يعيش الصومال حالة من التوتر السياسي المتصاعد، في ظل خلافات متزايدة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة بشأن مستقبل وشرعية المرحلة السياسية المقبلة.
هذه الأزمة تتغذى على تعديلات دستورية أقرها البرلمان الصومالي بغرفتيه، في مارس الماضي، والتي نصت على تمديد الولاية الدستورية للرئيس الحالي حسن شيخ محمود، عامًا إضافيًا، إلى جانب رفع مدة الرئاسة من أربع إلى خمس سنوات.
ويأتي التوتر السياسي مع اقتراب 15 مايو الجاري، الذي تعتبره قوى صومالية معارضة موعدًا لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، في مقابل تأكيد رسمي على أن استكمال الدستور المؤقت يمثل خطوة أساسية لتعزيز بناء الدولة وترسيخ الديمقراطية وتكريس نظام قائم على المساءلة والشفافية.
في موازاة ذلك، يتفاقم الجدل السياسي بسبب عمليات الهدم والإخلاءات القسرية ومشاريع إعادة التطوير التي شهدتها العاصمة مقديشو خلال العامين الماضيين.
فبينما تتهم المعارضة ومنظمات المجتمع المدني السلطات بتجاوز الإجراءات القانونية وغياب التعويضات الكافية للمتضررين، تؤكد الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم بنادر -الذي يضم العاصمة مقديشو- أن هذه الإجراءات تهدف إلى استعادة الأراضي العامة وتحسين التخطيط العمراني.
فيما يلي التسلسل الزمني للأحداث:
ديسمبر 2025| أول انتخابات محلية مباشرة منذ نصف قرن
شهدت مقديشو في ديسمبر 2025 أول انتخابات محلية مباشرة بنظام “شخص واحد، صوت واحد” منذ أكثر من خمسين عامًا، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهمًا في مسار الانتقال من نظام المحاصصة العشائرية إلى التصويت الشعبي المباشر.
وفي أبريل 2026، أدى 390 عضوًا منتخبًا في المجالس المحلية اليمين الدستورية، وسط احتفاء رسمي باعتبار الخطوة تحولاً تاريخيًا في بنية النظام السياسي المحلي.
وكان نظام الاقتراع العام المباشر قد أُلغي في الصومال عقب وصول الرئيس الأسبق سياد بري إلى السلطة عام 1969، ليُستعاض عنه لاحقًا بنظام انتخابي غير مباشر يعتمد على زعماء القبائل.
واقتصرت تجربة الانتخابات المحلية المباشرة خلال السنوات الأخيرة على إقليم بونتلاند شبه المستقل عام 2023.
وبموجب الدستور الجديد الذي أُقر في مارس الماضي، بقيت السلطات الأساسية المتعلقة بالأمن والشؤون السياسية في إقليم بنادر بيد الحكومة الفيدرالية، كما ظل منصب عمدة مقديشو يُعيَّن من قبل السلطة المركزية، ما جعل صلاحيات المجلس المحلي المنتخب محدودة التأثير عمليًا.
ويرى مراقبون أن أحد أبرز العوامل التي يتم تجاهلها في الوضع الراهن يتمثل في أن إقليم بنادر لا يتمتع بحكم ذاتي مكتمل.
2 مايو 2026| الرئيس يدعو المعارضة إلى حوار وطني
في الثاني من مايو الجاري، وجّه الرئيس حسن شيخ محمود دعوة رسمية إلى “مجلس مستقبل الصومال” المعارض للمشاركة في اجتماع يُعقد في مقديشو (اليوم الأحد) 10 مايو؛ لمناقشة القضايا السياسية العالقة.
وأكد الرئيس في دعوته أن المرحلة الراهنة تتطلب التوافق وتقديم تنازلات متبادلة لضمان نجاح الحوار والوصول إلى نتائج عملية، مشددًا على التزام الحكومة الفيدرالية بتعزيز نظام سياسي قائم على الشراكة والتفاهم، مع الحفاظ على وحدة الصومال وسيادته واستقراره.
5 مايو| المعارضة ترفض دعوة الرئيس للحوار
دخل التصعيد السياسي مرحلة أكثر وضوحًا بعدما أعلن “مجلس مستقبل الصومال”، في الخامس من مايو، رفضه المشاركة في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس حسن شيخ محمود، ما لم تتوقف ما وصفها بـ”الإجراءات الانتخابية الأحادية”، مع المطالبة بآلية وساطة مستقلة.
وأكد المجلس، الذي يضم شخصيات بارزة من بينها الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، انفتاحه على الحوار، لكنه شدد على أن أي تفاوض جاد لا يمكن أن يتم في ظل استمرار الحكومة في خطوات يعتبرها مخالفة للتوافق السياسي والدستوري.
بالتوازي| الإخلاءات في مقديشو تُفاقم الأزمة
بالتزامن مع الخلاف السياسي، تصاعدت حالة الغضب الشعبي بسبب حملات إزالة وهدم نفذتها السلطات في أحياء سكنية بالعاصمة مقديشو، خصوصًا في مديرية دينيلي وحي وارلاليسكا.
وتتهم المعارضة الحكومة بتنفيذ عمليات إخلاء قسري استهدفت أسرًا فقيرة دون توفير تعويضات كافية، بينما تؤكد السلطات أن الإجراءات تأتي ضمن خطة لاستعادة الأراضي العامة وتنفيذ مشاريع تنظيم عمراني وتطوير حضري.

الحكومة تحذر من “تهديد الاستقرار“
ومع اقتراب موعد الاحتجاجات، صعّدت الحكومة الفيدرالية لهجتها؛ إذ أكد رئيس الوزراء حمزة عبدي بري أن الحكومة منفتحة على الاستماع إلى القوى المعارضة، لكنها “لن تقبل بأي تحركات قد تهدد أمن البلاد واستقرارها”.
كما حذر من خطابات سياسية قد تؤدي إلى مزيد من التوتر، داعيًا المعارضة إلى الانخراط في منصة التشاور التي دعا إليها الرئيس، في محاولة لاحتواء الأزمة سياسيًا.
عشية التظاهرات| الحكومة تقيّد تحركات المعارضة
قبيل انطلاق تظاهرات اليوم الأحد، أعلنت السلطات الصومالية موافقتها على تنظيم احتجاج للمعارضة في مقديشو، لكنها حصرت التجمع في موقع واحد داخل ملعب المهندس يريسو، مع تعهدها بتوفير الحماية الأمنية.
وقال وزير الأمن عبد الله شيخ إسماعيل إن الحكومة تلقت تقارير استخباراتية تشير إلى أن بعض المسؤولين والسياسيين السابقين يخططون لأنشطة تهدف إلى زعزعة استقرار العاصمة.
وأكدت السلطات أن قوات الأمن لا تزال في حالة تأهب للحفاظ على النظام العام ومنع أي أعمال عنف أو اضطرابات خلال المظاهرات.
دعوات لتجنب التصعيد
دخل الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الصومالي عبدالرحمن محمد توريري على خط الأزمة، منتقدًا دعوة المعارضة إلى التظاهر، ومعتبرًا أن الحكومة فتحت بالفعل باب الحوار وتراجعت عن بعض القرارات محل الجدل.
وقال إن الاستمرار في التصعيد، رغم وجود قنوات تفاوضية، قد يؤدي إلى إغلاق فرص التفاهم بدلاً من تعزيزها.
الأحد 10 مايو| انتشار عسكري في مقديشو
مع ساعات الفجر الأولى من اليوم الأحد، فرضت السلطات الصومالية إجراءات أمنية غير مسبوقة في مقديشو، شملت:
- نشر دبابات ومركبات مدرعة في الشوارع الرئيسة.
- إقامة حواجز عسكرية وإغلاق عدد من الطرق الحيوية.
- تشديد الإجراءات الأمنية حول منازل عدد من قادة المعارضة.
كما أفادت تقارير ببدء تجمعات احتجاجية محدودة في حي دينيلي في بنادر، حيث رفع متظاهرون شعارات تندد بعمليات الإخلاء القسري.
الحكومة: حماية “التظاهر السلمي” أولوية
أكدت الحكومة الفيدرالية الصومالية التزامها بحماية حق المواطنين في التظاهر السلمي وحرية التعبير والمشاركة السياسية، محذرة في الوقت ذاته من محاولات “عسكرة الحراك السياسي” أو تحويل الاحتجاجات إلى أعمال تهدد الأمن والاستقرار في العاصمة.
وقالت الحكومة، في بيان، إن التظاهر السلمي يمثل حقًا دستوريًا مشروعًا، مشيرة إلى تخصيص ملعب المهندس يريسو موقعًا رسميًا للاحتجاجات بما يضمن سلامة المواطنين واستمرار الحياة الطبيعية داخل مقديشو.
وأضاف البيان أن بعض أطراف المعارضة أعلنت تنظيم مظاهرات في 22 موقعًا مختلفًا داخل العاصمة، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تعطيل المدينة وإرباك الحركة العامة وتقويض الأمن العام.
وأعربت الحكومة عن قلقها من خطط لتنظيم احتجاجات تمتد لعدة أيام، مؤكدة أن تقارير أمنية تحدثت عن وجود عناصر مسلحة مرتبطة بأطراف سياسية معارضة في بعض أحياء العاصمة، ما قد يعرض المدنيين للخطر.
انتقاد حكومي للخطاب التصعيدي
كما انتقد البيان الحكومي ما وصفه بـ”الخطاب التصعيدي” لبعض القيادات السياسية، في إشارة إلى تصريحات للرئيس السابق شريف شيخ أحمد بشأن “المعركة القادمة”، معتبرًا أن مثل هذه التصريحات لا تنسجم مع الدعوات إلى الاحتجاج السلمي.
وشددت الحكومة على أن انتشار القوات الأمنية في العاصمة يأتي ضمن إجراءات وقائية تهدف إلى حماية المدنيين والمنشآت العامة والخاصة وضمان استمرار الخدمات الأساسية، مؤكدة توجيه الأجهزة الأمنية بالتعامل بمهنية وضبط النفس واحترام حقوق الإنسان.
ودعت الحكومة جميع القوى السياسية إلى خفض التوتر واللجوء إلى الحوار والقنوات الدستورية لمعالجة الخلافات السياسية، مع التأكيد على استمرار التزامها بحماية المسار الديمقراطي والحفاظ على أمن واستقرار البلاد.
بالتوازي| انتخابات تاريخية في جنوب غرب الصومال
في خضم هذا التوتر، انطلقت اليوم الأحد أيضًا انتخابات المجالس المحلية والنيابية في ولاية جنوب غرب الصومال وفق نظام “شخص واحد، صوت واحد”، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من 57 عامًا.
وتُقدَّم هذه الانتخابات باعتبارها محطة مهمة في مسار التحول الديمقراطي، لكنها في الوقت نفسه تمثل أحد أبرز محاور الخلاف السياسي بين الحكومة والمعارضة، خصوصًا فيما يتعلق بشرعية المسار الانتخابي وتوقيته.
وينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها خطوة ذات دلالات سياسية مهمة، تعكس سعي الحكومة إلى نقل التجربة الانتخابية من إطار التوافقات القبلية التقليدية إلى نموذج انتخابي أكثر انفتاحًا يعتمد على التصويت الشعبي المباشر، وهو ما تعتبره الحكومة جزءًا من مسار الإصلاح السياسي والمؤسسي في البلاد.

ماذا بعد 15 مايو؟
كان من المقرر -اليوم الأحد- عقد لقاء بين المعارضة والحكومة الفيدرالية؛ لمناقشة الخلافات السياسية القائمة، ولا سيما ما يتعلق بمسار الانتخابات المقبلة، إلا أن المعارضة رفضت المشاركة في المحادثات، واختارت بدلاً من ذلك المضي في تنظيم الاحتجاجات الشعبية التي قوضتها السلطات الأمنية.
وحتى الآن، لم تصدر الحكومة الفيدرالية ردًا رسميًا على الشروط التي وضعتها المعارضة للمشاركة في الحوار، لكنها مضت بالتوازي في تنظيم الانتخابات المباشرة داخل ولاية جنوب غرب الصومال.
وعلى الضفة الأخرى، أعلن “مجلس مستقبل الصومال” أنه إذا حلّ 15 مايو الجاري دون التوصل إلى اتفاق بشأن العملية الانتخابية، فإنه سيتخذ ما وصفه بـ”إجراءات تهدف إلى حماية وحدة الدولة الصومالية والحفاظ على استمرارية مؤسساتها”.
ومع اقتراب 15 مايو تبدو الساحة السياسية في الصومال مقبلة على مرحلة تصعيدية؛ إذ تراهن الحكومة على المضي في مسار الانتخابات المباشرة وتثبيت التحولات الدستورية الجديدة، بينما تراهن المعارضة على فرض ضغوط سياسية وشعبية لإعادة التفاوض حول شكل المرحلة المقبلة.










































