د. محمد فاضل كان
أستاذ باحث ومكون في قسم اللغة العربية بكلية العلوم وتقنيات التربية والتكوين
بجامعة شيخ أنتا جوب بدكار-السنغال
الملخص:
تتناول هذه المقالة منظومة التعليم في السنغال من منظور تاريخي وتحليلي نقدي متكامل، مستعرضةً الجذور التاريخية للمدرسة الحديثة التي ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالسياق الاستعماري الفرنسي، وما أفرزته من ازدواجية تعليمية حادة لا تزال آثارها ماثلةً حتى اليوم. وتُشخِّص الإشكالات البنيوية المتجذرة في النظام التربوي السنغالي الراهن، وتستعرض أبرز التحديات التي تواجهه في مجالات الحوكمة والتأطير والتأهيل والبيداغوجيا والطفولة المبكرة. وفي ختامها، تقترح المقالة رؤيةً استشرافيةً شاملة لمدرسة سنغالية جديدة، تقوم على الإنصاف والجودة والانفتاح على الموروث الحضاري الإسلامي العريق، ومواكبة متطلبات العصر الرقمي.
المقدمة:
إن الحديث عن المدرسة ليس حديثاً عن بنايات وجدران، ولا عن مقرّرات وامتحانات فحسب، بل هو حديث عن مشروع مجتمع بأكمله، وعن الإنسان الذي نريد تكوينه، وعن الدولة التي نطمح إلى بنائها، وعن القِيَم التي نسعى إلى تجذيرها في وجدان الأجيال القادمة. وقد أصبح هذا الملف من أشد الملفات التربوية إلحاحاً في المنطقة الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى؛ إذ تكشف التقارير الدولية أن السنغال لا تزال تُسجّل مؤشرات مقلقة على صعيد الجودة رغم التحسّن الملحوظ في نِسَب الالتحاق[1].
يعيش النظام التربوي السنغالي اليوم في مفترق طرق تاريخي دقيق، تتشابك فيه إرهاصات الموروث الاستعماري مع تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل. فمن جهةٍ، يئنّ تحت وطأة إشكالات بنيوية متجذّرة تتعلق بالهوية واللغة والمناهج. ومن جهةٍ أخرى، يواجه ضغوطاً متزايدة مفروضة من العولمة والتحول الرقمي وسوق الشغل المتقلب. وقد رصد تقرير اليونسكو للتعليم العالمي لعام 2023م هذه التوترات، مشيراً إلى ضرورة إعادة هيكلة المنظومات التعليمية في دول الساحل الإفريقي لتحقيق توازن بين الموروث والحداثة[2].
وعليه؛ تسعى هذه المقالة إلى مقاربة موضوع المدرسة في السنغال مقاربةً علمية متكاملة، وذلك عبر المحاور الآتية:
أولاً: نبذة عن تاريخ دخول المدرسة الحديثة إلى السنغال وتحليل السياق الاستعماري.
ثانياً: تحليل إستراتيجيات فرنسا لترسيخ المدرسة في المجتمع السنغالي المسلم.
ثالثاً: المدرسة في مرحلة ما بعد الاستعمار.. قطيعة أم استمرارية؟.
رابعاً: تشخيص الإشكالات البنيوية في النظام التربوي.
خامساً: التحديات الراهنة.
سادساً: آفاق المستقبل.. نحو مدرسة سنغالية جديدة.
أولاً: نبذة عن تاريخ دخول المدرسة الحديثة إلى السنغال وتحليل السياق الاستعماري:
ارتبط ظهور المدرسة النظامية في السنغال ارتباطاً عضوياً وثيقاً بالسياق الاستعماري الفرنسي؛ إذ شكّلت المدرسة منذ البداية أداةً محوريةً من أدوات الإدارة الاستعمارية، ووسيلةً لإعداد نُخَب محلية تخدم مشروع المستعمر وتُيسِّر تنفيذه. وقد تجلّت هذه الحقيقة بوضوح منذ إنشاء أولى المدارس الفرنسية في سانت لويس عام 1817م، التي كانت تهدف صراحةً إلى تكوين وسطاء إداريين بين المستعمِر والمجتمعات المحلية[3].
فقبل الوجود الاستعماري، كانت المحاضر والزوايا والكتاتيب القرآنية تُمثّل النواة الصلبة للمنظومة التعليمية المحلية. وقد وثّق المؤرخ جوزيف كي-زيربو في مؤلفه الرائد أن هذه المؤسسات كانت تُشكّل الهوية الثقافية والدينية للفرد والمجتمع، وتُنتج العلماء والمثقفين الذين يقودون الشأن الديني والاجتماعي، فضلاً عن كونها مراكز علمية بامتياز تُدرّس العلوم الشرعية واللغة العربية والفلسفة والمنطق[4].
غير أن الوجود الاستعماري أحدث شرخاً عميقاً في هذا النسيج التعليمي المتماسك؛ إذ أسهمت المدرسة الاستعمارية في تكريس ثنائية تعليمية حادة: مدرسة رسمية فرانكوفونية تحتكر الاعتراف المؤسسي والمسارات المهنية وفرص الترقي الاجتماعي، في مقابل تعليم ديني عربي إسلامي يُصنَّف في خانة غير الرسمي وغير المُعترَف به، رغم عُمقه الحضاري وانتشاره الواسع في المجتمع. وقد أشار بيير بورديو وجان كلود باسيرون إلى أن هذا النوع من التعليم يُمارس ما أسمياه «العنف الرمزي»؛ إذ يُضفي الشرعية على نظام ثقافي بعينه ويُهمّش الأنظمة الأخرى[5].
ثانياً: تحليل إستراتيجيات فرنسا لترسيخ المدرسة في المجتمع السنغالي المسلم:
واجهت الإدارة الاستعمارية الفرنسية تحدياً جوهرياً تَمثّل في مجتمع مسلم راسخ الهوية، متمسك بموروثه الثقافي والديني. ولمواجهة هذا التحدي، اعتمدت جملةً من الإستراتيجيات الممنهجة الدقيقة. وقد حلّل الباحث شيخ أنتا جوب، في دراسته المرجعية حول إفريقيا السوداء قبل الاستعمار، الآليات التي وظّفتها الإدارة الفرنسية لتجريد التعليم التقليدي من شرعيته[6].
الإستراتيجيات الرئيسية للسيطرة التعليمية:
منذ تأسيس مدينة سانت لويس عام 1659م لم تهتم فرنسا بميدان التعليم في السنغال، بل ركزت جهودها على النواحي العسكرية والأمنية لأجل حماية ودعم وجودها في السنغال. ومع بداية عام 1817م قررت الولوج في ميدان التعليم داخل السنغال، فأرسلت مدرساً يُسمَّى جان دارد ليقوم بفتح أول مدرسة في سانت لويس، ثم طفقت فرنسا تضع سياسات القمع والتهميش للسعي إلى السيطرة على مجال التعليم، فنتج عنها:
– فرض اللغة الفرنسية لغةً وحيدةً للإدارة والتعليم، وإقصاء اللغة العربية من الفضاء الرسمي بشكل تدريجي ومنهجي، مع تهميش اللغات الوطنية كالولوف والسيرير والبولار وغيرها.
– إصدار قرارات حاسمة تُعقّد ممارسة تعليم القرآن الكريم وتهدف إلى الحد من تزايد عدد طلابه[7].
– إعادة تشكيل المناهج الدراسية جذرياً بما يخدم التصور الفرنسي للمعرفة والتاريخ والعالم، ورسم صورة مشوّهة عن إفريقيا وحضارتها في أذهان الناشئة، على النحو الذي وثّقه الباحثون في دراسات مناهج التعليم الاستعمارية.
– إعداد نُخَب إدارية ومثقفة متشبعة بالثقافة الفرنسية، تكون وسيطاً طيِّعاً بين المُستعمِر والمجتمع المُستعمَر، مما أفضى إلى ما يُعرَف في أدبيات ما بعد الاستعمار بظاهرة «الاستلاب الثقافي».
– تقليص دور التعليم العربي الإسلامي وحَصْره في النطاق غير الرسمي، بعيداً عن الاعتراف المؤسسي والتمويل الرسمي، مع السماح له بالاستمرار؛ تجنباً للصدام المباشر مع المجتمع المسلم.
– توظيف بعض شيوخ الطرق الصوفية والزعماء الدينيين، لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتسهيل قبول المدرسة الفرنسية في أوساط المجتمع المسلم.
وقد أفضى ذلك كله إلى ازدواجية تعليمية بنيوية حادة، لا تزال آثارها وتبعاتها ماثلةً وحاضرةً في المشهد التربوي السنغالي المعاصر. بيد أن الجدير بالذكر أن هذه الإستراتيجيات الاستعمارية لم تنجح في اقتلاع الهوية الإسلامية من نسيج المجتمع السنغالي؛ إذ حافظت الطرق الصوفية والمدارس الدينية على استمراريتها وحيويتها رغم الضغوط المتواصلة، كما تُثبت الدراسات الاجتماعية المعاصرة[8].
ثالثاً: المدرسة في مرحلة ما بعد الاستعمار.. قطيعة أم استمرارية؟:
في أعقاب استقلال السنغال عام 1960م، ورثت الدولة الوطنية الفتية نظاماً تعليمياً جاهزاً مُصمَّماً لخدمة أهداف الإدارة الاستعمارية. وقد أَوْلَى الرئيس ليوبولد سيدار سنغور اهتماماً بالغاً بمسألة التعليم، إلا أن سياساته التربوية جاءت في معظمها امتداداً للموروث الاستعماري مع إدخال بعض التعديلات ذات الطابع الشكلي. ويرى المحلل محمد حريق في دراسته المرجعية أن المدرسة ما بعد الكولونيالية جاءت كـ«تطعيم لم يُحسَن إدماجه في التربة الإفريقية»، مما أفضى إلى إشكاليات بنيوية عميقة[9].
مظاهر الأزمة التعليمية في مرحلة ما بعد الاستعمار:
▪ أزمة الهوية: تخريج أجيال تعيش تمزقاً بين انتمائها الثقافي المحلي ومرجعيتها التعليمية الغربية، وهو ما رصَده الباحثون في ظاهرة «ازدواجية الوعي» لدى الخريجين الأفارقة.
▪ أزمة الملاءمة: مناهج لا تعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي السنغالي، ولا تستجيب لحاجاته الحقيقية، مما يُفسِّر الهوة الواسعة بين المؤهلات الأكاديمية وسوق الشغل.
▪ أزمة الجودة: تراجع مستمر في المخرجات التعليمية رغم توسع الالتحاق بالتعليم؛ إذ تُشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من خريجي المرحلة الابتدائية لا يمتلكون مهارات القراءة والكتابة الأساسية.
▪ أزمة الإنصاف: فجوات واسعة بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الذكور والإناث، رصدتها تقارير اليونيسف بشكل موثق.
▪ ازدواجية غير مُدارة: استمرار التعليم الديني التقليدي بشكلٍ مُوازٍ دون إدماج حقيقي، مما يُولّد توترات اجتماعية وتربوية متعددة.
رابعاً: تشخيص الإشكالات البنيوية في النظام التربوي:
1- إشكالية تعريف النظام التربوي وحدوده:
يطرح النظام التربوي السنغالي تساؤلاً جوهرياً لا يزال غير محسوم: هل يقتصر مفهوم النظام التربوي على المدرسة الرسمية وحدها؟ أم يشمل الدارات والمحاضر وأشكال التعليم غير النظامي؟ وتُقدّر وزارة التعليم الوطني السنغالية أن ما يزيد على مليون طفل يتلقّون تعليمهم في الدارات والمدارس القرآنية خارج النظام الرسمي، مما يجعل إغفال هذا القطاع خسارة تربوية وطنية فادحة[10].
إن غياب الاعتراف المؤسسي الكافي بالعلوم والمعارف المُتداوَلة خارج المدرسة يُكرِّس فجوةً عميقة بين المدرسة والمجتمع، ويحرم النظام التربوي من رصيد معرفي وقيمي هائل متراكم عبر القرون. وقد أكَّد التقرير الوطني حول حالة التعليم في السنغال لعام 2022م ضرورة إعادة النظر في تعريف المنظومة التعليمية بما يشمل مختلف أشكال التعليم النظامي وغير النظامي[11].
2- وضعية الدارات في السياسة التعليمية الرسمية:
تمثل الدارات القرآنية والمدارس الدينية فضاءً حيويّاً لا غِنى عنه في التنشئة الدينية والاجتماعية للأجيال السنغالية. غير أن موقعها في السياسات التعليمية الرسمية يظل ملتبساً ومتذبذباً، يتأرجح بين محاولات الإدماج الجزئي غير المكتمل والتهميش الضمني المستمر. وقد استقطبت هذه القضية اهتماماً دولياً واسعاً، ولا سيما بعد إطلاق السنغال مبادرة «منهج الدارة الحديثة» CDM الرامية إلى تطوير هذه المؤسسات مع الحفاظ على طابعها الديني والثقافي الأصيل[12].
3- إشكالية لغة التعلم والتعليم:
تُطرح بإلحاح متصاعد مسألة لغة التدريس في السنغال، في ظل إهمال متواصل للأثر الإيجابي الثابت للتعلم باللغة الأم. فقد أثبتت الدراسات التربوية المقارنة على نطاق واسع أن التعلم باللغة الأم يُحسِّن الفهم بشكل ملحوظ ويُرسّخ العلوم، ويُعزّز ثقة المتعلم بنفسه، ولا سيما في المراحل الأولى من التعليم. وقد خلص تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم لعام 2016م إلى أن التعليم باللغة الأم في السنوات الأولى يُقلّص بشكل ملحوظ معدلات التسرب المدرسي في الدول النامية[13].
ويعيش الطفل السنغالي الملتحق بالمدرسة الرسمية أزمة لغوية حقيقية؛ إذ يجد نفسه مضطراً إلى التعلم بلغة أجنبية هي الفرنسية، في حين أن لغته الأم واللغات الوطنية الأخرى كالولوف والسيرير والبولار والمندينغا تظل مُقصاةً من الفضاء المدرسي الرسمي. وقد انتهجت دول إفريقية عديدة كتنزانيا وإثيوبيا مسار التعليم باللغة الوطنية بنتائج إيجابية موثقة على صعيد التحصيل الدراسي[14].
خامساً: التحديات الراهنة:
1- تحديات الحوكمة التربوية:
ثمّة حاجة ماسّة وعاجلة إلى سياسة تربوية واضحة المعالم ومتماسكة الأركان، مستقلة القرار عن الضغوط الخارجية، منبثقة بعمق من حاجات المجتمع السنغالي الفعلية وتطلعاته المشروعة. ويتجلَّى غياب هذه الرؤية المتماسكة في التغييرات المتكررة للسياسات التعليمية تبعاً للتحولات السياسية. وقد رصد تقرير البنك الدولي حول التعليم في غرب إفريقيا عام 2021م هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن التبعية للتمويل الخارجي تُضعف سيادة القرار التربوي الوطني[15].
2- التحديات التأطيرية وإشكالية السيادة المعرفية:
تُشكِّل مسألة السيادة المعرفية والتربوية أحد أعمق التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية السنغالية. فكثير من البرامج التربوية والمناهج الدراسية مستورد أو مُوجَّه مِن قِبَل منظمات دولية ومؤسسات تمويلية، مما يُثير تساؤلات جوهرية ومشروعة حول هوية هذه البرامج وغاياتها وقِيَمها الضمنية. وقد ناقش المفكر أحمد بنجيلون هذه الإشكالية في سياق التعليم في البلدان النامية، مؤكداً ضرورة استرداد السيادة المعرفية كشرط لازم للتنمية الحقيقية[16].
3- التحديات التأهيلية:
يُعاني قطاع التعليم السنغالي من قصور واضح في برامج التكوين الأساسي والمستمر للمدرسين. وتُشير إحصائيات وزارة التعليم الوطني إلى أن نسبةً لا يُستهان بها من المدرسين يفتقرون إلى التكوين المهني الكافي، وهو ما يُفسِّر جزئياً تراجع جودة مخرجات التعليم. وقد أوصى تقرير اليونيسف حول التعليم في السنغال عام 2020م بضرورة تخصيص ميزانيات كافية لبرامج التكوين المستمر للمدرسين كأولوية قصوى[17].
4- التحديات البيداغوجية:
لا تزال بعض الممارسات الصفية تعتمد على التلقين والحفظ الآلي بوصفهما الأسلوبين الرئيسيين في التعليم، في حين تفرض التحولات المعرفية والتكنولوجية والاجتماعية المعاصرة ضرورة الانتقال التدريجي الواعي إلى بيداغوجيا قائمة على تنمية الكفايات وتنشيط التفكير النقدي والإبداعي. ويُلِحّ الباحثون في التربية المقارنة على أن المدرسة التي تُهمل تنمية مهارات التفكير النقدي تُخرّج متعلمين غير قادرين على مواجهة تحديات مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي[18].
5- الاستثمار في الطفولة المبكرة:
يُشكّل ضعف الاستثمار في مرحلة الطفولة المبكرة (1-5 سنوات) تحدياً بنيوياً خطيراً؛ إذ تُجمع الدراسات العلمية على أن هذه المرحلة هي الأكثر حساسيةً وتأثيراً في تشكيل قدرات الطفل المعرفية والانفعالية والاجتماعية. وتُشير دراسات علم الأعصاب الحديثة إلى أن 90% من نمو الدماغ يتحقق قبل سن السادسة، مما يجعل الاستثمار في هذه المرحلة ذا مردودية استثنائية على المدى البعيد. ولا تتجاوز نسبة التغطية بالتعليم ما قبل المدرسي في السنغال 20% وفق آخر الإحصاءات، وهو رقم يثير قلقاً بالغاً[19].
سادساً: آفاق المستقبل.. نحو مدرسة سنغالية جديدة:
انطلاقاً من هذا التشخيص الشامل، تتضح معالم الرؤية الاستشرافية لمدرسة سنغالية متجددة قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين مع الحفاظ على ثوابتها الهوياتية والقيمية. وتتقاطع هذه الرؤية مع توجهات وثيقة: رؤية السنغال 2050 التي تُولي التعليم الجيد والمنصف أولويةً إستراتيجيةً قصوى، وتقوم هذه الرؤية على جملة من المرتكزات الأساسية المتكاملة[20]، وهي:
أ- عرض تربوي تعددي وشامل:
يقتضي تطوير منظومة تربوية متنوعة تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي للمجتمع السنغالي، وتضمن الإدماج والإنصاف لجميع الفئات، وتعترف بمختلف مسارات التعلم ومؤسساته من مدارس رسمية ودارات ومحاضر وتعليم مهني. وقد أثبتت تجربة بعض الدول مثل ماليزيا في التعليم الإسلامي المتكامل نجاحاً لافتاً في تحقيق هذا التوازن، ويمكن الاستفادة من خبراتها في هذا المجال مع مراعاة الخصوصيات السنغالية[21].
ب- التعدد اللغوي رافعة للجودة:
ينبغي اعتماد مقاربة تربوية شاملة تجعل من التعدد اللغوي رافعةً حقيقيةً للجودة التعليمية لا عائقاً أمامها. وهذا يعني توظيف اللغات الوطنية في التعليم الابتدائي، مع تعليم الفرنسية والعربية والإنجليزية كلغات تواصل وانفتاح على العالم. وقد طوّر المعهد الوطني لدراسات السكان والتنمية البشرية نماذج ناجحة للتعليم ثنائي اللغة في السنغال تستحق التوسيع والتعميم[22].
ج- مدرسة رقمية منفتحة:
في زمن الثورة الرقمية، لا مناص من مدرسة تدمج التكنولوجيا بوعي نقدي ومسؤول، وتستثمر التحول الرقمي لتحسين جودة التعليم وتوسيع نطاق الوصول إليه، ولا سيما في المناطق الريفية النائية. وتُشير تجارب دول ناجحة كرواندا وكينيا إلى أن الاستثمار الهادف في التكنولوجيا التعليمية يمكن أن يُقلّص الفجوة التعليمية بين الحضر والريف إذا أُرفق بتكوينٍ كافٍ للمدرسين[23].
د- مدرسة عادلة مرتبطة بالاقتصاد:
مدرسة تربط برامجها ربطاً وثيقاً بحاجات سوق الشغل وأولويات التنمية الوطنية، وتُعزّز التكوين المهني وتُعيد له الاعتبار الاجتماعي الذي يستحقه. ومن الضروري أن تحتضن هذه المدرسة الذكاءات المتعددة والمواهب المختلفة، وأن تعترف بأن النجاح لا يُقاس فقط بالمسار الأكاديمي الكلاسيكي.
هـ- المسؤولية الجماعية في إصلاح التعليم:
إن إصلاح المدرسة ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو شأن وطني جامع يستوجب تضافر جهود صانعي القرار، والأُطر التربوية، والباحثين الأكاديميين، والأسرة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، فالتربية مشروع حضاري جامع لا يحتمل التجزئة ولا التخلي.
الخاتمة:
تقف المدرسة في السنغال اليوم عند منعطف تاريخي فارق وحاسم، فإما أن نكتفي بإدارة الإكراهات والتعامل مع الأعراض دون معالجة الجذور، فنستمر في مسار يُنتج تعليماً لا يُلبّي حاجات المجتمع ولا يُحقّق طموحات الأجيال. وإما أن نستثمر هذا المنعطف ونجعله فرصةً تاريخيةً لبناء مدرسة عصرية عادلة ذات جودة حقيقية، منفتحة على العالم ومتجذرة في قِيَمها.
وتُلخِّص هذه الورقة توصياتها في المحاور الأساسية الآتية:
▪ الاعتراف الرسمي بالدارات، وإدماجها في المنظومة التعليمية الوطنية، مع الحفاظ على هويتها وخصوصيتها.
▪ اعتماد التعدد اللغوي سياسةً تربويةً وطنية راسخة تُوظّف اللغات الوطنية في التعليم الأساسي.
▪ تطوير برامج التكوين الأساسي والمستمر للمدرسين، وتحسين ظروف عملهم وأوضاعهم المادية.
▪ الاستثمار الجاد في التعليم ما قبل المدرسي، بوصفه الأساس الذي تُبنَى عليه منظومة تعليمية ناجحة.
▪ بناء القدرات البحثية الوطنية في مجال العلوم التربوية، وإنتاج المعرفة التربوية الأصيلة.
▪ استرداد السيادة التربوية، وصون القرار التعليمي الوطني من الإملاءات الخارجية.
فلنجعل من المدرسة فضاءً لصناعة الأمل، ومن التعليم أولويةً وطنيةً لا تقبل التأجيل.
وفي المحصلة، فإن إصلاح المنظومة التربوية السنغالية ليس ترفاً فكرياً ولا تحدياً مؤجلاً، بل هو ضرورة وطنية عاجلة ومسؤولية تاريخية مُلقاة على عاتق هذا الجيل أمام الأجيال القادمة. فالأمة التي تُحسِّن بناء مدرستها تُحسن بناء مستقبلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والإحالات:
[1] UNESCO Institute for Statistics (UIS). Education in Sub-Saharan Africa: A Comparative Analysis. Montréal: UNESCO, 2023, p.47.
[2] UNESCO. Global Education Monitoring Report 2023: Technology in Education. Paris: UNESCO Publishing, 2023, pp.112-115.
[3] Diouf, Mamadou. Histoire du Sénégal: Le modèle islamo-wolof et ses périphéries. Paris: Maisonneuve & Larose, 2001, p.89.
[4] Ki-Zerbo, Joseph. Éduquer ou périr. Paris: Unicef/UNESCO, 1990, p.33.
[5]Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. La Reproduction: Éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Éditions de Minuit, 1970, pp.19-25.
[6] Diop, Cheikh Anta. L’Afrique noire précoloniale. Paris: Présence Africaine, 1987, pp.178-182.
[7] انظر: ملف التعليم العربي الإسلامي في السنغال 1854-2018م، للدكتور بابكر دينج، ط1-2019-دكار.
[8] Loimeier, Roman. Islamic Reform and Political Change in Northern Nigeria. Evanston: Northwestern University Press, 1997, pp.41-44.
[9] حريق، محمد. المدرسة والمجتمع في الغرب الإفريقي: دراسات في سوسيولوجيا التعليم. الرباط: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2010، ص64.
[10] وزارة التربية الوطنية، السنغال. التقرير الوطني حول حالة التعليم. داكار: وزارة التربية الوطنية، 2022، ص18.
[11] المرجع نفسه، ص27.
[12]Ministère de l’Éducation nationale du Sénégal. Curriculum des Daara Modernes (CDM): Guide de mise en œuvre. Dakar: MEN, 2019, p.5.
[13] UNESCO. Education for People and Planet: Global Education Monitoring Report 2016. Paris: UNESCO, 2016, pp.225-229.
[14] Heugh, Kathleen. Language and Literacy Issues in South Africa. Pretoria: PRAESA, 2004, pp.67-72.
[15] World Bank. Education in West Africa: Challenges and Opportunities. Washington D.C.: World Bank, 2021, p.93.
[16] بنجيلون، أحمد. إشكاليات التعليم في البلدان النامية. الرباط: منشورات عالم التربية،2005، ص112.
[17] UNICEF. Education Report: Senegal 2020. New York: UNICEF, 2020, pp.34-38.
[18] الخولي، أمين. التربية والتعليم في دول المغرب العربي وإفريقيا. القاهرة: دار الفكر العربي، 2008، ص89.
[19] UNICEF. Early Childhood Development in West Africa: Statistical Review. New York: UNICEF, 2021, p.12.
[20] Présidence de la République du Sénégal. Vision Sénégal 2050: Agenda national de transformation. Dakar, 2024, pp.78-82
[21] Noor, Farish A. The Malaysian Islamic Education System: Between Tradition and Modernity. Kuala Lumpur: IIUM Press, 2012, pp.44-50.
[22] INED Sénégal. Expériences de l’enseignement bilingue dans les écoles primaires sénégalaises. Dakar: INED, 2018, pp.22-26.
[23]Trucano, Michael. Big Data and Education: What’s the Big Idea? Washington D.C.: World Bank, 2013, pp.9-14.











































