لم تعد الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا، ولا التباينات بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، تقتصر على التصريحات السياسية أو التحركات الميدانية فحسب، بل انتقلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى اشتباك دبلوماسي وإعلامي مفتوح، يتبادل فيه كل طرف اتهامات بشأن المسؤولية عن الحرب في تيغراي، ومستقبل اتفاق بريتوريا للسلام، ومخاطر انزلاق القرن الإفريقي إلى مواجهة وحرب جديدة.
وخلال أقل من شهرين، نشر مسؤولون إثيوبيون وإريتريون، إلى جانب جبهة تحرير شعب تيغراي، مقالات وبيانات مطولة حمل كل منها رواية مختلفة للأزمة.
في هذا السياق، يعتمد هذا التقرير على ثلاث مجموعات من المقالات والبيانات الرسمية، تمثل الأطراف الأكثر ارتباطًا بالأزمة الراهنة في القرن الإفريقي، مع عرضها في صورة “مناظرة افتراضية” تلتزم بنقل مواقف كل طرف كما وردت في مصادره الأصلية، دون تبني أي منها أو ترجيحها على غيرها.
كما يتوقف التقرير عند الخلفيات السياسية التي تفسر هذا السجال، ويقدم قراءة تحليلية لنقاط الالتقاء والاختلاف بين الروايات المتباينة، وما تكشفه عن مستقبل اتفاق بريتوريا، والعلاقات الإثيوبية الإريترية، واحتمالات الحرب والسلام في القرن الإفريقي.
في هذه “المناظرة الافتراضية“
خلفية سجالات الحرب والسلام في القرن الإفريقي
لفهم السجال الدائر اليوم بين إثيوبيا وإريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي، لا بد من العودة إلى التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب في إقليم تيغراي في نوفمبر 2020.
اندلعت الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد علي وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت لعقود القوة السياسية والعسكرية الأكثر نفوذًا داخل الدولة الإثيوبية قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.
وسرعان ما تحولت المواجهة إلى حرب واسعة النطاق، بعدما انضمت إليها القوات الإريترية، إلى جانب قوات إقليم أمهرة، دعمًا للحكومة الفيدرالية.
وأسفرت الحرب عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في إفريقيا، قبل أن تنتهي بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، برعاية الاتحاد الإفريقي.
نص الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار، ونزع سلاح قوات جبهة تحرير شعب تيغراي، واستعادة الحكومة الفيدرالية سلطتها في الإقليم، وعودة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، فضلاً عن إطلاق مسار للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار.
ورغم أن الاتفاق نجح في إنهاء العمليات العسكرية، فإنه لم ينهِ الخلافات التي قادت إلى الحرب، كما لا يزال تنفيذ عدد من بنوده محل جدل مستمر، خاصة ما يتعلق بعودة النازحين، واستعادة الإدارة المدنية، وترتيبات الأمن، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، والعدالة الانتقالية وغيرها.
اقرأ أيضًا: قيود أمريكية على جبهة تيغراي.. ما القصة؟
في الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تحولاً لافتًا، فبعد أن خاض البلدان الحرب جنبًا إلى جنب ضد (عدو مشترك) جبهة تحرير شعب تيغراي، بدأت مؤشرات التباعد تظهر تدريجيًا عقب توقيع اتفاق بريتوريا، الذي لم تكن إريتريا طرفًا مباشرًا فيه.
مع مرور الوقت، اتسعت فجوة الخلاف، لا سيما مع تصاعد الحديث داخل النخبة الإثيوبية عن ضرورة حصول البلاد على منفذ بحري يتمتع بطابع “تجاري وعسكري”، وهو الطرح الذي أثار قلقًا إقليميًا بالغًا، رأت فيه إريتريا والصومال وجيبوتي -تحديدًا- تهديدًا مباشرًا لسيادتها الوطنية.
في موازاة ذلك، شهدت جبهة تحرير شعب تيغراي نفسها انقسامات داخلية بشأن إدارة المرحلة التي أعقبت الحرب، وطبيعة العلاقة مع الحكومة الفيدرالية، وكيفية تنفيذ اتفاق بريتوريا، الأمر الذي أوجد اصطفافات سياسية جديدة، كان أبرزها انتقال غيتاتشو ردا، أحد أبرز قادة الجبهة والموقعين على اتفاق بريتوريا، إلى صف الحكومة الفيدرالية، وهو تحول أضفى بعدًا إضافيًا على السجال الحالي.
أطراف المناظرة الافتراضية
أولاً: الحكومة الإثيوبية
يمثل الموقف الإثيوبي في المناظرة الافتراضية مقال مشترك بعنوان “يجب ألا تُجر إثيوبيا مجددًا إلى الحرب”، كتبه كل من رضوان حسين، المدير العام لجهاز المخابرات والأمن الوطني الإثيوبي وكبير المفاوضين الحكوميين في محادثات بريتوريا، وغيتاتشو ردا، مستشار وزير الشؤون الخاصة بشرق إفريقيا، والرئيس السابق للإدارة المؤقتة في تيغراي، وأحد الموقعين على اتفاق بريتوريا ممثلاً لجبهة تحرير شعب تيغراي قبل انضمامه إلى الحكومة الفيدرالية.
ويُحمّل المقال -المنشور على وكالة الأنباء الإثيوبية في 11 يونيو الجاري- إريتريا مسؤولية السعي إلى تقويض اتفاق بريتوريا، ويتهمها بدعم جناح متشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، والعمل على تهيئة الظروف لجولة جديدة من الحرب ضد الحكومة الفيدرالية.
ثانيًا: الحكومة الإريترية
يعتمد التقرير في رصد الموقف الإريتري على ردين منفصلين.
الأول كتبه السفير الإريتري لدى قطر علي إبراهيم أحمد بعنوان “إثيوبيا لا تُجر إلى الحرب” –نشرته وزارة الإعلام الإريترية اليوم السبت- وفيه يرفض الرواية الإثيوبية، معتبرًا أن حكومة أديس أبابا تستخدم اتفاق بريتوريا ذريعة لتبرير تصعيدها السياسي والعسكري ضد إريتريا.
أما الرد الثاني، فجاء على لسان وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل، الذي هاجم تصريحات غيتاتشو ردا، واتهم حزب الازدهار بمحاولة إعادة صياغة تاريخ الحرب والعلاقات الإثيوبية الإريترية بما يخدم أهدافه السياسية، رافضًا تحميل أسمرة مسؤولية الأزمة الحالية، وأيضًا نشرته وزارة الإعلام الإريترية اليوم السبت، إلى جانب مقالٍ نشره على حسابه بموقع إكس يوم 12 يونيو الجاري.
ثالثًا: جبهة تحرير شعب تيغراي
أما جبهة تحرير شعب تيغراي، فيستند هذ التقرير على بيان موقفها إلى البيان الرسمي الذي أصدرته في مايو 2026 ردًا على مقال سابق لغيتاتشو رضا.
وكانت الجبهة قد رفضت في بيانها ما تعتبره محاولة لإعادة تحميلها مسؤولية اندلاع الحرب، كما تتهم الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ الالتزامات الأساسية المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا، وخاصة ما يتعلق بعودة النازحين، واستكمال الترتيبات الأمنية، وتحقيق العدالة، وإعادة إعمار الإقليم.
السؤال الأول: من يقوض اتفاق بريتوريا؟
يُعد اتفاق بريتوريا محور الخلاف الرئيس بين الأطراف الثلاثة، وبينما يعلن الجميع تمسكهم بالاتفاق باعتباره الإطار الوحيد لإنهاء الحرب، فإن كل طرف يتهم الآخر بالعمل على إفراغه من مضمونه وتقويض فرص استمراره.
الحكومة الإثيوبية: إريتريا والمتشددون في تيغراي يقوضون الاتفاق
ترى الحكومة الإثيوبية أن أكبر تهديد يواجه اتفاق بريتوريا يتمثل في التحالف الذي تقول إنه نشأ بين إريتريا والجناح المتشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي.
وبحسب مقال رضوان حسين وغيتاتشو ردا، فإن القيادة الإريترية لم تنظر إلى اتفاق بريتوريا باعتباره خطوة نحو الاستقرار، بل رأت فيه اتفاقًا لا يحقق مصالحها، الأمر الذي دفعها -بحسب الرواية الإثيوبية- إلى دعم شخصيات داخل جبهة تحرير شعب تيغراي ترفض الالتزام الكامل بالاتفاق، وصولاً إلى إعادة بناء شبكات سياسية وعسكرية يمكن استخدامها لإعادة إشعال الصراع.
ويؤكد الكاتبان أن هذا الجناح أعاد تنظيم قواته، واستأنف عمليات التجنيد والتدريب والتسليح، في مخالفة واضحة لالتزاماته بموجب اتفاق السلام، محذريّن من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى انهيار الاتفاق، وداعييّن المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط على أسمرة، وعلى القيادات التي تتهمها الحكومة الإثيوبية بتقويض عملية السلام.
للمزيد: تيغراي وفانو.. هل إثيوبيا على أعتاب تحالف “عدو عدوي صديقي”؟
الحكومة الإريترية: بريتوريا شأن إثيوبي داخلي
ففي مقاله، يؤكد السفير علي إبراهيم أحمد أن اتفاق بريتوريا كان ولا يزال اتفاقًا بين أطراف إثيوبية، وأن إريتريا لم تكن طرفًا في المفاوضات أو في التوقيع عليه، ومن ثم لا يمكن تحميلها مسؤولية تنفيذه أو تعثره.
ويضيف أن بلاده دعمت كل الجهود الرامية إلى تحقيق السلام داخل إثيوبيا، معتبرًا أن اتهامها بالسعي إلى إفشال الاتفاق لا يعدو كونه محاولة لصرف الأنظار عن التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها الحكومة الإثيوبية.
بدوره، يذهب وزير الإعلام يماني جبر مسقل إلى أبعد من ذلك، إذ يتهم حزب الازدهار بإطلاق حملة سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة صياغة وقائع الحرب بما يخدم أجندته الداخلية، ورفض ما وصفه بمحاولات تحميل إريتريا مسؤولية إخفاقات تنفيذ الاتفاق.
جبهة تيغراي: الأزمة في التنفيذ لا في الاتفاق
أما جبهة تحرير شعب تيغراي، فتطرح رواية ثالثة ترى أن المشكلة لا تكمن في اتفاق بريتوريا نفسه، وإنما في عدم تنفيذ بنوده.
وتتهم الجبهة الحكومة الفيدرالية بالتباطؤ في الوفاء بالتزاماتها الأساسية، بما يشمل إعادة النازحين، واستعادة السلامة الإقليمية لتيغراي، وتحقيق العدالة لضحايا الحرب، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
كما تنتقد ما تصفه بصمت غيتاتشو ردا تجاه الحشود العسكرية المحيطة بالإقليم، معتبرة أن حالة الإحباط داخل تيغراي لا تعود إلى رفض الاتفاق، وإنما إلى غياب التنفيذ الفعلي لما تعهدت به الحكومة الفيدرالية.
السؤال الثاني: من يتحمل مسؤولية اندلاع الحرب؟
رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا، لا يزال السؤال قائمًا كيف بدأت الحرب؟ ومن يتحمل مسؤولية اندلاعها؟
ولا يمثل هذا السؤال مجرد خلاف حول قراءة أحداث الماضي، بل يرتبط مباشرة بمشروعية المواقف الحالية لكل طرف؛ فالإجابة عنه تحدد من يملك شرعية الحديث عن السلام، ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن الكارثة الإنسانية التي خلفها النزاع.
ولهذا، تبدو الروايات الثلاث متناقضة إلى حد بعيد؛ إذ يقدم كل طرف سردية مختلفة لبداية الحرب، ويستند إلى هذه السردية لتفسير مواقفه الحالية، ولتحميل خصومه مسؤولية استمرار التوتر.
الحكومة الإثيوبية: المتشددون في تيغراي رفضوا السلام
يقدم رضوان حسين وغيتاتشو ردا رواية ترى أن الحرب لم تكن نتيجة سوء تفاهم سياسي أو تراكم خلافات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وإنما جاءت نتيجة قرار اتخذته قيادات متشددة داخل الجبهة برفض أي تسوية سياسية حقيقية.
ويؤكد الكاتبان أن تلك القيادات لم تكن تنظر إلى المفاوضات باعتبارها وسيلة لإنهاء الصراع، بل كانت تسعى إلى الحصول على هدنة مؤقتة تعيد من خلالها تنظيم قواتها، استعدادًا لاستئناف القتال في وقت لاحق.
قد يهمك: أزمة تيغراي في إثيوبيا: الجذور والحرب وآفاق اتفاق بريتوريا
وفي هذا السياق، يربط المقال بين هذا التوجه وبين ما يصفه بالدعم السياسي والعسكري الذي وفرته إريتريا لبعض الشخصيات الرافضة لاتفاق بريتوريا، معتبرًا أن هذا التقارب بين الطرفين يشكل امتدادًا للمواقف التي سبقت الحرب، ويهدد بإعادة إنتاجها في المستقبل.
وبحسب الرواية الإثيوبية، فإن الخطر لا يكمن فقط في إعادة قراءة الماضي، وإنما في استمرار وجود قوى ترى أن الحسم العسكري لا يزال خيارًا مطروحًا، وهو ما يفسر، من وجهة نظر الحكومة الفيدرالية، ضرورة مواجهة هذه التحركات مبكرًا للحفاظ على اتفاق السلام.
الحكومة الإريترية: الحرب نتاج الأزمة الإثيوبية الداخلية
في المقابل، ترفض إريتريا بصورة قاطعة الرواية التي تحملها مسؤولية اندلاع الحرب أو استمرار تداعياتها.
ويؤكد السفير الإريتري لدى قطر، علي إبراهيم أحمد، أن جذور النزاع تعود إلى الانقسامات السياسية والعرقية داخل إثيوبيا، وأن الحرب كانت في الأساس صراعًا إثيوبيًا داخليًا، لا نتيجة تدخلات خارجية أو مخططات إريترية.
ويشدد على أن إريتريا لم تبدأ الحرب، وإنما شاركت فيها بعد أن طلبت منها الحكومة الفيدرالية الإثيوبية المساندة، وفي إطار حقها في الدفاع عن أمنها القومي، نافيًا أن تكون أسمرة صاحبة مشروع لإشعال النزاع أو إطالة أمده.
أما وزير الإعلام الإريتري، يماني جبر مسقل، فيتجاوز الجدل المرتبط بالحرب نفسها، ليركز على ما يعتبره محاولة إثيوبية لإعادة كتابة تاريخ العلاقات بين البلدين، من خلال تصوير استقلال إريتريا وكأنه كان جزءًا من مشروع يستهدف إضعاف إثيوبيا.
ويرى أن هذا الخطاب لا يهدف إلى فهم أسباب الحرب، بقدر ما يسعى إلى تعبئة الرأي العام الإثيوبي، وتبرير السياسات الحالية للحكومة تجاه إريتريا.
جبهة تيغراي: الحرب سبقتها سنوات من التصعيد
أما جبهة تحرير شعب تيغراي، فتتبنى قراءة مختلفة لبداية الحرب، وترفض اختزالها في أحداث نوفمبر 2020: نوفمبر 2022.
وترى الجبهة أن الحرب جاءت نتيجة مسار طويل من التوترات السياسية والأمنية، شمل تراجع الثقة بين الحكومة الفيدرالية والإقليم، وتصاعد الخطاب العدائي ضد تيغراي، وفرض ضغوط سياسية واقتصادية، إلى جانب ما تصفه بمحاولات عزل الإقليم سياسيًا.
وتعتبر الجبهة أن هذه التطورات هي التي مهدت للحرب، وليس فقط المواجهات العسكرية التي اندلعت لاحقًا.
كما ترفض تحميل الانتخابات الإقليمية التي أجرتها في عام 2020 مسؤولية اندلاع النزاع، وترى أن الحكومة الفيدرالية تتحمل المسؤولية الرئيسية عن المسار الذي قاد إلى الحرب، بسبب فشلها في معالجة الخلافات السياسية عبر الوسائل الدستورية والحوار.
وتؤكد الجبهة أن تجاهل هذه الخلفيات يؤدي إلى قراءة ناقصة للأزمة، ويحول دون استخلاص الدروس اللازمة لمنع تكرارها.
السؤال الثالث: هل تتجه المنطقة إلى مواجهة جديدة؟
رغم اتفاق الأطراف الثلاثة على أن العودة إلى الحرب ستكون كارثية على المنطقة، فإنها تختلف بصورة جذرية في تفسير مصدر هذا الخطر، وفي تحديد الجهة التي تدفع الأوضاع نحو التصعيد.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بتقدير الموقف العسكري، بل أيضًا بطريقة قراءة التحركات السياسية والإعلامية التي تشهدها المنطقة، إذ يرى كل طرف أن خصومه يعملون على تهيئة البيئة المناسبة لجولة جديدة من الصراع.
الحكومة الإثيوبية: الخطر يأتي من أسمرة والجناح المتشدد داخل تيغراي
ترى الحكومة الإثيوبية أن المؤشرات الراهنة تنذر بإمكانية اندلاع مواجهة جديدة، متهمة إريتريا بدعم شخصيات داخل جبهة تحرير شعب تيغراي تعارض تنفيذ اتفاق بريتوريا، وتعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية.
ويعتبر حسين وردا أن استمرار عمليات التجنيد والتدريب والتسليح، إلى جانب التنسيق بين هذه المجموعات وأسمرة، يشكل تهديدًا مباشرًا لاتفاق السلام، وقد يقود إلى إعادة إشعال الحرب إذا لم تتم مواجهته.
ومن هذا المنطلق، تدعو أديس أبابا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على إريتريا، وعلى القيادات التي تتهمها بإفشال عملية السلام، باعتبار أن منع انهيار اتفاق بريتوريا يمثل أولوية للحفاظ على استقرار القرن الإفريقي.
لا يفوتك: في 5 نقاط.. ماذا تعني إعادة تفعيل حكومة الحرب في تيغراي؟
الحكومة الإريترية: التصعيد مصدره أديس أبابا
على الجانب الآخر، ترى الحكومة الإريترية أن الخطر الحقيقي لا يأتي من أسمرة، وإنما من السياسات التي انتهجتها الحكومة الإثيوبية منذ أواخر عام 2023، وعلى رأسها طرح قضية “الوصول السيادي إلى البحر”.
وتعتبر أسمرة أن هذا الطرح ترافق مع خطاب سياسي أكثر حدة، ومع تحركات عسكرية قرب الحدود، وهو ما تراه مؤشرًا على تبني أديس أبابا سياسة خارجية أكثر تصعيدًا.
كما تتهم حزب الازدهار الحاكم بمحاولة توظيف التوترات الخارجية لتخفيف الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومة، معتبرة أن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة إلى أزمة جديدة تتجاوز حدود الخلاف الثنائي بين البلدين.
جبهة تيغراي: الخطر في غياب تنفيذ السلام
أما جبهة تحرير شعب تيغراي، فتربط احتمال العودة إلى الحرب باستمرار تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا.
وتحذر من أن تأخر إعادة النازحين، واستمرار القضايا الأمنية العالقة، وغياب العدالة الانتقالية، كلها عوامل تؤدي إلى تآكل الثقة في الاتفاق، وتزيد من احتمالات عودة التوتر.
وترى الجبهة أن الحفاظ على السلام لا يتحقق من خلال تبادل الاتهامات، وإنما عبر استكمال تنفيذ الالتزامات التي نص عليها الاتفاق، بما يضمن معالجة جذور الأزمة، وليس فقط وقف العمليات العسكرية.
السؤال الرابع: كيف تحولت قضية “المنفذ البحر” إلى محور جديد للخلاف؟
لم تكن قضية المنفذ البحري جزءًا من اتفاق بريتوريا، ولم تُطرح ضمن الملفات التي تناولتها المفاوضات بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
إلا أنها، منذ أواخر عام 2023، أصبحت واحدة من أكثر القضايا إثارة للتوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وانتقلت تدريجيًا من كونها نقاشًا حول الاحتياجات الاقتصادية والجيوسياسية لإثيوبيا إلى ملف يمس الأمن القومي والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي.
وقد انعكس هذا التحول بوضوح في السجال السياسي والإعلامي بين أديس أبابا وأسمرة، إذ أصبح كل طرف ينظر إلى قضية البحر باعتبارها مدخلاً لفهم سياسات الطرف الآخر، بل وربطها بمستقبل اتفاق بريتوريا نفسه.
إثيوبيا: الوصول إلى البحر قضية استراتيجية
رغم أن المقال الإثيوبي لم يجعل قضية المنفذ البحري محورًا رئيسيًا، فإنه أشار بصورة غير مباشرة إلى أن التوترات الحالية ترتبط بمحاولات قوى خارجية (لم يسمها) لإفشال الاستقرار الذي تحقق بعد اتفاق بريتوريا.
وفي السياق الرسمي الأوسع، تؤكد الحكومة الإثيوبية أن حصول البلاد على منفذ بحري يمثل قضية استراتيجية ترتبط بمصالحها الاقتصادية والأمنية، انطلاقًا من كونها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، وأن الاعتماد شبه الكامل على ميناء جيبوتي يفرض عليها أعباء اقتصادية واستراتيجية متزايدة.
وتشدد أديس أبابا على أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم عبر الوسائل السلمية والتفاوض، وأن طرح القضية لا يعني بالضرورة السعي إلى تغيير الحدود أو استخدام القوة العسكرية، دون تستبعد ذلك كليةً.
ومن وجهة النظر الإثيوبية، لا ينبغي تفسير الحديث عن المنفذ البحري باعتباره مقدمة لمواجهة مع إريتريا، وإنما باعتباره نقاشًا مشروعًا حول مستقبل التنمية والأمن الاقتصادي للدولة الإثيوبية.
إريتريا: ذريعة لتبرير التصعيد
على النقيض من ذلك، ترى أسمرة أن قضية “الوصول السيادي إلى البحر” تمثل جوهر الأزمة الراهنة بين البلدين.
ويؤكد السفير الإريتري أن الحكومة الإثيوبية تستخدم هذا الشعار لتبرير سياسة أكثر تصعيدًا تجاه إريتريا، متهمًا أديس أبابا بمحاولة إضفاء شرعية سياسية على مراجعة الترتيبات الإقليمية التي استقرت منذ استقلال إريتريا.
كما يشير إلى أن الخطاب الإثيوبي تزامن، بحسب الرواية الإريترية، مع تحركات عسكرية قرب الحدود، الأمر الذي عزز المخاوف من أن يتحول النقاش السياسي إلى ضغوط عسكرية.
اقرأ أيضًا: وسط تحديات داخلية وإقليمية: إثيوبيا على عتبة ولاية جديدة لآبي أحمد
ويكرر وزير الإعلام جبر مسقل الموقف نفسه، معتبرًا أن الحديث عن الحصول على ميناء عصب أو أي منفذ بحري آخر على الساحل الإريتري، سواء عبر التفاوض أو التلويح باستخدام القوة، يعكس توجهًا من شأنه تهديد الاستقرار الإقليمي، ويرفض في الوقت ذاته الرواية التي تربط استقلال إريتريا بمؤامرة استهدفت إضعاف إثيوبيا.
ومن هذا المنطلق، ترى أسمرة أن أي حديث عن إعادة النظر في الواقع الجغرافي الذي نشأ بعد استقلالها يمثل مساسًا بسيادتها الوطنية، وليس مجرد نقاش اقتصادي.
جبهة تيغراي: الأولوية لتنفيذ اتفاق بريتوريا
في المقابل، لا تحضر قضية المنفذ البحري بصورة مباشرة عند جبهة تحرير شعب تيغراي.
فالجبهة تركز بصورة شبه كاملة على القضايا المرتبطة بتنفيذ اتفاق بريتوريا، وترى أن الأولوية ينبغي أن تكون لاستكمال عملية السلام داخل إثيوبيا، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة النازحين، وتحقيق العدالة، قبل الانخراط في ملفات استراتيجية جديدة قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني.
ويعكس هذا الموقف رغبة الجبهة في إبقاء الاهتمام منصبًا على القضايا الداخلية المرتبطة بالحرب، بدلاً من انتقال النقاش إلى ملفات إقليمية قد تؤدي في تصورها إلى تراجع الاهتمام بتنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق بريتوريا.
السؤال الخامس: أين تلتقي الروايات وأين تفترق؟
تكشف الروايات الرسمية والإعلامية الصادرة عن الأطراف الثلاثة أن الخلاف لم يعد يقتصر على تفسير أحداث الماضي، بل أصبح يدور حول مستقبل النظام الأمني والسياسي في شمال إثيوبيا، وطبيعة العلاقات الإثيوبية الإريترية، وشكل التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي.
ورغم حدة الاتهامات المتبادلة، فإن ثمة نقاط التقاء محدودة بين هذه الروايات، تقابلها اختلافات جوهرية تمثل جوهر الأزمة الحالية.
فمن ناحية، تتفق الأطراف الثلاثة على أن العودة إلى الحرب ستكون كارثية على المنطقة، وأن استمرار حالة عدم الاستقرار لن يخدم أيًا منها على المدى البعيد.
كما تتفق، ولو بصورة ضمنية، على أن اتفاق بريتوريا ما زال يمثل الإطار الوحيد المتاح لتجنب انهيار الوضع الأمني، حتى وإن اختلفت في تفسير بنوده، أو في تحديد المسؤول عن تعثر تنفيذه.
إلا أن هذا القدر المحدود من الاتفاق يقابله تباين واسع في تفسير أسباب الأزمة.
فالحكومة الإثيوبية ترى أن التهديد الرئيسي يتمثل في التحالف بين إريتريا وما تسمه الجناح المتشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، وتعتبر أن الحفاظ على اتفاق بريتوريا يقتضي منع هذا التحالف من إعادة إشعال الحرب.
أما الحكومة الإريترية، فترى أن الخطر الحقيقي يكمن في السياسات الإثيوبية الجديدة، وخاصة ما يتعلق بملف المنفذ البحري، وتعتبر أن أديس أبابا تستخدم اتفاق بريتوريا وسيلة لتبرير ضغوطها على أسمرة.
في المقابل، تتمسك جبهة تحرير شعب تيغراي بأن الأزمة لا يمكن فصلها عن عدم تنفيذ الالتزامات الأساسية لاتفاق السلام، وترى أن معالجة آثار الحرب والوفاء ببنود الاتفاق يمثلان الضمانة الوحيدة لاستقرار دائم.
مصفوفة مواقف الأطراف الثلاثة:
| الملف | الحكومة الإثيوبية | إريتريا | جبهة تحرير شعب تيغراي |
| اتفاق بريتوريا | مهدد بسبب إريتريا وجبهة تيغراي | اتفاق إثيوبي داخل يجري توظيفه سياسيًا ضد أسمرة | المشكلة في عدم تنفيذ بنود الاتفاق |
| مسؤولية الحرب | “المتشددون” داخل جبهة تيغراي وادعموهم | إثيوبيا إثيوبية داخلية، وتدخل أسمرة جاء لاحقًا | الحرب نتيجة سنوات من التصعيد |
| مصدر التهديد الحالي | إريتريا وجبهة تيغراي | السياسات الإثيوبية وملف المنفذ البحري | تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا |
| المنفذ البحري الإثيوبي | قضية استراتيجية يمكن حلها سلميًا | تهديد للسيادة والاستقرار الإقليمي | ليس أولوية |
تقدير موقف: هل الحرب وشيكة؟
على الرغم من حدة الخطاب السياسي والإعلامي، فإن المعطيات الحالية لا تشير بالضرورة إلى أن المنطقة تقف على أعتاب حرب شاملة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن عوامل التوتر التي قادت إلى الصراع السابق لم تُعالج بصورة كاملة.
ولا تزال هناك ملفات معلقة، في مقدمتها استكمال تنفيذ اتفاق بريتوريا، ومستقبل العلاقات الإثيوبية الإريترية، والانقسامات داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، فضلاً عن الخلاف المتصاعد بشأن قضية المنفذ البحري.
وفي ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الحرب السياسية والإعلامية
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، حيث يواصل كل طرف استخدام الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي للضغط على خصومه، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
السيناريو الثاني: تصعيد أمني محدود
ويقوم على احتمال وقوع احتكاكات أو مواجهات محدودة، سواء على الحدود أو داخل شمال إثيوبيا، نتيجة استمرار انعدام الثقة، دون أن تتطور إلى حرب واسعة.
السيناريو الثالث: انهيار التفاهمات والعودة إلى المواجهة
ويظل هذا السيناريو الأقل ترجيحًا في الوقت الراهن، لكنه يبقى قائمًا إذا تزامنت عدة عوامل، مثل انهيار تنفيذ اتفاق بريتوريا، وتصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة، واتساع الانقسامات داخل تيغراي، وفشل أي جهود إقليمية أو دولية لاحتواء الأزمة.
وبوجه عام، تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة تتسم بدرجة عالية من السيولة السياسية، تجعل من الصعب الجزم باتجاه واحد، لكنها تؤكد أن الحفاظ على السلام سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على معالجة أسباب الأزمة، وليس الاكتفاء بإدارة نتائجها.
خاتمة
تكشف المناظرة الافتراضية أن الصراع الدائر اليوم في القرن الإفريقي لم يعد يقتصر على الخلاف حول تفسير الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا، بل أصبح صراعًا على صياغة مستقبل الإقليم نفسه.
فبينما تسعى الحكومة الإثيوبية إلى ترسيخ رواية ترى أن التهديد يأتي من تحالف بين إريتريا وخصومها داخل تيغراي، تتمسك أسمرة بأن الخطر الحقيقي يتمثل في التحول الذي طرأ على السياسات الإثيوبية، ولا سيما فيما يتعلق بقضية المنفذ البحري.
أما جبهة تحرير شعب تيغراي، فترى أن مستقبل السلام لن يتحدد عبر تبادل الاتهامات، وإنما من خلال تنفيذ الالتزامات التي نص عليها اتفاق بريتوريا.
وفي المحصلة، لا تعكس هذه الروايات مجرد اختلاف في تقييم الماضي، بل تكشف أيضًا عن تنافس متصاعد على إدارة الحاضر ورسم مستقبل القرن الإفريقي، حيث كل طرف يحاول تثبيت روايته بوصفها الإطار الذي ينبغي أن يُفهم من خلاله الصراع، وأن تُبنى عليه السياسات الإقليمية والدولية.
ولذلك، فإن مستقبل الاستقرار في القرن الإفريقي لن يتوقف فقط على استمرار وقف إطلاق النار، بل على قدرة الأطراف على تجاوز الصراع على الروايات، والانتقال من إدارة الخلافات إلى معالجة جذورها السياسية والأمنية، وحتى يتحقق ذلك، سيظل اتفاق بريتوريا، رغم ما حققه من إنهاء للحرب “سلامًا هشًا” يواجه اختبارًا مستمرًا أمام تحولات الإقليم والعالم.
المصدر: قراءات إفريقية










































