مقدمة:
في ظل التراجع المستمر في مستويات الحقوق والحريات المدنية عالمياً، وما يصاحبه من تنامي حضور النظم السلطوية وتزايد الضغوط على النظم الديمقراطية، تبرز أهمية المؤشرات والتقارير الدولية المعنية بقياس الحرية في رصد التحولات التي تشهدها النظم السياسية وتحديد اتجاهاتها.
ومن هذا المنطلق، يُقدّم تقرير «الحرية في العالم 2026» تقييماً سنوياً لأوضاع الحقوق السياسية والحريات المدنية في دول العالم، كما يتيح تتبع مسارات التغير في مستويات الحرية عبر فترة زمنية ممتدة، بما يساعد على رصد الاتجاهات العامة للتحول في أوضاع الحريات خلال العقدين الماضيين.
ويحاول هذا المقال تقديم قراءة تحليلية لنتائج تقرير الحرية في العالم لعام 2026م، مع التركيز على موقع إفريقيا في خريطة الحريات العالمية، في ضوء التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بين عودة الانقلابات العسكرية وتراجع التعددية السياسية في بعض الدول، واستمرار تجارب أخرى في دعم التنافس الانتخابي والمؤسسات الديمقراطية، وذلك عبر المحاور الرئيسة الآتية:
أولاً: تقرير الحرية في العالم 2026م.. المنهجية ومؤشرات التقييم.
ثانياً: الحرية عالمياً إلى أين؟ قراءة في عقدين من التراجع (2005-2025م).
ثالثاً: إفريقيا في تقرير الحرية العالمي 2026م.. تراجع طاغٍ ونجاحات نادرة.
وخاتمة.
أولاً: تقرير الحرية في العالم 2026م.. المنهجية ومؤشرات التقييم:
يُقيّم تقرير الحرية في العالم لعام 2026م– الصادر عن مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية Freedom House التي تأسست عام 1941م- مستوى الحريات في 195 دولة و13 إقليماً خلال عام 2025م. ويُمنح كل بلد وإقليم ما بين (0) و(4) نقاط على سلسلة من 25 مؤشراً، ليصبح المجموع الكلي من 100 نقطة كحد أقصى. تُصنّف المؤشرات إلى فئتين: الحقوق السياسية (0-40) والحريات المدنية (0-60)، ويُعطى مجموع نقاطهما وزناً متساوياً لتحديد ما إذا كان البلد أو الإقليم يتمتع بوضع عام «حر»، أو «حر جزئياً»، أو «غير حر».
شكل رقم (1): المؤشرات الفرعية (الحقوق السياسية والحريات المدنية) لتقرير الحرية 2026م:

المصدر: بتصرف، استناداً إلى تقرير الحرية 2026م.
وتُطبّق هذه المنهجية المستمدة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- كما يوضح التقرير- على جميع البلدان والأقاليم، بغض النظر عن الموقع الجغرافي، أو التركيبة العرقية أو الدينية، أو مستوى التنمية الاقتصادية، علماً بأنه- أي التقرير والقائمين على إعداده- يُقيّم الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد في الواقع، وليس الحكومات، أو أداء الحكومات بحد ذاته. وخلال ذلك، يمكن أن تتأثر الحقوق السياسية والحريات المدنية من قِبَل جهات فاعلة حكومية وغير حكومية، بما في ذلك المتمردون والجماعات المسلحة الأخرى.
ثانياً: الحرية عالمياً إلى أين؟ قراءة في عقدين من التراجع (2005-2025م):
في البداية، يبين تقرير الحرية العالمي لعام 2026م كيف تراجعت الحريات على مستوى بلدان ومناطق العالم (195 دولة و13 إقليماً- كما أوردنا سلفاً) للعام الـ 20 على التوالي في عام 2025م. وفي هذا الإطار، شهدت 54 دولة تدهوراً في حقوقها السياسية وحرياتها المدنية خلال العام نفسه، بينما سجلت 35 دولة فقط تحسناً. وسجلت غينيا بيساو وتنزانيا وبوركينافاسو ومدغشقر والسلفادور أكبر انخفاض في النقاط خلال عام واحد، بينما سجلت سوريا وسريلانكا وبوليفيا والغابون أكبر المكاسب. وتحسنت ثلاث دول- بوليفيا وفيجي (دولة تقع جنوب المحيط الهادي) ومالاوي- من وضع «حرة جزئياً» إلى وضع «حرة» بفضل الانتخابات التنافسية، وتزايد استقلال القضاء وتعزيز سيادة القانون.
ومن بين الدول المصنفة «حرة»، شهدت الولايات المتحدة وبلغاريا وإيطاليا أكبر انخفاض في النقاط خلال العام 2025م. وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، ساهم تصاعد كل من القصور التشريعي لديها وهيمنة السلطة التنفيذية، والضغط المتزايد على قدرة الأفراد على ممارسة حرية التعبير، وتحركات الإدارة الجديدة لترامب لتقويض ضمانات مكافحة الفساد، في انخفاض النتيجة. وعليه، فقد خسرت الولايات المتحدة 3 نقاط على مقياس التقرير المكون من 100 نقطة، ليصل صافي تراجعها منذ عام 2005م إلى 12 نقطة، وهو أكبر من أي دولة أخرى تم تصنيفها دولةً «حرة» خلال الفترة نفسها باستثناء ناورو (دولة جزرية صغيرة وسط المحيط الهادئ) وبلغاريا.
وعلى الرغم من تراجع العديد من الحقوق والحريات على مدى العقدين الماضيين؛ فإن حرية الإعلام، والتعبير الشخصي، والإجراءات القانونية الواجبة، قد عانت من أشد الآثار، فيما كانت الانقلابات العسكرية، والصراعات المسلحة، وتزايد القيود على المؤسسات الديمقراطية من قبل القادة المنتخبين، وتكثيف القمع من قبل الأنظمة الاستبدادية، هي المحركات الرئيسية للتدهور خلال هذه الفترة الممتدة إلى عشرين عاماً.
خلال هذه الفترة الممتدة إلى عشرين عاماً- منذ عام ٢٠٠٥م- تقلص عدد الدول التي تتمتع بوضع «حرة جزئياً» بشكل كبير؛ فقد تراجعت 19 دولة من «الحرة جزئياً» إلى «غير حرة»، مما أدى إلى تضخم صفوف الأنظمة الاستبدادية في العالم، والتي أصبحت أكثر قمعاً في الداخل وأكثر عدوانية في الخارج.
ورغم مساعي الحكومات الديمقراطية للعمل معاً لمواجهة تمدد الحكم الاستبدادي؛ فإنه في السنوات الأخيرة خفضت الدول الأوروبية تمويلها للمساعدات الخارجية للديمقراطية بشكل حاد. على سبيل المثال، وبالتحديد في العام ٢٠٢٥م، ألغت الإدارة الأمريكية فجأة معظم برامج المساعدات الخارجية، وبدأت في الانسحاب من المنظمات الدولية، وامتنعت عن إدانة الانتخابات المشكوك في نزاهتها، متخليةً بذلك فعلياً عن مبادئ راسخة في سياستها الخارجية. ومع ابتعاد النظم الديمقراطية عن دورها التقليدي كحامية للحرية، قد يواجه العالم مستقبلاً خطيراً يقوده مستبدون أكثر جرأة.
ومع ذلك، تظل معظم هذه النظم صامدة في مواجهة التحديات الجسيمة؛ فعلى الرغم من الضغوط الداخلية والتهديدات من القوى الأجنبية، تواصل إثبات أن أنظمتها السياسية الداخلية تستجيب وتستطيع تصحيح مسارها. فمن بين 87 دولة صُنفت حرة عام 2005م، حافظت 76 دولة- أي أكثر من 85%- على حريتها طوال فترة التراجع العالمي التي امتدت إلى عقدين من الزمن (2005-2025م).
ثالثاً: إفريقيا في تقرير الحرية العالمي 2026م.. تراجع طاغٍ ونجاحات نادرة:
يبين التقرير في هذا القسم مستوى الحريات في القارة الإفريقية، مستعرضاً تراجعها على مدار العام 2025م، حيث تدهورت الحقوق السياسية والحريات المدنية (وهي المؤشرات الفرعية المكونة لتقرير الحرية في العالم لعام 2026م) في 18 دولة من أصل 54 دولة إفريقية، بينما تحسنت في 11 دولة فقط.
شكل رقم (2): حالة الحريات في إفريقيا خلال العام 2025م:

المصدر: بتصرف، استناداً إلى تقرير الحرية 2026م.
1- الحكم العسكري ومسار الانغلاق السياسي:
يُبرز تقرير فريدوم هاوس هنا كيف كانت التراجعات الكبرى خلال العام 2025م ناتجة عن انقلابات عسكرية وجهود القادة الحاليين لقمع المعارضة السلمية أو تغيير القواعد الدستورية لصالحهم. على سبيل المثال، سجلت غينيا بيساو أكبر انخفاض في مؤشر الحرية، حيث خسرت 8 نقاط من أصل 100 نقطة، وذلك بعد أن تعطلت الانتخابات العامة في نوفمبر 2025م بانقلاب اقتحم فيه مسلحون مكتب لجنة الانتخابات وأتلفوا صناديق الاقتراع. كما أطاح ضباط الجيش بالحكومة المنتخبة في مدغشقر، ليصل بذلك إجمالي عدد الدول الإفريقية التي شهدت انقلاباً منذ عام 2019م إلى تسع دول.
وفي مالي- وهي دولة إفريقية أخرى تقع في قسم القارة الغربي شهدت 3 انقلابات ناجحة منذ عام 2012م- وبعد سنوات من بعض مكاسب التحول الديمقراطي في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، أدى انقلاب عسكري في البلاد عام 2012م إلى التفكيك السريع للمؤسسات الديمقراطية في البلاد، وما تلاه من قمع للحريات المدنية. وضع الانقلاب باماكو على مسار الأزمات والصراعات المستمرة، وهو ما ظهر بشكل جلي في انقلابين آخرين في عامي 2020م و2021م، ومنذ ذلك الحين عزز الجيش سلطته بالسيطرة على مؤسسات الدولة وتأجيل الانتخابات مراراً وتكراراً. وتدهورت الحريات في مالي أكثر في عام 2025م، عندما حلّ النظام العسكري جميع الأحزاب السياسية وسنّ قانوناً يسمح فعلياً لرئيسه بتمديد ولايته إلى أجل غير مسمى. ونتيجةً لهذه الفترة الطويلة من الحكم العسكري، وآثار تحركات التمرد المسلحة المعقدة والجماعات الإرهابية، سجلت البلاد أكبر انخفاض في مؤشرها العالمي خلال العشرين عاماً الماضية، حيث تراجعت بمقدار 53 نقطة.
وفي بوركينا فاسو- إحدى دول الجوار لمالي- أدى انقلابان عسكريان متتاليان في عام 2022م إلى تقويض الإصلاحات السياسية المهمة وتطوير المؤسسات الديمقراطية التي تم تنفيذها بعد انتقال السلطة من حكم الرئيس بليز كومباوري الذي دام طويلاً في عام 2015م. وفي البلد الغرب إفريقي نفسه، قام النظام العسكري بتأجيل الانتخابات، مما ساهم في انخفاض بنسبة 5 نقاط في عام 2025م.
أما في النيجر- التي تقع أيضاً في غرب إفريقيا وتجاور كلاًّ من بوركينا فاسو ومالي- التي شهدت أول انتقال للسلطة بين رئيسين منتخبين ديمقراطياً في الفترة 2020-2021م، أطاح الجيش بالحكومة المدنية في عام 2023م. وكما هو ملائم للمناخ السائد، استمر تراجع الحريات في السنوات التي أعقبت الانقلاب، حيث تصرف قائد المجلس العسكري بشكل أحادي لترسيخ سلطته واستخدم أساليب غير سلمية لقمع المعارضة؛ إذ قام الجيش بحل جميع الأحزاب السياسية، مما أدى فعلياً إلى القضاء على أي بديل متبقٍ لحكم المجلس العسكري، وساعد في خفض النتيجة داخل المؤشر بنسبة 3 نقاط.
2- تقييد المنافسة السياسية وإطالة أمد الحكم:
بالاتجاه نحو شرق إفريقيا، يسلط تقرير الحريات لعام 2026م الضوء على تنزانيا التي سجلت ثاني أكبر تدهور في الحقوق والحريات خلال عام 2025م، حيث خسرت 7 نقاط وتراجعت أكثر إلى فئة الدول «غير الحرة». وأُعلن فوز الرئيسة الحالية، سامية سولوهو حسن، في انتخابات شهدت استبعاد مرشحي المعارضة، وفرض قيود على وسائل الإعلام، وحملة اختفاء قسري للمعارضين السياسيين، وانتشار واسع للعنف ضد المتظاهرين أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1000 شخص. فيما حققت مدغشقر ثالث أكبر تراجع في العالم، حيث خسرت 5 نقاط.
وفيما يتعلق بأكبر زعيم سناً، الذي فاز بولاية رئاسية جديدة في انتخابات شابتها أعمال عنف ضد المتظاهرين، فيأتي حديثنا إلى الكاميرون ورئيسها بول بيا (93 عاماً الآن)، الذي يُعد واحداً من بين عدد متزايد من الرؤساء المسنين في إفريقيا، التي يبلغ متوسط العمر فيها حوالي 19 عاماً فقط. وقد يعني هذا التفاوت بين الأجيال اندلاع المزيد من الاحتجاجات ضد الفساد وبطالة الشباب، كتلك التي شهدتها مدغشقر والمغرب وكينيا عام 2025م، في السنوات المقبلة.
شكل رقم (3): فجوة الأجيال في إفريقيا: قادة مسنون وشعوب شابة:

المصدر: بتصرف، استناداً إلى تقرير الحرية 2026م.
وفي تشاد والغابون وغينيا، عززت الانتخابات غير التنافسية القبضة السياسية لقادة الانقلاب وأحزابهم. كما أدى العنف الذي مارسته قوات الأمن ضد المتظاهرين، والإقصاء غير العادل للمعارضين السياسيين، والتحايل على حدود الولاية، إلى فوز الرؤساء الحاليين في ساحل العاج وجمهورية إفريقيا الوسطى.
3- النزاعات المسلحة وكلفة الحريات المدنية:
من جهة أخرى، يُبرز التقرير كيف تُعرّض النزاعات المسلحة المستمرة المدنيين للخطر في العديد من الدول الإفريقية. ففي السودان، ارتكبت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي وعنف ضد المدنيين أثناء سيطرتها على مدينة الفاشر من القوات المسلحة السودانية. كذلك تعرض سكان المقاطعات الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تشهد قتالاً مطولاً بين حركة 23 مارس المدعومة من رواندا، والجيش الكونغولي، وجماعات مسلحة أخرى، للعنف المميت والنزوح والاعتداء الجسدي والعمل بالسخرة. وقد خلّفت الصراعات في كلا البلدين معاناة إنسانية لا تُحصى تضمّ جهات فاعلة عديدة، بما في ذلك قوى أجنبية وجماعات غير حكومية، مما زاد من تعقيد الجهود المبذولة لإبرام اتفاقيات وقف إطلاق نار دائم.
شكل رقم (4): الصراعات المسلحة تفاقم الانتهاكات الإنسانية:

المصدر: بتصرف، استناداً إلى تقرير الحرية 2026م.
4- السنغال ومالاوي.. الوجه الآخر للمشهد الإفريقي:
لم يشهد سجل إفريقيا تدهوراً فحسب في حالة الحريات خلال العام 2025م، إذ برزت سيناريوهات استثنائية كما في السنغال- بغرب القارة، حيث واصل الرئيس باشيرو ديوماي فاي، البالغ من العمر 45 عاماً، تخفيف القيود المفروضة على الحقوق بعد توليه منصبه في انتخابات وُصفت بالتاريخية عام 2024م. واستمراراً لتلك التحسنات (الطفيفة) التي شهدتها إفريقيا خلال العام 2025م، أدت الانتخابات العامة الحرة والنزيهة في مالاوي إلى انتقال سلمي للسلطة، مما رفع البلاد إلى فئة الدول الحرة لأول مرة منذ عام 1998م.
وإجمالاً، تكشف قائمة أكبر التغيرات (المكاسب أو الخسائر) في مستويات الحرية خلال العقدين الماضيين (2005-2025م) الصادرة عن التقرير، عن حضور لافت لدول إفريقيا جنوب الصحراء- بين بلدان العالم الـ 195 المشمولة بالتقرير، سواء في اتجاه التراجع أو التحسن. فعلى جانب أكبر الانخفاضات، جاءت 8 دول من المنطقة ضمن القائمة، هي: مالي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وبوروندي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتنزانيا، وغينيا بيساو، والكونغو برازافيل، بما يعكس اتساع نطاق التراجع في مستويات الحرية في عدد من دول المنطقة خلال السنوات العشرين الماضية. وتصدرت مالي القائمة عالمياً بأكبر انخفاض، مسجلةً تراجعاً قدره (53 نقطة) في درجة الحرية الإجمالية (أي الحقوق السياسية والحريات المدنية معاً)، تلتها جمهورية إفريقيا الوسطى بـ(39 نقطة)، وبوروندي بـ(36 نقطة)، والنيجر بـ(35 نقطة)، وبوركينا فاسو بـ(33 نقطة)، ثم تنزانيا (30 نقطة)، وغينيا بيساو (26 نقطة)، والكونغو برازافيل (20 نقطة).
وفي المقابل، ظهرت 5 دول من إفريقيا جنوب الصحراء ضمن قائمة أكبر التحسنات في مستوى الحرية خلال هذين العقدين، هي: ساحل العاج بـ(25 نقطة)، وسيشل بـ(13 نقطة)، ثم توغو بـ(12 نقطة)، ومالاوي بـ(11 نقطة)، وزيمبابوي بـ(10 نقاط)، بما يشير إلى أن مسار الحرية في الإقليم لا يتحرك في اتجاه واحد، وإنما يتسم بتباين واضح بين تجارب تشهد تراجعاً حاداً وأخرى حققت تحسناً، وإن كان محدوداً، خلال الفترة نفسها.
شكل رقم (5): أكبر مستويات التحسن والتدهور في الحرية بإفريقيا جنوب الصحراء والعالم خلال 20 عاماً- تقرير الحريات 2026م:

Source: FREEDOM IN THE WORLD 2026: The Growing Shadow of Autocracy (Washington D.C.: Freedom House, Mar 2026), p.9.
خاتمة:
في الأخير، يكشف تقرير الحرية في العالم في نسخته لعام 2026م أن تراجع الحريات السياسية والمدنية بات اتجاهاً ممتداً عالمياً، تتداخل في إنتاجه موجات الانقلابات العسكرية، وتقييد المنافسة السياسية، وإضعاف المؤسسات الديمقراطية، إلى جانب استمرار بعض الصراعات المسلحة التي تُضاعف كلفة الانتهاكات على المدنيين.
وتظهر إفريقيا بوضوح في قلب هذا المسار؛ إذ جاءت مجموعة من دولها ضمن أكبر حالات التراجع خلال العقدين الماضيين، في وقتٍ ارتبطت فيه التحولات السلبية بصورة متزايدة بعودة الحكم العسكري، وإطالة أمد بقاء النخب الحاكمة، وغلق المجال العام أمام المعارضة. ومن ثَمّ، فإن التعامل مع هذا التحول لا يرتبط فقط بمنع الانقلابات أو إجراء الانتخابات، وإنما بالحفاظ على المؤسسات التي تجعل الانتقال السياسي والتنافس الانتخابي ممكناً، وبما يضمن أن تظل الانتخابات أداةً لتجديد الشرعية لا مجرد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة.
ومع ذلك، لا تقدم التجربة الإفريقية مساراً أحادي الاتجاه، إذ تكشف حالات مثل السنغال ومالاوي عن استمرار إمكانية التحول الديمقراطي والحفاظ على التنافس السياسي، بالتوازي مع تجارب أخرى تتجه نحو مزيد من الانغلاق (مثل تنزانيا والكاميرون).
ومن ثَمّ، فإن صورة الحريات في إفريقيا لا تعكس انتقالاً جماعياً نحو الاستبداد بقدر ما تكشف عن انقسام متزايد بين مسارات متباينة. ويظل التعامل مع هذا التباين مرتبطاً بقدرة الدول على حماية المجال السياسي والمدني، وتعزيز استقلال المؤسسات، واحترام نتائج صناديق الاقتراع، بالتوازي مع الاستجابة لمطالب المجتمعات الإفريقية الشابة التي أصبحت أكثر حضوراً في المجال العام.
فالفجوة بين قيادات سياسية تتقدم في العمر ومجتمعات يغلب عليها الشباب لا تمثل مجرد اختلاف ديموغرافي، وإنما تحمل دلالة سياسية متزايدة؛ إذ إن استمرار اتساعها، في ظل البطالة والفساد وتراجع الثقة في النخب، قد يجعل مستقبل الحريات في القارة مرتبطاً بمدى قدرة أنظمتها على استيعاب هذا الجيل الجديد بدلاً من دفعه إلى الاحتجاج خارج الأطر المؤسسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر تقرير الحرية في العالم 2026م:
FREEDOM IN THE WORLD 2026: The Growing Shadow of Autocracy (Washington D.C.: Freedom House, Mar 2026), at:
https://freedomhouse.org/sites/default/files/2026-03/FIW2026_final_digital%20%281%29.pdf











































