روضة علي عبد الغفار
صحفية متخصصة بالشأن الإفريقي
تأتي الانتخابات الإثيوبية العامة 2026 وسط أجواء هادئة نسبيًا مقارنة بالانتخابات السابقة في 2021 أثناء حرب تيغراي (2020: 2022)، لكنّ هذا الهدوء الظاهري ينطوي على تحدياتٍ مصيرية؛ فبينما يسعى رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تجديد شرعيته السياسية عبر صناديق الاقتراع، تواجه الدولة تحديات أمنية وعرقية واقتصادية قد تهدد بتحويل الانتخابات من محطة ديمقراطية إلى اختبار لوحدة البلاد واستقرارها.
كما أن التوقعات بفوز الحزب الحاكم تثير تساؤلات -تطرحها “قراءات إفريقية” على محللين وخبراء- عن استقرار الدولة وأزمتها السياسية المتصاعدة، بسبب ضعف المعارضة وتشتتها، وما هي معالم السباق الانتخابي في إثيوبيا؟ وما هي أسوء السناريوهات بعد إعلان النتائج؟ وما أبرز نجاحات واخفاقات آبي أحمد والحزب الحاكم؟ وما مدى تأثير هذه الانتخابات الإثيوبية على القرن الإفريقي؟
الانتخابات الإثيوبية.. سباق انتخابي أم استفتاء شعبي؟
تشهد إثيوبيا استعدادات مكثفة لإجراء الانتخابات العامة المقررة غدًا الإثنين، على أن تكون هذه الانتخابات البرلمانية السابعة منذ اعتماد النظام الفيدرالي الحالي بعد 1991م، وسيُنتخب خلالها البرلمان بغرفتيه “مجلس نواب الشعب” لاختيار 547 نائبًا في انتخابات مباشرة، و”مجلس الاتحاد” باختيار 112 ممثلاً في انتخابات غير مباشرة، لتمثيل 12 إقليمًا فيدراليًا إلى جانب مدينتي أديس أبابا ودير داو.
وتُجرى الانتخابات الإثيوبية ضمن نظام برلماني فيدرالي معقّد، حيث تُعد الانتخابات العامة الوسيلة الأساسية لتشكيل السلطة التنفيذية عبر اختيار أعضاء مجلس النواب الفيدرالي، الذي يتولى بدوره تعيين رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.
قد يهمك: لماذا استبعدت لجنة الانتخابات 46 دائرة موزعة بين أمهرة وتيغراي؟
كما أن انتخابات “مجلس الاتحاد” لا تقل عن انتخابات مجلس نواب الشعب؛ إذ تتمثل أهميتها في تحديد موازين القوى داخل الأقاليم والإدارات الفيدرالية المختلفة، والتي تتمتع بسلطة كبيرة على الحكم المحلي والتعليم والصحة وإدارة الموارد؛ لذلك تلعب دورًا أساسيًا في النظام السياسي الإثيوبي القائم على النظام الفيدرالي العرقي.
وتأتي هذه الانتخابات بعد سنوات من الاضطرابات، أبرزها حرب تيغراي التي خلّفت آثارًا سياسية وإنسانية عميقة، إلى جانب أزمات اقتصادية متفاقمة تشمل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

في هذا السياق، يرى الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم الانتخابات القادمة تختلف عن سابقاتها؛ بسبب حجم التحديات والصراعات الداخلية التي تواجهها البلاد، مشيرًا إلى أن المشهد الحزبي الإثيوبي يعيش حالة من الضعف والانقسام غير المسبوق.
ويقول “إبراهيم” في حديثه إلى “قراءات إفريقية” إن عددًا من الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات حديثة التأسيس ولا تمتلك تاريخًا سياسيًا أو قواعد شعبية راسخة، موضحًا أن أغلبها ظهر خلال السنوات الأخيرة في ظل الانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2020.
ويضيف أن المعارضة الإثيوبية تعاني من غياب الأحزاب التاريخية القوية، فضلاً عن الانقسامات التي طالت بعض القوى السياسية بسبب النزاعات الداخلية، ما أدى إلى اختفاء بعض الأحزاب أو انضمام قياداتها إلى أحزاب أخرى.
وبحسب إبراهيم فإن جزءًا من أزمة المعارضة يعود إلى غياب المشروع السياسي الواضح، قائلاً إن بعض الأحزاب ظهرت بدافع “مطالب فردية للوصول إلى السلطة” دون مراجعة حقيقية لأهدافها وبرامجها السياسية، الأمر الذي انعكس على ثقة الشارع الإثيوبي بالأحزاب المعارضة.
ويؤكد أن حالة فقدان الثقة لدى الناخب الإثيوبي أصبحت واضحة، خاصة مع تطور الأحداث السياسية والأمنية في البلاد، معتبرًا أن الحزب الحاكم لا يواجه حتى الآن منافسًا قويًا قادرًا على تهديد نفوذه الانتخابي.
غير أن إبراهيم يحذر من سيناريوهات ما بعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في تكرار أجواء التوتر والتشكيك التي شهدتها البلاد في مراحل سابقة، مع تصاعد الاتهامات المبكرة ضد الحزب الحاكم، وانتقاد بعض الأحزاب لتحركات مجلس الانتخابات الإثيوبي وآليات إدارة العملية الانتخابية.
آبي أحمد وحزب الازدهار.. نجاحات واخفاقات
رغم التحديات المتزايدة لا يزال حزب الازدهار الحاكم بقيادة آبي أحمد الأوفر حظًا للفوز بالانتخابات المقبلة، مستفيدًا من حضوره السياسي الواسع وسيطرته على مؤسسات الدولة.

في هذا الصدد يرى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية، ياسين أحمد، أن فوز الحزب الحاكم يعكس مشهدًا مركبًا يجمع بين الاستقرار المؤسسي والتحديات الهيكلية، موضحًا أن حزب الازدهار نجح في ترسيخ مشروع سياسي يسعى إلى الانتقال من التحالفات الإثنية التقليدية إلى مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.
وفي حديثه إلى “قراءات إفريقية”، يشير إلى أن الحزب الحاكم استطاع تعزيز شرعيته عبر الانتخابات، رغم مقاطعة بعض أحزاب المعارضة في عدد من الأقاليم، مؤكدًا أن استمرار الحزب في الحكم يعكس أيضًا رغبة قطاع من الناخبين في الحفاظ على الاستقرار التنموي.
لكن هذا الاستقرار -بحسب قوله- في حالة اختبار دائم بسبب استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، ما يجعل البلاد بين مشروع الدولة الموحدة وتحديات الانقسام العرقي والسياسي.
وحول شعبية آبي أحمد، يرى المتحدث أنها لم تعد كما كانت في الفترة الأولى بعد وصوله إلى السلطة بين عامي 2018 و2019، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية والتضخم وتداعيات النزاعات الداخلية أثرت على حجم التأييد الشعبي، وإن ظل الرجل محتفظًا بصورة “مهندس الإصلاحات” لدى قطاعات واسعة.
ويستشهد ياسين أحمد بأبرز النجاحات التي حافظت على حضور آبي أحمد سياسيًا، وفي مقدمتها الإصلاحات الاقتصادية، وتحرير قطاعات الاتصالات والطيران، إلى جانب استكمال المراحل الكبرى من مشروع سد النهضة، وإطلاق مبادرة “الإرث الأخضر”، فضلاً عن مشاريع البنية التحتية والتطوير العمراني في العاصمة أديس أبابا، حسب قوله.
كما يعتبر توقيع “اتفاق بريتوريا للسلام” عام 2022 لإنهاء حرب تيغراي أحد أهم الإنجازات السياسية للحكومة الحالية، لما مثله -بحسب تفسيره- من انتقال نحو الحلول السياسية بعد سنوات من الحرب.
مع ذلك، يعتقد ياسين أحمد أن حكومة آبي تواجه ملفات شائكة، أبرزها الأزمة الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وملف البطالة، إضافة إلى تحديات بسط سيادة القانون ونزع سلاح المليشيات المسلحة، والتعامل بحكمة مع التوترات العرقية والإثنية، وتعزيز الحوار الوطني الشامل لإدماج كافة الأطياف السياسية، والانتقال من مجرد الفوز الانتخابي إلى بناء توافق وطني مستدام.
ويؤكد أن بلاده تعيش مرحلة سياسية مفصلية، موضحًا أن نجاح “اللجنة الوطنية للحوار” قد يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء التوافق الوطني وانهاء الخلافات التاريخية عبر طاولة المفاوضات لا عبر فوهات البنادق.
يشار إلى أن اللجنة الوطنية للحوار، هيئة مستقلة أعلنت عنها الحكومة الإثيوبية في خضم حرب تيغراي؛ بهدف تحقيق “المصالحة والسلام” في البلاد من خلال الحوار الشامل.
إثيوبيا وتحديات الداخل والخارج
تواجه إثيوبيا اليوم حزمة معقدة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية تجعلها تقف أمام مرحلة مصيرية، وكونها دولة محورية في منطقة القرن الإفريقي فإن أي تحولات سياسية أو أمنية تشهدها البلاد تنعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة بأكملها.
وفي خضم الجدل السياسي المتصاعد يعود النقاش مجددًا حول مستقبل النظام الفيدرالي القائم على القوميات، والذي تأسس بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1991م.

في هذا الصدد يرى مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات، د. محمد صالح عمر، أن إثيوبيا تمر حاليًا بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، في ظل توجه رئيس الوزراء آبي أحمد نحو نقل البلاد من النظام الفيدرالي القائم على الأسس القومية والإثنية إلى نموذج أكثر مركزية.
ويشير “صالح” إلى أن واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الحكومة الحالية تتمثل في غياب الحوار الوطني والاستفتاء الشعبي حول طبيعة النظام الجديد المقترح، معتبرًا أن التحولات الكبرى المتعلقة بهوية الدولة وشكل الحكم تحتاج إلى توافق وطني واسع.
من غرفة الأخبار: دليل “قراءات” لفهم انتخابات إثيوبيا 2026
وفي حديثه إلى “قراءات إفريقية”، يوضح صالح أن فقدان بعض الجماعات للمزايا والحقوق التي كانت تتمتع بها في ظل النظام الفيدرالي دفعها إلى معارضة الحكومة، بل والدخول في مواجهات مسلحة معها في عدد من الأقاليم غير المستقرة، مثل تيغراي وأمهرة، بسبب مخاوف متزايدة من توجهات الحكومة المركزية.
ويرى صالح أن تنظيم الانتخابات في ظل استمرار الحروب وخروج مساحات واسعة من البلاد عن نطاق السيطرة يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل الاستقرار السياسي في إثيوبيا.
ورغم إقراره بأن البلاد حققت إنجازات اقتصادية وتنموية مهمة، مثل التقدم في قطاع الزراعة ومشروع سد النهضة، إلا أنه يؤكد أن إثيوبيا تواجه في المقابل خلافات سياسية حادة تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم، وسط مخاوف من إقصاء بعض الجماعات والتغول على حقوقها السياسية.
ولا تتوقف أهمية الانتخابات الإثيوبية عند حدود الداخل فقط، بل تمتد تداعياتها إلى منطقة القرن الإفريقي بأكملها، التي تعيش أصلا حالة من الهشاشة الأمنية والسياسية، حسب صالح.
كما ربط بين فرص نجاح الانتخابات في تحقيق الاستقرار داخل إثيوبيا، وانعكاس الأمر بشكل مباشر على استقرار المنطقة، وفي الوقت ذاته لم يخف قلقه من أن استمرار حالة عدم اليقين والحروب الداخلية قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الإقليمية.
ويعتقد المتحدث أن استمرار الأزمة الإثيوبية قد يسهم في ظهور جماعات مسلحة جديدة، وازدهار تجارة السلاح غير الشرعي، خاصة في منطقة يراها “مشتعلة للغاية”، في ظل الأزمات المتواصلة في الصومال والسودان وجنوب السودان.
كما يرى قدرة الإثيوبيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية والتوجه نحو الاستقرار “مساهمة حاسمة” في حماية منطقة القرن الإفريقي من موجة جديدة من الحروب والاضطرابات.
ختامًا.. فإن الانتخابات الإثيوبية المقبلة ليست مجرد منافسة سياسية على السلطة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تجاوز سنوات من الصراع والانقسام، وتتجه أنظار الداخل والخارج إلى أديس أبابا لمعرفة ما إذا كانت هذه الانتخابات ستفتح باب الاستقرار السياسي، أم ستقود إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من الانقسام والصراع؟
أحدث المقالات:
- الانتخابات الإثيوبية 2026.. استقرار أم أزمة سياسية؟
- مدغشقر: محاكمة أربعة قضاة بالمحكمة الدستورية بتهمة التآمر على الدولة
- أحداث كراهية الأجانب تهدد مكانة جنوب إفريقيا كوجهة سياحية رائدة
- انخفاض التعهدات التمويلية لمكافحة تفشي الإيبولا إلى النصف
- أكثر من نصف سكان جنوب السودان يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي










































