تمهيد:
على الرغم من الجهود العالمية لمكافحة الفساد فإنه لا يتراجع، بل على العكس يميل إلى التفاقم، وذلك حسب التقرير السنوي لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الذي خلص إلى «تفاقم الفساد عالمياً، حتى إن الديمقراطيات الراسخة تواجه عودة ظهور الفساد وسط تراجع القيادة».
ففي وقتٍ تشهد فيه الساحة العالمية احتجاجات عارمة، يقودها «جيل زد» ضد الفساد والتجاهل الخطير للمعايير الدولية من قِبل بعض الحكومات، كشف الإصدار الحادي والثلاثون من المؤشر عن صورةٍ مثيرة للقلق، تتمثل في تراجع طويل الأمد في دور القيادات في مكافحة الفساد، إلى جانب مؤشرات محدودة على إحراز تقدُّم.
كما كشف أن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال الأقل أداءً على مستوى العالم فيما يتعلق بنزاهة القطاع العام، ولا تزال القارة تعاني من إخفاقات منهجية في الحوكمة، وانعدام النزاهة السياسية، وتآكل المؤسسات الديمقراطية. ورغم أن اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن منع ومكافحة الفساد سارية المفعول منذ أكثر من عقدين؛ فإن ترجمة هذه الأطر القانونية إلى نتائج ملموسة لا تزال بعيدة المنال.
وأبرز المؤشر- المعنون: «فجوة في القيادة»- إعطاء النخب السياسية الأولوية للحفاظ على مصالحها على حساب الإصلاح المؤسسي. وفي العديد من دول المنطقة؛ سمح تراجع الضوابط والتوازنات الديمقراطية بتفشي الفساد. وقد جعلت القيود المفروضة على «الحيز المدني»- أيْ قدرة المنظمات غير الحكومية والصحفيين والمواطنين على العمل بحرية- من الصعب التصدي لتجاوزات السلطة.
وهو ما سوف نتناوله في السياق الآتي من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 عالمياً.
المحور الثاني: مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 في إفريقيا جنوب الصحراء.
المحور الثالث: تقييم مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 وأبرز التوصيات.
المحور الأول:
مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 عالمياً:
أولاً: النتائج الرئيسية المتعلقة بالفساد العالمي لعام 2025:
لإعداد تصنيفها السنوي لأكثر الدول وأقلها فساداً تعتمد منظمة الشفافية الدولية على مؤشر مدركات الفساد، وهو مؤشر مركّب يصدر سنوياً، ناتج عن دمج 13 دراسة استقصائية وتقييماً للفساد أجرتها مؤسسات مرموقة. وتشمل أشكال الفساد التي تمت دراستها: الرشوة، والبيروقراطية المفرطة، واختلاس الأموال العامة، والتعيينات القائمة على المحسوبية، والحماية القانونية للمبلغين عن المخالفات، وحق المجتمع المدني في الوصول إلى المعلومات. وتقيم مستوى الفساد في كل دولة وإقليم من أصل 182 دولة وإقليماً على مقياس من 0 (فاسد للغاية) إلى 100 (نزيه للغاية). وفي هذه النسخة؛ بلغ متوسط الدرجات العالمي 42 من 100، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من 10 سنوات، مما يدل على المستوى المقلق للفساد في العالم. ويشير إلى اتجاه تراجعي مثير للقلق ويحتاج إلى المتابعة على المدى البعيد. تفشل الغالبية العظمى من البلدان في السيطرة على الفساد: حيث حصل أكثر من ثلثي البلدان (122 من أصل 182) على درجة أقل من 50. كما يُظهر المؤشر تقلصاً في عدد البلدان التي حققت درجات أعلى من 80: من 12 بلداً قبل عقد إلى خمسة بلدان فقط هذا العام.
تُظهر البيانات أن الأنظمة الديمقراطية، التي عادةً ما تكون أكثر قوةً في مكافحة الفساد، مقارنةً بالأنظمة الاستبدادية أو الديمقراطيات الضعيفة، تشهد تراجعاً مقلقاً في أدائها. ويمتد هذا الاتجاه ليشمل بلداناً مثل: الولايات المتحدة (64)، وكندا (75)، ونيوزيلندا (81)، وصولاً إلى أجزاء مختلفة من أوروبا مثل المملكة المتحدة (70)، وفرنسا (66)، والسويد (80). كما أن هناك نمطاً آخر مثيراً للقلق، يتمثل في تزايد القيود التي تفرضها العديد من الدول على حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات. فمنذ عام 2012م، شهد 36 بلداً من أصل 50 بلداً، من البلدان التي شهدت تراجعات كبيرة في درجات المؤشر، تقلصاً في الحيز المدني كذلك.
شهد عام 2025م موجةً من الاحتجاجات المناهضة للفساد بقيادة جيل زد، تركزت معظمها في البلدان المدرجة في النصف الأدنى من المؤشر، والتي ظلت درجاتها في حالة من الركود أو شهدت تراجعاً إلى حدٍّ كبير على مدار العقد الماضي. وخرج شباب في بلدان مثل النيبال (34) ومدغشقر (25) إلى الشوارع لانتقاد القادة بسبب إساءة استخدامهم للسلطة.
تُعدّ الدنمارك الأقلّ معدلاً للفساد، حيث حصلت على (89 نقطة من أصل 100) للعام الثامن على التوالي، تليها فنلندا (88 نقطة من أصل 100)، ثم سنغافورة (84 نقطة من أصل 100)، ونيوزيلندا (81 نقطة من أصل 100)، والنرويج (81 نقطة من أصل 100).
أما البلدان التي تحصل على أدنى الدرجات؛ فعادةً ما تكون بلداناً لديها مجتمعات مدنية مكبَّلة وقمع شديد ومستويات كبيرة من عدم الاستقرار، وهي السودان (14 نقطة من أصل 100، لتحتل المرتبة 175 عالمياً)، وإريتريا (13 نقطة من أصل 100، لتحتل المرتبة 177 عالمياً)، وليبيا (13 نقطة من أصل 100، لتحتل المرتبة 177 عالمياً)، واليمن (13 نقطة من أصل 100، لتحتل المرتبة 177 عالمياً)، وفنزويلا (10 نقاط من أصل 100، لتحتل المرتبة 180 عالمياً)، والصومال (9 نقاط من أصل 100، لتحتل المرتبة 181 عالمياً)، وجنوب السودان (9 نقاط من أصل 100، لتحتل المرتبة 181 عالمياً).
منذ عام 2012م، شهد 50 بلداً انخفاضاً كبيراً في درجاتها على المؤشر: من بين البلدان الأكثر تراجعاً: تركيا (31)، والمجر (40)، ونيكاراغوا (14). وتعكس هذه النتائج ضعفاً هيكلياً في آليات النزاهة امتد لعقد من الزمن مدفوعاً بالتراجع الديمقراطي، والنزاعات، وهشاشة المؤسسات، وشبكات المحسوبية المتجذرة. وتُعدّ حالات التراجع هذه حادة، ودائمة، ويصعب التصدي لها، نظراً لأن الفساد أصبح منهجياً ومتجذراً بعمق في الهيكلين السياسي والإداري على حدٍّ سواء.
كذلك؛ حقق 31 بلداً تحسناً كبيراً في درجاته على المؤشر: ومن بين البلدان الأكثر تحسناً: إستونيا (76)، وكوريا الجنوبية (63)، وسيشل (68). وتعكس التحسينات طويلة الأمد في بلدان ديمقراطية مثل المذكورة زخماً مستداماً في الإصلاحات، وتعزيزاً للمؤسسات الرقابية، وتوافقاً سياسياً واسعاً يصب لصالح الحكم الرشيد. ويُعزى النجاح في هذه المجالات، من بين أمورٍ أخرى، إلى رقمنة الخدمات العامة، وتطوير الكفاءة المهنية في مجال الخدمة المدنية، وترسيخ معايير الحوكمة الإقليمية والعالمية[1].
ثانياً: تراجع دور القيادة في مواجهة الفساد:
في العديد من البلدان الأوروبية، شهدت جهود مكافحة الفساد حالةً من الركود الكبير على مدار العقد الماضي. فمنذ عام 2012م، سجل 13 بلداً في غرب أوروبا والاتحاد الأوروبي تراجعاً كبيراً في هذا المجال، في حين لم تشهد سوى سبع دول تحسناً ملموساً.
واصلت الولايات المتحدة (64) مسار تراجعها لتسجل أدنى درجة لها على الإطلاق. ورغم أن التطورات التي شهدها عام 2025م لم تنعكس بالكامل بعد؛ فإن الإجراءات التي تستهدف الأصوات المستقلة وتقوّض استقلال القضاء تثير مخاوف خطيرة.
لا يضمن الحصول على درجات عالية في مؤشر مدركات الفساد خلو البلدان من الفساد؛ إذ تساهم العديد من الدول الحاصلة على أعلى الدرجات في تمكين الفساد في بلدان أخرى من خلال تسهيل غسل عائدات الفساد ونقلها عبر الحدود، وهو جانب لا يغطيه المؤشر. على سبيل المثال: تُعدّ سويسرا (80) وسنغافورة (84) من بين الدول الحاصلة على أعلى الدرجات، إلا أنهما خضعتا لتدقيق بسبب تسهيل نقل الأموال غير المشروعة.
ثالثاً: تقلص الحيز المدني يقوّض جهود مكافحة الفساد:
على مدار العقد الماضي، تصاعد التدخل المُسيّس في عمليات المنظمات غير الحكومية في بلدان مثل جورجيا (50)، وإندونيسيا (34)، وبيرو (30)؛ إذ استحدثت الحكومات قوانين جديدة للحد من الحصول على التمويلات أو حتى لإضعاف المنظمات التي تراقب أداء هذه الحكومات وتنتقدها، وغالباً ما تقترن هذه القوانين بحملات تشويه وترهيب. وفي بلدان مثل تونس (39)، تقلص الحيز المدني من خلال ضغوط إدارية وقضائية ومالية تُقيّد عمل المنظمات غير الحكومية، حتى بدون سَنّ قوانين جديدة مُقيِّدة. وفي ظل هذه السياقات، يزداد الأمر صعوبةً على الصحفيين المستقلين، ومنظمات المجتمع المدني، والمُبلّغين عن المخالفات للجهر بمواجهة الفساد، بينما تزداد احتمالية استمرار المسؤولين الفاسدين في إساءة استخدام سلطتهم. وقد اضطرت فروع منظمة الشفافية الدولية في روسيا (22) وفنزويلا (10) إلى العمل من المنفى بسبب القمع الممارس ضد المجتمع المدني.
لا تقتصر هذه البيئات المُقيَّدة على إسكات المنتقدِين والجهات الرقابية فحسب، بل تخلق مخاطر حقيقية تهدد من يجرؤ على كشف المخالفات. ومنذ عام 2012م، قُتِل 150 صحفياً كانوا يغطون قضايا متعلقة بالفساد في مناطق خالية من النزاع، وقد وقعت جميع هذه الاغتيالات تقريباً في بلدان تعاني من مستويات عالية من الفساد[2].
المحور الثاني:
مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 في إفريقيا جنوب الصحراء:
أولاً: أداء المنطقة بشكل عام في مؤشر عام 2025:
لا يزال الفساد مشكلةً خطيرة في إفريقيا جنوب الصحراء، وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025م. بمتوسط 32 نقطة من أصل 100، وأربع دول فقط من أصل 49 دولة سجلت أكثر من 50 نقطة، تُعدّ المنطقة هي الأقل أداءً على المؤشر. وقد تدهور الوضع بشكلٍ ملحوظ في عشر دول من أصل 49 دولة في المنطقة منذ عام 2012م، بينما تحسن في سبع دول فقط خلال الفترة نفسها، مما يُبرز أن الجهود الحالية لمكافحة الفساد لا تُحقق النتائج المرجوة.
الفساد في إدارة الأموال العامة يعكس غياب النزاهة السياسية لدى القادة، ويعيق قدرة الناس على الوصول إلى الخدمات الأساسية، ويؤثر في الحياة اليومية، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفاً.
شكل (1): أداء إفريقيا جنوب الصحراء مقارنةً بمناطق العالم في مؤشر مدركات الفساد بين عامي 2024 و2025:

المصدر: إعداد الباحث من بيانات مؤشري مدركات الفساد لعامي 2024 و2025.
في مدغشقر (25)، كانت مشكلات الفساد الحادة والمستمرة سبباً رئيسياً لانتفاضات جيل الألفية التي أدت إلى سقوط الحكومة في أكتوبر 2025م. وبينما طالب المتظاهرون بالتغيير؛ أشاروا إلى استغلال القادة وشركائهم للسلطة لتحقيق مكاسب شخصية، وإساءة استخدام الأموال العامة، مما تسبب في انقطاعات مزمنة في المياه والكهرباء وغيرها من الخدمات، وانعدام المساءلة والإفلات من العقاب للمسؤولين الفاسدين، وغيرها من المشكلات النظامية.
حققت أنغولا (32) تقدّماً ملحوظاً بلغ 17 نقطة على المؤشر منذ عام 2015م بفضل الإجراءات المتخذة لمكافحة الفساد. ومع ذلك، ورغم التقدم الذي أحرزته البلاد خلال العقد الماضي، لا تزال تحتل مرتبةً متدنية، حيث يرى العديد من الأنغوليين أن جهود حكومتهم في مكافحة الفساد غير كافية، ويعتقدون أن المواطنين العاديين يواجهون خطر الانتقام في حال الإبلاغ عن حالات فساد.
تُفاقم الثغرات في أنظمة وأطر مكافحة الفساد سوء إدارة الأموال العامة؛ ففي سيشيل (68)، صاحبة أفضل أداء في المنطقة، تتزايد المخاوف بشأن فعالية إجراءات مكافحة الفساد بعد تأخيرات في التحقيق والمقاضاة في قضية غسل أموال مزعومة بقيمة 50 مليون دولار. في الوقت نفسه، شهدت موزمبيق (21) تراجعاً بمقدار 10 نقاط خلال العقد الماضي. تشير الأرقام الرسمية إلى تسجيل 334 قضية فساد جديدة في الربع الأول من عام 2025م بتكلفة حوالي 4.1 ملايين دولار، مما يدل على حجم التحدي[3].
لا تزال سيشل، برصيد 68 نقطة، تتصدر دول المنطقة، تليها الرأس الأخضر (62 نقطة)، وبوتسوانا (58 نقطة)، ورواندا (58 نقطة).
ومن بين هذه الدول، يبرز بعضها بتصنيفها ضمن الدول الأقل فساداً في العالم. وينطبق هذا بشكلٍ خاص على سيشل والرأس الأخضر، ما يضعهما في المرتبتين 24 و35 عالمياً. وتتفوق سيشل على دولٍ مثل فرنسا (المرتبة 27 عالمياً)، والولايات المتحدة (المرتبة 29 عالمياً)، وإسرائيل (المرتبة 35 عالمياً). وعلى الرغم من هذا التصنيف؛ فقد تراجعت سيشل أربعة مراكز مقارنةً بالعام الماضي.
إلى جانب سيشل والرأس الأخضر، تضم قائمة الدول العشر الأولى في إفريقيا الأقل فساداً: بوتسوانا (58 نقطة، المرتبة 41 عالمياً)، ورواندا (58 نقطة، المرتبة 41 عالمياً)، وموريشيوس (48 نقطة، المرتبة 61 عالمياً)، وناميبيا (46 نقطة، المرتبة 65 عالمياً)، والسنغال (46 نقطة، المرتبة 65 عالمياً)، وبنين (45 نقطة، المرتبة 70 عالمياً)، وساو تومي وبرينسيبي (45 نقطة، المرتبة 70 عالمياً)، وساحل العاج (43 نقطة، المرتبة 76 عالمياً).
شكل (2): أفضل وأسوأ خمسة بلدان في إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025:

المصدر: إعداد الباحث من بيانات مؤشري مدركات الفساد لعامي 2024 و2025.
من بين الدول الإفريقية التي ترتفع فيها نسبة الفساد: جنوب السودان (9 نقاط/100، المرتبة 181 عالمياً)، والصومال (9 نقاط/100، المرتبة 181 عالمياً)، وليبيا (13 نقطة/100، المرتبة 177 عالمياً)، وإريتريا (13 نقطة/100، المرتبة 177 عالمياً)، والسودان (14 نقطة/100، المرتبة 175 عالمياً)، وغينيا الاستوائية (15 نقطة، المرتبة 172)، وبوروندي (17 نقطة، المرتبة 167)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (20 نقطة، المرتبة 163)، وجزر القمر (20 نقطة، المرتبة 163)، وموزمبيق (21 نقطة، المرتبة 161)، وتشاد (المرتبة 22).
وبالتالي؛ تُعدّ الدول الإفريقية، بشكلٍ عام، من بين الدول التي تشهد أعلى مستويات الفساد. ويعود هذا الوضع إلى إساءة استخدام السلطة، وغياب القيادة الفعّالة في مكافحة الفساد، وضعف آليات الرقابة والتوازن الديمقراطية، والاعتداءات على منظمات المجتمع المدني المستقلة التي تُدين الفساد في الدول، وتكون العواقب وخيمة على السكان نظراً لتأثيرات الفساد السلبية على العديد من مشاريع التنمية، وخاصةً تلك المتعلقة بالبنية التحتية[4].
ثانياً: أنماط متباينة لدول المنطقة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025:
هناك ثلاثة أنماط من أداء الدول في المؤشر، يتمثل النمط الأول في تدهور مستمر وكبير منذ عام ٢٠١٢م في دولٍ مثل جنوب السودان (٩). تُظهر هذه الدولة تآكلاً بنيوياً طويل الأمد لأنظمة النزاهة، مدفوعاً بتراجع الديمقراطية، وضعف المؤسسات، و/أو شبكات المحسوبية المتجذرة. وقد تسارع هذا التدهور بسبب النزاعات في بعض الحالات. ويُعدّ هذا التراجع حاداً ومستمراً ويصعب عكسه، لأن الفساد يصبح متجذراً في النظام السياسي والإداري على حدٍّ سواء.
أما النمط الثاني؛ فارتقى ترتيب بعض الدول من أدنى مستويات التصنيف نحو منتصفها، مما يعكس جهود الإصلاح الموجهة التي يبذلها القادة السياسيون والجهات التنظيمية. وتشمل هذه الدول: أنغولا (32)، وكوت ديفوار (43)، والسنغال (46)، وقد كان تقدّمها مدفوعاً بجهود طويلة الأمد من القادة السياسيين والجهات التنظيمية، سواءٌ من خلال إصلاحات قانونية ومؤسسية شاملة في بيئات أكثر انفتاحاً، أو من خلال حملات رقابية محدودة تقودها الدولة في بيئاتٍ أكثر تقييداً.
أما النمط الثالث؛ فتحافظ دولٌ أخرى على مستويات متوسطة إلى عالية في مؤشر مدركات الفساد بفضل تدابير مكافحة الفساد المستدامة والمتكاملة، ومن هذه الدول سيشيل (68). وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً برقمنة الخدمات العامة، ورفع مستوى كفاءة الخدمة المدنية، ودمج معايير وأطر الحوكمة الإقليمية والعالمية.
وبشكلٍ عام، تعكس اتجاهات مؤشر مدركات الفساد اختلافات حادة في واقع الحوكمة. فبينما تشير العديد من حالات التراجع إلى تآكل الديمقراطية وضعف المؤسسات؛ ترتبط بعض التحسينات بإصلاحات توسع نطاق الشفافية، والحيز المدني، وحرية الإعلام. ومع ذلك؛ يُحذَّر من أن حملات مكافحة الفساد ذات الطابع الاستبدادي- رغم أنها قد تحدّ أحياناً من ممارسات مثل الرشوة- تظل هشةً في غياب محاكم مستقلة، وإعلام حر، ورقابة مدنية مفتوحة[5].
ومن أصل 49 دولةً صنفها التقرير على أنها تقع جنوب الصحراء الإفريقية، ومقارنةً بعام 2024م، ظلت (19) دولة ثابتة دون تغيير، بينما تحسنت (13) دولة، أبرزها: غينيا الاستوائية التي ارتفعت درجتين من (13) عام 2024م إلى (15) درجة عام 2025م، والجابون التي ارتفعت درجتين من (27) عام 2024م إلى (29) عام 2025م. أما باقي الدول فقد تقدّمت بمقدار درجة واحدة. في حين تراجعت (17) دولة؛ كان أبرزها: إسواتيني بمقدار أربع درجات من (27) درجة عام 2024م إلى (23) درجة عام 2025م، وموزمبيق أربع درجات من (25) عام 2024م إلى (21) عام 2025م. وكذلك تراجعت كلٌّ من: ناميبيا والنيجر بمقدار ثلاث درجات.
المحور الثالث:
تقييم مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 وأبرز التوصيات:
أولاً: العوامل الرئيسية للفساد والاضطرابات الاجتماعية في المنطقة:
من أبرز سمات تقرير عام 2025 الربط بين الفساد والاضطرابات المدنية. ففي مدغشقر، التي سجلت 25 نقطة، أدى الإخفاق المزمن في تقديم الخدمات العامة، وما يُنظر إليه على أنه إثراء غير مشروع للنخب السياسية، إلى انتفاضات جيل الألفية (جيل زد). وقد أشار المحتجون تحديداً إلى إساءة استخدام الأموال العامة، وانعدام المساءلة للمسؤولين الفاسدين، كأسباب رئيسية لمظالمهم. ويعكس هذا اتجاهاً عالمياً أوسع نطاقاً، حيث يتزايد رفض المواطنين، ولا سيما الشباب، للتسامح مع القيادة غير الخاضعة للمساءلة. وعلى الرغم من التحسن اللافت في أنجولا لا يزال الرأي العام متشككاً؛ إذ تشير استطلاعات أفروباروميتر لعام 2024 إلى أن العديد من الأنغوليين ما زالوا يرون أن جهود مكافحة الفساد غير كافية، ويخشون الانتقام في حال الإبلاغ عن الرشوة. وكذلك يُبرز التراجع الذي شهدته موزمبيق حجم التحدي في ظل ضعف استقلال القضاء.
ثانياً: الضعف المؤسسي وفجوة القيادة:
يُؤكد مؤشر مدركات الفساد لعام ٢٠٢٥ «فجوة القيادة»، حيث تُعطي النخب السياسية الأولوية للحفاظ على مصالحها على حساب الإصلاح المؤسسي. في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سمح التراجع عن الضوابط والتوازنات الديمقراطية بتفشي الفساد. وقد جعلت القيود المفروضة على «الحيز المدني» – أي قدرة المنظمات غير الحكومية والصحفيين والمواطنين على العمل بحرية- من الصعب التصدي لتجاوزات السلطة.
غالباً ما تُشير الأدبيات الأكاديمية حول الحوكمة الإفريقية إلى الطبيعة «النيو-باتريمونية» للعديد من الدول، حيث تُستخدم المناصب العامة لتحقيق مكاسب شخصية وللحفاظ على شبكات المحسوبية. تتفاقم هذه المشكلة النظامية بسبب «ثغرات السرية» في النظام المالي العالمي التي تسمح للمسؤولين الأفارقة الفاسدين بنقل المكاسب غير المشروعة عبر الحدود إلى حسابات خارجية وعقارات في اقتصادات أكثر تطوراً.
ثالثاً: التوصيات:
يُلحق الفساد في القطاع العام أشد الضرر بالفئات الأكثر ضعفاً. ورغم تبنّي الاتحاد الإفريقي لاتفاقية منع ومكافحة الفساد، منذ أكثر من عقدين، فلا يزال هناك الكثير مما يجب فعله.
يتعين على الحكومات الإفريقية ترجمة التزاماتها بمكافحة الفساد إلى إجراءات حاسمة بشكل عاجل، وذلك من خلال تعزيز مؤسسات المساءلة وزيادة الشفافية، وحماية الحيز المدني ودعم المشاركة العامة، إلى جانب وضع الضوابط والتوازنات اللازمة على السلطة.
ولتعزيز مكافحة الفساد؛ توصي منظمة الشفافية الدولية الحكومات: بضمان أنظمة عدالة مستقلة وشفافة ومتاحة للجميع؛ وتوفير سبل الوصول إلى العدالة لضحايا الفساد؛ ومعالجة النفوذ غير المبرر في صنع القرار السياسي. كما تحث الدول على: تعزيز الشفافية والرقابة في الخدمات العامة والإدارة المالية؛ وحماية الحريات المدنية والإبلاغ عن الفساد؛ ومنع وكشف ومعاقبة الفساد واسع النطاق والتدفقات المالية غير المشروعة. وتحذر من أن غياب القيادة الجريئة في مكافحة الفساد عالمياً يُضعف الجهود الدولية لمكافحة الفساد، ويخاطر بتخفيف الضغط اللازم للقيام بإصلاحات في عدة بلدان في جميع أنحاء العالم.
وتدعو إلى:
▪ تجديد القيادة السياسية في مجال مكافحة الفساد: بما يشمل الإنفاذ الكامل للقوانين، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وإجراء إصلاحات تُعزز الشفافية والرقابة والمساءلة.
▪ حماية الحيز المدني: من خلال وقف الاعتداءات على الصحفيين، والمنظمات غير الحكومية، والمُبلّغين عن المخالفات، والكف عن المساعي الرامية إلى تقييد عمل المجتمع المدني المستقل.
▪ سد الثغرات السرية التي تسمح بانتقال الأموال الفاسدة عبر الحدود: بما يشمل وضع حد للجهات الوسيطة المهنية، وضمان الشفافية بشأن الكشف عن المالكين الحقيقيين للشركات، والصناديق الاستئمانية، والأصول.
▪ تعزيز أنظمة العدالة: بضمان استقلالية السلطة القضائية، وتوفير التمويل الكافي لها لمقاضاة مرتكبي الفساد بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
▪ تحسين الرقابة: بتطبيق أدوات الشفافية الرقمية في المشتريات والإنفاق الحكومي للحد من فرص الاختلاس.
ختاماً:
وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الذي جاء تحت عنوان «فجوة في القيادة»، تراجعت درجة المنطقة في المؤشر من (33) درجة لعام 2024م إلى (32) درجة في عام 2025م، بما يوحي بأزمة قيادة حقيقية، وغياب الإرادة السياسية، والتي انعكست في ضيق الحيز المدني وتراجع الحريات، تُرجمت في بعض الاحتجاجات.
ووفقاً لذلك؛ لا تزال المنطقة مصدر قلق بالغ، حيث يؤثر سوء إدارة الأموال العامة في تقديم الخدمات الأساسية. وتؤكد بيانات عام 2025م أنه بدون تحوّل نحو «مؤسسات شاملة» تسمح بمشاركة واسعة وتوفر فرصاً متكافئة، وبدون توسيع الحيز المدني، وتجديد الإرادة السياسية في مكافحة الفساد، وسد الثغرات الدولية التي تسمح بانتقال الأموال الفاسدة للخارج، وتنظيم أنظمة العدالة، وتطبيق أدوات الشفافية الرقمية في الإنفاق العام، ستظل هذه الدول عالقةً في دوامات الفساد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] https://www.transparency.org/ar/press/corruption-perceptions-index-2025-decline-in-leadership-undermining-global-fight-against-corruption
[2] https://www.transparency.org/ar/press/corruption-perceptions-index-2025-decline-in-leadership-undermining-global-fight-against-corruption
[3] Mary Wambui, Sub-Saharan Africa scores lowest in 2025 global corruption index, says Transparency International.10/2/2026. at: https://eastleighvoice.co.ke/world/290810/sub-saharan-africa-scores-lowest-in-2025-global-corruption-index-says-transparency-international
[4] Moussa Diop, Transparency International 2025: voici les pays d’Afrique les moins et les plus corrompus.10/2/2026. at: https://afrique.le360.ma/societe/transparency-international-2025-voici-les-pays-dafrique-les-moins-et-les-plus-corrompus_6NPYLTAM5ZBBDGZIFGBWU3LTXM/
[5] Mary Wambui, Op.cit.











































