بقلم: جاكي سيلييرز Jakkie Cilliers
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– يتجه التجنيد العسكري نحو ديناميكيات «عرض وطلب» تشبه تلك التي تحكم الهجرة المدنية العالمية.
– في نوفمبر 2025م، كشف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها عن مشاركة أكثر من 1400 إفريقي من 36 دولةً في القتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا، محذراً من مخاطرهم الشديدة.
– تُبرز معاهدة الدفاع المشترك الأسترالية-بابوا غينيا الجديدة (أكتوبر 2025م) هذه الديناميكيات، إذ تسمح بتجنيد حتى 10 آلاف مجند بابوي في أستراليا (أكثر من 10% من قوات أستراليا)، مدفوعةً بفجوة عمالة إقليمية وإستراتيجية لمواجهة نفوذ الصين.
– تشبه تركيبة بابوا غينيا الجديدة إفريقيا جنوب الصحراء: شباب متنامٍ، وبطالة مرتفعة، مقابل شيخوخة سكانية في أوروبا وأستراليا.
– يتكرر النمط في اتفاقيات العمالة المدنية، كاتفاقية كينيا-ألمانيا (2024م) لاستقدام آلاف العمال المهرة الكينيين إلى سوق ألماني متقلص.
– يفاقم نقص الاستثمار الأمني في إفريقيا جنوب الصحراء عدم الاستقرار، مما يعيق التنمية؛ فإمداد قوات قتالية يُقدّم مكاسب ملموسة لتلك الدول.
* * *
باتت عمليات التجنيد العسكري محكومةً إلى حدٍّ متزايد بآليات العرض والطلب، مما يعكس ديناميكيات موازية لتلك التي تقود حركة الهجرة المدنية عبر العالم. وفي هذا السياق؛ كشف وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، في نوفمبر 2025م، عن انخراط أكثر من 1400 مواطن من 36 دولةً إفريقية في القتال إلى جانب القوات الروسية، محذراً من المخاطر المحدقة بهم. ورغم أن دوافع البعض قد تبدو أيديولوجيةً؛ فإن «المحرك الاقتصادي» يظل هو العامل الحاسم؛ إذ تدفع البطالة المستشرية في بلدانهم الأم والحوافز المالية المغرية بهؤلاء نحو ساحات المعركة، وغالباً ما يتم استدراجهم عبر معلومات مضللة تُغفل حقيقة كُلفة بقائهم على قيد الحياة.
يُشير هذا التحول إلى أن قطاع الدفاع لم يعد بمعزل عن قوانين السوق التي تُهيمن على سوق العمل المدني. وعلى الرغم من التباين المؤسسي والأخلاقي بين النمطين؛ فإن الفجوة الديموغرافية العميقة، بين الدول «المُسِنّة» وتلك التي تزخر بالشباب، تعيد صياغة معادلات التعاون الأمني والدفاعي. وتُجسّد «معاهدة الدفاع المشترك» الموقعة في أكتوبر 2025م بين أستراليا وبابوا غينيا الجديدة هذا الاتجاه بوضوح، إذ تنص الاتفاقية على دمج الكوادر البابوية في القوات الدفاعية الأسترالية، مع استهداف استيعاب نحو 10,000 مجند، أي ما يفوق 10% من إجمالي القوة الدفاعية الأسترالية (بما في ذلك الأفراد الدائمون والاحتياط).
من المتوقع تقلص القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي بمقدار 24 مليون شخص خلال الـ25 عاماً المقبلة:
ويرتكز الدافع الإستراتيجي لأستراليا على تعزيز موقفها الجيوسياسي في مواجهة النفوذ الصيني، نظراً لحساسية المضيق البحري الفاصل بين البلدين (150 كم فقط). بيد أن الاتفاقية تعكس في جوهرها «واقعية الاقتصاد السياسي» وتوازنات العرض والطلب في سوق العمل الإقليمي، ولا سيما مع توقعات بانكماش القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي بمقدار 24 مليون نسمة خلال العقود القادمة.
تتماثل التركيبة السكانية لبابوا غينيا الجديدة مع نظيراتها في إفريقيا جنوب الصحراء من حيث «الانفجار الشبابي» وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يتناقض مع تراجع عدد السكان في سن العمل في أوروبا وأستراليا. ومن هنا؛ يكتسب توفير 10 آلاف وظيفة عسكرية أهميةً قصوى لبابوا غينيا لاستيعاب الشباب الذي يُشكل عبئاً أمنياً محتملاً، وتمكينهم من اكتساب مهارات قيادية وتقنية وتنظيمية.
وفي هذا الصدد؛ ترى المحللة سيرينا ساسينيان من معهد «لوي»: أن الاتفاقية تمنح بابوا غينيا الجديدة الأدوات اللازمة لمعالجة «أخطر تهديداتها الداخلية المتمثلة في شريحة الشباب المحرومة من الفرص». وهو ما أيده وزير الدفاع البابوي بيلي جوزيف، مشيراً إلى سعة الاستيعاب الأسترالية للأعداد المطلوبة.
علاوةً على ذلك؛ تُعدّ برامج تنقل العمالة المنظمة التي استفادت منها دول المحيط الهادئ (مثل ساموا وتونغا وفيجي) مع أستراليا ونيوزيلندا نموذجاً ناجحاً ساهم في خفض البطالة وتعزيز التحويلات المالية كشريان حياة للاقتصادات المحلية. وهو سيناريو يتكرر بصيغ متباينة في كلٍّ من إفريقيا جنوب الصحراء والاتحاد الأوروبي، وإن كانت الضغوط التنافسية والتحديات الديموغرافية أكثر حدة في الساحة الأوروبية.
يُعدّ نقص الاستثمار في الأمن في إفريقيا جنوب الصحراء أحد أسباب عدم استقرارها:
تسري هذه الديناميكية نفسها على المشهد الخاص باتفاقيات العمل المدني؛ فقد أبرمت كينيا في عام 2024م «اتفاقية شراكة للهجرة» مع ألمانيا، تهدف إلى سد الفجوة في سوق العمل الألماني الذي يُعاني من الانكماش، عبر استقطاب آلاف العمالة الماهرة وشبه الماهرة. وتتجاوز الاتفاقية هدف احتواء الهجرة غير النظامية إلى تعزيز «التنقل التعليمي والمهني»، إذ تتيح للكوادر الكينية فرصاً للدراسة والتدريب المهني، مع منح تصاريح إقامة مؤقتة لمدة عامين قابلة للتجديد.
وفي محصلة التوقعات الديموغرافية؛ يواجه الاتحاد الأوروبي انكماشاً حاداً في حجم القوى العاملة يُقدّر بـ24 مليون نسمة خلال العقود الخمسة القادمة، في مقابل صعود إفريقيا جنوب الصحراء بنحو 541 مليون نسمة. ويرتبط التباطؤ الاقتصادي الأوروبي بشكلٍ جوهري بهذا النقص في السكان في سن العمل، فضلاً عن تآكل الكثافة السكانية في الأرياف وارتفاع تكاليف الأيدي العاملة. وهي معادلة تُضاعف القلق الأمني في ظل المخاوف من التصعيد الروسي المحتمل، إذ تجد المؤسسة العسكرية الأوروبية نفسها في أمسّ الحاجة لقطاعٍ شابّ لتعزيز خطوط دفاعها.
ويبدو الموقف في سوق العمل الروسي أكثر إثارةً للقلق؛ إذ لم يتردد الرئيس فلاديمير بوتين في اعتماد «آليات غير تقليدية» لتعويض العجز المتزايد في فئة الشباب القادرة على القتال. وتُجسّد الاتفاقية الأمنية مع كوريا الشمالية (للتوريدات العسكرية ونشر القوات) نموذجاً لهذا النهج، بالإضافة إلى تكثيف حملات التجنيد في القارة الإفريقية عقب استنفاد مخزون السجناء والمدانين (الذي بلغ 180 ألفاً) بنهاية عام 2024م.
واستناداً إلى هذه المؤشرات الديموغرافية والسوابق السياسية؛ يبرز تساؤلٌ حيوي حول إمكانية تشكل ديناميكية مماثلة لتأمين الاحتياجات الأمنية والوظيفية في أوروبا. فما قد يبدو تناقضاً ظاهرياً؛ يكتسب منطقيته عند استقراء التاريخ وآليات السوق؛ ففي حرب الثلاثين عاماً (1618-1648م)، كان المقاتلون الأجانب ركيزةً أساسية في جيوش أوروبا الوسطى، حيث عملت هذه الوحدات تحت قيادة مستقلة، مما مكّن الدول من نشر قوات ضخمة دون اللجوء لتعبئة مواطنيها. واستمرت هذه المنظومة حتى منتصف القرن التاسع عشر، لتتوقف تدريجياً بعد حرب القرم.
قد يكون إرسال قوات إلى أوروبا مفيداً للدول الإفريقية:
في سياقٍ استشرافي؛ ماذا لو اتجهت القارة العجوز نحو صياغة اتفاقيات أمنية إستراتيجية مع القوى الإقليمية الكبرى في إفريقيا؟ سيناريو ينطوي على تدريب وتسليح ألوية عسكرية كاملة لتعزيز الدفاع الأوروبي، مع ضمان حوافز مجزية للمتطوعين. يمكن إدارة هذه القوات وفق آلية «النشر الدوري»، بحيث يعود العناصر إلى دولهم الأم بعد انتهاء مهامهم، حاملين معهم الخبرات القتالية لتعزيز الأمن القومي في بلدانهم الأصلية.
واقعياً؛ تعاني غالبية دول إفريقيا جنوب الصحراء «عجزاً أمنياً» مزمناً ناتجاً عن تراجع الاستثمارات في القطاع الأمني، وهو عامل جوهري يفسر كون المنطقة مسجلةً في أعلى مؤشرات عدم الاستقرار عالمياً. وفي ظل عجز العديد من الحكومات عن فرض سيطرتها على أراضيها وضمان الأمن الداخلي، تظل التنمية الاقتصادية هدفاً بعيد المنال. وبالتالي؛ فإن اتفاقيات لتوريد قوات قتالية مدربة يمكن أن تُقدّم «أرباحاً أمنية» ملموسة لهذه الدول.
وعلى صعيد أوسع؛ يمكن دمج هذه الاتفاقيات في إطار «شراكة إستراتيجية شاملة»، فمسار إفريقيا التنموي سيتوقف على مقدرتها على إدارة المفاوضات والمناورة بين قطبي القوة العالميين: الولايات المتحدة والصين، بيد أن «اختلال موازين القوى» يُشكل عائقاً يحول دون تحقيق القارة لتوازنها المستقل. وفي هذا المضمار؛ يتمتع الاتحاد الأوروبي بمزايا نسبية تتمثل في القرب الجغرافي، والنفاذ إلى الأسواق الكبرى، والالتزام بنظام دولي قائم على القواعد. غير أن نجاح هذا التحالف يظل رهناً بقدرة الجانبَين على صياغة «شروط تفاوضية عادلة» تضمن المصالح المتبادلة بعيداً عن منطق التبعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://issafrica.org/fr/iss-today/les-jeunes-africains-iront-ils-gonfler-les-rangs-des-armees-europeennes











































