في تصعيد لافت يعكس توترًا متناميًا في العلاقات بين واشنطن ولوساكا، تفجّر خلاف حاد حول اتفاق تمويل صحي تتجاوز قيمته مليار دولار، وسط اتهامات بربط المساعدات الطبية الحيوية بإتاحة الوصول إلى الموارد المعدنية في زامبيا.
وبينما تنفي الولايات المتحدة هذه الاتهامات وتصفها بـ”الباطلة”، تشير مسارات التفاوض وتعثر إبرام مذكرة تفاهم قبل نهاية أبريل 2026 إلى تداخل متزايد بين الدعم الصحي والاعتبارات الاستراتيجية الأمريكية، فيما بات يُعرف بمعادلة “الدواء مقابل المعادن”.
الدواء مقابل المعادن
بحلول 30 أبريل الماضي، فشلت واشنطن ولوساكا في إبرام مذكرة تفاهم جديدة لتنظيم أكثر من مليار دولار من التمويل الصحي الأمريكي، حسب تقرير لوكالة “رويترز”.
ونتيجة لذلك، استمر الدعم الأمريكي لبرامج حيوية مثل مكافحة فيروس نقص المناعة (الإيدز)، والملاريا، وصحة الأم والطفل لكن دون إطار مؤسسي منظم، وهو ما وصفه السفير الأمريكي المنتهية خدمته مايكل غونزاليس بأنه وضع “يهدد تقديم الخدمات الأساسية”.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الإطار القانوني، بل في الشروط التي أحاطت بالمفاوضات.
كشف الحقيقة في زامبيا
في أواخر مارس، كشفت ملامح المقترح الأمريكي الذي تعهد بضخ نحو 320 مليون دولار في النظام الصحي الزامبي خلال 2026، مقابل توقيع اتفاق ثنائي يتضمن -ضمنيًا أو صراحة- بنودًا تتيح الوصول إلى الموارد المعدنية، خاصة النحاس والكوبالت.
هذا الربط بين التمويل الصحي والموارد الاستراتيجية فجّر موجة انتقادات حادة. فاعلون في القطاع الصحي وصفوا الطرح بأنه “ابتزاز مالي”، بينما اعتبره نشطاء حقوقيون محاولة لإخضاع السيادة الاقتصادية الزامبية لمنطق المقايضة.
الأهم أن هذه الانتقادات لم تكن مجرد خطاب سياسي؛ إذ أشارت تقارير إلى أن مسودات الاتفاق تضمنت إمكانية وقف التمويل في حال عدم التوصل إلى تفاهمات أوسع، ما يعني عمليًا إدخال البرامج الصحية في دائرة التفاوض حول المعادن.
ما تقوله الوثائق
رغم نفي واشنطن القاطع -ووصفها الاتهامات بأنها “باطلة تمامًا”- تكشف تفاصيل التفاوض عن صورة أكثر تعقيدًا:
- إدراج بنود تربط استمرار التمويل الصحي بالتقدم في “اتفاق ثنائي” منفصل
- إمكانية إعادة تقييم المساعدات إذا لم يتم التوصل لهذا الاتفاق ضمن إطار زمني محدد
- دمج قضايا خارج القطاع الصحي (مثل الشراكات التعدينية) في سياق مذكرة التفاهم الصحية
هذا النمط لا يمثل ربطًا مباشرًا فحسب، بل “تشبيكًا تفاوضيًا” يجعل الصحة جزءًا من حزمة أوسع، وهو ما يفسر حساسية الردود داخل زامبيا.
من المساعدات إلى المشروطية
خطاب السفير غونزاليس الوداعي لم يكن دبلوماسيًا تقليديًا، بل أقرب إلى بيان اتهام شامل. فقد تحدث عن:
- “سرقة منهجية” للأدوية الممولة أمريكيًا
- خسارة زامبيا أكثر من 4 مليارات دولار سنويًا عبر تدفقات مالية غير مشروعة
- غياب المساءلة رغم حجم الفساد
- فشل الحكومات المتعاقبة في بناء نظام صحي مستدام رغم مليارات الدولارات من الدعم
في هذا السياق، اعتبر مراقبون الربط بين المساعدات وشروط أوسع -بما فيها الاقتصادية- من منظور واشنطن أداة لضمان “الملكية المحلية” ووقف الاعتماد المزمن على التمويل الخارجي.
لكن المشكلة أن هذه المقاربة، حتى لو لم تُصغ رسميًا كـ”مقايضة”، تُقرأ محليًا كضغط سياسي.
The outgoing American ambassador to Zambia, Michael C. Gonzales, has accused President Hakainde Hichilema’s government of corruption and dishonesty, stating that Hichilema’s fight against corruption is bogus and is selectively used to arrest and persecute political opponents. He… pic.twitter.com/g09qZm0umV
— Hopewell Chin’ono (@daddyhope) May 1, 2026
سيادة لوساكا
في المقابل، لم ترفض زامبيا المساعدات بقدر ما رفضت شروطها. اعتراضها في فبراير 2026 على بعض بنود الاتفاق جاء بدعوى عدم توافقها مع “الأولويات الوطنية”، وهو تعبير دبلوماسي يعكس رفض إدخال ملفات سيادية -مثل الموارد- في اتفاق صحي.
كما أن متطلبات التمويل المقابل (حوالي 340 مليون دولار) تمثل عبئًا إضافيًا على اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط مالية، ما يعزز حساسية أي شروط إضافية، حسب تقرير سابق لوكالة رويترز.
اللافت أن الرد الزامبي الرسمي بقي حذرًا، مكتفيًا بالتأكيد على “الانفتاح على الحوار”، دون الانخراط في سجال علني، رغم التصعيد الأمريكي.

ممر لوبيتو.. ما وراء الأزمة!
لا يمكن فهم هذا الجدل خارج سياق التنافس الدولي على المعادن الحيوية. فالنحاس والكوبالت -اللذان تمتلك زامبيا احتياطيات كبيرة منهما- يشكلان عنصرًا أساسيًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا.
وبالتالي، فإن إدخال هذه الموارد في أي إطار تفاوضي، حتى بشكل غير مباشر، يعكس تحول المساعدات إلى أداة ضمن استراتيجية أوسع لتأمين سلاسل التوريد.
ويمكن إعادة تقييم جدل معادلة “الدواء مقابل المعادن” بوضعها في سياق أوسع، التنافس الدولي على المعادن الحيوية، حيث تبرز زامبيا كحلقة مركزية.
في هذا الإطار، يكتسب ممر لوبيتو (Lobito Corridor) أهمية خاصة. فالمشروع -المدعوم من الولايات المتحدة- يهدف إلى ربط مناطق التعدين في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بميناء لوبيتو في أنغولا، بما يسمح بتدفق النحاس والكوبالت نحو الأسواق العالمية عبر مسار بديل للمسارات التقليدية.
هذا الممر لا يمثل مجرد مشروع بنية تحتية، بل أداة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي رسخت حضور بكين في قطاعي التعدين والنقل داخل إفريقيا.
وفي ظل هذا التنافس، تصبح الموارد الزامبية -خصوصًا النحاس والكوبالت- أكثر من مجرد أصول اقتصادية؛ بل أوراقًا استراتيجية في صراع عالمي على:
- تأمين سلاسل التوريد
- تقليل الاعتماد على الصين
- إعادة توزيع النفوذ في القارة الإفريقية

نقلاً عن:











































