تمتلك إفريقيا كنزًا ثمينًا من الإيرادات لم تستغله إلا قليلًا. فإذا ما قامت حكومات القارة بتحديث أساليب تحصيل الضرائب، باستخدام الأدوات الرقمية، وسدّ الثغرات في تطبيقها، وتقليص الإعفاءات غير الضرورية، فبإمكانها تحقيق إيرادات إضافية قدرها 469.4 مليار دولار سنويًا بين عامي 2025 و2029.
هذا هو حجم الفرصة التي طرحها بنك التنمية الإفريقي أمام وزراء المالية المجتمعين في طنجة، المغرب، لحضور المؤتمر الثامن والخمسين لوزراء المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية الأفارقة.
ووفقًا لصحيفة الغارديان، صرّح كبير الاقتصاديين في البنك، البروفيسور كيفن أوراما، للوزراء بأن متوسط الإيرادات الضريبية في إفريقيا يبلغ حاليًا حوالي 18.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويُقدّر بنك التنمية الإفريقي أن هذه النسبة يجب أن تصل إلى 27% على الأقل لسدّ فجوة التمويل السنوية في القارة، والتي تُقدّر بنحو 402 مليار دولار أمريكي، وهو المبلغ اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وأهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
يعود هذا النقص إلى اتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، وضعف تطبيق القوانين، وتشتت أنظمة البيانات، والتهرب الضريبي. ولا تقتصر المشكلة على ما تعجز الحكومات عن تحصيله، بل تشمل أيضًا ما تخسره فعليًا.
وتُهدر أفريقيا ما يُقدّر بنحو 587 مليار دولار أمريكي سنويًا عبر التدفقات المالية غير المشروعة، وهو رقم يتجاوز في الواقع 578 مليار دولار أمريكي التي جمعتها القارة من إجمالي الإيرادات الضريبية في عام 2023.
وتشمل هذه الخسائر التعدين غير القانوني، والتجارة غير المنظمة، ومليارات الدولارات التي تُستنزف عبر ثغرات التهرب الضريبي الدولي. وقد وصف أوراما هذه الخسائر بأنها تقع ضمن قدرة الحكومات على وقفها.
ولسدّ هذه الفجوة، حثّ بنك التنمية الأفريقي الوزراء على استخدام منصات الدفع الرقمي، وأنظمة تعريف دافعي الضرائب الفريدة، والذكاء الاصطناعي لكشف حالات عدم الامتثال.
ودعا البنك أيضًا إلى إلغاء الإعفاءات الضريبية التي لا تُحقق عائدًا ملموسًا، وإلى تشديد القواعد المتعلقة بتسعير التحويلات وتهريب رؤوس الأموال، وهي ممارسات تسمح للشركات والأفراد الأثرياء بتحويل أرباحهم خارج الدول الإفريقية.
هذه الوصفة ليست نظرية. فقد طبّقت هيئة الإيرادات الأوغندية نظامًا إلكترونيًا لإيصالات وفواتير الضرائب، مما رفع إيرادات ضريبة القيمة المضافة بنسبة 50% بعد إطلاقه عام 2021.
ونمت إيرادات كينيا بنسبة 11.1% عام 2024، مقارنةً بنسبة 6.4% في العام السابق، بفضل أنظمة الامتثال الرقمي. تُظهر هذه الأرقام ما يُمكن تحقيقه عندما تتضافر التكنولوجيا مع الإرادة السياسية.
أما بالنسبة لنيجيريا، فالتحدي حادٌّ للغاية. بين عامي 2013 و2023، لم تشهد نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي في نيجيريا تغيراً يُذكر، إذ انخفضت انخفاضاً طفيفاً من 8.3% إلى 8.2%، في حين ارتفع المتوسط في 38 دولة إفريقية من 14.7% إلى 16.1% خلال الفترة نفسها.
وتُعدّ نيجيريا من بين الدول ذات أدنى معدلات تحصيل الضرائب في القارة. ووقّع الرئيس بولا تينوبو في يونيو 2025 على حزمة شاملة من أربعة قوانين لإصلاح النظام الضريبي، تُعتبر أشمل عملية إصلاح للهيكل المالي لنيجيريا منذ عقود.
وتعمل هذه القوانين، التي دخلت حيز التنفيذ في يناير 2026، على دمج عشرات الرسوم المتداخلة في نظام موحد، وإنشاء مصلحة إيرادات نيجيرية جديدة، وإدخال أدوات رقمية لضريبة القيمة المضافة.
وبحسب لجنة الإصلاح الحكومية، يتمثل الهدف في رفع الإيرادات غير النفطية إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. إلا أن تصريحات أوراما في طنجة ذكّرت بمدى اتساع الفجوة القائمة، وحجم العمل المطلوب.
وأعلن بنك التنمية الإفريقي أنه يدير حاليًا 31 برنامجًا فعالًا لتعبئة الإيرادات في 22 دولة عضو، وأنه على استعداد لدعم الحكومات من خلال التمويل والمساعدة الفنية ودعم السياسات.
وفي مارس/آذار 2026، وافق البنك على منحة قدرها 5.52 مليون دولار أمريكي لتعزيز إدارة الضرائب في نيجيريا ودول غرب ‘فريقيا الأخرى، مسجلًا بذلك أول مشروع ضريبي إقليمي يموله البنك من خلال منتدى إدارة الضرائب في غرب إفريقيا.











































