب التحالفات. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير التصريحات الأوغندية بوصفها محاولة للانخراط في معادلة التوازنات الدولية، ولو على المستوى الرمزي، خاصةً في ظل إدراك النخبة الحاكمة لأهمية القضايا الأمنية في تشكيل علاقاتها مع القوى الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذا الخطاب يظل محكومًا بحدود الواقع السياسي والعسكري، إذ لا توجد حتى الآن مؤشرات على ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية، ما يعزز من الطابع الرمزي للموقف. وعليه، يمكن القول إن الحالة الأوغندية تعكس نموذجًا لدولة تسعى إلى تعظيم حضورها الدولي عبر الخطاب السياسي عالي النبرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادًا فعليًا للانخراط في الصراع، وهو ما يبرز الفارق بين «إعلان الموقف» و«القدرة على تنفيذه» في سياق العلاقات الدولية المعاصرة.
I urge Israel to invest more in trade, tourism & technological cooperation with Africa and Uganda specifically. pic.twitter.com/JKRKbvNtAD
— Yoweri K Museveni (@KagutaMuseveni) July 4, 2016
ثانيًا- الدوافع المركبة للدعم الأوغندي لإسرائيل
يُعد الموقف الأوغندي الداعم لإسرائيل في النزاع مع إيران حالة فريدة في السياسة الخارجية لأوغندا، إذ تتداخل فيها عوامل دينية وتاريخية وسياسية وجيوسياسية لتشكل توجهًا غير متوقع، لا سيما في ظل العلاقات المتوازنة سابقًا بين أوغندا وطهران، بما في ذلك مشاورات لتعزيز العلاقات الدبلوماسية بينهما في 2025م؛ ومن ثم يمكن رصد أبرز الدوافع الأوغندية لدعم إسرائيل على النحو التالي: –
1- الدافع التاريخي: ذاكرة العلاقات الأوغندية–الإسرائيلية
تُعد العلاقات التاريخية بين أوغندا وإسرائيل إحدى أهم العوامل التي تفسر هذا التوجه، حيث يعود التعاون بينهما إلى ستينيات القرن العشرين، بما في ذلك تعاون عسكري وتدريبي واسع النطاق في حقبة ما بعد الاستقلال، أبرز مثال على هذه العلاقة هو ذكرى عملية إنتيبي عام 1976م، التي تُعد رمزًا في العلاقات بين البلدين، إذ حررت القوات الإسرائيلية رهائن من طائرة مخطوفة في أوغندا، وقد أثرت هذه الحادثة في الذاكرة الجماعية لكلا البلدين بشكل عميق.
لا تكون العودة إلى هذا التاريخ فقط تذكيرًا بعلاقات قديمة، بل يُستخدم أيضًا كأداة شرعية للاستراتيجية الحالية، وكأن الماضي يوفر مبررًا للتماسك والتحالف في الوقت الراهن.
2- الدافع الديني: الصياغة الروحية للسياسات
يبرز العامل الديني بشكل واضح في الخطاب الذي استخدمه قائد الجيش الأوغندي، الجنرال موهوزي كاينيروجابا، الذي أعلن أن أوغندا تقف مع إسرائيل «لأننا مسيحيون»، مستشهدًا بمرجعيات دينية في نصوص دينية لتبرير هذا الدعم، هذا التفسير لا يعكس فقط إحساسًا بوحدة روحية بين المسيحية واليهودية، بل يعيد إحياء دور العقيدة كمكون في بناء الهوية الوطنية والاستراتيجية الدولية، وهو ما يتماشى مع توجهات دينية أوسع تناقشها الدراسات حول تأثير العقائد في النزاعات الدولية.([4])
لا يكون الدين هنا مجرد طقوس دينية، بل يُستخدم كمنطق استراتيجي لربط المصلحة السياسية بمبررات أخلاقية وروحية، وهو ما يزيد من عمق التأثير الاجتماعي لهذا الموقف داخل الأوساط المسيحية الأفريقية الداعمة لإسرائيل.
3- الدافع السياسي الداخلي: بناء الشرعية وتدويل السلطة
تلعب الاعتبارات السياسية الداخلية دورًا محوريًا في هذا الدعم، إذ لا يمكن فهم الموقف الأوغندي بمعزل عن السياق السياسي المحلي، يُعد قائد الجيش الأوغندي الذي تصدر هذا التصريح شخصية مؤثرة داخل النظام السياسي الأوغندي، فهو ليس فقط أعلى مسؤول عسكري، وإنما أيضًا نجل الرئيس، ما يربط تصريحاته بآفاق التسلسل في السلطة في المستقبل.([5])
إن تبني مواقف حادة في السياسة الخارجية يمكن أن يُستخدم كأداة لتعزيز الشرعية داخل الصفوف السياسية والنخبوية، خاصةً في ظل نظام حكم طويل الأمد يحاول المحافظة على تماسكه عبر إظهار القوة والقدرة على اتخاذ مواقف دولية جريئة.
4- الدافع الجيوسياسي: إعادة تموضع في النظام الدولي
تُظهر تصريحات القيادة الأوغندية رغبة في إعادة تموضع أوغندا كفاعل مؤثر في السياسات الدولية الكبرى، وليس فقط داخل حدود شرق إفريقيا، في ظل الصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران، يمكن لتقديم الدعم، ولو كان سياسيًا، أن يفتح الباب أمام علاقات أعمق مع القوى الغربية، والتي تستند في كثير من الأحيان إلى قواعد تحالفات قائمة على المصالح الأمنية والاستراتيجية([6])؛ هذا يشير إلى رغبة أوغندا في الخروج من «الفاعل الإقليمي محدود التأثير» إلى «فاعل دولي يعلن مواقفه ولا يخشى الدخول في قضايا كبرى».
5- التعقيد التوازني مع إيران: واقع دبلوماسي معقد
تسعى أوغندا للحفاظ على علاقات دبلوماسية مفتوحة مع إيران رغم هذا الدعم المتصاعد لإسرائيل، إذ شهدت بيئات سياسية واجتماعية مسارات تعزيز مشاورات بين البلدين في مطلع عام 2025م، يعكس هذا التوازن النسبي العقلانية في السياسة الخارجية الأوغندية، فهي لا تبدو راغبة في قطع العلاقات بشكل مطلق مع طهران، بل تحاول المزج بين الدعم لإسرائيل وحرصها على مصالحها الإقليمية والتجارية والسياسية مع الجانب الإيراني.
يتضح من سياق هذه الدوافع أن الدعم الأوغندي لإسرائيل ليس نابعًا من عامل وحيد، بل هو نتاج تركيب مركب من المرجعيات الدينية والتاريخية والمصالح السياسية الداخلية والمعادلات الجيوسياسية.
هنا تبرز الحالة الأوغندية كدراسة حالة في فهم كيف يمكن لدولة ذات وزن متوسط أن تستخدم خطابًا متعدد الأبعاد لتعظيم مكانتها ودورها في خريطة الصراعات العالمية، في حين يستمر هذا الموقف في كونه موضوعًا مفتوحًا على احتمالات التغيير بحسب تطورات الأوضاع الدولية والإقليمية.

ثالثًا: حدود القدرة الأوغندية على التدخل في الصراع الإيراني
رغم حدة التصريحات الصادرة عن القيادة العسكرية الأوغندية بشأن الاستعداد لدعم إسرائيل، فإن التحليل الموضوعي لقدرات الدولة يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي وإمكانات التنفيذ الفعلي، وهو ما يضع هذا الموقف في إطار «الإشارة السياسية» أكثر من كونه التزامًا عملياتيًا قابلاً للتحقق.
يتمثل القيد الأول في محدودية القدرات العسكرية واللوجستية، حيث يُعد الجيش الأوغندي قوة إقليمية فعالة ضمن نطاق شرق إفريقيا، خاصةً في مهام حفظ السلام ومكافحة التمرد، إلا أنه يفتقر إلى أدوات «إسقاط القوة» خارج الإقليم (Power Projection)، مثل النقل الاستراتيجي بعيد المدى، أو القدرات الجوية والبحرية المتقدمة التي تمكنه من العمل في مسارح عمليات بعيدة كمنطقة الشرق الأوسط. كما أن بنيته العسكرية لا تزال موجهة أساسًا للتعامل مع تهديدات داخلية وإقليمية، وليس للانخراط في صراعات دولية عالية الكثافة([7]).
أما القيد الثاني، فيرتبط بـالعامل الجغرافي، الذي يشكل أحد أهم محددات السلوك العسكري للدول. فالمسافة الفاصلة بين أوغندا ومنطقة الشرق الأوسط تمثل عائقًا استراتيجيًا حقيقيًا، ليس فقط من حيث التكلفة واللوجستيات، بل أيضًا من حيث الحاجة إلى تأمين خطوط إمداد طويلة ومعقدة تمر عبر مجالات جوية وبحرية متعددة. وفي ظل غياب قواعد عسكرية خارجية أو تحالفات لوجستية ثابتة، يصبح أي تدخل مباشر مكلفًا وغير مستدام على المدى المتوسط([8]).
يتمثل القيد الثالث في الاعتماد البنيوي على القوى الكبرى، إذ إن أي تدخل عسكري خارج الإقليم يتطلب – بحكم طبيعة النظام الدولي – درجة من التنسيق أو القبول الضمني من قوى كبرى تمتلك القدرة على إدارة مسارح العمليات الدولية. وفي الحالة الأوغندية، فإن غياب الاستقلالية الاستراتيجية الكاملة يجعل من الصعب تصور تدخل منفرد دون غطاء أو دعم من أطراف مثل الولايات المتحدة أو ضمن تحالف متعدد الأطراف، وهو ما يقلل من احتمالات التحرك المستقل([9]).
وعليه؛ فإن مجمل هذه القيود يفضي إلى نتيجة مفادها أن الدعم الأوغندي لإسرائيل، في سياق الصراع مع إيران، يظل في المرحلة الراهنة أقرب إلى التعبير الرمزي والسياسي منه إلى خيار عسكري قابل للتنفيذ. وهو ما يعكس نمطًا متكررًا في سلوك الدول متوسطة القوة، حيث يتم توظيف الخطاب الخارجي كأداة للتموضع الاستراتيجي وتعظيم المكانة الدولية، دون الارتباط بالضرورة بقدرات فعلية على ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات عملياتية على الأرض.

رابعا: السياسة الخارجية الأوغندية وإعادة تشكيل أنماط التفاعل الإقليمي والدولي
تُثير التصريحات الأوغندية الداعمة لإسرائيل في مواجهة إيران جملة من الانعكاسات الجيوسياسية التي تتجاوز حدود الحدث ذاته، لتلامس طبيعة التحولات الجارية في بنية النظامين الإقليمي والدولي. فعلى مستوى القارة الأفريقية، يُحتمل أن يسهم هذا الموقف في إعادة تشكيل أنماط الاصطفاف السياسي بين الدول، خاصةً في ظل التباين التقليدي في مواقف الدول الأفريقية تجاه قضايا الشرق الأوسط. إذ قد يدفع هذا التطور بعض الدول إلى إعادة تقييم سياساتها الخارجية، إما باتجاه التقارب مع إسرائيل ضمن حسابات براغماتية، أو التمسك بمواقف أكثر تحفظًا أو موازنة، وهو ما قد يؤدي إلى تعدد أنماط التحالف داخل القارة بدلًا من وحدة الموقف التقليدي.
على مستوى النظام الدولي، تعكس الحالة والسياسة الخارجية الأوغندية تحولًا نوعيًا في طبيعة الفاعلين، حيث لم تعد الأدوار الدولية حكرًا على القوى الكبرى، بل باتت الدول متوسطة القوة تسعى إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية عبر الانخراط – ولو رمزيًا – في القضايا الدولية الكبرى. ويُفهم هذا السلوك في إطار سعي هذه الدول إلى إعادة تعريف مكانتها، من خلال توظيف الخطاب السياسي الخارجي كأداة للتموضع داخل شبكات التحالف الدولية. كما يعكس ذلك نمطًا متصاعدًا من «الدبلوماسية التصريحية» التي تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية دون تحمل كلفة التدخل المباشر.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن انخراط فاعل إفريقي – حتى وإن كان على المستوى الخطابي والسياسي – يعكس اتساع نطاق الصراع بين إسرائيل وإيران، وتحوله من صراع إقليمي محدود إلى ساحة تفاعل دولي متعددة الأطراف. ويشير ذلك إلى تآكل الحدود الجغرافية التقليدية للصراعات، حيث باتت القضايا الإقليمية قادرة على استقطاب مواقف وتفاعلات من خارج محيطها الجغرافي المباشر. كما أن هذا الامتداد يعزز من احتمالات «تدويل الصراع»، سواء عبر التحالفات السياسية أو عبر توسيع دوائر الدعم غير المباشر، بما يزيد من تعقيد معادلات الردع والتوازن في المنطقة([10]).
وبناءً عليه؛ يمكن القول إن الموقف الأوغندي، رغم محدوديته العملية، يحمل دلالات أوسع تتعلق بتحول بنية النظام الدولي نحو مزيد من التعددية والتعقيد، حيث تتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية في تشكيل أنماط التفاعل السياسي، وتزداد فيه أهمية الفاعلين غير التقليديين في التأثير – ولو بشكل غير مباشر – على مسارات الصراعات الكبرى.
خاتمة:
في ضوء ما تقدم؛ يتضح أن الموقف الأوغندي الداعم لإسرائيل في سياق الصراع مع إيران لا يمكن اختزاله في مجرد تصريح سياسي عابر، بل يعكس نمطًا أوسع من التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية للدول متوسطة القوة في النظام الدولي المعاصر. فهذا الموقف، رغم محدودية إمكاناته التنفيذية، يكشف عن سعي واعٍ لإعادة التموضع الاستراتيجي، وتوظيف القضايا الدولية الكبرى كمنصات لإبراز الحضور السياسي وتعظيم المكانة النسبية للدولة.
كما تُظهر الحالة الأوغندية تداخلًا معقدًا بين محددات داخلية وخارجية، حيث تتقاطع الاعتبارات الدينية والتاريخية مع الحسابات الجيوسياسية، في إطار محاولة صياغة دور يتجاوز الإطار الإقليمي الضيق. غير أن هذا الطموح يظل محكومًا بجملة من القيود البنيوية، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو الموقع الجغرافي أو الاعتماد على توازنات القوى الكبرى، وهو ما يحد من إمكانية ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات فعلية على الأرض.
وعلى مستوى أوسع، تعكس هذه الحالة تحولًا في طبيعة التفاعلات الدولية، حيث لم تعد المشاركة في الصراعات الكبرى حكرًا على القوى التقليدية، بل أصبحت ساحة مفتوحة أمام فاعلين جدد يسعون إلى التأثير عبر أدوات رمزية وخطابية، بما يعزز من تعقيد بنية النظام الدولي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الموقف الأوغندي بوصفه نموذجًا دالًا على صعود ما يمكن تسميته بـــــــ «الدبلوماسية التصريحية»، التي تمثل أداة لإعادة تشكيل المواقع السياسية دون الانخراط المباشر في كلفة الصراع.
وعليه؛ فإن أهمية هذه الحالة لا تكمن في مضمونها المباشر فحسب، بل في دلالاتها الأعمق المرتبطة بتحولات النظام الدولي نحو مزيد من التعددية والسيولة، حيث تتزايد أدوار الفاعلين غير التقليديين، وتتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية في تشكيل مسارات السياسة العالمية. ومن ثم، فإن دراسة مثل هذه الظواهر تظل ضرورية لفهم ديناميات القوة والتأثير في عالم يتجه تدريجيًا نحو إعادة تعريف مفاهيم الفاعلية والتحالف والنفوذ.
……………………………
قائمة المراجع:
([1]) Gizem Nisa Demir, “Uganda military chief says country would join war if Israel faces defeat,” Anadolu Ajansı, March 26, 2026,
([2]) “Uganda’s infamous military chief suggests country could join Israel in Iran war,” The New Arab, March 26, 2026,
([3]) “Uganda’s Military Chief Pledges Troops to Defend Israel,” Grand Pinnacle Tribune, March 29, 2026,
([4]) Jewish News Syndicate, “Uganda willing to fight in war alongside Israel, military chief says,” New York Post, March 26, 2026,
([5]) Michael M. Phillips, “Ugandan Commander Offers Military Support for Israel,” The Wall Street Journal, March 26, 2026,
([7]) “2026 Uganda Military Strength”,
([8]) “Uganda military chief says country would join war if Israel faces defeat,” Middle East Monitor, March 26, 2026,
([9]) Michael M. Phillips, Op. cit.
([10]) “Uganda pledges to back Israel if attacked, army chief says,” Iran International, March 26, 2026,











































