وصلت سفينة الحفر التركية “تشاغري بيه” (Cagri Bey) إلى المياه الصومالية لبدء أول عملية حفر في أعماق البحار خارج البلاد، بحسب ما أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، الخميس.
وبدأت تركيا مرحلة جديدة في سياستها الطاقية الخارجية، إيذانًا بإطلاق أول عملية حفر في أعماق البحار خارج حدودها، وفي خطوة تعكس توسع أنقرة في استكشاف موارد الطاقة عالميًا وتعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي.
وأعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار عبر منصة (X) وصول السفينة إلى المياه الصومالية. وأكد أن هذه المهمة تمثل “فصلاً جديدًا تمامًا في تاريخ الطاقة لكل من تركيا والصومال”، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية للمشروع على مستوى البلدين.
وكان بيرقدار قد قال في وقت سابق من هذا الشهر إن السفينة ستصل إلى الصومال الجمعة، ومع وصولها ستبدأ تركيا أول عملية حفر بحرية لها في مياه الدولة الواقعة في منطقة القرن الأفريقي.
Türkiye's deep-sea drilling vessel Cagri Bey has arrived in Somalia, marking the country's first overseas deep-sea exploration drilling operation. The operation targets a depth of 7,500 metres over 288 days.
The Turkish seismic vessel Oruc Reis previously conducted surveys… pic.twitter.com/ncSmEgiZwf
— TRT World (@trtworld) April 10, 2026
مهمة حفر غير مسبوقة
تنطلق سفينة الحفر التركية في مهمة تستمر 288 يومًا، تستهدف حفر بئر “كوراد-1” قبالة السواحل الصومالية، على عمق يصل إلى 7,500 متر، ما يجعلها واحدة من أعمق عمليات الحفر البحرية في المنطقة. ومن المتوقع أن توفر هذه العملية بيانات حول احتياطيات النفط والغاز في المياه الإقليمية للصومال.
وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها لتركيا خارج مياهها الإقليمية، حيث تسعى أنقرة إلى توسيع نطاق عملياتها الاستكشافية، مستفيدة من خبراتها التقنية المتقدمة في مجال الحفر البحري، والتي طورتها خلال السنوات الأخيرة في البحرين الأسود والمتوسط.
توسع في القرن الأفريقي
يمثل إطلاق هذه عملية سفينة الحفر التركية تحولاً مهمًا في استراتيجية الطاقة التركية، التي باتت تركز على تنويع مصادرها وتعزيز حضورها في الأسواق الناشئة. وتأتي منطقة القرن الأفريقي، في صدارة هذه التوجهات، نظرًا لما تمتلكه من إمكانات غير مستغلة في قطاع الطاقة.
وكانت سفينة المسح الزلزالي التركية “أروش ريس” قد أنهت في وقت سابق مسوحات جيولوجية في ثلاث مناطق بحرية صومالية، ما مهد الطريق لتحديد مواقع واعدة للحفر، من بينها بئر “كوراد-1”.
ويشير خبراء إلى أن هذه العمليات قد تكشف عن احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ما قد يغير مستقبل قطاع الطاقة في الصومال، ويفتح الباب أمام استثمارات دولية واسعة.
تأتي لمهمة سفينة الحفر التركية في سياق اتفاقيات أُبرمت بين البلدين، عام 2024، شملت التعاون في استكشاف النفط والغاز برًا وبحرًا، إلى جانب اتفاقيات لتقاسم الإنتاج.
ويهدف هذا التعاون إلى دعم الصومال في تطوير قطاع الطاقة لديه، الذي ظل لسنوات طويلة غير مستغل بسبب التحديات الأمنية والسياسية. فيما تسعى تركيا إلى تأمين مصادر جديدة للطاقة وتعزيز مكانتها كمصدر للتكنولوجيا والخبرة في هذا المجال.

ماذا يعني وصول سفينة الحفر التركية الصومال؟
أكد مسؤولون صوماليون أن بدء عمليات سفينة الحفر التركية يمثل “محطة تاريخية” في مسار البلاد نحو استغلال مواردها الطبيعية، معربين عن أملهم في أن تسهم هذه الخطوة في تحقيق انتعاش اقتصادي وتعزيز الاستقرار.
ووصف وزير البترول الصومالي، ضاهر شيري، هذه الخطوة، التي ستكون أول عملية تنقيب عن النفط في المياه العميقة للبلاد، بأنها “محطة تاريخية في مسيرتنا في مجال الطاقة البحرية… فصل جديد يبدأ”.
وأكدت وزارة الخارجية أنه في حال نجاح عملية التنقيب، سيتم الكشف عن احتياطيات نفطية بحرية ودعم الانتعاش الاقتصادي للبلاد كلاعب إقليمي في قطاع الطاقة.
ومن المتوقع أن يكون لنجاح عملية سفينة الحفر التركية تأثيرات اقتصادية كبيرة على الصومال، إذ قد يؤدي اكتشاف احتياطيات تجارية من النفط أو الغاز إلى تعزيز الإيرادات الحكومية. وكذلك تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة.
كما قد يسهم المشروع في تحسين البنية التحتية للطاقة، وتعزيز قدرة البلاد على تلبية احتياجاتها المحلية، فضلاً عن إمكانية التحول إلى مصدر للطاقة في المنطقة.
وفي المقابل، تستفيد تركيا من هذه الشراكة عبر توسيع نطاق شركاتها وخبراتها في الأسواق الدولية، وتعزيز حضورها في قطاع الطاقة العالمي، بما يدعم طموحاتها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.
أبعاد وآفاق التعاون
لا تقتصر أهمية المشروع على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية، حيث يعكس تعميق العلاقات بين أنقرة ومقديشو، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز نفوذها في شرق إفريقيا.
وقد شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا ملحوظًا خلال العقد الماضي، شمل استثمارات في البنية التحتية، والمساعدات الإنسانية، والتعاون العسكري، بما في ذلك إدارة تركيا لقاعدة تدريب عسكرية في الصومال منذ عام 2017.
ويرى مراقبون أن التعاون في مجال الطاقة يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذه العلاقات، ويعزز من مكانة تركيا كشريك استراتيجي طويل الأمد للصومال.
ومع بدء عمليات سفينة الحفر التركية في بئر “كوراد-” تتجه الأنظار إلى نتائج هذه المهمة، التي قد تشكل نقطة تحول في قطاع الطاقة بالقرن الأفريقي. وفي حال تحقيق اكتشافات كبيرة، قد نشهد تسارعًا في عمليات الاستكشاف والاستثمار في المياه الصومالية.
وفي هذا السياق، أكد وزير الطاقة التركي أن أي اكتشاف محتمل سيعود بفوائد اقتصادية واسعة، ليس فقط على الصومال، بل على المنطقة بأكملها، بما في ذلك شرق أفريقيا وتركيا.
وبينما تواصل سفينة “تشاغري بيه” مهمتها في المياه العميقة، يترقب المراقبون ما ستسفر عنه هذه الخطوة التاريخية، التي قد تعيد رسم خريطة الطاقة في واحدة من أكثر المناطق الواعدة في العالم.











































