مقدمة
بعد أكثر من ثلاثة عقود على معركة مقديشو التي أفرزت ما عُرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”متلازمة مقديشو”، يعود الصومال مجددًا ليختبر حدود الالتزام الدولي بعمليات السلام، لكن هذه المرة من بوابة التمويل واستدامة الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، لا من بوابة التدخل العسكري المباشر.
“متلازمة مقديشو”، مصطلح سياسي وعسكري يشير إلى التردد أو الخوف الشعبي والسياسي لدى الدول الكبرى من التدخل العسكري الخارجي، ونشأ هذا المصطلح وتأصل بعد معركة مقديشو في أكتوبر 1993 بالصومال، حيث قُتل 18 جنديًا أمريكيًا وجُرح آخرون، وسُحبت القوات الأمريكية تحت ضغط شعبي وإعلام.
تتناول هذه الورقة مستقبل بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال أوصوم AUSSOM باعتبارها نموذجًا لاختبار استدامة عمليات السلام الإفريقية، والإجابة على التساؤل الرئيسي التالي: إلى أي مدى يمثل القرار الأمريكي تحديًا لاستدامة عمليات السلام في الصومال في ضوء قرار مجلس الأمن 2719؟ مع تحليل انعكاسات التحول في الموقف الأمريكي على آليات التمويل والدعم اللوجستي، وتقييم مدى قدرة الاتحاد الإفريقي على الحفاظ على عمليته الأمنية في ظل تراجع الدعم الدولي، فضلاً عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل البعثة الإفريقية.
محاور الورقة
مدخل تمهيدي
في مذكرة دبلوماسية مطلع يوليو الجاري، أبلغت واشنطن الاتحاد الإفريقي أنها لن تدعم بعد نهاية هذا العام الجاري 2026 مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية حوالي 500 مليون دولار، في خطوة قال مسؤولون إنها ستؤدي على الأرجح إلى إنهاء عمليات الولايات المتحدة في الصومال، وسط مؤشرات على تداعيات مباشرة محتملة على عمل بعثة الاتحاد الإفريقي “أوصوم” ([1]).
وأوضحت الحكومة الأمريكية أنها لن تعترض على تجديد مجلس الأمن الدولي لولاية بعثة الاتحاد الإفريقي، لكنها ستعارض أي تمديد يتضمن دعمًا لوجستيًا أو عملياتيًا من قبل الأمم المتحدة، إذ تدعم الأخيرة البعثة الإفريقية في توفير الإمدادات اللوجستية الأساسية، مثل الغذاء والماء والوقود والخدمات الطبية ونقل القوات([2]).
وتقدم بعثة الاتحاد الإفريقي “أوصوم”، التي يبلغ قوامها نحو 12 ألف جندي([3])، دعمًا للحكومة في مقديشو، وتساعدها على صدّ حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي أوصلتها هجماتها السابقة إلى مسافة قريبة من العاصمة، وتسيطر على مساحات شاسعة من الريف في جنوب ووسط الصومال.
هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة لأنها تمثل أول اختبار عملي لقرار مجلس الأمن رقم 2719، الذي أرسى إطارًا جديدًا لتمويل عمليات دعم السلام التابعة للاتحاد الإفريقي من خلال مساهمات الأمم المتحدة([4])، كما تتزامن مع تحديات أمنية وسياسية وسيادية في الصومال([5])، في مقدمتها استمرار تهديدات حركة الشباب، والانقسامات السياسية الحادة بين الحكومة والمعارضة، والتنافس الإقليمي والدولي في منطقة القرن الإفريقي، علاوة على ملف إقليم أرض الصومال الانفصالي.
ولم يكن وجود البعثات الأمنية القارية والأممية في الصومال وليد اللحظة، إذ سبق أن شهدت البلاد تدخلاً دوليًا بعد انهيار نظام الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري (1969: 1991) بعام واحد، بوصول مراقبين عسكريين من الأمم المتحدة إلى الصومال صيف 1992، تبعتهم قوات حفظ السلام، لكن سرعان ما انسحبت الأمم المتحدة والقوات الأمريكية المتواجدة -آنذاك- منتصف التسعينات، بعدما مُنيت بخسائر كبيرة.
وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، شكّلت الولايات المتحدة تحالفًا من أمراء الحرب الصوماليين، تحت مسمى “التحالف من أجل استعادة السلام ومكافحة الإرهاب”، لكن ذلك الوضع أنتج فصائل أخرى أنشأت ما بات يُعرف لاحقًا بـ”المحاكم الإسلامية” التي دخلت مع أمراء الحرب في صراعات مفتوحة ذات طابع متطرف ميليشياوي.
وفي عام 2006 دخلت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى الصومال، وبدعم عسكري إثيوبي شكّلت واشنطن حكومة صومالية، انهارت سريعًا وسط احتدام الصراع بين “حركة الشباب” التي تكونت من “ميليشيا المحاكم الإسلامية” والوجود الأمريكي الإثيوبي([6]).
وفي الربع الأخير من 2006، أقر الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي بعثة “إيغاسوم” (IGASOM) وهي بعثة مقترحة لـ “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية” (الإيغاد)؛ بهدف توفير قوات لحفظ السلام في الصومال([7])، لكنها لم تُنفذ على أرض الواقع واستُبدلت فعلياً ببعثات الاتحاد الأفريقي (أميصوم ثم أتميس وأخيرًا أوصوم)، حصلت جميعها على دعم من مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال.

المحور الأول: عمليات الأمم المتحدة في الصومال
اقتصرت عمليات الأمم المتحدة الرسمية لحفظ السلام المباشرة في الصومال على عمليتين تاريخيتين في التسعينيات؛ إذ لا توجد حاليًا بعثة أممية “زرقاء” بالصومال، بل تقتصر الجهود على دعم بعثات الاتحاد الإفريقي المنتشرة في البلاد لمكافحة حركة الشباب، ودعم الحكومة، ويتم هذا الدعم اللوجستي عبر وحدة الأمم المتحدة لدعم العمليات الخاصة (UNSOS).
ونظرًا لتعدد أشكال الحضور الأممي في الصومال، وتباين طبيعة أدواره ومهامه عبر المراحل المختلفة، تقتضي هذه الورقة التمييز بين عمليات حفظ السلام، والبعثات السياسية الخاصة، ومكاتب الدعم اللوجستي التابعة للأمم المتحدة؛ لتجنب الخلط بينها، خاصة في ضوء الجدل الراهن بشأن مستقبل الدعم الأممي لبعثة الاتحاد الإفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM). .
وانطلاقًا من ذلك، تتناول هذه الجزئية تطور الوجود الأممي في الصومال عبر ثلاث مراحل رئيسة:
مرحلة عمليات حفظ السلام (1992–1995)
تعود بداية الوجود الأممي في الصومال إلى انهيار الدولة المركزية عام 1991 وما ترتب عليها من حرب أهلية ومجاعة واسعة النطاق، وفي أعقاب توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الرئيس المؤقت علي مهدي محمد والجنرال محمد فرح عيديد في مارس 1992، أنشأ مجلس الأمن عملية الأمم المتحدة الأولى في الصومال (UNOSOM I) لمراقبة تنفيذ الاتفاق، وحماية عمليات الإغاثة الإنسانية، وتأمين وصول المساعدات إلى المتضررين.
وقد واجهت UNOSOM I منذ انطلاقها تحديات كبيرة، في مقدمتها غياب سلطة حكومية مركزية، ورفض الفصائل المسلحة التعاون مع قوات الأمم المتحدة، مما حدّ من قدرتها على تنفيذ ولايتها.
وعلى الرغم من نجاحها في إيصال جزء من المساعدات الإنسانية، فإنها أخفقت في توفير بيئة أمنية مستقرة، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى إقرار تدخل قوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة (UNITAF) في ديسمبر 1992، بهدف تأمين وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لنشر بعثة أممية أكثر فاعلية.
وفي مارس 1993، أُنشئت عملية الأمم المتحدة الثانية في الصومال (UNOSOM II) بولاية أوسع استنادًا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حيث أوكلت إليها مهام إعادة الأمن، ونزع السلاح، ودعم إعادة بناء مؤسسات الدولة.
غير أن اتساع ولايتها، وغياب توافق الأطراف الصومالية، وتصاعد المواجهات مع الفصائل المسلحة، ولا سيما بعد محاولة اعتقال محمد فرح عيديد، أدت إلى فقدان البعثة حيادها وتزايد الهجمات ضد قواتها.
تُوِّجت هذه التطورات بمعركة مقديشو في أكتوبر 1993، التي قُتل خلالها عدد من الجنود الأمريكيين، وهو ما دفع الولايات المتحدة وعددًا من الدول المشاركة إلى سحب قواتها، قبل أن تنهي الأمم المتحدة البعثة رسميًا في مارس 1995.
ورغم نجاح UNOSOM II في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية، فإنها أخفقت في تحقيق هدفها الرئيس المتمثل في إعادة بناء الدولة الصومالية، كما تركت تجربتها أثرًا عميقًا في تطور عمليات حفظ السلام الدولية، وأسهمت في بروز ما عُرف لاحقًا ب”متلازمة مقديشو”، التي عكست تزايد الحذر الدولي تجاه الانخراط في عمليات حفظ السلام عالية المخاطر([8]).

مرحلة البعثات السياسية الخاصة (1995–الوقت الراهن)
مثّل انتهاء بعثة الأمم المتحدة الثانية في الصومال (UNOSOM II) في مارس 1995 نهاية الوجود العسكري المباشر للأمم المتحدة في البلاد، لكنه لم ينهي انخراطها في الشأن الصومالي، فقد دفعت تعقيدات البيئة الأمنية وإخفاق تجربة حفظ السلام التقليدية المنظمة الأممية إلى تبني نهج جديد يقوم على البعثات السياسية الخاصة (Special Political Missions)، التي تركز على دعم العملية السياسية وبناء مؤسسات الدولة، دون امتلاك مكون عسكري أو صلاحيات تنفيذية.
وفي السياق، أنشأت المنظمة مكتب الأمم المتحدة السياسي للصومال (UNPOS) عام 1995 ليكون أول بعثة سياسية خاصة مخصصة للصومال، وتمثلت ولايته في دعم جهود المصالحة الوطنية، وتيسير الحوار بين الأطراف الصومالية، وتقديم المشورة للأمين العام ومجلس الأمن، إلى جانب تنسيق الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ونظرًا لتدهور الأوضاع الأمنية، باشر المكتب معظم أنشطته من مقره في العاصمة الكينية نيروبي، مع تنفيذ زيارات ميدانية محدودة إلى الصومال، قبل أن يزيد حضوره داخل مقديشو تدريجيًا مع تحسن الوضع الأمني بين عامي 2010 و2012[9].
وخلال فترة عمله، أسهم UNPOS في دعم عدد من المبادرات السياسية، بينها المساهمة في تيسير اتفاق جيبوتي لعام 2008 بين الحكومة الانتقالية وجماعة معارضة رئيسية كانت تطالب بطرد القوات الإثيوبية المتواجدة في البلاد آنذاك، فضلاً عن تنظيم مؤتمرات دولية لتنسيق الدعم المقدم للصومال وتعزيز التعاون بين الحكومة والشركاء الدوليين، منها المؤتمر الدولي لدعم قوات الأمن الصومالية وبعثة المراقبين العسكريين التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) الذي عُقد في بروكسل([10]).
ومع تشكيل الحكومة الفيدرالية عام 2012، رأت الأمم المتحدة أن المرحلة الجديدة تتطلب بعثة ذات صلاحيات أوسع وأكثر ارتباطًا بالمؤسسات الوطنية، وبناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2102 (2013)، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في الصومال (UNSOM) لتحل محل UNPOS، وتعمل من داخل الأراضي الصومالية بالتنسيق المباشر مع الحكومة الفيدرالية.
وتمثلت مهامها في تقديم المشورة الاستراتيجية بشأن استكمال العملية الدستورية، وتعزيز النظام الفيدرالي، ودعم الانتخابات، وإصلاح قطاع الأمن، وترسيخ سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، إضافة إلى تنسيق جهود الأمم المتحدة والشركاء الدوليين في تنفيذ أولويات الحكومة الصومالية ([11]).
ومع انتهاء ولاية UNSOM في أكتوبر 2024، أطلقت الأمم المتحدة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في الصومال (UNTMIS) لتتولى إدارة المرحلة الانتقالية بين البعثة السياسية وفريق الأمم المتحدة القطري.
وتركز البعثة الجديدة على ضمان انتقال منظم للمسؤوليات، والحفاظ على التنسيق مع الحكومة الفيدرالية والشركاء الدوليين، بما يضمن استمرار الدعم الأممي مع تقليص الطابع السياسي المباشر للوجود الأممي([12]).
تكشف هذه المرحلة عن تحول جوهري في استراتيجية الأمم المتحدة تجاه الصومال، إذ انتقلت من التدخل العسكري المباشر إلى الدعم السياسي والمؤسسي، بما يعكس قناعة متزايدة بأن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها، أكثر من الاعتماد على الانتشار العسكري الدولي وحده، وهو النهج الذي استمر حتى إنشاء UNTMIS عام 2024.

مرحلة مكاتب الدعم اللوجستي (2009–الوقت الراهن)
بدأت هذه المرحلة بمكتب الأمم المتحدة لدعم بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (UNSOA)، ثم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، باعتبارها المرحلة التي تعكس تطور الشراكة المؤسسية بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دعم العمليات الأمنية داخل الصومال.
إذ شهد الوجود الأممي في الصومال منذ عام 2009 تحولاً نوعيًا تمثل في إنشاء مكاتب متخصصة لتقديم الدعم اللوجستي لبعثات الاتحاد الإفريقي، وذلك في إطار تنامي الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في إدارة الملف الأمني الصومالي.
وقد جاء هذا التحول؛ استجابةً لتزايد الاحتياجات اللوجستية لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، وإدراك الأمم المتحدة أن قدرة البعثة على تنفيذ ولايتها الأمنية وتحقيق الاستقرار ترتبط بتوفير منظومة دعم لوجستي وتشغيلي مستدامة تشمل الإمدادات والخدمات الأساسية([13]).
في السياق، أنشأ مجلس الأمن مكتب الأمم المتحدة لدعم بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (UNSOA) عام 2009، بموجب القرار 1863 (2009) ([14]) بهدف تقديم حزمة متكاملة من الخدمات اللوجستية لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM). وشملت هذه الخدمات توفير الإمدادات الغذائية، والوقود، والمياه، والخدمات الطبية، ونقل الأفراد والمعدات، وبناء وصيانة المعسكرات، بما مكّن البعثة الإفريقية من تنفيذ مهامها العسكرية في مواجهة حركة الشباب، في ظل اعتمادها الكبير على الدعم الأممي.
ومع توسع نطاق العمليات الأمنية وتعقّد المتطلبات التشغيلية، اعتمد مجلس الأمن القرار 2245 (2015)، الذي قضى بإعادة هيكلة المكتب وتحويله إلى مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، ليحل محل UNSOA ابتداءً من نوفمبر 2015 ([15]).
ولم يقتصر دور المكتب الجديد على مواصلة تقديم الدعم اللوجستي لبعثة الاتحاد الإفريقي، بل توسعت مهامه لتشمل دعم الجيش الوطني الصومالي، وتقديم الخدمات التشغيلية لبعثات الأمم المتحدة والجهات الدولية العاملة في الصومال، بما يعزز الجهود الرامية إلى نقل المسؤوليات الأمنية تدريجيًا إلى المؤسسات الوطنية.
ومع التحولات التي شهدتها بعثات الاتحاد الإفريقي، وبدء عمل بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM) مطلع عام 2025، واصل UNSOS تقديم الدعم اللوجستي للبعثة الجديدة، باعتباره الركيزة التشغيلية الرئيسة لاستمرار أنشطتها. وتشمل هذه الخدمات نقل القوات والمعدات، وتأمين الوقود والمياه والمواد الغذائية، وتقديم الرعاية الطبية، وصيانة البنية التحتية والمعسكرات، فضلاً عن توفير خدمات الاتصالات والإسناد الفني، وهي عناصر تُعد ضرورية لاستمرار العمليات العسكرية ضد حركة الشباب.
هذه المرحلة من الوجود الأممي بالصومال تكتسب أهمية خاصة في سياق معالجة القرار الأمريكي الأخير، فالولايات المتحدة لم تعلن معارضتها لاستمرار بعثة الاتحاد الإفريقي AUSSOM من حيث المبدأ، وإنما رفضت استمرار نموذج التمويل الذي يتيح للأمم المتحدة، عبر UNSOS، تقديم الدعم اللوجستي والتشغيلي للبعثة.
ومن ثم، فإن جوهر الأزمة الحالية لا يتعلق بولاية البعثة الإفريقية، وإنما بمستقبل آلية الدعم الأممي التي شكلت، منذ عام 2009، أحد الأعمدة الرئيسة لاستدامة عمليات السلام الإفريقية في الصومال، ولذلك، ينظر إلى القرار الأمريكي باعتباره أول اختبار عملي لآلية التمويل التي أقرها مجلس الأمن بموجب القرار 2719 (2023)، والخاصة بدعم عمليات السلام التي يقودها الاتحاد الإفريقي، وما إذا كانت هذه الآلية قادرة على الصمود في ظل تباين مواقف الدول المانحة الكبرى.
| البعثة | الفترة | طبيعتها | المهام |
| UNOSOM I | 1992: 1993 | بعثة أممية لحفظ السلام وحماية المساعدات الإنسانية | مراقبة وقف إطلاق النار في مقديشو، حماية موظفي الأمم المتحدة، تأمين إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم جهود الإغاثة. |
| UNITAF | 1992: 1993 | قوة متعددة الجنسيات لفرض السلام (بموجب الفصل السابع) | تأمين البيئة الإنسانية، حماية عمليات الإغاثة، استخدام القوة عند الضرورة لضمان وصول المساعدات الإنسانية. |
| UNOSOM II | 1993: 1995 | بعثة أممية لحفظ وبناء السلام متعددة الأبعاد | استعادة الأمن، نزع السلاح، دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة، دعم المصالحة الوطنية، وتأمين المساعدات الإنسانية. |
| UNPOS | 1995: 2013 | بعثة سياسية خاصة | دعم جهود المصالحة، والوساطة، والمشورة السياسية. |
| UNSOM | 2013: حتى الآن | بعثة سياسية خاصة | تقديم المشورة للحكومة الصومالية في مجالات بناء الدولة، والدستور، والانتخابات، وحقوق الإنسان، والإصلاح الأمني. |
| UNTMIS | 2024: 2026 | بعثة انتقالية خاصة | إدارة الانتقال بعد انتهاء UNSOM، ونقل المهام تدريجيًا إلى فريق الأمم المتحدة في الصومال، والحفاظ على التنسيق مع الحكومة والشركاء الدوليين. |
| UNSOA | 2009: 2015 | مكتب دعم لوجستي | تقديم الدعم اللوجستي لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM). |
| UNSOS | 2015: حتى الآن | مكتب دعم لوجستي | توفير الإمدادات، والنقل، والوقود، والخدمات الطبية، والدعم التشغيلي لبعثات الاتحاد الإفريقي والقوات الصومالية. |
يوضح (الجدول 1) تطور دور الأمم المتحدة في الصومال من التدخل العسكري المباشر إلى الدعم السياسي ثم الدعم اللوجستي لبعثات الاتحاد الإفريقي (من إعداد الباحث).
المحور الثاني: عمليات الاتحاد الإفريقي في الصومال
شكّل الاتحاد الإفريقي، منذ منتصف العقد الأول من الألفية، الفاعل الأمني الرئيس في الصومال، بعد أن أدت تعقيدات البيئة الأمنية وفشل محاولات إعادة بناء الدولة إلى تبني مقاربة إقليمية لمعالجة الأزمة الصومالية.
وقد جاء هذا التوجه استجابةً لتصاعد تهديد الجماعات المسلحة، في مقدمتها حركة الشباب المتطرفة، وعجز المؤسسات الأمنية الصومالية عن بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، الأمر الذي دفع الاتحاد الإفريقي، بدعم من الأمم المتحدة والشركاء الدوليين، إلى تطوير سلسلة من العمليات العسكرية والأمنية الهادفة إلى دعم الحكومة الفيدرالية، واستعادة الاستقرار، وتهيئة الظروف لنقل المسؤوليات الأمنية تدريجيًا إلى القوات الصومالية.
وشهدت عمليات الاتحاد الإفريقي في الصومال تطورًا مؤسسيًا متدرجًا، عكس التحولات التي طرأت على البيئة الأمنية والسياسية في البلاد، وانتقل من التركيز على حفظ السلام ودعم العمليات العسكرية إلى تبني مقاربة أشمل تجمع بين تحقيق الاستقرار، وبناء القدرات، ودعم مؤسسات الدولة.
ويمكن تتبع هذا التطور عبر ثلاث مراحل رئيسة:
(1) بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM) (2007:2022)
اعتمد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في 19 يناير 2007 القرار رقم 69 الذي قضى بإنشاء “بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال “أميصوم” (AMISOM)”؛ استجابةً لتدهور الأوضاع الأمنية عقب انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، ولا سيما حركة الشباب.
وكُلّفت البعثة بدعم الحكومة الاتحادية الانتقالية، وحماية المؤسسات الفيدرالية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، والمساهمة في تهيئة الظروف اللازمة لإعادة بناء مؤسسات الأمن الوطنية.
وبلغ القوام العددي لتلك البعثة نحو 20 ألف عنصر، وكان مقرها مقديشيو، وشارك فيها عناصر من دول شرق إفريقيا كانت القوات الأوغندية تشكل 50% من لوحدها من قوات البعثة.
وبمرور الوقت، توسعت ولاية البعثة بقرارات متعاقبة من مجلس الأمن الدولي، الذي أجاز تقديم حزمة دعم لوجستي من الأمم المتحدة، كما ارتفع قوامها تدريجيًا ليضم قوات من أوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا، وجيبوتي، وأسهمت في استعادة عدد من المدن الرئيسة من سيطرة حركة الشباب، وفي مقدمتها العاصمة مقديشو، قبل أن تتحول العمليات العسكرية تدريجيًا إلى دعم القوات الصومالية في إدارة المناطق المستعادة.
ورغم النجاحات العسكرية التي حققتها البعثة، فإنها واجهت تحديات عديدة، تمثلت في استمرار نشاط حركة الشباب، والاعتماد الكبير على التمويل الخارجي، وتأخر بناء القوات الصومالية، الأمر الذي دفع الاتحاد الإفريقي وشركاءه إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على الانتقال التدريجي للمسؤوليات الأمنية إلى المؤسسات الوطنية([16]).

(2) بعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية في الصومال (ATMIS) (2022:2024)
بعد قيام حركة الشباب بأنشطة إرهابية عابرة للحدود الصومالية، وفي إطار تنفيذ “خطة الانتقال الأمني الصومالية”، حلّت بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال “أتميس” (ATMIS) محل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) اعتبارًا من الأول من أبريل 2022.
وقد أذن بإنشائها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في اجتماعه 1068 المعقود في 8 مارس 2022، كما منحها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولايتها في 31 مارس 2022 بموجب القرار 2628 (2022)، وذلك بولاية أولية مدتها 12 شهرًا.
وجاء إنشاء بعثة الاتحاد الأفريقي “أتميس” ثمرةً لعملية تشاور مكثفة وشاملة بين حكومة جمهورية الصومال الاتحادية، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وشركاء دوليين.
وتتمثل ولاية “أتميس” في التنفيذ الكامل للخطة الانتقالية الصومالية (STP)، وهي خطة استراتيجية تحدد آلية وجدول نقل المسؤوليات الأمنية تدريجيًا من الاتحاد الأفريقي إلى حكومة جمهورية الصومال الاتحادية([17]).

(3) بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM) (2025:الوقت الراهن)
مع انتهاء ولاية بعثة أتميس، أطلق الاتحاد الإفريقي بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال “أوصوم” (AUSSOM) ، التي تمثل المرحلة الثالثة في تطور العمليات الإفريقية في الصومال.
وتهدف البعثة إلى مواصلة دعم الحكومة الفيدرالية في مكافحة حركة الشباب، مع التركيز بصورة أكبر على تحقيق الاستقرار، وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الصومالية، وتقديم المشورة والدعم الفني، بما يضمن استدامة المكاسب الأمنية التي تحققت خلال المراحل السابقة.
وهي بعثة متعددة الأبعاد لدعم السلام يقودها الاتحاد الأفريقي وتحظى بموافقة الأمم المتحدة، وقد أقر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي إنشاء البعثة الجديدة في 1 أغسطس 2024، ثم أذن بها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 27 ديسمبر 2024 بموجب القرار 2767 (2024)، وذلك لفترة ولاية أولية مدتها 12 شهرًا، وبدأت مهامها رسميًا في 1 يناير 2025.
وتركز البعثة على أولويات تحقيق الاستقرار، والأمن، وبناء الدولة، بهدف نقل المسؤولية الكاملة عن الأمن إلى قوات الأمن الصومالية بحلول ديسمبر 2029، وسيتم ذلك من خلال نهج مرحلي يتألف من أربع مراحل، مع مراعاة الظروف الخاصة التي تميز الصومال.
وقد كلّف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الاتحاد الأفريقي بنشر نحو 12 ألف فردًا نظاميًا، بينهم 680 من أفراد الشرطة، حتى 31 ديسمبر 2025، كما أيّد قرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي القاضي بخفض قوام البعثة بمقدار 800 فرد نظامي بحلول نهاية ديسمبر 2025.
وستُعطي الصومال الأولوية لتنفيذ الخطة الصومالية لتطوير القطاع الأمني والهيكل الوطني للأمن، مع التركيز على بناء قوات أمن تتسم بالمساءلة، والكفاءة من حيث التكلفة، والاستدامة الذاتية، والقدرة العملياتية، ومن شأن ذلك أن ييسر نقل المسؤوليات الأمنية بصورة منظمة من بعثة أوصوم إلى قوات الأمن الصومالية([18]).
وتكتسب أوصوم أهمية خاصة؛ لأنها تمثل أول بعثة إفريقية يُفترض أن تستفيد من آلية التمويل التي أقرها مجلس الأمن بموجب القرار 2719 (2023) والتي تسمح، من حيث المبدأ، بتمويل عمليات السلام التابعة للاتحاد الإفريقي من خلال المساهمات المقررة للأمم المتحدة وفق ضوابط محددة.
غير أن إعلان الولايات المتحدة في يوليو 2026 رفضها استمرار تمويل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) يضع البعثة أمام أول اختبار عملي لاستدامة هذا النموذج التمويلي.
| البعثة | الفترة | طبيعتها | المهام |
| أميصوم | 2007:2022 | بعثة إفريقية لدعم السلام والعمليات العسكرية | دعم الحكومة الانتقالية ثم الفيدرالية، مكافحة حركة الشباب، حماية المؤسسات الحكومية والبنية التحتية، تهيئة الظروف لإيصال المساعدات الإنسانية، والمساهمة في بناء القدرات الأمنية الصومالية. |
| أتميس | 2022:2024 | بعثة انتقالية لنقل المسؤوليات الأمنية | تنفيذ خطة الانتقال الأمني، دعم نقل المسؤوليات تدريجيًا إلى قوات الأمن الصومالية، مواصلة العمليات ضد حركة الشباب، وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الوطنية. |
| أوصوم | 2025:حتى الآن | بعثة لدعم وتحقيق الاستقرار | دعم الحكومة الصومالية في مكافحة حركة الشباب، دعم تحقيق الاستقرار في المناطق المحررة، تقديم المشورة وبناء القدرات، ودعم انتقال المسؤوليات الأمنية إلى المؤسسات الصومالية بما يضمن استدامة الأمن. |
(جدول 2) تطور عمليات الاتحاد الإفريقي في الصومال (من إعداد الباحث)
المحور الثالث: الإطار القانوني والتمويلي لعمليات السلام: قراءة في قرار مجلس الأمن 2719
شكّل اعتماد مجلس الأمن القرار 2719 (2023) في 21 ديسمبر 2023 تحولاً نوعيًا في العلاقة المؤسسية بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، بعد سنوات من الجدل بشأن تمويل عمليات السلام الإفريقية([19]).
وللمرة الأولى، أقر المجلس إطارًا دائمًا يتيح النظر على أساس كل حالة على حدة (Case by Case Basis) ، في طلبات مجلس السلم والأمن الإفريقي للاستفادة من الاشتراكات المقررة للأمم المتحدة (UN Assessed Contributions) لتمويل عمليات السلام التي يقودها الاتحاد الإفريقي، وفق مجموعة من الضوابط القانونية والمالية وآليات الرقابة والمساءلة.
واعتبرت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي القرار 2719 (2023) محطة فارقة في تطوير الشراكة بين المنظمتين في مجال السلم والأمن، وتعزيز تنفيذ أحكام الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالترتيبات الإقليمية (الإطار القانوني لإشراك المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي في حفظ السلم والأمن الدوليين، وينص على حل النزاعات محليًا وإقليميًا قبل تدخل مجلس الأمن)([20]).
وجاء القرار تتويجًا لمسار تفاوضي امتد سنوات، انطلق من المطالب الإفريقية المتكررة بإيجاد آلية تمويل مستدامة لعمليات السلام، بعد أن أثبتت التجارب السابقة، ولا سيما في الصومال ودارفور ومالي، أن الاعتماد على المساهمات الطوعية يجعل تلك العمليات عرضة للأزمات المالية والتقلبات السياسية للدول المانحة. كما استند القرار إلى الالتزام الذي قطعه الاتحاد الإفريقي على نفسه بتغطية 25% من تكاليف عملياته عبر “صندوق السلام الإفريقي (AU Peace Fund)”، مقابل مساهمة الأمم المتحدة بنسبة تصل إلى 75% من خلال الاشتراكات المقررة([21]).
ومن الناحية القانونية، لم يمنح القرار تمويلاً تلقائيًا لجميع عمليات السلام الإفريقية، وإنما وضع مجموعة من الشروط الإجرائية والموضوعية قبل اعتماد أي عملية، إذا يشترط أن تكون العملية مفوضة من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وأن تحصل على تفويض من مجلس الأمن، وأن تتوافق ولايتها مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأن تلتزم بمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن تخضع لمنظومة واضحة للحوكمة والرقابة المالية والمساءلة، مع وجود استراتيجية خروج وآليات دورية لتقييم الأداء([22]).
وبذلك، حافظ مجلس الأمن على سلطته النهائية في إقرار التمويل والإشراف على استخدامه، مع توسيع مساحة الشراكة المؤسسية مع الاتحاد الإفريقي.
ويُعد القرار 2719 أول إطار قانوني دائم ينظم تمويل عمليات السلام الإفريقية عبر ميزانية الأمم المتحدة، بعد أن كانت جميع عمليات الدعم السابقة تعتمد على ترتيبات استثنائية أو مساهمات طوعية، ومن ثم، انتقل التمويل من كونه خاضعًا لاعتبارات المانحين إلى نموذج مؤسسي أكثر استقرارًا، يهدف إلى تمكين الاتحاد الإفريقي من التخطيط طويل الأجل لعملياته، وتعزيز قدرته على الاستجابة السريعة للأزمات الأمنية في القارة، مع الحفاظ على الرقابة المالية والسياسية للأمم المتحدة.
أهمية هذا القرار الأممي تبدو بصورة خاصة في الحالة الصومالية، إذ تمثل بعثة “أوصوم” أول اختبار عملي لتطبيق هذا الإطار، فقد كان من المتوقع أن تستفيد البعثة من النموذج التمويلي الجديد، الذي يسمح بتمويل جزء كبير من تكاليفها عبر الأمم المتحدة؟
إلا أن إعلان الولايات المتحدة، مطلع يوليو الجاري، رفضها استمرار تمويل “مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)”، ورفضها أي تمديد لولاية البعثة يتضمن استمرار الدعم اللوجستي أو التشغيلي من الأمم المتحدة، أدخل آلية القرار 2719 في أول اختبار سياسي حقيقي، وأثار تساؤلات حول مدى قدرة الإطار القانوني الجديد على الصمود أمام اعتراضات الدول الكبرى الممولة.
وتكشف هذه التطورات أن التحدي الذي يواجه القرار 2719 لا يكمن في بنيته القانونية، وإنما في الإرادة السياسية للدول الأعضاء، ولا سيما كبار المساهمين في ميزانية الأمم المتحدة، فعلى الرغم من أن القرار أوجد أساسًا قانونيًا غير مسبوق لتمويل عمليات السلام الإفريقية، فإن تطبيقه العملي يظل مرهونًا بتوافق مجلس الأمن واستمرار الدعم المالي والسياسي من الدول المانحة.
ومن ثم، فإن أزمة تمويل بعثة “أوصوم” لا تمثل مجرد أزمة تخص الصومال، بل تعد اختبارًا لمستقبل نموذج الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، ولمدى قدرة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي على بناء شراكة مؤسسية مستدامة في إدارة السلم والأمن بالقارة.

المحور الرابع: الخيارات المتاحة أمام للاتحاد الإفريقي بعد القرار الأمريكي
لم يصدر عن الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أي حديث عن بديل جاهز يمكنه سد الفجوة التي سيخلفها الانسحاب الأمريكي من آلية التمويل الحالية، بل اقتصرت المواقف الرسمية على الإعلان عن بدء مشاورات مع الحكومة الصومالية والشركاء الدوليين لتقييم التداعيات والبحث عن خيارات ممكنة، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه القرار، خاصة مع اقتراب انتهاء دورة التمويل الحالية.
ومنذ أن أبلغت الولايات المتحدة الاتحاد الإفريقي بموقفها، يبدو أن لدى الاتحاد الإفريقي العديد من الخيارات، لكن عمليًا لا يخلو أي منها من تعقيدات سياسية أو مالية.
الخيار الأول يتمثل في البحث عن مانحين دوليين جدد يمكنهم تعويض جزء من التمويل الذي سيتوقف، وقد يبدو هذا الخيار الأكثر مباشرة، لكنه يصطدم بحقيقة أن تكلفة تشغيل بعثة بهذا الحجم مرتفعة، كما أن معظم الشركاء التقليديين يواجهون ضغوطًا مالية والتزامات متزايدة في أزمات أخرى، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط والساحل الإفريقي، ولذلك، فإن العثور على جهة مستعدة لتحمل هذا العبء بصورة مستدامة لن يكون مهمة سهلة.
وقد شهدت البعثة فعليًا قبل أكثر من عام أزمة تمويلية ولوجيستية معقدة، أثارت انتقادات القاهرة، وتساؤلات عن مستقبل الانخراط المصري المباشر في البعثة، وطبيعة وحجم القوات المشاركة.
تجربة أوصوم أثبتت أن الاعتماد على تمويلات المانحين من خارج القارة، خاصة أوروبا والولايات المتحدة عادة ما تشكل عائقا أمام نجاح بعثات حفظ السلام داخل إفريقيا، كما أعاقت ضغوط المانحين أهداف الأفارقة، بما فيها مبادرة “إسكات البنادق” التي كان من المفترض أن تنتهي في 2020.([23])
ومن شأن الاعتماد على مانحين دوليين أن يضمن استمرار البعثة، بالتوازي مع إجراءات ترشيد الإنفاق أو إعادة ترتيب أولوياتها العملياتية، ويستند ترجيح هذا الخيار إلى إدراك الشركاء الدوليين أن انهيار البعثة بصورة مفاجئة قد يفضي إلى تداعيات أمنية تتجاوز حدود الصومال لتشمل منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في زيادة مساهمة الدول الإفريقية نفسها في تمويل البعثة، وهذا الطرح يحظى بتأييد داخل الاتحاد الإفريقي منذ سنوات، انطلاقًا من فكرة تعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية وتقليل الارتهان للتمويل الخارجي، غير أن الواقع يكشف أن كثيرًا من الدول الأعضاء تواجه تحديات اقتصادية وأمنية داخلية تجعل قدرتها على تقديم مساهمات مالية كبيرة محدودة، فضلاً عن أن بعض الدول المشاركة بقوات على الأرض تتحمل بالفعل أعباء بشرية ومادية يصعب مضاعفتها.
وثمة خيار ثالث يتمثل في إعادة هيكلة البعثة نفسها، سواء عبر تقليص عدد القوات، أو إعادة توزيعها، أو تركيز انتشارها في مناطق ذات أولوية أمنية، بما يسمح بخفض النفقات التشغيلية.
لكن هذا الخيار ينطوي بدوره على مخاطر، لأن تقليص الوجود العسكري في بعض المناطق قد يفتح المجال أمام حركة الشباب لاستغلال الفراغ، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية.
في حين يبقى أن تضطلع الحكومة الصومالية بدور أكبر في تمويل بعض الجوانب التشغيلية، خيارًا محدودًا في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة للدولة، واستمرار اعتماد قطاعات واسعة من الموازنة على الدعم الخارجي، وحتى إذا تمكنت مقديشو من زيادة مساهمتها، فمن غير المرجح أن تستطيع تعويض الفجوة التي قد تنشأ إذا انسحب أحد أكبر الممولين الدوليين من المنظومة الحالية.
في موازاة هذه الخيارات، تتجه الأنظار أيضًا إلى الأمم المتحدة، ليس باعتبارها ممولاً مباشرًا، وإنما بوصفها الجهة التي تمتلك الخبرة الفنية والإدارية في إدارة منظومة الدعم اللوجستي، غير أن المنظمة الدولية لا تستطيع الاستمرار في هذا الدور بمعزل عن قرارات الدول الأعضاء، ولا سيما الدول الكبرى المساهمة في الميزانية، وهو ما يجعل أي حل مرتبطًا في نهاية المطاف بتوافق سياسي داخل مجلس الأمن وخارجه.
يعزز ذلك، هيمنة القوى الكبرى على عمليات حفظ السلم التابعة للأمم المتحدة، حيث سيطرة وتحكم القوى الكبرى في النظام الدولي في القرار السياسي المتعلق بعمليات حفظ السلم التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يتبلور بالأساس من خلال أمرين رئيسيين([24]):
- الأول فيتمثل في قرار التشكيل وتحديد اختصاص هذه العمليات من خلال مجلس السلم والامن الدولي، والذي يتحكم في قراراته القوى الخمس الكبرى دائمة العضوية، والتي تحتفظ بمفردها بحق النقض أو الفيتو.
- بينما يتمثل الثاني في الهيمنة على الميزانية، إذ أن الولايات المتحدة والصين هما أكبر مساهمين في حجم ميزانيات البعثات الأممية، بنحو %43 من إجمالي الدعم المقدم لهذه العمليات وفقًا لأرقام 2019: 2020، وذلك رغم أن الولايات المتحدة لا تساهم سوى بـ30 عنصرًا بينما تقدم الصين مساهمات ضخمة بالجنود.
لذلك، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى سباق مع الزمن، فكلما اقترب موعد انتهاء دورة التمويل الحالية دون التوصل إلى صيغة بديلة، ازدادت الضغوط على الاتحاد الإفريقي والحكومة الصومالية، وارتفعت احتمالات اللجوء إلى حلول مؤقتة أو إجراءات استثنائية للحفاظ على الحد الأدنى من قدرة البعثة على العمل.
خاتمة
في المحصلة، تخلص هذه الورقة إلى أن القرار الأمريكي بوقف دعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) لا يمثل مجرد خلاف حول تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال أوصوم”، بل يعكس اختبارًا حقيقيًا لاستدامة النموذج الجديد الذي أرساه قرار مجلس الأمن رقم 2719 (2023)، والقائم على تعزيز الشراكة المؤسسية بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في تمويل وإدارة عمليات السلام.
فبينما وفر القرار لأول مرة إطارًا قانونيًا دائمًا يتيح استخدام الاشتراكات المقررة للأمم المتحدة في دعم عمليات السلام الإفريقية، فإن نجاح هذا الإطار يظل مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء، واستمرار التوافق داخل مجلس الأمن بشأن آليات التمويل والرقابة والمساءلة.
كما بينت الورقة أن التحديات التي تواجه بعثة أوصوم لا تقتصر على الجانب المالي، وإنما ترتبط أيضًا باستمرار التهديدات الأمنية التي تمثلها حركة الشباب، وبطء استكمال بناء المؤسسات الأمنية الصومالية، فضلاً عن تعقيدات المشهد السياسي الداخلي، ومن ثم، فإن أي تراجع في الدعم اللوجستي أو التشغيلي للبعثة قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها في تنفيذ ولايتها، ويؤثر في جهود تحقيق الاستقرار في الصومال، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وفي ضوء ذلك، تجيب الورقة عن تساؤلها الرئيس بأن القرار الأمريكي يمثل بالفعل أول اختبار عملي لاستدامة عمليات السلام الإفريقية وفق الإطار التمويلي الذي أرساه القرار 2719 (2023)، إلا أنه لا يعني بالضرورة فشل هذا النموذج، بقدر ما يكشف أن نجاحه يعتمد على توافق الإرادة السياسية للدول الأعضاء، وتوفير مصادر تمويل مستقرة، وتعزيز آليات الحوكمة والمساءلة، إلى جانب رفع قدرة الاتحاد الإفريقي والدول المضيفة على تحمل مسؤولياتها الأمنية تدريجيًا.
وعليه، فإن مستقبل بعثة أوصوم لن يتحدد فقط بمصير التمويل الحالي، وإنما بمدى قدرة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وشركائهما الدوليين على تحويل القرار 2719 من إطار قانوني واعد إلى آلية عملية ومستدامة لتمويل عمليات السلام الإفريقية؛ فنجاح هذه التجربة قد يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة بين المنظمتين، بينما قد يؤدي تعثرها إلى إعادة فتح الجدل حول جدوى نموذج “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” وحدود قدرته على تحقيق الاستقرار دون دعم دولي مستدام.
المراجع والإحالات
([1]) قراءات إفريقية، الولايات المتحدة تعرقل دعم مهمة حفظ السلام في الصومال، 5 يوليو 2026، متاح على الرابط
([2]) Reuters, Somalia peacekeeping mission at risk as US blocks UN support, sources say, 2 July 2026, available at
([3]) African Union, African Union Mission to Somalia (AUSSOM), available at
([4]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، القرار 2719 ) 2023( ، s/res/2719(2023) متاح على الرابط
([5]) ربيع أبو زامل، الصومال بعد 15 مايو.. تشريح أزمة “ولاية الرئيس” في 9 نقاط، قراءات إفريقية، 17 مايو، متاح على الرابط
([6]) محمود زكريا، محاضرات ألقيت على طلبة برنامج الماجستير، قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة، 2023
([7]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، القرار 1725 (2006)، S/RES/1725 (2006)، 6 ديسمبر 2006.
([8]) United Nations, Department of Political Affairs, Repertoire of the Practice of the Security Council Supplement 1989-1992, 2005, pp. 122–125
available at
Encyclopedia Britannica, United Nations mission (UNOSOM), 14 Aug 2014, available at
([9]) United Nations Political Office for Somalia (UNPOS), Public Information Office, UNPOS Quarterly, Issue 1 (March 2011), p. 2.
([10]) الأمم المتحدة، المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال، آخر تحديث 27 فبراير 2025، متاح على الرابط
فرانس 24، الصومال: الحكومة والمعارضة تتفقان على تطبيق التهدئة، 27 أكتوبر 2008، متاح على الرابط
([11]) United Nations Political Office for Somalia (UNPOS). UN Security Council Establishes UNSOM to Replace UNPOS in Somalia. 2 May 2013. Available at
([12]) United Nations Transitional Assistance Mission in Somalia (UNTMIS), “United Nations Transitional Assistance Mission in Somalia Starts Operations,” Press Statement, 1 November 2024, Available at
([13]) United Nations, Yearbook of the United Nations 2014. New York: Department for General Assembly and Conference Management, 2018. P. 375. Available at
([14]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، القرار 1863 (2009)، s/res/1863(2009)
([15]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، القرار 2245 (2015)، s/res/2245(2015)
([16]) د. محمود زكريا محمود إبراهيم، عمليات الاتحاد الأفريقي لدعم السلم: الآليات والواقع والتحديات (دراسة)، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 3 يوليو 2021، متاح على الرابط
([17]) الموقع الرسمي لبعثة “أتميس”، متاح على الرابط
([18]) الموقع الرسمي لبعثة “أوصوم”، متاح على الرابط
([19]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، القرار 2719. م. س. ذ
([20]) الأمم المتحدة، البيان الختامي للمؤتمر السنوي الثامن بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، أديس أبابا، 21 أكتوبر 2024، متاح على الرابط
([21]) United Nation, Security Council Opens Door to UN Funding for African-led Peace Missions, Unanimously Adopting Resolution 2719 (2023), 21 December 2023, Available at
([22]) الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، القرار 2719. م. س. ذ
([23]) الجزيرة نت، التمويل أولا.. اشتراطات مصرية للمشاركة في بعثة “السلام” بالصومال، 14 يوليو 2025، متاح على الرابط
([24]) محمود زكريا، محاضرات ألقيت على طلبة برنامج الماجستير، قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة، 2023.











































