تشهد تجارة اللافقاريات والحيوانات الأليفة تحولاً نوعياً، برز في تصاعد الطلب العالمي على كائنات صغيرة، لم تكن في السابق محط اهتمام الجريمة المنظمة، حتى سقطت من قوانين وصكوك حماية الحياة البرية المحلية والعالمية.
فقد أحدث تهريب النمل الإفريقي إلى أوروبا وآسيا– وخاصةً الصين- ضجة إعلامية واسعة، بعد تحول شرق إفريقيا إلى مركز إقليمي لنشاط شبكات التهريب الدولية التي تستغل المطارات والمنصات الإلكترونية، وهو ما له تداعيات بيئية وبيولوجية واقتصادية خطيرة على المديين المتوسط والبعيد، في ظل نقص الحماية. وقد تُشكل الظاهرة فرصاً استثمارية لو أُحسن إدارتها، وهو ما سنقرؤه في هذه المقالة، من خلال النقاط الآتية:
أولاً: تهريب الحياة البرية من إفريقيا.. أجراس إنذار لم يستمع إليها أحد.
ثانياً: كينيا والصين مرة أخرى.. مصادفة أم شبكات تهريب منظمة؟!.
ثالثاً: كينيا مركز لتهريب الحياة البرية.. النمل الحاصد الإفريقي نموذجاً.
رابعاً: الثغرات القانونية وقصور صكوك الحماية ومتطلبات المكافحة.
خامساً: التداعيات البيئية والاقتصادية لتهريب نمل الحاصد الإفريقي.
سادساً: الفرص التي يمكن استثمارها من الظاهرة.
أولاً: تهريب الحياة البرية من إفريقيا.. أجراس إنذار لم يستمع إليها أحد:
في حقيقة الأمر؛ ضجت مواقع التواصل والصحف المحلية والدولية كالجارديان وغيرها، والوكالات الدولية كرويترز، منذ عام 2023م، بأخبار تجارة النمل الإفريقي. غير أن الغريب في الأمر أن دراسة «اتجار النمل في إفريقيا.. الحجم والمسالك والأثر وجهود المكافحة»[1] تناولت نوعاً من أسلوب اتجار الأسلحة الصغيرة في إفريقيا جنوب الصحراء، وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة قراءات إفريقية/ عدد يناير 2022م، وتناولت – مجازاً ما يشبه هذا العنوان في مقالتنا هذه- «تجارة النمل» كآلية من آليات الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة، تلك التجارة التي هددت معايش الناس وإنتاجهم وحصادهم. باختصار تناولت تلك الدراسة اتجار النمل «مجازاً وأسلوباً»، واليوم تتناولها هذه المقالة «حقيقةً».
على حسب ما نُشر، والذي تصاعدت وتيرته خلال عام 2025م، كانت الحدود التاريخية لمتابعة تطورات تلك الظاهرة منذ عام 2021م. غير أن المقالة المشار إليها ودون قصد- فقط لأغراض بيان المجاز- ذكرت الآتي: «لم يكن المقصود بتجارة النمل هنا ذاك الذي ملأ الصحف الألمانية منتصف نوفمبر 2011م، أو قص حكاية القبض على «جيرهارد كاليتا» بعد محاولة تهريب 3000 نملة من خمسين نوعاً مختلفاً، في حوالي 153 حاوية بلاستيكية خارج أستراليا».
وما نقصده هنا أن هذه الظاهرة معروفة منذ عقدين، تزيد أو تنقص، الأمر الذي يدعو إلى الشك والريبة في سبب تقاعس حماة البيئة في موضوع معروف في أعتى الديمقراطيات الغربية.
ولم نقف عند هذا الحد، فهناك ملاحظة كبرى أخرى، فقد ذُكر في مسودة كتاب «أفروجيديا»[2]، وهو مسودة تحت النشر لدى مركز أبحاث جنوب الصحراء، الجرائم البيئية عبر الإنترنت في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، والتي انتشرت في بلدان شرق إفريقيا، بالإضافة إلى نيجيريا وجنوب إفريقيا، والتي شملت وفقاً لدراسة نُشرت في عام 2017م إعلانات للحياة البرية والمهددة بالانقراض عبر 33 سوقاً عبر الإنترنت وثلاث منصات للتواصل الاجتماعي في سبعة بلدان إفريقية، منها السلاحف والببغاوات الإفريقية الرمادية، والقرود.. وغيرها.
ثانياً: كينيا والصين مرة أخرى.. مصادفة أم شبكات تهريب منظمة؟!:
أفلتت كينيا من موضوع تجارة الأسلحة الصغيرة بأسلوب «اتجار النمل»، وكذلك الصين، كحالات دراسة في ذلك المجال. غير أن منطقة شرق إفريقيا انتشرت فيها تجارة الحياة البرية، وبالأخص كينيا، حيث برزت هي والصين في مثل هذه الظواهر، فقد ذُكر في «أفروجيديا»: «تُعدّ كينيا أحد المصادر الرئيسية في العالم لمنتجات الحياة البرية التي يتم الاتجار بها. ومع ذلك ووفقاً لدراسة الصندوق الدولي للرفق بالحيوان، تمثل الدولة 2.9٪ فقط من إعلانات الحياة البرية المهددة بالانقراض الموجودة على الإنترنت، ودول شرق إفريقيا لم تمثل سوى 36 إعلاناً من أصل 990 إعلاناً، أي ما يعادل 3.6٪ من الإجمالي».
وهنا تبرز مسألة خطيرة، وهي أن عمليات تهريب «نمل الحاصد الإفريقي» في الغالب تتم عبر المطارات، وهو ما يتشابه مع أسلوب تهريب الحياة البرية من شرق القارة، غير أن الخطير في الأمر هو تصاعد وتيرة التحول الرقمي في كينيا، وهو ما قد يُسهل عمليات إجراء الصفقات عبر الإنترنت في المستقبل. والإضافة هنا؛ أنه يمكن تهريب النمل أيضاً عن طريق المرافق الرسمية كالبريد، كما حدث في نيروبي وجيلجيل ونيفاشا عام 2019م. وغالباً ما يعلن المهربون عن شحناتهم بصورة مضللة بوصفها منحوتات خشبية أو ألعاباً[3].
أما الأمر الثاني، فهو بروز الصين وكينيا معاً مرةً أخرى في التجارة غير المشروعة، بعد تجارة الحمير وفقاً لمقال بعنوان: «التجارة الدولية في الحمير وتداعياتها السلبية على إفريقيا جنوب الصحراء»[4]؛ حيث ارتفع الطلب على الإيجياو Ejiao- وهو شكل من أشكال الدواء في الطب الصيني التقليدي المسمى من الجيلاتين المستخرج من جلد الحمير، ويُخلط بالأعشاب ومكونات أخرى- لدرجة أن أعداد الحمير العالمية آخِذَة في الانخفاض، وتُعتبر تجارة الحمير في إفريقيا مصدراً رئيسياً لتصنيع الإيجياو؛ حيث يتم ذبح الحمير والاتجار بها في النيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا وتنزانيا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا وأوغندا وكينيا. على مدار السنوات القليلة الماضية، أفادت التقارير أن جلود الحمير المُصدَّرة من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى الصين زادت في عام 2016م، حتى بلغت 25٪ من التجارة العالمية مقارنةً بـ2.3٪ فقط في عام 1985م. وقد تم تسليط الضوء على كينيا كدولة متأثرة بشكل خاص بتلك التجارة. وقد يكون هذا مرتبطاً بتقنين ذبح الحمير لتجارة اللحوم والافتتاح اللاحق لمسلخين في عامي 2013م و2014م. وتلبيةً للطلب المتزايد، ارتفع سعر الحمير في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مما أدى إلى ذبح أعداد كبيرة لأغراض تصدير جلودها ولحومها إلى الصين؛ حيث يمكن بيع الإيجياو بما يصل إلى 300 جنيه إسترليني للكيلوجرام.
ثالثاً: كينيا مركز لتهريب الحياة البرية.. النمل الحاصد الإفريقي نموذجاً:
أُدين أربعة رجال في مايو 2025م لمحاولتهم تهريب 5440 نملة من نمل الحاصد الإفريقي العملاق من كينيا إلى أوروبا وآسيا. وأُمر المشتبه بهم (من بلجيكا وفيتنام وكينيا) بدفع غرامة قدرها 7700 دولار لكل منهم، أو مواجهة السجن لمدة عام. وبينما قُدّرت قيمة مجموعتهم من ملكات النمل محلياً بـ 1.2 مليون شلن كيني (9300 دولار)، أفادت التقارير أن قيمة كل حشرة تبلغ 233 دولاراً. وبمجرد وصولها إلى الدول المُستهدفة، ستُباع الشحنة بمبلغ 1,267,520 دولاراً. وهذه المرة الأولى التي يُتهم فيها مهربو النمل في كينيا، ولكنها ليست المحاولة الأولى للتهريب، ففي عام 2023م، حاول ثلاثة كينيين تصدير نمل الحاصد بقيمة 300 ألف شلن كيني (2321 دولاراً) إلى فرنسا بطريقة غير مشروعة. تضمنت كلتا الحالتين نمل «ميسور سيفالوتس»، وهو نوع موطنه شرق إفريقيا، ويُعدّ مطلوباً في تجارة الحيوانات الأليفة الغريبة، حيث يسعى هواة جمع النمل إلى اقتنائه لما يتمتع به من قدرة فائقة على بناء المستعمرات وديناميكيات اجتماعية مميزة.
وتبيع مواقع إلكترونية عديدة أنواعاً مختلفة من النمل، بما في ذلك أنواع من إفريقيا. فقد أشارت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٣م في مجلة «الحفاظ على التنوع البيولوجي» إلى ٥٨٩٣٧ عملية بيع لمستعمرات نمل عبر الإنترنت في الصين، شملت ٢٠٩ أنواع مختلفة. ويعلن موقع Ants HQ، وهو موقع إلكتروني لبيع النمل مقره المملكة المتحدة، عن أنواع النمل الآتية: النمل النساج الإفريقي، والنمل ذو الفك المفترس، والنمل الحاصد الأحمر، والنمل الإفريقي العملاق، بأسعار تتراوح بين ١٧ و١٢٩ جنيهاً إسترلينياً (٢٣-١٧٦ دولاراً) للنملة الواحدة.
وفي قضية هؤلاء الأربعة، قام البلجيكيان بتجهيز أكثر من ٢٠٠٠ أنبوب اختبار مملوءة بالقطن لإبقاء النمل حياً لأشهر. ولعب المواطن الفيتنامي دور «الناقل»، بينما كان الكيني هو الوسيط الذي ربط الأجانب بالشبكات المحلية[5].
وفي قضية مماثلة في العام نفسه وفي المحكمة نفسها، حُكم على فيتنامي وكينيّ بالعقوبة نفسها بعد ضبطهما وبحوزتهما نحو 400 نملة، معبأة في محاقن وعبوات.
في مارس 2026م، أعلنت السلطات الكينية إحباط محاولة لتهريب أكثر من 2000 نملة من نوع «الحاصد الإفريقي»، عن طريق رجل صيني يُدعى «كيكون»، خبأها داخل أنابيب اختبار ولفافات مناديل[6]. وقد حُكم عليه بالسجن لـ12 شهراً مع دفع غرامة تُقدّر بحوالي 7746 دولار.
وكانت نملة «ميسور سيفالوتس» تلك ثالث أكثر أنواع النمل غير المحلي شيوعاً في التداول عبر الإنترنت في الصين خلال ستة أشهر من عام ٢٠٢١م. وبحسب بات ستانشيف، المدير العام لمتجر «بيست أنتس يو كيه» الإلكتروني، يُمكن أن يصل سعر ملكة نملة الحاصد الإفريقية العملاقة الواحدة إلى ٢٣٥ جنيهاً إسترلينياً في أسواق الحيوانات الأليفة الغريبة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، أي ما يعادل ٤٠ مرةً سعرها في كينيا[7].
رابعاً: الثغرات القانونية وقصور صكوك الحماية ومتطلبات المكافحة:
النمل غير مُدرج في اتفاقية سايتس CITES (اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض)، كما أنه غير مُدرج ضمن قائمة الأنواع المُهددة بالانقراض الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. وهذا يعني أن الدول غير ملزمة بتتبع حجم التجارة فيه واتجاهات نموها. وغياب ضوابط تجارية خاصة بأنواع محددة يجعل من الصعب على أجهزة إنفاذ القانون كشف ومنع ومقاضاة التجارة غير المشروعة والمعاملات المرتبطة بها. وغيابه من تلك الصكوك الدولية يترتب عليه عدم التزام الدول بتتبع حجوم التجارة الدولية لهذه الحشرات، وصعوبة اتخاذ أجهزة إنفاذ القانون والجمارك لإجراءات ضبط عابرة للحدود. ومع ذلك، يُعدّ تهريب النمل الحي مخالفاً للمادة 99 من قانون حماية وإدارة الحياة البرية الكيني لعام 2013م. كما يشكل قرصنة بيولوجية، أي استغلال الموارد البيولوجية دون علم أصحابها وموافقتهم المسبقة، ودون تقديم تعويض عادل وتقاسم المنافع. وتُشير هيئة الحياة البرية الكينية أيضاً إلى أن المشتبه بهم الذين أُلقي القبض عليهم مؤخراً قد انتهكوا بروتوكول ناغويا[8].
ولمكافحة ذلك؛ تتطلب حماية النمل من التهريب رفع مستوى الوعي المجتمعي في مناطق الحاصد المعروفة، ولا سيما أن هذا التهديد غالباً ما يكون خفياً ويشمل كائنات تعتبرها العديد من الأسر مصدر إزعاج.
كما أن بناء القدرات المحلية للكشف المبكر عن نمل الحصاد وإبلاغ السلطات عنه سيساعد في الحفاظ على مستعمرات النمل في بيئاتها الطبيعية. فضلاً عن أن إدراج الأنواع الأصغر حجماً في الاتفاقيات العالمية التي تُلزم بالتعاون الدولي الموجه إلى قارات مثل أوروبا وآسيا، حيث باتت مراقبة النمل هواية رائجة، أمر بالغ الأهمية[9]. ويطالب بعض دعاة حماية البيئة بتوفير حماية تجارية أكبر لجميع أنواع النمل بموجب اتفاقية (سايتس).
خامساً: التداعيات البيئية والاقتصادية لتهريب نمل الحاصد الإفريقي:
يتميز النمل الحاصد الإفريقي «ميسور سيفالوتس» بألوانه الحمراء والسوداء الزاهية، وهو أكبر أنواع النمل الحاصد المعروفة، إذ يصل طول العاملات إلى 19 ملم والملكات إلى 25 ملم، كما يُظهر سلوكاً معقداً في البحث عن الطعام وبناء الأعشاش. كل هذه الخصائص تجعله شائعاً بين هواة جمع الحيوانات.
تتزاوج الملكة مع الذكور، ثم تبدأ بتأسيس مستعمرة تضم مئات الآلاف من نسلها، من عاملات وجنديات، وتستمر في وضع البيض طوال حياتها، وقد تدوم المستعمرات لعقود. ويبني النمل أعشاشاً دائرية كبيرة ويعيش فيها، ويخزن البذور تحت الأرض.
ويُعدّ هذا النوع ضرورياً للحفاظ على توازن النظام البيئي، في المراعي والسافانا، حيث يؤدي أدواراً مهمة مثل جمع بذور الأعشاب ونشرها. والإفراط في تهريب النمل الحاصد قد يُسبب آثاراً مدمرة.
وقد تتأثر المناطق التي يُنقل إليها النمل أيضاً، حيث ذكرت دراسة أُجريت عام 2023م أن إدخال النمل خارج نطاقه الأصلي قد يجعله نوعاً غازياً، مع ما يترتب على ذلك من عواقب بيئية واقتصادية وخيمة. يقول تشنغيانغ وانغ، عالم الأحياء المختص بالحفاظ على البيئة والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن نملة الحاصد الإفريقية العملاقة، باعتبارها من جامعي الحبوب، قد تؤثر سلباً على نمو المحاصيل في الحقول الزراعية الشاسعة، مثل تلك الموجودة في جنوب آسيا أو شمال الولايات المتحدة، إذا ما تم إدخالها إلى المنطقة لكونها غير محلية[10].
سادساً: الفرص التي يمكن استثمارها من الظاهرة:
يرى بعض المحللين أن التعاطي المباشر مع النمل كسلعة مسروقة يضيع فرصاً اقتصادية على الدولة؛ فالنمل ثروة بيولوجية متجددة يمكن استزراعها وتربيتها بطرق مستدامة. وفي هذا السياق، اعتمد مجلس الوزراء الكيني توجيهات سياسية لإضفاء الطابع التجاري على اقتصاد الحياة البرية، والتي تتيح للمجتمعات المحلية (مثل مزارعي جيلجيل) إنشاء مزارع مرخصة للنمل تضمن الحصول على تصرفات قانونية وتوزيع العوائد المالية وفق اتفاقيات تقاسم المنافع[11].
حيث يُعتبر– كما ذكرنا- النمل الحاصد من الأنواع الأساسية في النظام البيئي، فهو يجمع بذور الأعشاب والنباتات الأخرى، ويُساهم بذلك في نشرها، ويساهم في خلق بيئة عشبية أكثر صحةً وحيوية.
ويمكن جمع النمل بشكل قانوني في كينيا بموجب تصريح خاص، يُلزم المشتري بتوقيع اتفاقية لتقاسم المنافع مع المجتمع المحلي المعني لتقسيم أي أرباح. لكن، وفقاً لهيئة الحياة البرية الكينية، لم يتم تقديم أي طلبات للحصول على هذا التصريح حتى الآن، كما تتطلب الأوراق المطلوبة تفاصيل عن عدد النمل الذي يتم جمعه ووجهته.
ويرى الصحفي تشارلز أونيانغو-أوبو أن كينيا تتجاهل فرصة كبيرة لتحقيق إيرادات عالمية. وكتب مؤخراً في صحيفة «ديلي نيشن» الكينية: «النمل ليس سلعاً محدودة كالذهب أو الماس، بل هو ثروة بيولوجية يمكن تربيتها واستزراعها، ويمكن رفع إنتاجها إلى آلاف النملات يومياً. ومع ذلك، فإننا نتعامل معها كأنها قطع أثرية مسروقة». وتهدف هذه التوجيهات إلى تشجيع التجارة المستدامة للأنواع البرية، كالنمل، بهدف خلق فرص عمل، وتنمية الثروة، وتحسين سبل عيش المجتمعات في جميع المقاطعات. ومع تطبيق نظام مراقبة دقيق، يُمكن أن يمتلك المزارعون مستقبلاً مزارع خاصة للنمل في أراضيهم، مما يُساهم في زيادة إنتاج حقولهم وبساتينهم- المليئة بالخضراوات والفواكه- لتشمل ملكات النمل المربحة[12].
خاتمة:
تنعم شرق إفريقيا بحياة برية عظيمة، تشكل ثروة يمكن أن تكون قاطرة مزدوجة للتنمية، سواء في السياحة أو التنمية الزراعية، وكان الأولى بدول الإقليم أن تفعل ذلك، في ظل انخفاض نصيبها من الثروات النفطية. غير أن هذا الإقليم في شرق القارة- على الرغم من هذه المقومات- أصبح مركزاً للتجارة غير المشروعة في الأحياء البرية المختلفة، بما فيها تلك المهددة بالانقراض، مروراً بتجارة الحمير، وآخرها تهريب النمل. وقد برزت كينيا بوصفها دولةً مصدرة رئيسية لهذه التجارة غير المشروعة، والصين بوصفها بلداً متلقياً ومقصداً رئيسياً في عمليات التهريب، وقد نجم عن محاولة الحكومة الكينية تقنين ذبح الحمير نقص أعدادها بنسبة كبيرة، وها هي في الوقت نفسه لم تشمل نمل الحاصد الإفريقي المهم بيئياً وزراعياً بحمايتها، وأصبحت المنطقة وفي قلبها كينيا مركزاً رئيسياً لتهريبه.
وهناك طريقان لمعالجة هذه الأزمة، أولهما: سد الفجوات التشريعية المحلية والدولية، عبر إدراج هذه الأنواع في اتفاقية سايتس، وتطوير أجهزة المسح والرقابة الحدودية والإلكترونية، إلى جانب رفع الوعي البيئي لدى هواة جمع الحيوانات الأليفة. فحماية هذه الأحياء هي صون للتوازن البيئي الذي تتوقف عليه سلامة النظم البيئية في السافانا واستدامة الاقتصاد الحيوي في المنطقة وفي القارة.
أما الطريق الثاني فهو: الاستثمار في هذه الظاهرة، مع توفير الضوابط اللازمة للتطبيق بأن تستثمر الدولة في البداية في استزراع هذا النوع من النمل، وتحويله من سلعة مهربة إلى تجارة رسمية تدر دخلاً مهماً، وتحقق ميزة نسبية وتكنولوجية، تحت إشراف الجهات المختصة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] انظر: د. مجدي محمد محمود آدم، «اتجار النمل في إفريقيا.. الحجم والمسالك والأثر وجهود المكافحة»، مجلة قراءات إفريقية/ العدد 51، يناير 2022م/جمادى الأولى 1443هـ، ص70.
[2] د. مجدي محمد محمود آدم، أفروجيديا أوكار الإنترنت والجريمة الاقتصادية الخفية في إفريقيا جنوب (الصحراء الافتراضية)، مسودة غير منشورة (لندن: مركز أبحاث جنوب الصحراء، 2023)، ص (323-326). بحوزة الناشر.
[3] Lutta Njomo, How ants are bought at Ksh50 and resold for Ksh15,000 each – report.3/4/2025. at: https://k24.digital/crimescandals/how-ants-are-bought-at-ksh50-and-resold-for-ksh15000-each-report
[4] انظر: د. مجدي محمد محمود آدم، التجارة الدولية في الحمير وتداعياتها السلبية على إفريقيا جنوب الصحراء
[5] Valtino Omolo & Willis Okumu, Ant traffickers in Kenya expose gaps in biodiversity protection.23/10/2025. at: https://issafrica.org/iss-today/ant-traffickers-in-kenya-expose-gaps-in-biodiversity-protection
[6] حازم بدر، 250 دولاراً للنملة.. لماذا أصبح «الحاصد الإفريقي» كنزاً للمهربين؟. 18/3/2026. موقع الجزيرة نت.
[7] Carlos Mureithi, Smuggled in syringes: how Nairobi became a nexus for the black market in giant harvester ants.13/5/2026. at: https://www.theguardian.com/environment/ng-interactive/2026/may/13/smuggled-illegal-global-trade-giant-harvester-ants-kenya-asia-europe
[8] Idem.
[9] Valtino Omolo & Willis Okumu, Op.cit.
[10] Carlos Mureithi, Op.cit
[11] Muia, Wycliffe. (2026, March 29). *One ant for $220: The new frontier of wildlife trafficking*. BBC News
[12] Wycliffe Muia, One ant for $220: The new frontier of wildlife trafficking.29/3/2026. at: https://www.bbc.com/news/articles/cg4g44zv37qo










































