نشر معهد HORN الدولي للدراسات الإستراتيجية، ومقره نيروبي، ويختص بقضايا الأمن والسلام والحكم والجغرافيا السياسية في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، مقالاً للباحث برافين أونديتي، بعنوان «المال والعصابات السياسية: كيف يهددان انتخابات كينيا 2027». يحذّر المقال من تصاعد مخاطر العنف الانتخابي في ظل توظيف الشباب والعصابات الإجرامية في العمل السياسي، مستنداً إلى تقدير مؤشر قابلية الانتخابات للتعرض للمخاطر لاحتمال وقوع عنف انتخابي في كينيا بنسبة 84.1%. ويربط الكاتب بين تسييل المنافسة السياسية، وضعف الرقابة على تمويل الحملات، والإفلات من العقاب، محذراً من تحول أدوات التعبئة الانتخابية إلى شبكات إجرامية مستدامة. ويدعو، للحد من هذه المخاطر، إلى تجفيف مصادر تمويل العنف، وتعزيز الرقابة على الإنفاق الانتخابي، وضمان حياد الأجهزة الأمنية، وتوسيع برامج الإدماج الاقتصادي للشباب.
بقلم: برافين أونديتي Bravin Onditi
ترجمة: أحمد محمد أحمد إسماعيل
كلما اقتربت الانتخابات العامة في كينيا تجددت ذكرى الأعوام 1992م و1997م، وقبل كل شيء 2007م. لقد كانت أكثر دورة انتخابية، منذ عودة التعددية الحزبية، تمثل اختباراً لمؤسسات البلاد، ولطالما كشفت عن مدى سرعة تحول التنافس على سلطة الدولة إلى عنف منظم، عندما تتخلّف المساءلة عن الطموح.
صُمّم دستور 2010 لكسر هذا النمط، وذلك من خلال توزيع السلطة، وحماية المؤسسات المستقلة، وإنشاء قنوات موثوقة للفصل في النزاعات الانتخابية. وما زالت هذه الضمانات، حتى بعد مرور ستة عشر عاماً، تمثل أقوى الأصول في البلاد. ومع ذلك، فإن الأشهر الاثني عشر التي تسبق الانتخابات العامة لعام 2027م تبدأ في ظل مؤشرات تتطلب اهتماماً واعياً؛ سلسلة من الانتخابات الفرعية شابتها الاضطرابات والإغراءات المالية، والظهور العلني لمجموعات منظمة تعمل مقابل المال في محيط الفعاليات السياسية، فضلاً عن تحذير مبكر موثوق يصدر عن واحدة من أكثر المؤسسات في القارة احتراماً ونزاهةً في مجال الانتخابات.
ماذا يقول مؤشر قابلية التعرض للمخاطر الانتخابية؟:
منح مؤشر قابلية التعرُّض للمخاطر الانتخابية Electoral Vulnerability Index، الصادر في يونيو 2026م عن مؤسسة كوفي أنان، كينيا درجة مخاطرة تبلغ (45.4)، وهي أقل بقليل من المتوسط في إفريقيا جنوب الصحراء البالغ (51.1)، مع تقدير احتمالية حدوث شكل ما من أشكال العنف الانتخابي في الدورة القادمة بنسبة 84.1٪. لا يوجد تناقض بين الرقمين، فهما يصوران بلداً يتمتع ببنية مؤسسية أقوى من معظم حالات المخاطر العالية، ولكنه مع ذلك شهد مراراً اندلاع العنف خلال الانتخابات، حيث يتفاعل التنافس الرئاسي المتقارب، مع التعبئة العرقية، وبطالة الشباب، وانعدام الثقة في الإدارة الانتخابية.
يشير المؤشر إلى امتلاك كينيا أصولاً حقيقية للحد من المخاطر: إطار مستقل نسبياً للإدارة الانتخابية، وقضاء نشط أسهمت تعاملاته مع الطعون الرئاسية في توفير قناة دستورية لفض النزاعات عالية المخاطر، فضلاً عن مستويات أعلى من المتوسط في حرية النقاش، ومجتمع مدني نابض بالحياة.
وفي مقابل هذه العوامل المساعدة، يحدد المؤشر عدداً من العوامل التي تُعتبر محركات للمخاطر، تتضمن: ثقة الجمهور في اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود IEBC والتقنيات التي تستخدمها، بجانب التنافس على النفوذ والمنافع السياسية على مستوى المقاطعات في ظل النظام اللامركزي، والمظالم المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة التي يمكن أن تتداخل مع الخطاب الانتخابي، وإدارة الاحتجاجات والحشود من قِبل الأجهزة الأمنية.
يسلط المؤشر أيضاً الضوء على تغير هيكلي مهم. فقد أدت وفاة زعيم المعارضة رايلا أودينغا في أكتوبر 2025م إلى إزالة أحد الأعمدة القيادية المألوفة في السياسة الكينية. من المتوقع أن يفتح غياب أودينغا المجال لتحالفات جديدة ومطالبات بقيادات جيلية، ولكنه يقلل أيضاً من إمكانية التنبؤ بمسارات التعبئة، ويجعل من بناء التحالفات النخبوية قبل عام 2027م أهم ساحة للإنذار المبكر. باختصار، أصبحت التضاريس أقل وضوحاً من أي دورة انتخابية منذ عام 2002م.
الانتخابات الفرعية؛ اختبار مبكر للضغوط:
كانت الانتخابات الفرعية الأخيرة بمثابة معاينة مسبقة للضغوط التي ستضاعفها الانتخابات العامة. اتسمت المنافسات في أواخر 2025م و2026م، التي بلغت ذروتها في الانتخابات الفرعية البرلمانية رفيعة المستوى في أول كالو Ol Kalou، بمواجهات بين مجموعات متنافسة من الشباب الذين جرت تعبئتهم، فضلاً عن تعطيل فعاليات الحملات الانتخابية، كما استُخدم المال بصورة علنية لاستمالة الناخبين، عبر توزيع النقود والسلع المنزلية، وبعدد يفوق بكثير ما يقابله من عدد المقاعد المتنافس عليها.
تكتسب منافسة أول كالو أهميتها من مقاطعة نيانداروا التي لا تُعتبر ضمن المناطق التي يُتوقع أن تحدث فيها اضطرابات ناجمة عن الفقر والحرمان، فالإحصائيات تضعها ضمن النصف الأفضل من مقاطعات كينيا من حيث تدابير مكافحة الفقر، وتُعتبر معدلات محو الأمية فيها أعلى من المتوسط الوطني، كما تتمتع بقدر من الثقافة المالية يُعتبر من بين المستويات الأعلى في البلاد. لذلك لم يكن الاضطراب الذي شوهد هناك ثوراناً عفوياً للمظالم المحلية.
وعليه، لا يمكن اعتبار الاضطرابات التي شهدتها انفجاراً عفوياً للعنف، بل كانت اضطراباتٍ مصطنعةً تم تزويدها وتمويلها وتنظيمها، ولهذا السبب هي مشكلة مختلفة وتتطلب استجابة مختلفة. فعندما يكون العنف مصطنعاً وليس نابعاً من دوافع مجتمعية، لا يكون العلاج كامناً في برامج التنمية، بل في إنفاذ القانون، وضبط تمويل الحملات الانتخابية، والإرادة السياسية الحاسمة للرعاة لإيقاف شبكاتهم.
هناك أيضاً بُعد اقتصادي كلي غالباً ما يتم التغاضي عنه، فضخ كميات كبيرة من الأموال في دائرة انتخابية صغيرة دون نشاط إنتاجي مقابل، يؤدي إلى تشويه الأسواق المحلية، ورفع كُلفة دخول المنافسة السياسية للمرشحين النزيهين، ويسهم في تطبيع علاقة تبادلية بين المواطن والمرشح تدوم آثارها حتى بعد يوم الاقتراع.
وعندما تصبح السوق الانتخابية قائمة على أساس السؤال الحاسم: (من أعطى ماذا؟) فإنها تقضي على أي تنافس للأفكار، ويصبح من الصعب أن تنبثق قيادة خاضعة للمساءلة من خلال عملية تتشكل أساساً حول الهدايا والأموال.
الاقتصاد السياسي للعنف المستأجر:
إن أفضل وجه يمكن أن نفهم على أساسه ما يسميه النقاش العام الكيني «البلطجة» Goonism هو اعتبارها سوقاً ذات ثلاثة مكونات:
1- عرض من جانب الشباب العاطلين عن العمل أو ناقصي التوظيف، الذين بالنسبة إليهم يمثل أجر التعبئة ليوم واحد دخلاً ذا معنى.
2- طلب من فاعلين سياسيين يعتبرون أن الإنفاق على الاضطراب أو الترهيب أو الحشود المصنعة فعلاً انتخابياً مشروعاً.
3- بيئة مواتية نادراً ما يُحاسب فيها مموّلو العنف، حتى عندما يُقبض على المنفذين المأجورين في الميدان.
إن الأدلة التي تتأسس عليها هذه القراءة رسمية وليست تخمينية. فقد وجدت دراسة رائدة أجرتها هيئة التماسك والتكامل الوطني NCIC أن نحو تسع من كل عشر عصابات إجرامية منظمة في كينيا، يتم تعبئتها وتمويلها ونشرها من قِبل السياسيين، وأن معظم الأعضاء تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً.
في الآونة الأخيرة، وثَّق مسح أجراه المركز الوطني لبحوث الجريمة لعام 2025م وجود 309 جماعات إجرامية في إحدى عشرة مقاطعةً فقط، مع أعلى معدلات تركيز في مومباسا ونيروبي.
وقد اعترفت وزارة الداخلية نفسها، أمام البرلمان، بأن الجماعات المرتبطة بالاضطراب السياسي تطورت إلى مؤسسات إجرامية منظمة متورطة في الابتزاز والاتجار بالمخدرات والنزاعات على الأراضي، بعضها برعاية سياسية مستمرة.
هذا التحول في المسار؛ من أداة سياسية مرتبطة بموسم حملات إلى اقتصاد إجرامي يعمل على مدار العام، هو جوهر الخطر.
توضح التجارب المقارنة إلى أين يمكن أن تؤدي مثل هذه الشبكات عندما يتم التسامح معها باعتبارها أدوات ملاءمة. فميليشيات الجنجويد السودانية، التي أُنشئت لمكافحة التمرد، تم تقنينها رسمياً لتصبح قوات الدعم السريع، التي انقلبت في النهاية على الدولة التي أنشأتها. وعصابات هايتي، التي قام برعايتها لفترة طويلة رعاة سياسيون، تجاوزت في النهاية المؤسسات التي احتضنتها. بل إن تاريخ كينيا نفسه مع حركة منجيكي Mungiki، يبيّن كم كانت التكلفة عاليةً في الأرواح والشرعية، لتفكيك شبكةٍ ما بعد أن تترسخ في اقتصادات النقل والحماية والابتزاز.
ومن المفارقات المثيرة للسخرية: أن كينيا قادت بعثة الدعم الأمني متعددة الجنسيات في هايتي منذ عام 2024م، وحصلت على إشادة دولية لمواجهة حكم العصابات في الخارج! وعلى هذا يجب أن تكون الدولة القادرة على تصدير تلك الخبرة إلى الخارج، قادرةً تماماً على تطبيقها في الداخل، قبل أن تتفاقم المشكلة.
ما الذي هو على المحك:
إن تكلفة الأخطاء المرتكبة في انتخابات 2027 أصبحت موثقة في تاريخ كينيا القريب. فقد خلفت أزمة ما بعد الانتخابات 2007-2008 أكثر من 1100 قتيل، وشردت أكثر من 600,000، وخفضت نمو الناتج المحلي الإجمالي من حوالي سبعة بالمائة إلى أقل من اثنين بالمائة خلال سنة واحدة، واستغرق قطاع السياحة وبناء ثقة المستثمرين سنوات للتعافي.
اليوم، المخاطر أعلى بلا شك. فقد رسخت كينيا نفسها كمركز تجاري ودبلوماسي في شرق إفريقيا، واستقطبت استثمارات كبرى جديدة، وتلعب دوراً محورياً في ترسيخ جهود السلام الإقليمية من الصومال إلى البحيرات العظمى. وبناءً على ذلك، فإن كل حلقة من الاضطراب الانتخابي تمس هذه المكاسب مباشرةً.
ولا يوجد شيء يمكن أن يقوّض الأجندة الاقتصادية للبلاد، عبر الإدارات والخطوط الحزبية، أسرع من انتخابات عنيفة. لذلك، فإن الوقاية ليست قضية معارضة أو قضية حكومية؛ إنها مصلحة وطنية تتحمل فيها الدولة، صاحبة التفويض الدستوري لتحقيق الأمن، المسؤولية الأولى، بينما تتحمل الطبقة السياسية ككل باقي المسؤولية.
الآفاق والتوصيات:
تتمثل الرؤية المركزية لمؤشر قابلية التعرُّض للمخاطر الانتخابية EVI في أن «إمكانية التنبؤ تمنع العنف»، والتصرف بناءً عليها يبدأ بتتبُّع المال. يجب على أجهزة التحقيق أن تتتبَّع مصادر التمويل الكامنة وراء الاضطرابات المنظمة، وذلك باستخدام أدوات الاستخبارات المالية واسترداد الأصول، جنباً إلى جنب مع سير الملاحقات القضائية بشكل موحد، بغض النظر عن الانتماء السياسي؛ فإظهار الحياد في إنفاذ القانون هو الطريقة الأكثر فعالية أمام الدولة لكسب الثقة العامة.
هذا الجهد لا ينفصل عن إصلاح تمويل الحملات؛ فقانون تمويل الحملات الانتخابية لعام 2013م لم يتم إنفاذه بالكامل، والموافقة على حدود الإنفاق ولوائح الإفصاح لهذه الدورة من شأنه أن يستهدف اجتثاث عملية (تسليع السياسة) من منبعها، الأمر الذي من شأنه تخفيض الحاجز أمام المرشحين ذوي المصداقية للتنافس على الأفكار بدلاً من النقود.
على الجانب الآخر من المعادلة الأمنية؛ يجب أن يقترن إنفاذ القانون بضبط النفس. فوجود عقيدة واضحة ومنشورة بشأن إدارة الحشود، والتناسب، والحياد السياسي، مقترنة برقابة مستقلة، يحمي المواطنين ويحافظ على السمعة المهنية للشرطة الكينية التي اكتسبتها بشق الأنفس.
إلى جانب ذلك، ينبغي تزويد هيئة التماسك والتكامل الوطني NCIC بالموارد اللازمة لإكمال الإحالات ونشرها على الفور، كذلك تحتاج لجان السلام على مستوى المقاطعات إلى التجديد والتأهيل المهني، كما يتعيَّن على المجتمع المدني ووسائل الإعلام الاستمرار في التثقيف المدني، والرصد الموازي للانتخابات، والتفسير العام الواضح لقنوات فض النزاعات القانونية.
لا شيء من هذا يمكن أن يغني عن معالجة الأسباب الأساسية التي توفر مصادر تجنيد هذه العناصر؛ فبرامج التمكين الاقتصادي للشباب، إذا كانت موثوقة وواسعة النطاق، من شأنها أن تقلص قاعدة التجنيد تدريجياً، إذ لا يمكن لأي إستراتيجية أمنية أن تنجح إلى ما لا نهاية في مواجهة أعداد متزايدة من الشباب العاطلين عن العمل والمُحبَطين.
لقد تمكنت كينيا، في وقتٍ سابق، من تحدي مؤشرات المخاطر الخاصة بها، ولا سيما في عام 2002م، وبدرجة مهمة في عام 2022م، وبالتالي فإن نسبة الاحتمال البالغة 84.1% هي مقياس للمسار الراهن، وليست مقياساً للطبيعة الوطنية. ومع وجود أحد عشر شهراً من الاستبصار، فإن لدى البلاد كل الأدوات اللازمة لإثبات خطأ هذا التوقّع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://horninstitute.org/publications/money-political-gangs-threaten-kenyas-2027-elections/











































