شهدت الحدود بين السنغال وغامبيا توترًا عقب حادث وقع الخميس في قرية بولوك الحدودية الواقعة بإقليم فوني الغامبي، تبادل على إثره البلدان بيانات رسمية؛ إذ اتهمت بانغول القوات السنغالية بهدم جزء من سياج منشأة عسكرية، فيما أكدت داكار تمسكها بالحوار ورفضها أي تصعيد، داعية إلى معالجة القضية عبر الآليات الثنائية.
جاءت التطورات عقب تداول مقطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، يُظهر جنودًا يُعتقد أنهم من القوات المسلحة السنغالية برفقة آلية هندسية وهم يقومون بهدم جزء من جدار أو سياج في المنطقة الحدودية، بينما لم تتمكن أي جهة مستقلة من التحقق من صحة المقطع المتداول أو تأكيد تفاصيل الواقعة والظروف التي جرت فيها.
ووفقًا لوسائل إعلام غامبية، فإن الجزء الذي تعرض للهدم يمثل قسمًا من السياج المحيط بمعسكر تابع للقوات المسلحة الغامبية في قرية بولوك، الواقعة بمنطقة الساحل الغربي، بالقرب من الحدود مع السنغال.
ويشترك البلدان في حدود برية تمتد لنحو 740 كيلومترًا، فيما تتميز غامبيا بخصوصية جغرافية تجعلها شبه محاطة بالكامل بالأراضي السنغالية، باستثناء واجهتها البحرية المطلة على المحيط الأطلسي. ورغم الحادث، يحتفظ البلدان بعلاقات تعاون وثيقة منذ عدة عقود.
غامبيا: تصرف “استفزازي غير مقبول“
في أول رد فعل رسمي، وصفت حكومة غامبيا ما حدث بأنه “استفزازي للغاية” و”غير مقبول على الإطلاق”، متهمة عناصر من القوات المسلحة السنغالية بهدم جزء من السياج المحيط بالموقع العسكري الحدودي في بولوك، دون تنسيق مسبق مع السلطات الغامبية.
مع ذلك أكد الحكومة الغامبية، في بيان، تمسكها بمعالجة القضية عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية، بعيدًا عن أي تصعيد.
البيان أوضح أن غامبيا بدأت بالفعل اتصالات دبلوماسية رسمية مع الحكومة السنغالية، مشيرًا إلى أن القضية ستُناقش عبر اللجنة العسكرية المشتركة وغيرها من الآليات الثنائية المعتمدة لمعالجة القضايا الحدودية بين البلدين.
ورغم لهجة الإدانة، حرصت الحكومة الغامبية على التأكيد أن الوضع الأمني لا يزال مستقرًا، داعية المواطنين وأعضاء السلكين الدبلوماسي والقنصلي والمقيمين إلى عدم القلق.
في الوقت نفسه، جددت بانغول تأكيدها على متانة العلاقات التاريخية التي تربطها بالسنغال، مشيرة إلى أن البلدين يرتبطان بعلاقات تعاون ممتدة في مجالات الأمن والدفاع وإدارة الحدود والتنمية الاقتصادية، وأن الحادث لن يغير من التزامها بالحفاظ على هذه العلاقات.
وأعربت عن ثقتها في إمكانية احتواء الخلاف سريعًا عبر الحوار والاحترام المتبادل والعلاقات التاريخية التي تجمع البلدين.
ودعت الحكومة الغامبية القوات المسلحة السنغالية إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس مستقبلاً، والتعامل مع أي قضايا تتعلق بالحدود المشتركة حصريًا عبر القنوات الثنائية المعتمدة، مع احترام سيادة ووحدة أراضي الدولتين.

السنغال: الحادث لا يستهدف سيادة غامبيا
في المقابل، أصدرت حكومة السنغال، بيانًا ردت فيه على الموقف الغامبي، مؤكدة تمسك داكار بعلاقات الأخوة وحسن الجوار والتعاون الاستراتيجي.
وقالت إن الحكومة السنغالية أخذت علمًا بموقف السلطات الغامبية، وجددت التزامها بالحفاظ على العلاقات الثنائية التي تجمع البلدين، معتبرة أنها تمثل “مكسبًا ثمينًا” تقع على عاتق الحكومتين مسؤولية مشتركة للحفاظ عليه وتعزيزه.
لكن البيان أوضح في الوقت نفسه أن المنطقة محل الخلاف تخضع منذ سنوات لمناقشات بين السلطات المختصة في البلدين، وأن ملف الحدود لم يُحسم بصورة نهائية رغم جولات متعددة من المفاوضات.
وأعربت داكار عن أسفها لعدم توصل البلدين حتى الآن إلى اتفاق دائم لتسوية الخلافات الحدودية، رغم المشاورات التي جرت على أعلى المستويات خلال السنوات الماضية.
وجددت الحكومة السنغالية تمسكها بالتوصل إلى حل سلمي عبر الحوار والتشاور والاعتماد على الآليات الثنائية والقنوات الدبلوماسية القائمة، مؤكدة احترامها الكامل لسيادة غامبيا ووحدة أراضيها، مع مطالبتها في المقابل باحترام سيادة السنغال وسلامة أراضيها.
كما أعلنت استمرار المشاورات مع السلطات الغامبية بهدف الاتفاق، في أقرب وقت، على إجراءات لمعالجة ما وصفته بالاختلالات المسجلة في إدارة الحدود المشتركة.
ودعت الحكومة السنغالية إلى تجنب أي تصريحات قد تؤدي إلى تأجيج التوترات، مطالبة بترك المجال أمام الآليات الدبلوماسية والعسكرية المختصة لمواصلة عملها “بروح من المسؤولية والهدوء والاحترام المتبادل”.

حادث يأتي بعد لقاء فاي وبارو
يأتي الحادث الحدودي بعد فترة قصيرة من تأكيد قيادتي البلدين التزامهما بتعزيز التعاون الثنائي، إذ عقد الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي ونظيره الغامبي أداما بارو، خلال الدورة الرابعة للمجلس الرئاسي السنغالي-الغامبي، الأسبوع الماضي، مباحثات ركزت على تعزيز التعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل وإدارة الحدود والأمن.
وجرت الاجتماعات في إطار زيارة عمل قام بها الرئيس الغامبي إلى السنغال، حيث أشاد الجانبان بمستوى العلاقات الثنائية، مؤكدين أنها تستند إلى روابط الأخوة والثقة المتبادلة والتضامن، إلى جانب رؤية مشتركة لتعزيز الاندماج الإقليمي.
كما استعرضت الدورة مستوى تنفيذ القرارات السابقة، وحددت أولويات جديدة للتعاون في قطاعات الصيد والزراعة والتعليم والصحة والسياحة والتعاون القضائي، مع التأكيد على تسريع تنفيذ المشروعات المشتركة الهادفة إلى تعزيز الربط بين البلدين وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود.
وفي الجانب الأمني، شدد الرئيسان على أهمية تعزيز التعاون بين القوات الأمنية والعسكرية في مواجهة التحديات العابرة للحدود، بما يشمل الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع والتطرف العنيف وغيرها من التهديدات الأمنية.

الحدود بين السنغال وغامبيا
رغم وجود حدود معترف بها دوليًا بين السنغال وغامبيا، لا يعد حادث بولوك أزمة حدودية جديدة بحد ذاتها بين البلدين، بل هو أحدث تطور في خلاف قديم يتعلق بترسيم أجزاء من الحدود خاصة في منطقة بولوك الواقعة بإقليم فوني الغامبي.
وتقول السلطات السنغالية إن هذه المنطقة كانت محل نقاش بين اللجان الفنية والسلطات المختصة منذ سنوات، وإن هناك منشآت وأنشطة تعتبرها داكار متجاوزة للخط الحدودي أو غير متوافقة مع الإدارة المشتركة للحدود.
في المقابل، تؤكد غامبيا أن الموقع العسكري في بولوك يقع داخل أراضيها، وأن أي إجراء يتعلق به يجب أن يتم عبر الآليات العسكرية والدبلوماسية المشتركة وليس من خلال تحرك أحادي.
وفي يونيو 2025 توقفت أعمال إنشاء السياج الخاص بمعسكر الجيش الغامبي في بولوك بعدما اعترضت السلطات السنغالية، معتبرة أن جزءًا من الأرض محل المشروع يقع داخل الأراضي السنغالية.
وأفاد مسؤولون محليون في القرية آنذاك بأن قوات سنغالية أوقفت أعمال البناء، بينما أكد الجيش الغامبي أن السلطات ستواصل التنسيق مع السنغال لتحديد مواقع العلامات الحدودية قبل استكمال المشروع، ما يشير إلى أن السياج الذي جرى هدم جزء منه الخميس كان محل خلاف منذ بدء تشييده.
ووفق تقارير، لا توجد نزاعات حدودية أو صراع إقليمي بين السنغال وغامبيا، لكن تظهر بين الحين والآخر خلافات محلية مرتبطة بـ:
- تحديد مواقع العلامات الحدودية.
- استخدام الأراضي الزراعية في القرى الحدودية.
- مسارات الرعي وقطع الأخشاب.
- إنشاء منشآت أو طرق أو مواقع أمنية قرب الحدود.
ففي أغسطس 2025، شهدت منطقتا كانوما في السنغال وجاتالي في غامبيا توترًا حدوديًا بدأ نتيجة خلاف محلي بين موظف غابات سنغالي وحطاب غامبي داخل منطقة حدودية غير واضحة المعالم، قبل أن تنجح السلطات في احتواء الموقف.
كما سبق أن نشبت خلافات تجارية وحدودية بين البلدين، مثل أزمة عبور الشاحنات والرسوم الجمركية التي تمت تسويتها عبر الحوار الثنائي عام 2024، وهو ما يعكس اعتماد البلدين على القنوات المشتركة لمعالجة النزاعات.
وتعمل اللجنة الوطنية للحدود في غامبيا بالتنسيق مع نظيرتها السنغالية على مشروع لترسيم وإعادة تحديد العلامات الحدودية، ونظمت حملات توعية في القرى الحدودية، بما فيها بولوك، استعدادًا لاستكمال أعمال الترسيم الميداني، يشير ذلك إلى أن بعض المقاطع الحدودية ما زالت تحتاج إلى تثبيت نهائي للعلامات على الأرض.
نقلاً عن:
Gambia Journal
Dakar Actu
The Point
Standard
صحراء ميديا











































