مقدمة:
تُعدّ كتب الرحلات العربية إلى السودان الغربي من المصادر التاريخية التي اعتمد عليها الباحثون في دراسة التاريخ الاجتماعي لإفريقيا الغربية في العصور الوسطى، فقد دوّن الرحالة العرب والمسلمون مشاهداتهم المباشرة لأحوال البلاد والعباد، ووصفوا النظم السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، مما جعل مؤلفاتهم تمثل سجلاً تاريخياً غنياً يساعد على إعادة كتابة تاريخ المنطقة، وتتميز كتب الرحلات العربية بأنها تقدم معلومات دقيقة عن الحياة الاجتماعية مثل العادات والتقاليد والملابس والطعام والقضاء والتعليم وعلاقة الحكام بالعلماء، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً للتاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة إلى جانب التاريخ السياسي الذي ركزوا عليه أكثر من غيره.
ومن أبرز الرحالة الذين وصفوا أحوال سكان المنطقة، وخاصةً أحوال سكان مملكة مالي، في منتصف القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي، الرحالة ابن بطوطة (٧٠٣-779هـ الموافق ۱۳۰۳-1377م). كما وُصِفت بلاد السودان الغربي في عهد إمبراطورية سُنْغَيْ، في مطلع القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي، في رحلة الحسن الوزان المشهور بليون الإفريقي. وتمثل هاتان الرحلتان مصدرين أساسيين لفهم البنية الاجتماعية والثقافية في السودان الغربي قبل الاستعمار الغربي، لأنهما مبنيان على مشاهدات ميدانية واقعية، ويتسمان بالموضوعية إلى حد بعيد، مع الاهتمام بالإسلام وآدابه في المجتمع السوداني في تلك الفترة، مما يعطي معلومات موثوقة عن أحوال المجتمع في السودان الغربي في تلك الفترة.
ونريد من خلال هذه الورقة البحثية المُعنْونة بـ «تمثيلات الحياة الاجتماعية والثقافية في السودان الغربي بين القرنين الثامن والعاشر الهجريين: قراءة مقارنة في رحلتي ابن بطوطة والحسن الوزان» تسليط الضوء على التاريخ الاجتماعي والثقافي للسودان الغربي، ذلك التاريخ الذي يجهله كثير من أبناء المنطقة، بسبب تشويه تاريخ المنطقة من خلال كتابات بعض المؤرخين الغربيين والمستغربين من الأفارقة.
وجعلت هذه الورقة في ثلاثة محاور:
المحور الأول: حول ابن بطوطة ورحلته وحالة المجتمع والثقافة في السودان الغربي، وخاصة مملكة مالي الإسلامية، من خلال رحلته.
المحور الثاني: حول الحسن الوزان والحالة الاجتماعية والثقافية في إمبراطورية سنغي من خلال رحلته.
المحور الثالث: الموازنة بين الرحلتين.
ثم الخاتمة، وفيها أهم النتائج.
وقد اتبعت المنهج التاريخي الوصفي والمقارن لإنجاز البحث.
المحور الأول: نبذة عن ابن بطوطة ورحلته وحالة المجتمع والثقافة في السودان الغربي:
يُعدّ ابن بطوطة من أشهر الرحالة العرب المسلمين الذين رحلوا إلى السودان الغربي في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ولرحلته أهمية فائقة في التعرف على العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي، وبخاصة السودان الغربي في عهد مملكة مالي الإسلامية التي تمكن ابن بطوطة من زيارة عاصمتها في عهد سلطانها منسا سليمان، ومكث فيها فترة، وذكر معلومات تاريخية مفيدة مع وصف حالتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وعقائد وعادات وأخلاق سكانها، ومدى انتشار الإسلام فيها وتواصلها الحضاري مع المغرب.
وابن بطوطة: هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي، ويشتهر بابن بطوطة، وُلد بمدينة طنجة سنة ٧٠٣هـ الموافق ۱۳۰4م، وخرج من بلده وهو في الثانية والعشرين من عمره بقصد الحج في عام ٧٢٥هـ/١٣٢٥م، ولم يعد إلى وطنه إلا بعد ربع قرن حيث تجول في عدد من دول زمانه، وأمضى ثمانية وعشرين عاماً من حياته في أسفار متصلة ورحلات متعاقبة، فكان أوفر الرحالة نشاطاً واستيعاباً للأخبار، وأشهرهم عناية بالحديث عن الحالة الاجتماعية والثقافية للبلدان والدول التي تجول فيها.
– رحلته إلى بلاد السودان الغربي:
بدأت رحلة ابن بطوطة الأولى من مدينته طنجة حيث طاف في أنحاء المغرب الأقصى، ثم اتجه نحو الشرق عبر الجزائر، ثم تونس وليبيا، وانتهى به المطاف إلى الإسكندرية بمصر، ومن الإسكندرية اتجه جنوباً إلى القاهرة، ثم إلى الصعيد حتى وصل إلى ميناء عيذاب على ساحل البحر الأحمر، ثم عاد إلى القاهرة، وتابع رحلته إلى مكة المكرمة، عن طريق بلاد الشام، وبعد أداء فريضة الحج، اتجه إلى العراق ثم إيران وبلاد الأناضول، ثم عاد إلى الحجاز، وحج للمرة الثانية، وبقي في مكة المكرمة نحو سنتين.
وفي عام ۷۳۰هـ/۱۳۲۹م غادر الحجاز إلى اليمن وبلاد الخليج العربي، ثم سار في الخليج العربي متجهاً إلى البحرين والأحساء، ثم إلى بلاد الروم (الدولة البيزنطية)، ومنها عاد إلى مكة ليحج للمرة الثالثة، ثم قطع البحر الأحمر فوصل إلى وادي النيل كي يحاذيه باتجاه الشمال قاصداً سوريا، ومنها ركب البحر من اللاذقية قاصداً آسيا الصغرى، ومنها اتجه إلى ميناء سينوب على البحر الأسود، ثم قصد شبه جزيرة القرم، وتوغل حتى بلاد روسيا الشرقية، وهناك انضم إلى سفارة السلطان محمد أوزبك خان الذاهبة إلى القسطنطينية، ثم عاد إلى القرم كي ينطلق منها إلى بخارى وبلاد الأفغان، إلى أن وصل إلى دلهي عاصمة الهند فاستقر بها مدة عامين، عمل خلالهما قاضياً للمذهب المالكي.
وحاول ابن بطوطة أن يرافق بعثة سياسية أرسلها سلطان الهند محمد شاه إلى ملك الصين، فلم يتجاوز جزائر (ذيبة المهل)، حيث استقر مدة سنة ونصف تولى فيها منصب القضاء، وبعدها واصل في رحلته عن طريق ساحل البنغال، ودخل بلاد الهند الشرقية وجزر إندونيسيا، ووفق إلى زيارة الثغرين الصينيين زيتون (تسوتونج) وكانتون، ثم قفل إلى شبه الجزيرة العربية عن طريق سومطرة والهند في ٧٤٨هـ/١٣٤٧م، ومنها صعد في الخليج العربي، وعاد إلى بلاد فارس عن طريق ميناء هرمز، ثم سافر إلى العراق فبلاد الشام فمصر، ومنها انطلق إلى مكة ليؤدي فريضة الحج للمرة الرابعة، ثم واصل سيره عائداً إلى بلاده عبر مصر وتونس والجزائر حتى وصل مدينة فاس بالمغرب الأقصى عام ٧٥٠ هـ/١٣٤٩م.
وبعد أن أقام فيها مدة عام، عاوده الشوق والحنين إلى الارتحال، فقام برحلة في عام ٧٥١هـ/١٣٥٠م إلى غرناطة بالأندلس، وبعد عودته منها رحل إلى بلاد السودان الغربي، ومنها عاد إلى المغرب عن طريق مدينة توات، ليستقر هناك حتى أدركته المنية[1]، في عام ٧٧٧هـ وقيل ٧٧٩هـ.
هكذا أمضى ابن بطوطة أكثر عمره في الترحال بين المدن والبلدان؛ من أجل رؤية عادات الشعوب والأقوام، وليسجل لنا تلك الأحداث التي أصبحت درباً يسلكه كل من أراد المضي في دربه.
لم يترك ابن بطوطة خلفه أي إنتاج علمي، سوى سرد لأسفاره على شكل كتاب عنوانه: (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) الشهير بـ«رحلة ابن بطوطة».
كان السلطان المغربي في زمانه، أبو عنان فارس المريني (729-759هـ/1329-1358م)، قد أُعجب برحلات ابن بطوطة وقصصه المشوقة، فطلب منه أن يمليها على كاتبه محمد بن جزي الكلبي، الذي أطلق على حكايات وقصص رحلته (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، وهو عمل مشترك قام به ابن بطوطة وابن جزي، وصبغه كل منهما بطابعه الخاص، فجعل فيه ابن بطوطة روحه التي تحب العجائب والغرائب، وجعل فيه ابن جزي أسلوبه الذي لا يخلو من صنعة وتكلف وتنميق، فهو كتاب سلس الإنشاء، وفيه رواية حوادث نادرة فكهة، وتقاليد شاذة، وقد أحس ابن بطوطة بأن ما يذكر من أخبار عن الهند تُعَدُّ غريبة، وبعيدة عما هو مألوف، وبأنها ستحمل الكثير من الناس على الشك في صحة كلامه، فأقسم على ذلك بأنه صادق فيما رأى.
وقد طُبع كتاب «رحلة ابن بطوطة» في باريس مع ترجمة فرنسية في منتصف القرن التاسع عشر على يد المستشرق ديفريمري وسانجنيتي، ثم طبع في القاهرة طبعتين عربيتين، ونشر الأستاذ جب ملخصاً له باللغة الإنجليزية في سلسلة Broodway Travellers عام ۱۹۲۹م، كما طُبع في لبنان في سلسلة الروائع اللبنانية، بتحقيق فؤاد أفرام البستاني، وطُبع بتحقيق دكتور علي المنتصر الكتاني في مؤسسة الرسالة بيروت ۱۹۸5م، ثم طُبع بتحقيق الدكتور عبد الهادي التازي عام ١٩٩٧م بأكاديمية المملكة المغربية في خمسة مجلدات، وكذلك تُرجم إلى لغات كثيرة، مما يدل على مدى أهميته.
وتُعتبر رحلاته من أطرف القصص رغم ما تحتويه من غرائب العادات، فإن تسجيل عادات الأقوام وتقاليدهم أفاد كثيراً في معرفة عادات تلك الشعوب البعيدة في فترة لا تتوفر فيها وسائل الاتصال والمواصلات، كما أفاد في معرفة تاريخ تلك البلاد، ومعرفة جغرافيتها من خلال وصف البلاد وطبيعتها وجبالها وبحارها وأنهارها.
– المجتمع والثقافة في السودان الغربي من خلال رحلة ابن بطوطة:
إن المعرفة والمعلومات التي كانت منتشرة في المغرب وغيرها عن السودان الغربي وأحواله الاجتماعية والثقافية وشعوبه، في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي، لم تكن تتلاءم مع الشهرة التي أصبحت تتمتع بها المنطقة، وهذا الذي جعل الرحالة ابن بطوطة يسعى لزيارتها والاطلاع على أحوالها الاجتماعية والثقافية والدينية، وبعض الباحثين يرون أنّ ابن بطوطة رحل إليها موفداً من قِبل سلطان المغرب أبي عنان المريني[2] في عام ٧٥3هـ/١٣٥٢م في عهد مملكة مالي الإسلامية، ووفد على سلطانها منسا سليمان (توفي ٧٦١هـ/١٣٦٠م) في عاصمة ملكه نياني Niyani، كما زار عدداً من مدن المملكة وقراها.
بدأ ابن بطوطة رحلته إلى مملكة مالي الإسلامية من مدينة سجلماسة، في غرة المحرم سنة ٧٥٣هـ/١٣٥٢م، مع قافلة تقصد تلك الديار، ووصل بعد خمسة وعشرين يوماً إلى مناجم تغازا، ثم دخل مدينة ولاتة بعد شهرين من مغادرته سجلماسة.
وقد وصف ابن بطوطة حال المجتمع في السودان الغربي في القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي، ولفت الانتباه إلى بعض عادات أهلها وتقاليدهم وأخلاقهم الاجتماعية الحسنة والسيئة، ومن ذلك وصفه لمجتمع مدينة ولاتة التابعة لمملكة مالي: «وهي أول عمالة السودان»[3]، حيث لاحظ أن سكانها يلبسون ثياباً حسنةً منسوجة في مصر: «وثياب أهلها حسان مصرية»[4]، ويصف بعض العادات المتعلقة بالنساء وآداب المجالس، وأنها تختلف عمّا اعتاده في بلاد المغرب والمشرق، وأن نساءها جميلات فاتنات، والرجال لا يغارون عليهن، مع مواظبتهن على الصلوات، وأن الرجل يرثه أبناء أخته دون بنيه، ومع ذلك فهم محافظون على الصلوات، وقال: «ومع ذلك فهم مسلمون يحافظون على الصلوات، وتَعَلُّم الفقه وحفظ القرآن»[5]، ثم واصل سفره إلى عاصمة مملكة مالي، وأشاد بما كان يسود في مملكة مالي من أمن واستقرار وعدّ ذلك من أبرز خصائصها، حتى إنّ المسافر كان ينتقل لمسافات طويلة دون خوف على نفسه أو ماله، ومن ذلك وصفه لحال الطريق بين مدينة ولاتة وعاصمة مالي بقوله: «لا حاجة إلى السفر في رفقة لأمن تلك الطريق»[6]، وبأنها كثيرة الأشجار والفواكه، وحتى إن المسافر لا يحتاج إلى حمل الزاد، وظل في رحلته حتى وصل إلى حاضرة ملك مالي.
ووصف مجتمع مالي بأنه مجتمع ليس فيه ظلم، وقال: «فمن أفعال السودان الحسنة قلة الظلم، فهم أبعد الناس عنه، وسلطانهم لا يسامح أحداً في شيءٍ منه»[7]، ثم وصف الحالة الأمنية السائدة في البلاد، حيث قال: «ومنها شمول الأمن في بلادهم، فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب، ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان ولو كان القناطير المقنطرة، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه»[8].
ويعتقد شعب السودان الغربي أن البلاد التي يكثر فيها الظلم والفساد يرسل الله عليها البلاء، ومن ذلك ما حكاه ابن بطوطة حيث قال: «وحضرت مجلس السلطان في بعض الأيام، فأتى أحد فقهائهم، وكان قد قدم من بلاد بعيدة، وقام بين يدي السلطان، وتكلم كلاماً كثيراً، فقام القاضي فصدقه، ثم صدقهما السلطان، فوضع كل واحد منهما عمامته عن رأسه، وترب بين يديه، وكان إلى جانبي رجل من البيضان، فقال: أتعرف ما قالوه؟ فقلت: لا أعرف، فقال: إن الفقيه أخبر أن الجراد وقع ببلادهم، فخرج أحد صلحائهم إلى موضع الجراد، فهاله أمرها، فقال: هذا جراد كثير، فأجابته جرادة منها، وقالت: إن البلاد التي يكثر فيها الظلم يبعثنا الله لفساد زرعها. فصدقه القاضي والسلطان، وقال عند ذلك للأمراء: إني بريء من الظلم، ومن ظلم منكم عاقبته، ومن علم بظالم ولم يعلمني به فذنوب ذلك الظالم في عنقه والله حسيبه وسائله»!![9].
ونستنتج من القصة، وإن كانت خرافية، وبخاصة فيما يتعلق بكلام الجراد مع الرجل الصالح، أن ملوك السودان الغربي لا يظلمون ولا يقبلون بالظلم في بلادهم وثقة ملوكها وعامة الشعب بالعلماء.
ومن طريف ما ذكره ابن بطوطة عن سلطان مالي منسا سليمان احتفاله بعيدي الفطر والأضحى، وقال: «حضرت بمالي عيدي الأضحى والفطر، فخرج الناس إلى المصلى، وهو بمقربة من قصر السلطان، وعليهم الثياب الحسان، وركب السلطان وعلى رأسه الطيلسان، والسودان لا يلبسون الطيلسان إلا في العيد، ما عدا القاضي والخطيب والفقهاء، فإنهم يلبسونه في سائر الأيام. وكانوا يوم العيد بين يدي السلطان وهم يهللون ويكبرون، وبين يديه العلامات الحمر من الحرير، ونصب عند المصلى خباء، فدخل السلطان إليها وأصلح من شأنه، ثم خرج إلى المصلى، فقُضيت الصلاة والخطبة، ثم نزل الخطيب وقعد بين يدي السلطان، وتكلم بكلام كثير، وهناك رجل بيده الرمح يبين للناس بلسانهم كلام الخطيب، وذلك وعظ وتذكير، وثناء على السلطان، وتحريض على لزوم طاعته وأداء حقه، ويجلس السلطان في أيام العيدين بعد العصر على البنبي (مجلس السلطان)، ويأتي السلحدارية بالسلاح العجيب من تراكش الذهب والفضة والسيوف المحلاة بالذهب وأغمادها منه، ورماح الذهب والفضة ودبابيس البلور، ويقف على رأسه أربعة من الأمراء يشردون الذباب، وفي أيديهم حلية من الفضة تشبه ركاب السرج ثم يتغنى مغنيات حسان، ويلعب غلمان على رؤوسهم الشواشي البيض، ويتقلبون في الهواء ويأتون بحركات خفيفة رشيقة، ثم يستقبل السلطان الشعراء ويقفون بين يديه فينشدون أشعارهم، ثم يصعد كبير الشعراء على مجلس السلطان فيضع رأسه على كتف السلطان الأيمن، ثم على الأيسر، ثم ينزل»[10].
ويذكر ابن بطوطة في رحلته أن سلطان مالي منسا سليمان أقام مجلس عزاء بمناسبة وفاة السلطان المريني أبي الحسن، وقد حضرها الأمراء والفقهاء والقاضي والخطيب الذين قرؤوا القرآن ودعوا للسلطانين أبي الحسن رحمه الله ومنسا سليمان[11].
ثم ذكر بعض عاداتهم السيئة، منها: «كون الخدم والجواري والبنات الصغار يظهرن للناس عرايا باديات العورات»[12]، ومنها: «حمل التراب والرماد على رؤوسهم تأدباً، ومنها الأضحوكة في إنشاد الشعر»[13]، ثم إن بعضهم يأكلون الجيف والكلاب، ولعل هؤلاء من كفار مالي، لأنها كانت دولة واسعة فيها كفار ومسلمون.
وصفه لحال الثقافة الدينية:
تطرق ابن بطوطة لحالة الثقافة الدينية في السودان الغربي في القرن الرابع عشر الميلادي، فبيّن أن سكانها يهتمون بالتعليم والعلم، وبخاصة تحفيظ القرآن الكريم للصبيان: «ومن ذلك عنايتهم بحفظ القرآن العظيم، ويقيدون أولادهم إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، لا تفك عنهم حتى يحفظوه، لقد دخلت على القاضي يوم العيد وأولاده مقيدون، فقلت له: ألا تسرحهم؟ فقال: لا أفعل حتى يحفظوا القرآن، ومررت يوماً بشاب منهم حسن الصورة، عليه ثياب فاخرة، وفي رجله قيد ثقيل، فقلت لمن كان معي: ما فعل هذا! أقتل؟ ففهم عني شاب وضحك، وقال لي: إنما قُيّد حتى يحفظ القرآن»[14].
ومن الملاحظات الثقافية الدينية التي أبداها ابن بطوطة: حفاظهم على حرمة المساجد وكونها ملاذاً آمناً لمن يلجأ إليها خوفاً من السلطان، ومن ذلك قصة غضب السلطان على بنات عمه فخفن منه واستجرن بالجامع، فعفا عنهن واستدعاهن[15]، وكذلك بيت الإمام يُعتبر ملاذاً آمناً لمن يغضب عليه السلطان، مما يدل على مكانة العلماء عند السلطان، مثلما حدث للزوجة الأولى للسلطان التي فرت إلى بيت الإمام خوفاً من وشاية وصلت إلى السلطان ضدها، واستجارت بدار الإمام فعفا عنها[16].
وأشاد بمواظبتهم على الصلوات بأدائها في مواقيتها، ويعنون بأدائها في الجماعات، وأن من لا يبكر إلى المسجد يوم الجمعة لا يجد أين يصلي لكثرة الزحام، وقال: «ومنها- أي من عاداتهم الحسنة- مواظبتهم للصلوات والتزامهم لها في الجماعات، وضربهم أولادهم عليها، وإذا كان يوم الجمعة ولم يبكر إلى المسجد لم يجد أين يصلي لكثرة الزحام»[17].
ووصف ثيابهم، وحرصهم على نظافتها وخاصةً يوم الجمعة، وأنهم يلبسون الثياب البيض، وقال: «لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة، ولو لم يكن لأحدهم إلا قميص خلق غسله ونظفه وشهد به الجمعة»[18].
ومن المظاهر الاجتماعية في مالي حسب تلميحات ابن بطوطة، أن سلاطين مالي كانوا يحيون شهر رمضان بالذكر الحكيم، وذلك بحضور القاضي والخطيب والفقهاء والأمراء، «فإنّ من عادة الفرارية [الأمراء] أن يفطروا بدار السلطان»[19]. وكانت ليلة القدر تحظى بإجلال وتكبير عظيمين، وفيها كان السلطان يفرق المال على الحاضرين، وصادف أن حضر ابن بطوطة ليلة القدر من رمضان عام 753هـ/الموافق 1353م في بلاط الملك منسا سليمان، وأعطى السلطان الخطيب والفقهاء وابن بطوطة ثلاثة وثلاثين مثقالاً وثلثاً[20].
ومكث ابن بطوطة في عاصمة مملكة مالي نحو ثمانية أشهر، ثم خرج إلى مدينة تنبكتو، وقال: «ثم سافرنا منها- أي من قرية تسمى ميمة- إلى مدينة تنبكتو وبينها وبين النيل (يقصد نهر النيجر) أربعة أميال، وأكثر سكانها مسوفة أهل اللثام»[21]، ثم ذكر حاكمها واسمه فرما موسى، لكن للأسف لم يصف لنا حياتها الاجتماعية أو العلمية أو الثقافية مع أنها مزدهرة في تلك الفترة، وإنما اكتفى بذكر قبر الشاعر أبي إسحاق الغرناطي، وقبر سراج الدين بن الكويك أحد كبار التجار من أهل الإسكندرية، وأنه جاء إلى تنبكتو لطلب دَين له على منسا موسى الذي تسلفه أيام حجه، وتوفي بعد وصوله إلى تنبكتو مباشرة.
ومن تنبكتو واصل رحلته إلى مدينة غاو في مركب صغير منحوت من الخشب، وينزل بالقرى كل ليلة فيشترى ما يحتاج إليه من الطعام بالملح والعطريات، وذكر لقاءه بأمير من أمراء قرى النهر ممن درس العربية ويتكلمها بطلاقة، ووجد في مكتبة الأمير كتاب «المدهش» لابن الجوزي، ومعه جارية دمشقية تتكلم العربية بطلاقة كذلك، ووصف ابن بطوطة ذلك الأمير بقوله: «ولم أر في السودان أكرم منه ولا أفضل»[22].
ثم واصل إلى مدينة غاو ووصفها بقوله: «وهي مدينة كبيرة على النيل (نهر النيجر)، ومن أحسن مدن السودان وأكبرها وأخصبها، فيها الأرز الكثير واللبن والدجاج والسمك وبها الفقوص العناني (نوع من القثاء) الذي لا نظير له، وأن تعامل أهلها في البيع والشراء بالودع، وكذلك أهل مالي»[23]، وأقام بها شهراً عند بعض المغاربة الساكنين في غاو، دون التطرق لحالتها الاجتماعية أو العلمية.
ثم رحل منها قاصداً مدينة تغدا Tigedda (شمال جمهورية النيجر حالياً). ووصف الحياة الاجتماعية لبلاد الطوارق التي مر بها حيث قال: «ثم وصلنا إلى بلاد بردامة، وهي قبيلة من البربر، ولا تسير القوافل إلا في خفارتهم»، وذكر أن المرأة عندهم في ذلك لها شأن أعظم من الرجل، وهم رحالة لا يقيمون وبيوتهم غريبة الشكل، ويقيمون أعواداً من الخشب ويضعون عليها الحصر، وفوق ذلك أعواد مشتبكة، وفوقها جلود أو ثياب قطن[24]. ثم وصف جمال نسائهم، وتطرق لطعامهن، وأنه حليب البقر وجريش الذرة يشربنه مخلوطاً بالماء في الصباح والمساء.
ولمّا وصل إلى مدينة تغدا، وصف حياتها الاجتماعية والثقافة، ويُعتبر ابن بطوطة أول من أشار إلى مدينة تغدا ووصفها، ويقول: «وديار تغدا مبنية من الحجارة الحمر، وماؤها يجري على معدن النحاس، فيغير لونه وطعمه بذلك، ولا زرع بها إلا يسير من القمح، يأكله التجار والغرباء… ولا شغل لأهل تغدا غير التجارة، يسافرون كل عام إلى مصر، ويجلبون كل ما بها من حسان الثياب وسواها، ولأهلها رفاهية وسعة الحال ويتفاخرون بكثرة العبيد والخدم، وكذلك أهل مالي وولاتن»[25]. ونوّه ابن بطوطة بسلطان تغدا لإكرامه له وحفاوته به، ثم لاستخراجهم للنحاس وبيعه لأهل برنو وغيرها.
وخلال إقامته في تغدا جاءه رسول من قِبل سلطان فاس يأمره بالعودة إلى فاس، فعاد إليها مروراً ببلاد طوارق هغار، وأخيراً وصل إلى فاس بعد ثلاثة أشهر، وألقى بها عصا الترحال.
المحور الثاني: الحسن الوزان والحالة الاجتماعية والثقافية في إمبراطورية سُنغي من خلال رحلته:
يُعدّ الحسن الوزان المعروف في المصادر الأوروبية باسم «ليون الإفريقي» من أشهر الرحالة المسلمين في مطلع القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي، ومن أبرز الرحالة المسلمين الذين تركوا وصفاً دقيقاً لبلاد المغرب والسودان الغربي في القرن العاشر الهجري الموافق القرن السادس عشر الميلادي.
وُلد الحسن الوزان في غرناطة نحو سنة 888هـ/1483م[26]، ثم انتقل مع أسرته صغيراً إلى مدينة فاس عقب سقوط غرناطة سنة 1492م حيث تلقى علومه بجامع القرويين، وبرع في الفقه واللغة والجغرافيا، وقام برحلات عدة في بلاد المغرب، والصحراء الكبرى، وبلاد السودان، ومصر وغيرها من البلدان.
وقد وقع الحسن الوزان أسيراً في أيدي القراصنة في أحد أسفاره بالقرب من جزيرة جربة بتونس، وأخذوه إلى البابا ليو العاشر نحو عام 1520م، واحتفى به البابا لعلمه وحرّره، وقيل بأنّ البابا ليو العاشر قد نَصَّره، ثمّ أطلق اسمه عليه «ليو»، وأصبح يُعرف باسم «ليو الإفريقي»، وأكمل تأليف كتابه المشهور «وصف إفريقيا» في روما. ويرجح عدد من الباحثين أنّ الحسن الوزان ألف كتابه وصف إفريقيا باللغة العربية، أو دوّن مادته الأولى ومذكراته باللغة العربية، ثم أعاد صياغتها بالإيطالية، غير أن الأصل العربي لم يصل إلينا، بينما النسخة التي حفظها لنا التاريخ هي النسخة الإيطالية التي أتمها سنة 1526م[27]، ثم تَرجم القسم الثالث من الكتاب إلى الإيطالية وهو وصف إفريقيا، ثمّ تُرجم الكتاب إلى عدة لغات منها الإنجليزية ثم الفرنسية، وترجمه من الفرنسية إلى العربية عبد الرحمن حميدة وراجعه د. علي عبد الواحد وافي ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض عام 1398هـ/1978م، ومن أشهر طبعاته الطبعة الصادرة من دار الغرب الإسلامي بيروت في عام 1983م، بترجمة محمد حجي، ومحمد الأخضر.
ويُذكر أنّ الحسن الوزان غادر روما بعد موت البابا ليو العاشر، وذهب إلى موطنه فاس ومات فيها مسلماً في حدود عام 957هـ/1552م.
ويُعدّ كتابه «وصف إفريقيا»، بجانب «رحلة ابن بطوطة»، وثيقة نفيسة تُلقي الضوء على جوانب جغرافية واجتماعية عن إفريقيا الغربية في العصر الوسيط وغيرها من البلدان، وكتابه من أهم المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون والباحثون في دراسة تاريخ السودان الغربي، رغم ضرورة التعامل معه بمنهج نقدي؛ إذ دوَّنه بعد انتقاله إلى إيطاليا، وتأثر في بعض المواضع ببيئته الجديدة، ومع ذلك تبقى غالبية أوصافه متوافقة مع ما ورد في المصادر العربية والإفريقية.
– رحلته إلى بلاد السودان الغربي:
كلفته الدولة الوطاسية[28] في المغرب بعدد من المهام الدبلوماسية بالإضافة إلى النشاط التجاري لأسرته، وقد أتاح ذلك له القيام برحلات واسعة داخل بلاد المغرب والصحراء والسودان الغربي، شملت رحلاته مناطق سجلماسة وتوات وبلاد الطوارق، ثم عبر الصحراء الكبرى إلى مدن السودان الغربي، ومن أهمها تمبكتو، وغاو، وأغدس، كما وصل إلى بلاد الهوسا، ووصف أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتكتسب رحلته أهمية خاصة؛ لأنها جاءت في مرحلة ازدهار ممالك السودان الغربي، ولا سيما مملكة سُنْغَي، قبل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وقدّم صورة عن الإنسان الإفريقي ومجتمعه حيث وصف المدن، والأسواق، والملابس، والأطعمة، والزواج، والاحتفالات، والعادات والتقاليد، وتأثير الإسلام في المجتمع السوداني في القرن السادس عشر الميلادي.
بدأ الحسن الوزان أسفاره في سن مبكرة مع عمه في رحلة إلى تمبكتو نحو عام 1509-1510م وهي رحلته الأولى إلى تمبكتو من مدينة فاس، صحب فيها عمه الذي كان مكلفاً بسفارة بين ملك فاس محمد الوطاسي البرتغالي، وملك سُنْغَي الحاج محمد أسكيا، وقد سلكوا في الذهاب الطريق الغربي عبر مراكش ودرعة، وأخذوا في الرجوع طريق سجلماسة-فاس[29].
ثم كانت رحلته الثانية لغرض تجاري في حدود عام 917هـ/1511م، وقيل في حدود عام 1512-1513م، وقد نص على رحلته الثانية بعبارة صريحة بقوله: «وكثيراً ما تتعرض تنبكتو لخطر الحريق، فقد احترق نصفها في طرف خمس ساعات أثناء إقامتي بها في رحلتي الثانية»[30]، وتظل تلك التواريخ تقريبية لأن الوزان نفسه لم يؤرخ لرحلتيه تاريخاً صريحاً.
سجل الحسن الوزان مشاهداته بدقة، وقدّم معلومات مباشرة عن الحياة اليومية للسكان، فلم تقتصر على وصف السلاطين والحروب، بل تتناول اللباس، والغذاء، والمساكن، والعلاقات الاجتماعية، ومكانة العلماء وأدوارهم في المجتمع، ومكانة المرأة، وأساليب التجارة، وهذا ما يجعل كتابه مصدراً أساسياً لإعادة بناء التاريخ الاجتماعي لغرب إفريقيا من خلال رحلات العرب المسلمين.
– المجتمع والثقافة في السودان الغربي من خلال رحلة الحسن الوزان:
يظهر من وصف الحسن الوزان لمجتمع السودان الغربي في رحلته أنه كان مجتمعاً متنوعاً من حيث الجماعات والقبائل والسكان، وكانت الممالك والمدن الكبرى تضم سكاناً مستقرين يمارسون الزراعة والتجارة والحرف إلى جانب جماعات بدوية ورعوية. ومن أبرز ما يلفت النظر وصف الوزان قوة حضور الإسلام في الحياة الاجتماعية، فقد وصف بعض ممالك السودان الغربي بأنها إسلامية، بل أصبح الإسلام عنصراً مؤثراً في تنظيم المجتمع والقضاء والتعليم والحياة العامة، مما يدل على المكانة الاجتماعية للمؤسسة العلمية والدينية.
وتناول جوانب متعددة من حياة السكان من حيث أنماط السكن، وأنّ البساطة هي الغالبة فيها، مع العناية بالنظافة داخل البيوت، وتناول الطبقات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، وبعض العادات المحلية، ووصف الحياة اليومية للمجتمع السوداني من حيث الحرف والعمل والتجوال والترفيه مع اهتمامه بملابس الناس وزينتهم وهيئاتهم.
يصف الوزان السودان الغربي بأنه مجتمع حضري مزدهر، خاصةً مدينتي تمبكتو، وغاو عاصمة إمبراطورية سُنْغي، ويقول إنها كانت في عصره مدينة «متحضرة جداً»[31]. ووصف بيوت مدينة تمبكتو بأنها مبنية من الطوب اللبن المغطى بالقش، لكن بيوت الأغنياء والتجار بالحجر والجير، وسكانها خليط من المسلمين السود والمغاربة والأندلسيين والعرب، كانت مركز علم وتجارة، وقال: «هناك.. دكاكين كثيرة لصناع وتجار، وخاصةً ناسجي الأقمشة النيلية والقطنية، وإلى هناك يجلب التجار البربر أقمشة من أوروبا. وجميع نساء المنطقة بوجوه محجبة يبتعن الاحتياجات الضرورية لهن. أما السكان، وخاصةً الغرباء المقيمين هناك، كثيرو الثراء إلى حد أن الملك الحالي زوج بنتيه إلى تاجرين ثريين. وهناك كثير من الآبار تحوي أحلى المياه.. إن الملك ينفق بسخاء على عدد كبير من الأطباء والقضاة ورجال الدين والفقهاء. والتجار يحملون إلى المدينة مخطوطات مختلفة من الكتب المكتوبة في بلاد البربر، وهي تباع بثمن أغلى من أي نوع آخر من التجارة»[32]. ووصف طبائع أهل تمبكتو فقال: «وقد فُطر أهل تمبكتو على المرح، وتعودوا التجوال في المدينة بين العاشرة ليلاً والواحدة صباحاً، وهم يعزفون على آلات العزف ويرقصون»[33].
ولاحظ الحسن الوزان وجود هرمية اجتماعية واضحة في مجتمع السودان الغربي، وبخاصة في المدن الكبيرة مثل: تمبكتو وغاو وجني وأغدس، وكانو، على النحو الآتي:
– الخاصة: السلطان وحاشيته، القضاة، الفقهاء، كبار التجار ولهم احترام كبير ويحتكرون السلع الغالية.
– العامة: الحرفيون، المزارعون، الرعاة.
– الأرقاء: طبقة كبيرة، يأتون من بلاد الكفار جنوباً، يُستخدمون في الخدمة المنزلية والجيش والزراعة، وأسعارهم مرتفعة في أسواق تمبكتو وغاو، ومع ذلك كان بعض العبيد المتعلمين يتولون مناصب إدارية في البلاد.
وتحدث عن العادات الاجتماعية في اللباس، وأن الأغنياء يلبسون ثياباً قطنية مستوردة من أوروبا أو مصر، وعمائم زرقاء أو بيضاء، والأحذية الجلدية، وأنّ الفقراء يكتفون بإزار يستر نصف الجسد. والنساء يلبسن ثياباً طويلة مزينة ويتحلين بالذهب والفضة بكثرة، وخاصةً في العاصمة غاو.
وذكر أنّ من الخصائص البارزة للمطبخ في الحواضر الإسلامية في السودان الغربي، مثل تمبكتو وغاو وغيرها، التنوع. وأنّ المأكل الأساسي هو الدخن والذرة والأرز، ولحم البقر والغنم والإبل، ويستعملون في طعامهم الشحم المالح الذي يأتي به تجار فاس وتلمسان[34].
أما لباسهم فهي ألبسة نظيفة، ومعظمهم يلبسون ثياباً ملونة باللونين الأبيض والأزرق، ولربما كان بعضها من المنسوجات المحلية[35]، وبعضها مستوردة من أوروبا بواسطة التجار البربر من شمال إفريقيا.
وأعطى الوزان ملاحظة دقيقة عن المرأة في مجتمع السودان الغربي في العصور الوسطى، فقال: «وجميع نساء المنطقة بوجوه محجبة يبعن الاحتياجات الضرورية لهن»[36]، وهذا يدل على أمرين: (1) مشاركة المرأة في الأنشطة في السوق والاقتصاد، (2) الالتزام بالحجاب الإسلامي، وهو ما ميز حواضر السودان الغربي عن كثير من المجتمعات الإفريقية الأخرى، لكن هذا ليس على عمومه، حيث وصف نساء مدينة أغدس (في شمال النيجر) بأنهن متحشمات لكنهن يخرجن متبرجات بالحلي، فقال: «النساء محتشمات لكنهن يخرجن متبرجات بالحلي الفضية»[37].
ووصف مظاهر الزواج وبخاصة في تمبكتو، وأن في الأعراس والمناسبات تقام احتفالات بالطبول والمزامير وسباقات الخيل، وتعدد الزوجات شائع، وأن المهور غالية، خاصةً عند التجار والعلماء، وتُدفع بالذهب والعبيد، والطلاق موجود لكنه غير مستحب بين الأسر المتدينة.
المحور الثالث: الموازنة بين الرحلتين في وصف مجتمع السودان الغربي:
بناءً على ما سبق، نوازن بين الرحلتين في وصف مجتمع السودان الغربي من خلال الجوانب الآتية:
1- تاريخ الرحلتين:
– زار ابن بطوطة بلاد السودان الغربي في عام 753هـ/1352م عندما كانت إمبراطورية مالي في قمة مجدها أيام حكم منسا سليمان، وزار أربع حواضر فقط: ولاتة، وعاصمة مملكة مالي نياني، وتمبكتو التي لم تزل مدينة متوسطة لم تزدهر بعد، ثم مدينة غاو.
– بينما زار الحسن الوزان المنطقة نفسها بعد مائة وخمسين سنة، من زيارة ابن بطوطة لها، وذلك في عام 910هـ/1504م وهو في السابعة عشرة من عمره مع عمه، وكانت إمبراطورية سُنْغَي قد ورثت مملكة مالي، فزار خمس عشرة مملكة من ولاتة غرباً إلى برنو وأغدس شرقاً، لذلك وصفه للسودان الغربي ومجتمعه أوسع وأدق، وهو بنفسه يسجل المشاهدات، وابن بطوطة سُجِّلت له مشاهداته بعد انتهاء الرحلة.
2- الحياة العلمية والدينية:
– وصف ابن بطوطة مجتمع السودان الغربي في عهد مملكة مالي الإسلامية بأنه مجتمع مسلم، وسلطانه عادل، وطرقه آمنة، وينتشر التعايش السلمي بين شعوبها، ونساؤه ما زلن على بعض العادات الإفريقية القديمة.
– وصف الحسن الوزان مجتمع السودان الغربي، وهو في طور النضج الحضاري، بأنه مجتمع حضري، طبقي، تجاري، المرأة فيه محجبة، والعلم أغلى سلعة، والحفلات بالطبول أصبحت جزءاً من الهوية الإسلامية الإفريقية.
– أُعجب ابن بطوطة بتدين أهل مالي فقال بالحرف: «أهل السودان أشد الناس محافظةً على الصلاة، حتى إنهم يضربون أولادهم على تركها»[38]، ومدح عدل قضاتهم، وأمن الطرق فقال: «لا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب»[39].
– بعد قرن ونصف، يصف الوزان مرحلة النضج، فلم يعد الإسلام مجرد صلاة، بل أصبح له مؤسسات، فيقول عن تمبكتو: «إن الملك ينفق بسخاء على عدد كبير من الأطباء والقضاة ورجال الدين والفقهاء»[40]، ويضيف أن التجار «يحملون إلى المدينة مخطوطات مختلفة من الكتب، وهي تباع بثمن أغلى من أي نوع آخر من التجارة»[41]. أي أن الكتاب أصبح أغلى من الذهب، وهذا يدل على تحول المجتمع من مجتمع متدين بسيط إلى مجتمع علمي مثقف ومتقدم فيه جامعة سانكروي، وغيرها من المؤسسات التعليمية.
3- مكانة المرأة: (وهي أكبر فرق بين الرحلتين):
– صُدم ابن بطوطة من حرية المرأة في مالي، فانتقدها بشدة وقال: «وأما نساؤهم فلا يحتشمن ولا يسترن وجوههن، ويدخل الرجل على صديقه فيجد زوجته معه فلا ينكر ذلك»[42]، وذكر أن النساء كن يمشين عاريات الصدور، ويملكن العبيد، ويتحدثن مع الرجال الأجانب دون حرج (هذا كان في مدينة ولاتة التابعة لمملكة مالي وليس في كل البلاد).
– بينما يصف الوزان مجتمع السودان الغربي بعد مائة وخمسين سنة بصورة معاكسة تماماً في المنطقة نفسها، فيقول عن نساء تمبكتو وغاو: «وجميع نساء المنطقة بوجوه محجبة يبتعن الاحتياجات الضرورية لهن»[43]، فالمرأة بقيت تاجرة نشطة تذهب للسوق لكنها أصبحت محجبة ملتزمة، وهذا دليل على أسلمة كاملة للمجتمع.
4- الزواج والحفلات واللباس:
– يذكر ابن بطوطة في رحلته أن الزواج يتم في المسجد، والمهر بالذهب والعبيد، ولم يذكر الطبول والمزامير في الحفلات[44].
– يعطي الحسن الوزان تفاصيل أكثر عن الزواج والحفلات فيقول: «هناك مظاهر الزواج مع الطبل، وهناك اثنتان من الحفلات والرقصات الليلية والأناشيد»، ثم يوضح أن للسودان عيدين كبيرين في السنة، هما «تاباسكي» أي عيد الأضحى، وعيد الفطر تقام فيهما الحفلات[45].
– أما اللباس فابن بطوطة يقول: «لباسهم الثياب البيض من القطن وعمائم»[46].
– أما الحسن الوزان فيزيد في أنواع اللباس في بعض مناطق السودان الغربي، وأن سكان بعض المناطق يلبسون لباساً حسناً، ويتلثمون بلثام كبير من القطن الأسود أو الأزرق يغطي الرأس، ويميز بين عامة الناس وأهل العلم في لون اللثام، فيذكر أن الأئمة والفقهاء يتلثمون باللثام الأبيض[47]، أي أن اللباس علامة على التمييز الاجتماعي، ولا تزال العادة سارية في مجتمع غرب إفريقيا إلى اليوم.
الخاتمة:
ونستنتج من خلال ما سبق ما يأتي:
▪ أنّ ابن بطوطة في رحلته وصف مجتمعاً إفريقياً إسلامياً، يتميز بالعدل والأمن، والأمانة.
▪ أما الحسن الوزان فوصف المجتمع نفسه بعد قرن ونصف، وقد أصبح مجتمعاً حضرياً إسلامياً كاملاً، فيه تاجر ثري وعالم مكرّم وملك غني، والمرأة فيه محجبة لكنها تاجرة، والكتاب أغلى من الذهب، مع توفر الأمن والاستقرار، والعدل والأمانة.
▪ تعكس رواية ابن بطوطة صورة إيجابية نسبياً عن جوانب من الحياة الأمنية والقضائية والدينية في بعض المراكز التي زارها.
▪ أن للعلماء مكانة عالية لدى الحكام وعامة الشعب.
▪ أنهم كانوا يهتمون بالعلم وتعليم الصبيان القرآن الكريم.
▪ أن سكان السودان الغربي كانوا يحافظون على الدين الإسلامي وشعائره، وبخاصة صلاة الجماعة والجمعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
1- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، المشهور برحلة ابن بطوطة، تحقيق د. علي المنتصر الكتاني، ط4، ١٩٨٥م مؤسسة الرسالة، بيروت.
2- أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني، إمبراطورية مالي 1230-1430م، طبعة 1، المجمع الثقافي، أبو ظبي 1999م.
3- الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، الطبعة الثانية، دار الغرب الإسلامي 1983م، بيروت.
4- زوليخة بنرمضان، المجتمع والدين والسلطة في إفريقيا الغربية ما بين القرنين 5 و10هـ/11و16م، من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1438هـ/2013م.
5- شوقي ضيف، الرحلات، دار المعارف، القاهرة.
6- عبد الكريم إبراهيم السمك، الجغرافي الحسن الوزان الزناتي وكتابه وصف إفريقيا، موقع مجلة أحوال المعرفة، مكتبة الملك عبد العزيز العامة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] راجع: رحلة ابن بطوطة بتحقيق د. علي المنتصر الكتاني، ط٤- ۱۹۸5م مؤسسة الرسالة، بيروت.
[2] انظر: زوليخة بنرمضان، المجتمع والدين والسلطة في إفريقيا الغربية ما بين القرنين 5 و10هـ/11 و16م، من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1438ه/ 2013م، (2/456).
[3] رحلة ابن بطوطة، (2/776).
[4] رحلة ابن بطوطة، (2/777).
[5] رحلة ابن بطوطة، (۲/۷۷۷)، والرحلات لشوقي ضيف ص۱۲۰ بتصرف.
[6] ص778.
[7] رحلة ابن بطوطة، (2/٧٩٠).
[8] رحلة ابن بطوطة، (2/٧٩٠).
[9] رحلة ابن بطوطة، (2/۷۸۸).
[10] المصدر السابق، (2/٧٨٦).
[11] المصدر السابق، (٢/٧٩٠).
[12] المصدر السابق 2/٧٩٠.
[13] المصدر السابق، (2/۷۹۱).
[14] رحلة ابن بطوطة، (2/٧٩٠).
[15] انظر: رحلة ابن بطوطة، (2/۷۸۹).
[16] رحلة ابن بطوطة، (2/۷۸۸).
[17] المصدر السابق، (2/۷۹۰).
[18] المصدر السابق، (2/٧٩٠).
[19] انظر: المصدر السابق (2/784).
[20] انظر: أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني، إمبراطورية مالي 1230-1430م، طبعة 1، المجمع الثقافي، أبو ظبي 1999م، ص204.
[21] المصدر السابق، (٢/٧٩٥).
[22] المصدر السابق، (٢/٧٩٦).
[23] المصدر السابق، (۲/۷۹۷).
[24] المصدر السابق، (۲/۷۹۸).
[25] المصدر السابق، (۲/۷۹۹).
[26] انظر: الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ط2/ 1983م، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ص7.
[27] انظر: د. عبد الكريم إبراهيم السمك، الجغرافي الحسن الوزان الزناتي وكتابه وصف إفريقيا، موقع مجلة أحوال المعرفة، مكتبة الملك عبد العزيز العامة.
[28] الدولة الوطاسية حكمت المغرب الأقصى بين عامي 1472–1554م.
[29] الحسن الوزان، المصدر السابق، ص9.
[31] المصدر السابق، (2/169).
[32] المصدر السابق، (2/165 و166).
[33] المصدر السابق، (2/166).
[34] انظر: المصدر السابق، ص (166و167) بتصرف.
[35] المصدر السابق، ص167.
[36] المصدر السابق، (2/166).
[37] المصدر السابق، (2/172).
[38] رحلة ابن بطوطة، (2/790).
[39] رحلة ابن بطوطة، (2/790).
[40] رحلة الحسن الوزان، (2/166).
[41] المصدر السابق، والصفحة نفسها.
[42] رحلة ابن بطوطة، (2/777).
[43] رحلة الحسن الوزان، (2/166).
[44] ابن بطوطة، (2/790).
[45] الوزان، (2/167).
[46] ابن بطوطة، (2/790).
[47] انظر: رحلة الحسن الوزان، ص رحلة الحسن الوزان 2/166 بتصرف.











































