شهد حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في قمة مجموعة السبعة الكبار في فرنسا مؤخرًا نقاشات أمريكية مهمة حول وضع نهاية للحرب في إيران، وقضايا الشرق الأوسط، وعلاقات واشنطن مع أوروبا، والحرب على أوكرانيا، وغيرها من القضايا بالغة الأهمية على الساحة الدولية.
بينما لم تشهد مقاربة واشنطن للأوضاع في إفريقيا أي اهتمام يُذْكَر في هذه المناقشات، باستثناء ما وُرد من تقارير عن اهتمام واشنطن بملف سدّ النهضة الإثيوبي ورؤية ترمب أن إثيوبيا تعاملت في هذا الملف بعدم إنصاف واضح. لكن الدبلوماسية الأمريكية في إفريقيا في عهد ترمب تُواصل سياسات فرض الأمر الواقع على مختلف دول القارة.
تواصل سلسلة “عين على إفريقيا” رصد التحولات والقضايا المؤثرة في مسارات القارة وعلاقاتها الدولية، ومن خلال قراءة ثلاثة مقالات نشرتها الصحافة الدولية خلال الفترة من 13 إلى 17 يونيو الجاري، يحاول هذا المقال استكشاف ملامح التفاعل الأمريكي مع إفريقيا في ظل التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية لواشنطن.
وتتناول المقالات المختارة قضايا تتصل بسياسات ترحيل المهاجرين إلى دول إفريقية، وصورة بعض دول القارة لدى الرأي العام الأمريكي، فضلاً عن الجدل المتصاعد بشأن الوصول إلى البيانات الصحية في إطار اتفاقات المساعدات الأمريكية.
عين على إفريقيا (13-17 يونيو 2026):
يتناول المقال الأول دبلوماسية ترحيل اللاجئين (من جنسيات مختلفة) إلى وجهات إفريقية، والحالة التي يتناولها المقال هي جمهورية إفريقيا الوسطى.
أما المقال الثاني فيتناول صعود مقبولية مصر وسط الرأي العام الأمريكي مقابل تراجع جميع الدول الإفريقية في هذا المؤشر وفق دراسات مسحية هامة قام بها معهد جالوب في واشنطن، وكان من أهم الدول التي تراجعت في التصنيف جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا على خلفية توتر أمريكي إفريقي متصاعدة في ملفات متنوعة.
في حين يسلط المقال الثالث الضوء على الجدل المتصاعد بشأن المساعدات الصحية الأمريكية في إفريقيا، وما يرتبط بها من مشروطيات، ومخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية والوصول إلى البيانات الصحية للمواطنين، في سياق ما بات يُعرف بـ”الاستعمار الرقمي”.
واشنطن ترحّل اللاجئين إلى جمهورية إفريقيا الوسطى([1]) :
مُنِحَت نساء إيرانيات إجراءات حمائية بسبب تهديدهن بالاضطهاد في بلدهن. ووصلن إلى بانجي عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى الجمعة الماضية (12 يونيو) رغم أن هذه الدولة الإفريقية تُعدّ بالنسبة لواشنطن واحدة من أكثر دول العالم خطورة.
وكانت اتفاقية الهجرة بين الولايات المتحدة وجمهورية إفريقيا الوسطى قد تم التوصل إليها مؤخرًا، لكنها سرعان ما تم تطبيقها بالفعل. وكانت طائرة شارتر تدير رحلاتها وزارة الأمن الداخلي الأمريكية قد هبطت في مطار بانجي يوم الجمعة 12 يونيو حاملة 20 فردًا ممن يحملون جنسيات أجنبية تقوم واشنطن بترحيلهم، بما فيهم ما لا يقل عن امرأتين إيرانيتين، ومهاجرون أتراك وسوريون وأفغان.
وكانت الرحلة التي تمت على متن طائرة بوينج 767 قد أقلعت من مطار الإسكندرية الدولي في لويزيانا –والذي أصبح بمرور الوقت منفذ رحلات ترحيل المهاجرين من الولايات المتحدة إلى إفريقيا-، حاملة المُرحَّلين وأغلبهم ممن تم اعتقاله عند محاولة دخول الأراضي الأمريكية منذ نهاية العام 2024، وسبق أن قدموا طلبات لجوء وحصلوا بشكل مبدئي على إجراءات حمائية مِن قِبَل أحد القضاة في الولايات المتحدة.
وهكذا أصبحت هذه الدولة الواقعة في وسط إفريقيا، والتي تُعدّ من أفقر دول العالم، أحدث دولة إفريقية تستقبل مهاجرين طردتهم الولايات المتحدة، بعد غانا وسيراليون وغينيا الاستوائية وإسواتيني وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتكرس الإدارة الأمريكية هذه الاتفاقيات الغامضة المتعلقة بالهجرة بهدف تسريع عمليات الترحيل. ولا تزال بنود الاتفاقية مع جمهورية إفريقيا الوسطى سرية حتى اليوم. كما لم تردّ رئاسة جمهورية إفريقيا الوسطى ولا وزارة الخارجية الأمريكية على طلبات صحيفة “لوموند” للتعليق، حسبما أورد مراسلوها.

غياب جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا وحضور مصر في قائمة جالوب للدول الأكثر تفضيلًا لدى الأمريكيين([2])
ظهرت مصر منفردةً كممثل وحيد لإفريقيا في تصنيف جالوب 2026 Gallup 2026 للدول التي ينظر لها الأمريكيون بشكل أكثر تفضيلًا، فيما غابت جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا عن القائمة التي تضم 21 دولة فقط.
ونالت مصر 59% من تصويت التفضيل، مما جعلها تحل في المرتبة الحادية عشرة بين 21 دولة تم تقييمها في اقتراع جالوب السنوي للشؤون العالمية؛ لتعزز مكانتها وسط الدول التي ينظر لها الأمريكيون بشكل إيجابي أكثر من غيرها.
وعززت هذه النتيجة وجهات النظر لدى الجمهوريين الذين تنحاز مواقفهم إزاء السياسة الخارجية لتوجهات إدارة الرئيس دونالد ترمب. على أيّ حال فإن نيجيريا، أكبر دولة إفريقيا في عدد السكان وأكبر أسواق المستهلكين بها، لم تَرِد في القائمة. ويسري الأمر نفسه على جنوب إفريقيا، أحد أكثر اقتصادات القارة الصناعية تقدمًا، وكينيا المركز التجاري والدبلوماسي المُهمّ في شرق إفريقيا.
إجراء الاقتراع وسط توترات جيوسياسية:
قام معهد جالوب، وهو شركة استشارية مقرها في واشنطن، بمسح للرأي شمل 1001 مواطن أمريكي بالغ في الفترة 2- 16 فبراير 2026. وأظهرت النتائج المُعلَن عنها مؤخرًا تصنيف من تم أخذ رأيهم للقائمة من حلفاء الولايات المتحدة الموثوق فيهم إلى المنافسين الجيوسياسيين الكبار. وإجمالًا فقد التقط الاقتراع تصورات الأمريكيين خلال فترة اتسمت بالنزاعات التجارية والتوتر الدبلوماسي والتحالفات الدولية المتغيرة.
ووفقًا لجالوب فإن الدراسة المسحية تمَّت عقب خلع الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو من السلطة على يد الولايات المتحدة، فيما كان المنتدى الاقتصادي العالمي منعقدًا في دافوس في الفترة 19 -23 يناير. على أيّ حال فإن المسح تم قبل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
وفي الوقت نفسه تم الاقتراع فيما كانت العلاقات بين واشنطن وبريتوريا بالغة التوتر. إذ اختلفت الحكومتان حول سياسات الأراضي في جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى قضيتها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، وقرار إدارة ترمب بالسماح بدخول الجنوب أفارقة البيض، ولا سيما الأفريكانريين، كلاجئين في الولايات المتحدة.
كما واجهت العلاقات الأمريكية مع نيجيريا توترات حول العنف الديني والتعاون الأمني وسيادة نيجيريا. كما تعرضت علاقات كينيا مع واشنطن لمزيد من التدقيق بخصوص اتفاق التعاون الصحي المقرر لخمسة أعوام وتم توقيعه في ديسمبر 2025. إذ إنه رغم موافقة الحكومة الكينية على الاتفاق، فقد علَّقت المحكمة العليا لاحقًا تطبيق الاتفاق عقب مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات الصحية، والمشاركة العامة، والرقابة البرلمانية، والتزامات كينيا المالية. وبالرغم من هذه النزاعات تحتفظ نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا بصلات دبلوماسية واقتصادية وأمنية موسعة مع الولايات المتحدة.
اليابان وإيطاليا تقودان التصنيف:
حلَّت اليابان في قمة التصنيف بنسبة 85%، تلتها إيطاليا بنسبة 84%. وتلاهما كل من كندا والدانمارك بنسبة 80%، فيما سجَّلت كل من فرنسا وبريطانيا نسبة 76%، وجاءت ألمانيا خلفهما بنسبة 75% للدول الأكثر تفضيلًا لدى الأمريكيين. وجاءت المكسيك (66%)، وأوكرانيا (63%)، والهند (61%)، ومصر (59%) في المراتب التالية. وفي أدنى الترتيب جاءت كوريا الشمالية وإيران بنسبة 13% لكل منهما، وسبقتهما روسيا بنسبة 17% ثم العراق بنسبة 21%.
مصر تحافظ على أهميتها الإستراتيجية:
حافظت مصر على صلات دبلوماسية وأمنية وثيقة مع واشنطن على مدار عقود، ولا تزال لاعبًا رئيسًا في دبلوماسية الشرق الأوسط، ولا سيما في جهود الوساطة في الصراعات الإقليمية. كما تضيف سيطرتها على قناة السويس، أحد أهم طرق النقل البحري أهمية في العالم، مكانة مصر في مجال التجارة والأمن العالميين. وبناء على ما سبق، أظهر نَيْل مصر 59% أن أغلب الأمريكيين الذين تم استطلاع رأيهم لا يزالون ينظرون لمصر نظرة إيجابية.

الاستعمار الرقمي الأمريكي([3]) :
يقول الأوغندي فرانك سيكاموا Frank Ssekamwa: إن الولايات المتحدة قدّمت لبلاده خيارًا مستحيلًا. فإذا قبلت أوغندا شروط الاتفاق الصحي الجديد فإنها ستتيح للولايات المتحدة وصولًا لبيانات الملايين من بني وطنه؛ وهو قرار يخشى أن يجعل معلوماتهم الشخصية أكثر هشاشة أمام الانتهاكات والاستغلال المحتمل.
لكن إن رفضت كمبالا فإن الدولة الشرق إفريقية ستفقد نحو أكثر من بليون دولار كانت ستُسْتخدم في معالجة مرض نقص المناعة المكتسبة والملاريا والسل والأمراض الأخرى، حتى وإن كان مواطنوها يواجهون تهديدات مستمرة من الإيبولا والأمراض الوبائية المميتة الأخرى.
وهكذا وافقت كمبالا على الاتفاق في 10 ديسمبر الماضي. ورأى سيكاموا، المحامي وخبير الحقوق الرقمية في أوغندا أنه “إذا قبلتَ بالصفقة سيتم استغلالك، وإذا لم تقبلها ستموت؛ وهذا هو جوهر الاستعمار الرقمي”.
ولقد واجهت الدول في أرجاء القارة الإفريقية مآزق مشابهة مع عقد الولايات المتحدة سلسلة من المفاوضات السرية، والتي ربطت فيها تقديمها المعونات المساهمة في إنقاذ حياة الأفراد بالوصول إلى بيانات المواطنين الصحية.
وجاءت مثل هذه المفاوضات عقب حلّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي كانت تقدم –خلافًا للتعاقدات الجديدة-، بلايين الدولارات من المعونات بشروط مسبقة قليلة. أما الآن فإن المساعدات ستُقدّم “على نحو يفيد بشكل مباشر الشعب الأمريكي، ويعزز مباشرة مصالحنا الوطنية”؛ حسبما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في سبتمبر 2025.
ورفضت وزارة الخارجية الأمريكية الإفصاح علنًا عن اتفاقات المساعدات ومشاركة المعلومات العالمية التي وقَّعتها مع أكثر من 30 دولة كجزء من مقاربتها الجديدة. لكنّ تحليلًا قامت به منصة ProPublica لتسعة من هذه الاتفاقات تُقدّم إطلالة على المطالب الأمريكية الموسعة للوصول إلى معلومات المرضى ومتلقي الرعاية الطبية، وكذلك على المخاطر المحتملة وأوجه الهشاشة بالنسبة لمواطني هذه الدول التي وقَّعت عليها.

كما راجعت منصة ProPublica اتفاقية مشاركة المعلومات المُوقَّعة مع أوغندا، والتي لم تسبق الإشارة لها؛ واتفاقية بيانات مع كينيا، وستة اتفاقات متعلقة بمشاركة معلومات مسببات المرض التي يمكن أن تؤدي لحدوث جوائح وأوبئة والتي أعلنتها الخارجية الأمريكية منتصف يونيو الجاري.
وفي اتفاق البيانات الموقع مع أوغندا ستحصل الولايات المتحدة على وصول مباشر ولحظي لتسعة من نظم المعلومات الصحية في أوغندا على مدار سبعة أعوام، بما فيها المستودع المركزي الذي يخزن جميع البيانات الصحية، وبيانات المعامل، والبيانات التي يتم جمعها مِن قِبَل العاملين في القطاع الصحي، وكذلك نظم إدارة السجلات الطبية الإلكترونية للأفراد وهي مسألة بالغة الأهمية.
ودعا الاتفاق إلى التشارك في المعلومات المتراكمة مع محو جميع المعلومات التي يمكن تحديدها بشكل شخصي. ويقول الاتفاق بوجوب استخدام البيانات في تقديم خدمات الرعاية الصحية ومراجعتها.
لكن قطاعات واسعة من المحامين وخبراء الخصوصية الرقمية يرون أن هذه الصفقة تثير تساؤلات حول من سيتمكن من الوصول إلى هذا الكَمّ الهائل من البيانات الصحية، وما إذا كان من الممكن الوصول إليها واستغلالها بشكل غير لائق. كما أعرب البعض عن قلقه من أنه فيما يمكن تحليل البيانات التي تم إخفاء هوية أصحابها، فقد تتعرَّض سجلات المصابين بأمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية والسل وأمراض أخرى للاختراق.
وقد وصفت ستيفاني بساكي S. Psaki، التي خدمت كمنسّق أمريكي للأمن الصحي العالمي بقيادة جو بايدن، مقاربة إدارة ترمب “بالأداة الفظة التي قوامها “أعطني فحسب مفتاح المرور لنظم معلوماتك”، ولفتت إلى أن “الولايات المتحدة لم تكن لتقبل مثل هذا الاتفاق إن كان على نحو عكسي”.
وستقدم الولايات المتحدة لأوغندا ما يصل إلى 1.7 مليار دولار على مدى خمس سنوات لدعم الأمن الصحي الشامل، وعلاج الأمراض الفتاكة والوقاية منها، مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية وشلل الأطفال.
وكانت الولايات المتحدة تقدم في السابق هذه المساعدات دون طلب أيّ مقابل مباشر، مما أنقذ حياة ما يُقدّر بنحو 170 ألف أوغندي سنويًّا. ورغم أن هذا الاستثمار كبير، إلا أنه أقل مما أنفقته الولايات المتحدة سابقًا في أوغندا، وسيتناقص سنويًّا طوال مدة الاتفاقية.
وبحلول عام 2030، ستتلقى أوغندا تمويلًا أقل بنسبة 45% في مجال الصحة الشاملة مقارنةً بما كانت عليه عندما تولَّى ترمب منصبه، وذلك وفقًا لتحليلٍ أجراه فينسنت لين من منظمة “شركاء في الصحة” Partners in Health، التي تُقدّم الرعاية الصحية في الدول الفقيرة.
وأكَّدت الخارجية الأمريكية لمنصة ProPublica أنها تحتاج للوصول لهذه البيانات من أجل تحسين المخرجات الصحية في الدول المتلقية وإبقاء الأمريكيين في أمان. كما تتطلب المقاربة الجديدة من الدول الاستثمار أكثر في نُظمها الصحية في مقابل تلقّي المعونات، وهو وعدٌ يُرجّح أن تعاني الكثير من الدول في سبيل الوفاء به.
ويهدف في بعض الحالات، بما فيها حالة الاتفاق مع أوغندا، إلى تعزيز التصنيع المحلي عبر شراكات مع الشركات الأمريكية. وقالت الخارجية الأمريكية: إنها أخذت في حسبانها العديد من العوامل من أجل ضمان أن تكون الاستثمارات المطلوبة من الدول الأخرى “واقعية ويمكن تحقيقها”.
………………………..
[1] Noe Hocjet-Bodin, US deports migrants, including Iranian women, to Central African Republic, Le Monde, June 13, 2026 https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2026/06/13/united-states-deports-migrants-including-iranian-women-to-central-african-republic_6754419_124.html
[2] Olamilekan Okebiorun, South Africa, Nigeria and Kenya absent as Egypt makes list of countries Americans like most, Business Insider Africa, June 15, 2026 https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/south-africa-nigeria-and-kenya-absent-as-egypt-makes-list-of-countries-americans-like/rvjeld8











































