سماء جمال جاد الكريم
تشهد البيئة الدولية تغيرات متسارعة في السنوات الأخيرة، تتسارع فيها وتيرة المنافسة بين القوى الكبرى، مع انفجار توترات ملتهبة، بدءاً من الحرب الروسية-الأوكرانية مروراً بالسودان والكونغو وفلسطين، وأخيراً الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، في حالةٍ تسارعت فيها وتيرة البيانات المنددة والداعمة لأطراف الصراع، لكن ما يلفت الانتباه بشكلٍ ملحوظ هو غياب البيانات والتصريحات الرسمية لقادة دول تحالف الساحل AES؛ حيث خيم عليها حالةٌ من الصمت دون تسجيل موقف علني واحد منذ بدء العمليات العسكرية على طهران في 28 فبراير الماضي حتى وقتنا الحالي.
يعكس تجنب صدور أي موقف رسمي عن دول تحالف الساحل تبنّيها نمطاً أوسع من الصمت المحسوب، أو ما يُعرف بالصمت الإستراتيجي، لتجنب الإضرار بعلاقاتها مع الغرب والمحافظة على حليفها الأيديولوجي، في ظل مساعي إعادة بناء التعاون الأمني والانكفاء على أزماتها الداخلية.
تحاول هذه الورقة تناول كيف تحاول دول تحالف الساحل إدارة التناقضات في ظل العلاقات المتشابكة والمعقدة مع أطراف الصراع، وكيف تؤثر التحديات الداخلية والخارجية في دفعها لانتهاج هذا النوع من الدبلوماسية، مع إعادة ترتيب علاقاتها الدولية دون إدراج الحرب ضمن خطابها الرسمي. وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: الدبلوماسية الهادئة.
ثانياً: موقف دول تحالف الساحل.
ثالثاً: الصمت خيار عقلاني لإدارة التناقضات.
رابعاً: تكلفة التخلي عن الصمت.
أولاً: الدبلوماسية الهادئة:
يشير مفهوم «الدبلوماسية الهادئة» إلى نهج دبلوماسي يتضمن التواصل منخفض الظهور بين الأطراف، من خلال تجنب التصريحات العلنية أو المواقف الصدامية في القضايا الدولية الحساسة، مع تفضيل قنوات اتصال غير مباشرة لإدارة العلاقات الدولية بأسلوب حذر وبراغماتي. وغالباً ما تلجأ الدول الصغيرة أو المتوسطة إلى هذا النمط من الدبلوماسية لتفادي الضغوط السياسية والاقتصادية جراء الانخراط المباشر في الصراعات، أو لإيجاد أرضية مشتركة تحافظ من خلالها على مصالحها، وتتنصل منها من أي التزامات مستقبلية[1].
وقد تطول قائمة الدول التي تمارس هذا النوع من الدبلوماسية في تاريخ العلاقات الدولية، على سبيل المثال: حياد جنوب إفريقيا في أزمة زيمبابوي، وإتاحة المرونة للموقف الإثيوبي في أزمات القرن الإفريقي. لذلك لم تكن دول تحالف الساحل من أُولى الدول المبادِرة بالدبلوماسية الهادئة، ولكن تأتي أهمية دراسة حالتها في إطار موقفها الأيديولوجي المناهض للغرب والتقارب النشط مع إيران في الفترة الأخيرة[2].
ثانياً: موقف دول تحالف الساحل:
اتبعت دول تحالف الساحل سياسة الدبلوماسية الهادئة المتعمدة منذ اليوم الأول للحرب، تجلى ذلك في الغياب الكامل لأي مواقف رسمية أو حتى رمزية، وهو ما يعكس إدراكاً لتكلفة الاصطفاف مع أي طرف في بيئةٍ دولية شديدة الاستقطاب.
مع ملاحظة البيانات الواردة منذ بدء الهجوم؛ نجد استبدال الخطابات الثورية بالصمت الإستراتيجي، مع التأكيد على تجنب الإعلان الرسمي لموقفها تجاه الحرب في الشرق الأوسط، وسرعة رد الشائعات ونفيها من قِبَل خدمة الاتصال في الدول الثلاث بعد رواج منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل توقيع إبراهيم تراوري نصّ على: «تضامن دول الاتحاد النيجر ومالي وبوركينا فاسو مع إيران، ورفضه أي هجوم موجه لدولة حليفة واعتباره تهديداً للمصالح الإستراتيجية للمنظمة»[3].
تضامناً مع هذا السياق؛ اكتفت دول تحالف الساحل بإشارات ضمنية تضمن لها إدارة علاقاتها مع أطراف الصراع دون الخوض أو التحدث عن العمليات العسكرية لأي طرف بإدانةٍ أو تأييد، وقد ظهر هذا الموقف من خلال زيارة رئيس الوزراء الانتقالي الجنرال عبد الله ميغا للسفارة الإيرانية، في الخامس من مارس الماضي، لتقديم التعزية في وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، ووصفه بأنه «شهيد دافع حتى آخر أنفاسه عن المصلحة العليا للبلاد والشعب الإيراني»، وقد اتبعت النيجر نفس الموقف في السابع من مارس دون ذكر العمليات العسكرية على إيران أو إدانة الأطراف الأخرى، مع عدم إبداء بوركينا فاسو أي تحركات دبلوماسية[4].
ثالثاً: الصمت خيار عقلاني لإدارة التناقضات:
تُمثل إفريقيا ولا سيما منطقة الساحل ساحة تنافسٍ بين قوىً دولية، وترتبط بعلاقات متداخلة بين أطراف متعددة في هذا الصراع، تشمل دول الخليج كشركاء اقتصاديين واستثماريين، والولايات المتحدة، وبدرجاتٍ أقل إسرائيل، إضافةً إلى قوى إقليمية أخرى كإيران وإن كانت ذات حضور سياسي وأمني محدود.
هذا التنافس على النفوذ يفرض ضغوطاً إضافية على دول تحالف الساحل، التي تسعى إلى الموازنة بين حماية مصالحها وتجنّب الانخراط في صراعات شركائها الدوليين، خصوصاً في ظلّ هشاشة داخلية تعانيها الأنظمة خلقتها الصراعات والانقلابات، لذلك يلعب الصمت دوره باعتباره الحل الأمثل دون تكبد خسائر تنتج عن التصريحات، كما يأتي:
1- فقدان هامش المناورة:
إن اتخاذ دول تحالف الساحل موقفاً يُدين الهجمات الإيرانية على الخليج من شأنه أن يضع قادتها في موقفٍ داخلي حساس، حيث تستخدم السلطات في الوقت الحالي الحشد الشعبي الرافض للنفوذ الغربي في اتجاهين: الأول لتثبيت أركان الحكم، والثاني لسحب ورقة رابحة من يد الجماعات الإرهابية قد تستغلها للحشد الشعبي ضد الحكومات في المنطقة مما يرفع من حدة الأزمة الداخلية.
على الهامش الآخر، بعد تزايد حدة التوترات بين الغرب ودول تحالف الساحل مؤخراً، أصبحت الحاجة مُلحة لفتح قنوات أخرى مع فاعلين بديلين والهروب من خيار الشريك الواحد لتعزيز قدرة البلاد على التفاوض، ما جعل معيار السيادة بالمنطقة يُقاس بإمكانية القدرة على اختيار الأولويات بالداخل، فخسارة الطرف الإيراني تعني خسارة حليف أيديولوجي مناهض للغرب وخسارة بديل متاح في مجالات الأمن والطاقة والتعدين[5].

على الرغم من محدودية الدور الإيراني في الداخل، وأن دخولها الحرب من المرجح أن يقلص قدرة طهران على الوفاء بتقديم الدعم العسكري والاقتصادي، فإن إيران لا تزال تنظر للمنطقة باعتبارها أحد المنافذ لكسر الحصار والالتفاف على الضغوط الدولية، وهو ما يجعلها تحافظ على الحد الأدنى من درجات حضورها على الأقل لتنفيس اقتصادها في المنطقة دون الانسحاب الكامل. ومن ثَمّ تبقى العلاقات قائمةً والخيار الإيراني متاحاً لدول تحالف الساحل، فكسبها يحد من أضرارها من خلال الوكلاء في المنطقة، ويضمن للتحالف هامشاً من المناورة مع الغرب.
2- المخاطرة بخسارة الغزل الأمريكي الجديد:
أحد أبرز الأسباب التي جعلت دول تحالف الساحل تخطو خطوةً إلى الوراء هو تحوّل سياسة واشنطن داخل منطقة الساحل منذ منتصف 2025م إلى إجراءاتٍ أكثر واقعية، جاءت في إطار مبادرة نيك تشيكر Nick Checker التي تقوم على التعاون الأمني والاستخباراتي والمراقبة والاستطلاع ISR دون شروط ديمقراطية مسبقة، رفعت الإدارة الأمريكية من خلالها العقوبات عن قادة عسكريين من مالي، وأعادت ضخ المساعدات المالية والصحية في النيجر، مع استئناف عمليات التعاون في مكافحة الإرهاب والتفاهم بشأن إزالة التعليق على تصدير الأسلحة في بوركينا فاسو [6]. وهو ما حفز جنرالات الساحل إلى التخلي قليلاً عن شعارات رفض النفوذ الغربي وإدانته؛ مقابل طورٍ جديد من العلاقات العسكرية والاقتصادية بعد أن وصلت لحافة الهاوية في السنوات الأخيرة خصوصاً في المجال الأمني.
3- توازنات الخليج:
لا يتوقف المشهد بطبيعة الحال عند واشنطن وطهران، بل يمتد إلى دول الخليج التي قد تفوق بصمتها المالية والإستراتيجية الجهود الإيرانية في المنطقة، حيث ضخت دول مجلس التعاون الخليجي بين عامي 2022-2023م حوالي 113 مليار دولار من الاستثمار المباشر في القارة، تركز تلك الاستثمارات على مجالات الطاقة والمناخ والبنية التحتية، كما تتسم بالمرونة وسرعة التمويل لملء الفراغ السياسي والرأسمالي بالمنطقة في الفترة الأخيرة، ومن ثَمّ فخسارة الخليج تعني خسارة شريك حيوي[7].

رابعاً: تكلفة التخلي عن الصمت:
في حالة دول تحالف الساحل، وما يشوبها من تحديات أمنية وداخلية وعلاقات متشابكة ومعقدة خارجياً مع أطراف الصراع، قد يبقى خيار الدبلوماسية الهادئة هو الحل الأنسب لتفادي أي التزامات وخسائر مستقبلية قد تنتج عن انحيازها لأحد الأطراف؛ نظراً لعدة عوامل أبرزها ما يأتي:
1- تراجع اليقين في النظام الدولي:
يعاني العالم في السنوات الأخيرة من ضعف فاعلية المؤسسات الدولية خاصةً عند التصادم بمصالح الدول الكبرى، حيث نرى عجز منظمة التجارة العالمية عن وقف الحرب التجارية بين واشنطن والصين، وعجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن فرض العقوبات على الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، وأخيراً ما زالت أمريكا تحافظ على الهيمنة على الدول الهشة على الرغم من صعود قوى أخرى منافسة، حيث تفرض الولايات المتحدة مصالحها بالإكراه، إذا لم يكن بالتفاوض، فما زالت قادرةً على فرض عقوبات على الدول، وقادرة على تهديد أي دولة معادية، كما أطاحت مؤخراً بالرئيس مادورو في كاراكاس، وأخيراً شنت هجوماً على إيران، إضافةً إلى تنصلها من التزاماتها الدولية.
قد يُسهم تراجع النظام الدولي وخضوعه لمصالح الدول الأقوى حالياً في تعرّض دول تحالف الساحل لمأزقٍ يتمثل في سيلٍ من العقوبات ورفع التمويلات عنها في حالة اتخاذها موقفاً يدعم أيديولوجيتها تجاه إيران، وعليه فإن تجنب الموقف العلني يعطي لها مساحةً من المناورة، حيث قد تستخدم واشنطن الرسوم الجمركية كأداة عقابية ضد الدول المتعاونة مع إيران والداعمة لموقفها مع عودة التوتر مرّةً أخرى وسحب التعاون الأمني، كما حدث مع جنوب إفريقيا بعد أن رفع الرئيس دعوة قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بشأن حملتها العسكرية على غزة، فأدى ذلك إلى قطع التمويلات الأمريكية عن دولة جنوب إفريقيا وطرد سفيرها، فضلاً عن فرض رسوم جمركية أعلى على صادراتها[8].
2- تجنب الاستقطاب والحفاظ على الشركاء:
تسعى دول تحالف الساحل الثلاث (النيجر، ومالي، وبوركينا فاسو) إلى الحفاظ على استقرارها الداخلي دون وضع البيض كله في سلة واحدة، مع تجنب الانخراط في استقطابات حادة قد تضر بمصالحها على المدى البعيد، إضافةً إلى انتهاج سياسات متوازنة بين أطراف الصراع، لذلك تظهر الدبلوماسية الهادئة بوصفها خياراً عقلانياً لا حياداً سلبياً يضمن لها المحافظة على تنويع شركائها، وذلك للتعاطي مع التحولات الدولية في بيئةٍ تتسم بضبابية المشهد وعدم اليقين والتنصل من الانضمام لمحور أحد الأطراف.
3- الدروس المستفادة من الأزمات السابقة:
على الجانب الآخر، تحاول دول تحالف الساحل تجنب تكرار أخطاء الماضي، حتى لا تدفع تكلفة حرب ليس لها فيها ناقة ولا جمل، يرجع هذا إلى إدراك القادة الأفارقة دروس الإهمال من الغرب وتقديم الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية الأقرب جغرافياً على حساب الأزمات الإفريقية، لذلك بدأت هذه الدول تنتهج سياسة تنويع الشراكات مع مختلف الفاعلين الدوليين، وعدم الاعتماد على فاعل دولي واحد قد تؤثر خسارته أو انسحابه في حدة الأزمات الداخلية، خصوصاً الأمنية منها، وقد تعزز هذا التوجه بعد مرور العالم بأزمات كوفيد19 والحرب الروسية–الأوكرانية، فالمصالحة الوطنية ولا سيما في باماكو ونيامي ترجّح كفة تأمين الدعم العسكري والاقتصادي من الجميع.
4- أولوية الأمن الداخلي:
تحاول دول تحالف الساحل معالجة مجموعة من التحديات التي تخل باستقرارها السياسي وتخلق لها أزمات نظامية، من خلال الحصول على المساعدات الأجنبية في مختلف المجالات ولا سيما القطاع الأمني ومكافحة الإرهاب، بعد أن تحولت منطقة الساحل إلى مركز جديد للصراعات وبث التهديدات في مثلث الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. لذلك تتركز اهتمامات المنطقة مؤخراً على محاولات الحصول على الدعم، وفتح المجال لشركاء بديلين بعد التوتر مع الغرب.
وعلى الرغم من أن المنابر صدحت بخطابات السيادة والعداء للغرب؛ فإن السياسة المتوازنة والحاجة للخبرات الاستخباراتية والأمنية وأدواتها لمواجهة التهديدات الداخلية تبرر موقفهم لرفض الانحياز لأحد الأطراف، لذلك يبقى القضاء على التنظيمات المسلحة ضرورة ملحة للداخل أكثر من تقديم مواقف علنية قد تستخدمها الجماعات الإرهابية لتحسين موقفها التفاوضي أو حشد الشعب ضد السلطات.
ختاماً:
لا يعكس صمت دول تحالف الساحل غياباً للموقف، بل يُمثل إستراتيجية واعية لإدارة التوازنات الدولية، في ظل هشاشة داخلية وضغوط خارجية متزايدة، تتجاوز البراغماتية والأيديولوجيات التي لطالما حركت المنطقة، حيث يتحول الصمت من حالة سلبية إلى أداة فاعلة في السياسة الخارجية، وقدرة على المناورة لحقن أزمات الداخل، فمن خلالها تحاول المنطقة اللعب على طرفي الحبل من خلال كسب الحشد الشعبي، وتثبيت أركان الحكم دون خسارة مصالحها الإستراتيجية مع طرفي الصراع.
————————
المراجع:
[1] Quiet Diplomacy, Diplo, at:
https://www.diplomacy.edu/topics/quiet-diplomacy/?utm_source=chatgpt.com
[2] Kusin Dlamini, Is Quiet Diplomacy an Effective Conflict Resolution Strategy?, SA Yearbook of International Affairs, p.72, at:
https://saiia.org.za/wp-content/uploads/2008/05/16-Dlamini.pdf
[3] Cédric Amoussou,Guerre en Iran: le Burkina dément un communiqué attribué à l’AES, La Nouvelle Tribune, at:
[4] David Baché,Les États de l’AES ne réagissent pas à l’attaque de l’Iran par les États-Unis et Israël, RFI, at:
[5] Michael W. Wilson, A New Axis of Instability: Iran’s Africa Strategy and Gulf Security Risks, Gulf research center, p.2-3, at: https://www.grc.net/documents/68c80fb3a5c5aANewAxisInstability2.pdf.
[6] Liam karr and others , Sudan War Continues Despite Iran War, Peace Efforts: Africa File, March 19, 2026,Critical threads, at: https://www.criticalthreats.org/analysis/sudan-rsf-saf-sahel-drc-iscap-uganda-nigeria-boko-iswap-mali-fla-jnim-africa-file-march-26-2026?utm_source=chatgpt.com
[7] Maddalena and others, Diversification nations: The Gulf way to engage with Africa, European council on forging relation, at:
https://ecfr.eu/publication/diversification-nations-the-gulf-way-to-engage-with-africa/
[8] Op.cit, p.6.










































