بالنظر إلى اتساع قارة إفريقيا وتنوع أقاليمها ودولها بشكل يفوق بقية قارات العالم؛ فإنه يمكن تلمُّس أثر هذا التنوع عند قراءة تجارب القارة التنموية الناجحة، وكذلك تحديات الفشل التي تفرضها الصدمات الخارجية (مثل جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران).
يتناول المقال الأول[1] تجربة انعقاد المنتدى العالمي للسياحة في العاصمة الأنجولية لواندا في 17-19 يونيو المقبل، وما يمثله من فرصة لتدفق استثمارات سياحية وقطاعية أخرى إلى أنجولا في السنوات المقبلة.
أما المقال الثاني[2] فإنه يتناول مدى تأثير تراجع المساعدات الدولية (ولاسيما الأمريكية) لقطاع الصحة في إفريقيا على ارتفاع معدلات وفيات الأفارقة المصابين بالكوليرا، ولاسيما في دولة جمهورية الكونغو الديمقراطية.
بينما يتناول المقال الثالث والأخير[3] تجربة نمو قطاع الزراعة في جمهورية جنوب إفريقيا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على بدء الأخيرة تجربة التحول الديمقراطي بعد عقود من العنصرية وسياساتها الشاملة.
إفريقيا في إسبوع
(1) لماذا يتجه المستثمرون الدوليون إلى أنجولا؟
باتت مقدرات الاستثمار في أنجولا محل تقدير، لكن يبقى ما يختلف الآن متعلقاً بزخم الحركة. وفي 17-19 يونيو المقبل سيجتمع أكثر من ألف مستثمر وصانع سياسة وقادة صناعة، في مدينة لواندا العاصمة، لتبادل وجهات النظر في قمة الاستثمار في أنجولا التابعة للمنتدى العالمي للسياحة Global Tourism Forum (GTF) Investment Summit Angola، وستجمع هذه القمة كبار صناع السياسات لاستكشاف مقدرات أنجولا وإفريقيا، وإطلاق سبل استثمارات جديدة على المستوى العالمي.
تطلعات العاصمة الأنجولية المتصاعدة
لا تُعدّ لواندا هي نفسها تلك المدينة التي كانت عليها قبل عشرة أعوام، بل هي الآن واحدة من أسرع العواصم الإفريقية في النمو الاقتصادي. وقد زادت حكومة أنجولا من إصلاحاتها الاقتصادية في السنوات الأخيرة، وتنويعها بعيداً عن الاعتماد على البترول، مع الاستثمار بقوة في البنية الأساسية، وتحسين الأوضاع التنظيمية أمام المستثمرين. وكانت البيئة في لواندا جاذبةً باستمرار للزوار، فهناك صحراء ناميبيا في الجنوب، وساحل ممتد على المحيط الأطلسي، ومرتفعات غنية بالتنوع الحيوي. كما باتت البنية الأساسية المحيطة وأوضاع الاستثمار بالغة التطور مؤخراً.
وبالنسبة لمنتدى السياحة العالمي (GTF)؛ فإن لواندا كانت خياراً واضحاً: «إن أنجولا تُمثل واحدة من الحدود الاستثمارية الواعدة، ليس في إفريقيا فحسب بل عالمياً» حسب رئيس معهد منتدى السياحة العالمي World Tourism Forum Institute بولوت باجي Bulut Bağci، الذي أضاف أن «القمة ستربط المستثمرين ذوي الرؤى بالمشروعات التحولية، وتسارع من النمو المستدام في أرجاء الإقليم».

منتدى السياحة العالمي
ولا يتعلق الأمر بالسياحة فحسب، بل بما تطلقه السياحة. إن رسالة القمة مباشرة، ألا وهي أن السياحة لا تقتصر على جذب الزوار، بل إنها تحرك كل ما يدور حولها: فالنمو الاقتصادي مدفوع بالسياحة (من زاوية رئيسة، وحسب أهمية قطاع السياحة في كل بلد بطبيعة الحال). إن الفنادق تحتاج إلى سلاسل إمداد، كما تنفتح المطارات أمام التجارة، وحتى الفضاءات الثقافية، والتي تكون في العادة آخر شيء يحصل على تمويل، فإنها ما تجعل الزوار ينفقون أموالهم بمجرد الوصول.
وقد أثار وزير السياحة الأنجولي مارسيو دي جيسس لوبز دانيال Márcio de Jesus Lopes Daniel النقطة نفسها قائلاً: إن «السياحة تبرز كعمود رئيس في إستراتيجيتنا لتحقيق التنوع الاقتصادي»، في إشارةٍ منه إلى فضاءات بلاده الطبيعية وإرثها الثقافي كأصول قابلة للتطوير في المستقبل القريب. كما لفت إلى ذلك بقوله: «إننا نخلق بيئة قادرة للمستثمرين والشركاء الدوليين».
ويُمثل ذلك مدار مناقشات المؤتمر الذي يُعقد في 17-19 يونيو في لواندا. وتُقدّم الموائد المستديرة المغلقة لمناقشة الاستثمار ولجان المناقشات رفيعة المستوى للمشاركين مكاناً ملائماً لتبادل المعرفة وصنع الصفقات. وهو حدث يتم خلاله وضع التزامات رأسمالية وليس إعلانها فحسب.
وكان منتدى السياحة العالمي قد أنفق سنوات في بناء سمعته كمنصة يمكن خلالها ربط رأس المال الحكومي والخاص بالفعل. وتواصل قمة لواندا العمل في اللحظة الراهنة، فيما تجتذب إفريقيا اهتماماً مستداماً من مستثمرين في أرجاء الخليج وآسيا وأوروبا. وتلك لحظة تقوم خلالها الصناديق السيادية ومؤسسات تمويل التنمية بتوسيع محافظ أعمالها الإفريقية. وإن ما تحتاجه هو محفل حيث يمكن خلاله تكوين العلاقات وانتقال الصفقات إلى الأمام، وليس مجرد مناقشتها فحسب. ويمكن القول إن لواندا جاهزة تماماً لذلك. ويمكن للمعنيين بشأن الفعالية المقبلة تتبع بنودها عبر هذا الرابط.
(2) تضاعف وفيات الكوليرا في إفريقيا 2025م: ما دور خفض المساعدات؟
قتلت الكوليرا في أرجاء القارة الإفريقية نحو 7500 في العام 2025م، وهو رقم يبلغ نحو ضعف الرقم السابق المسجل في العامين 2023 و2024م، والذي بلغ نحو 3800 حالة وفاة. وفيما كانت الإصابات مرتفعة نوعاً ما في العام 2025م مقارنةً بما تم تسجيله في العامين 2023 أو 2024م؛ فإن الوفيات أعلى بكثير في الفترة نفسها محل المقارنة: فالأفراد الذين كانوا عُرضةً للإصابة بالكوليرا في العام 2025م كانوا أكثر عرضةً للموت مقارنةً بالأعوام السابقة. وثمة سبب مرجّح في ذلك: أن المرضى لا يحظون بالمساعدة التي يحتاجون إليها. وفي العام 2023 و2024م كان هناك نحو 14 حالة وفاة لكل 1000 إصابة بالكوليرا، لكن في العام 2025م ارتفع عدد الوفيات في كل 1000 إصابة إلى 23 حالة وفاة.
تفشٍ كبير ومستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية
سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية في العام 2025م نحو 72 ألف حالة إصابة و2000 حالة وفاة. وخلافاً للوضع في أنجولا والسودان وجنوب السودان؛ فإنه ليست هناك علامات على تباطؤ هذا التفشي. ويُمثل ذلك أسوأ تفشٍ للكوليرا في البلاد في غضون 25 عاماً. وتتحمل جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب السودان، عبء أكبر تفشٍ للمرض في إفريقيا وارتفاع معدلات الوفيات بها، التي تتجاوز حدود نسبة 1% التي وضعتها منظمة الصحة العالمية لترتيب الاستجابة العاجلة. ويمكن أن تعكس نسبة الوفيات المرتفعة تلك وصولاً بالغ التدهور للعلاج الهيدراتي (المائي) والفموي في المناطق التي تتأثر بالصراعات، حيث كانت النظم الصحية القائمة ضعيفة بالفعل ومستهلكة.
جانب التمويل
إن تحليلنا الأصلي للصلة بين وفيات الكوليرا وخفض المساعدات الأمريكية قد ركز على إلغاء عقد الولايات المتحدة المعروف بـ WASH. ويتخذ مثل هذا التحديث رؤية أوسع، باستخدام بيانات خدمة التتبع المالي Financial Tracking Service حول إجمالي التمويل الإنساني المدفوع للدول التي ضربتها الكوليرا في الفترة 2022 إلى 2025م.
إن النمط الذي يظهر من البيانات الجديدة يتسق مع ما سبق أن توصلنا إليه: أن التمويل الإنساني للدول التي شهدت موجات تفشٍ نشطة للكوليرا قد ارتفع في العام 2024م، لكنه تراجع في العام 2025م، مع التدهور الحاد في الإسهامات الحكومية الأمريكية من هيئة التمويل الأمريكية الدولية ووزارة الخارجية على حدٍّ سواء. وبالنسبة للدول الخمس التي شهدت أكبر تفشٍ للكوليرا في العام 2025م (وهي أنجولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا، والسودان، وجنوب السودان)؛ فإن إجمالي دعم التمويل الإنساني من الولايات المتحدة قد تراجع حتى مع ارتفاع الوفيات من 650 في العام 2023م إلى ما يقرب من 7000 وفاة في العام 2025م. وقد تراجعت حصة الولايات المتحدة من إجمالي الدعم من 37% إلى 27% فقط.

(3) كيف تغيرت زراعة جنوب إفريقيا بعد 32 عاماً من الأبارتهيد
نحتفل اليوم، 27 أبريل 2026م، بيوم الحرية في جنوب إفريقيا. وقد مضى الآن نحو 32 عاماً على الديمقراطية في جنوب إفريقيا، وكتب كثيرون بشكل موسع عن تقدم البلاد منذ فجر الديمقراطية بها. ويكفي القول، في المقام الحالي، أنه فيما تترك التحديات اليومية الفرد مليئاً بشعور اليأس، فإننا كجماعة حققنا تقدماً كبيراً في تحسين الأوضاع الاقتصادية بالبلاد. أما كأفراد فإننا في حالة متوسطة، وأفضل بنسبة 150% من الناحية المالية مقارنةً بالعام 1993-1994م. وبالطبع فإنه كان من الممكن أن تكون المكاسب أفضل إذا لم تقيد الدولة خطواتنا من بين أسباب أخرى.
إن القطاع الزراعي، الذي يعاني الآن من «مرض القدم والفم» المنتشر وسط قطعان الماشية، وحمى الخنازير الإفريقية وسط الخنازير، وتدنّي الأسعار السلعية في القمح والسكر، حقق تقدماً مهماً. إن التحديات التي أُبرزها هنا حقيقية وتفرض أعباء كبيرة على قطاع الفلاحة، وإذا لم نعالجها على وجه السرعة فإنها يمكن أن تؤدي إلى تراجع مكاسب النمو التي حققناها. وإذا كنا نفترض أننا سننجح في معالجة مثل هذه المشكلات، وأننا سنتخذ رؤية بعيدة المدى للقطاع، فإن هناك الكثير مما نفخر به، فقد ارتفع القطاع الزراعي في جنوب إفريقيا أكثر من الضعف وفق القيمة والحجم منذ عام 1994م.
حوافز النمو الزراعي في جنوب إفريقيا
برز حافزان رئيسان من بين حوافز أخرى في تحقيق التقدم في قطاع الزراعة. أولهما تبنّي جنوب إفريقيا للتكنولوجيات المتقدمة في الزراعة كوسيلة لدفع الإنتاجية. ويشمل ذلك الهندسة الوراثية المحسنة، وزراعة البذور، والتحصينات، والكيماويات الزراعية والأسمدة، من بين تدخلات أخرى. كما ساعد تطور مهارات الفلاحة على هذا الأمر بشكلٍ هائل. وثانيهما التأكيد المتزايد على التجارة الزراعية الذي كان محركاً رئيسياً للتقدم. فقد شهدت جنوب إفريقيا نمواً في صادراتها الزراعية بمرور الوقت، ووصلت لرقم قياسي بلغ 15.1 مليار دولار في العام 2025م. وتُصنف جنوب إفريقيا الآن في المرتبة 32 بين قائمة أكبر المصدرين الزراعيين في العالم، وهي الدولة الإفريقية الوحيدة التي يأتي ترتيبها في أول 40 دولة من حيث القيمة.
وقد يسّر ازدهار الصادرات مجموعة من الاتفاقات التجارية التي أمنتها الحكومة الجنوب إفريقية على مدار العقود السابقة، والتي كان أهمها مع الدول الإفريقية وأوروبا والأمريكيتين وبعض الدول الآسيوية. وتستقبل القارة الإفريقية وأوروبا الآن ما يقرب من ثلثي صادرات جنوب إفريقيا الزراعية، بينما تصبح آسيا على نحو متزايد سوقاً مهمة.
مكاسب الأمن الغذائي
كانت الزيادة في الناتج الزراعي بمرور الوقت مساهماً رئيسياً أيضاً في تصنيف جنوب إفريقيا في المرتبة التاسعة والخمسون من بين 113 دولة في مؤشر الأمن الغذائي العالمي Global Food Security Index، لتصبح أكثر دولة تحقق أمنها الغذائي في إفريقيا جنوب الصحراء. لكن هناك الملايين من الجنوب إفريقيين يعانون من تحدي عدم الأمن الغذائي. ويرجع السبب الرئيس لقلة وصول الكثير من الجنوب إفريقيين للطعام بالأساس إلى الفقر في الدخل وليس النقص في وفرة السلع الناجم عن الناتج الزراعي المنخفض.

ملاحظات ختامية
كما أبرزتُ في كتابي A Country of Two Agricultures فإن لجنوب إفريقيا مقدّرات ضخمة في زيادة «الفطيرة الزراعية» عبر إدخال مزيد من الفلاحين الجدد، الذين يقومون، كنقطة بداية، بأغلب مهام زراعة الأراضي التي تعجز الحكومة عن القيام بها على مساحة تقارب 2.5 مليون هكتار.
إن توسع النشاط الزراعي سيحقق وظائف أكثر أهمية في جنوب إفريقيا الريفية، بينما سيعزز في الوقت ذاته الحيوية والشمول الاقتصاديين. ويمكن أن يكون ذلك خطوة جوهرية في هذا العقد لجَسر الفجوة بين القطاعين الزراعيين الحاليين في جنوب إفريقيا.
ومرّةً أخرى، بينما هذا التوقع بنمو بعيد المدى مسألة واعدة؛ فإنه لا يمكننا تحقيقه دون جهد جاد لمواجهة التحديات الراهنة، مثل مرض «القدم والفم» وحمى الخنازير الإفريقية من بين مسائل أخرى.
وتلك هي القضايا التي يركز عليها الزملاء في وزارة الزراعة والزراعة المنظمة، وعلينا مسارعة جهودنا حولها، لأنها لا تزال قضايا رئيسة بالنسبة للانخراط في قضايا النمو بعيد المدى بهذا القطاع.
ـــــــــــــــــ
روابط المقالات:
[1] The Next African Frontier: Why Global Investors are Heading to Angola, EuroNews, April 21, 2026, at:
https://www.euronews.com/travel/2026/04/16/the-next-african-frontier-why-global-investors-are-heading-to-angola
[2] Eeshani Kandpal Charles Kenny , Brian Webster and Markus Goldstein, Cholera Deaths Nearly Doubled in Africa in 2025. Cuts to Aid May Have Contributed, Center for Global Development, April 27, 2026, at:
https://www.cgdev.org/blog/cholera-deaths-nearly-doubled-africa-2025-cuts-aid-may-have-contributed
[3] Sihlobo, Wandile, How South Africa’s agriculture has changed 32 years after apartheid, Wandile, April 27, 2026, at:
https://wandile.substack.com/p/how-south-africas-agriculture-has-beb










































