تُعدّ مؤسسة الأسرة النواة الأولى لأي مجتمع إنساني بمختلف الحضارات والعصور، ولها دورها البارز في تكوين وصناعة الموروثات المجتمعية، ويُنظر إليها بوصفها الوحدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي، التي تقوم بمهمةٍ حيوية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، لذلك فهي بمثابة الأساس لتنمية شخصية الإنسان وثقافته.
تؤدي الأسرة الإفريقية عدداً من الوظائف المهمة داخل المجتمع، فقد كانت الأسرة في الماضي وحدة اقتصادية مكتفية ذاتياً. كما كانت تقوم بتعليم أفرادها، ولا يعني ذلك تعليم القراءة والكتابة فقط؛ وإنما يعني تعليم الحرفة أو الصنعة أو الزراعة. كما أنها وفرت الحماية لأعضائها، فالأب وأبناء العمومة يمنحون- بالتشارك فيما بينهم- أفراد الأسرة الحماية والأمن. ومن وظائف الأسرة كذلك غرس القيم الدينية، وتعليم الأبناء ممارسة الشعائر الدينية. من هنا تنبع أهمية الأسرة في إفريقيا، حيث إنها توفر محضناً يتلقى أعضاؤها من خلاله المساعدة والتشجيع والمشورة، وبالتالي أدت الأسرة الإفريقية الممتدة، من بين أمورٍ أخرى، الدور الذي تؤديه مؤسسات الرعاية الاجتماعية في الغرب.
ويُنظر إلى الزواج في القيم الإفريقية التقليدية على أنه تحالف بين مجموعتين من الأقارب بدلاً من عقدٍ بين شخصين، أي أن مصلحة الفرد تخضع في النهاية لمصلحة الجماعة.
للأسرة الإفريقية سمات تميزها، منها:
– تتعدد فيها الزوجات، وهو من الأنماط الزوجية الأكثر تفضيلاً وانتشاراً في أجزاء كثيرة من إفريقيا.
– نسبة الخصوبة مرتفعة نتيجةً للزواج المبكر، وحرص الآباء على إنجاب أكبر عدد من الأبناء.
– سلطة الأب في العائلة كبيرة، وجميع الأبناء يخضعون له بالطاعة.
– الأسرة الإفريقية منتجة، فجميع أفرادها يعملون وينتجون.
– أسرة ممتدة لا تقتصر على الأبناء؛ بل تشمل الأقارب.
هذه السمات ساهمت في تكوين هوية وشخصية المجتمعات الإفريقية، وقد ظلت الأسرة الإفريقية تقوم بوظيفتها، محافظةً على البناء الأسري التقليدي.
لكن في العقود الأخيرة؛ تعرضت الأسرة الإفريقية لتحدياتٍ كبيرة، عصفت بدورها وبنيتها، نتيجةً للضغوط الغربية، من خلال توظيف واستخدام الأمم المتحدة كأداة لفرض النظرة الغربية للأسرة على المجتمعات الإفريقية.
وتُعدّ لجنة «مركز المرأة» التابعة للأمم المتحدة إحدى اللجان التي تهيمن عليها القوى الغربية، ومن خلالها تمارس الضغوط على البلدان الإفريقية لإجبارها على القبول بالأجندة الغربية، وجعل بنود هذه الأجندة جزءاً من القوانين المحلية لكل دولة.
تهدف المحاولات الغربية إلى السيطرة على أعداد السكان- بحجة «التنمية»، وتجريف البنى الاجتماعية، والهياكل الأسرية، والأسس الأخلاقية، دون أدنى اعتبارٍ لحقّ المجتمعات الإفريقية في الاختلاف عن النموذج النيوليبرالي، أو مجرد التفاتة لحماية التنوع الثقافي الإنساني الذي يدندنون حوله.
لم يقتصر الأمر على ضغوط المؤسسة الدولية، فالدول الغربية تنفق مئات ملايين الدولارات سنوياً، عبر مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية- التي غالباً ما تموّلها الحكومات جزئياً-، للترويج لموانع الحمل، ونشرها، وإيهام الشباب والنساء بأنها الحل الجذري لمشكلة! خصوبة النساء، ومشكلة العلاقات الجنسية غير الآمنة التي روّجوا لها عبر المؤتمرات العلمية، والمناشط التعليمية والثقافية والصحية وغيرها.
كما أن العديد من الحكومات الغربية، وفي مقدمتهم المملكة المتحدة، تربط المساعدات والمنح التي تُقدّم للدول الإفريقية بملف هذه الدول فيما تسميه بحقوق «المثليين جنسياً».
ساهمت العولمة، والثورة الرقمية في الترويج للثقافة والقيم الغربية، ولم يعد الخطاب الغربي موجهاً للحكومات والنخب؛ بل تم توجيهه للشعوب، وغزت مفاهيم الجندرة ومجتمع الميم والجنسانية المجتمعات الإفريقية، فكان من نتيجة ذلك كله أن تعرّضت الأسرة الإفريقية لتأثيرات سلبية غيّرت من شكلها وصورتها، وانقرضت معظم القيم التقليدية، وزادت نسب الطلاق والتفكك الأسري، وانخفض معدل الخصوبة، وزاد العزوف عن الزواج، وزادت العلاقات الجنسية خارج نطاق الأسرة، وتزايدت أعداد مرضى نقص المناعة (الإيدز)، ولم يعد الأفراد يشعرون بالأمان الذي كانت توفره لهم الأسرة.
للأسف الشديد؛ حاول الاستعمار أثناء وجوده على مدار عقود تغيير شكل الأسرة الإفريقية، لكن الأسرة الإفريقية- كما يقول الدكتور علي مزروعي-: «ظلت عَصِيّةً على التغيير»، لكن خلال العقود الأخيرة- نتيجةً للعوامل السابقة- تغيّر شكل الأسرة، ومن ثَمّ تغيّر الكثير من ملامح الهوية الإفريقية.
إن محاولات استعباد الشعوب الإفريقية لم تنته بعد، لقد تغيّر وجه الاستعمار اليوم؛ إذ لم يعد ثمّة حاجةٌ لجنرالات وجيوش، ومع ذلك فهو استعمار؛ استعمار أيديولوجي، وما زالت القوى الغربية حريصة على السيطرة على المجتمعات الإفريقية اقتصادياً، وثقافياً، واجتماعياً.
لكن يبقى السؤال: هل تستطيع الشعوب الإفريقية التصدي لهؤلاء «المستعمرون الجدد»؟ وهل مقاومة الهجمة الغربية على الأسرة مجدية أو أنها غير مجدية؟
بطبيعة الحال؛ مهمة الدفاع عن الأسرة والهوية الإفريقية ممكنة، ولكنها ليست سهلة، فاختلال ميزان القوى بين الجانبين كبير، خصوصاً بالنظر للموارد المالية المتاحة لمشاريع المستعمرين الجدد، لكن تمسّك المجتمعات الإفريقية بهويتها ومبادئها الأخلاقية، وغرسها في الأجيال الناشئة، وتضافر جهود المخلصين من أبناء القارة، سيساهم في الحد من مخاطر هذه الهجمة الغربية الشرسة على مجتمعاتنا.
من الأهمية بمكان؛ أن يدرك الجميع مدى أهمية الأسرة الإفريقية التقليدية في الحفاظ على ما يميّز الشخصية الإفريقية وتفرُّدها عن غيرها، بما تحمله من المعاني النبيلة وقيم السماحة والمودة والتضامن والأخلاق، وأهميتها كذلك في ضمان قوة المجتمع وتماسكه.
………………..
المصدر: مجلة قراءات إفريقية، العدد 55: يناير 2023م / جمادي الآخرة 1444هـ











































