تعيش مالي واحدة من أكثر مراحلها الأمنية والسياسية تعقيدًا منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة عام 2020، وذلك بعد سلسلة هجمات دامية هزّت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، إلى جانب عشرات الضحايا من العسكريين والمدنيين.
وفي خضم هذه التطورات، كشفت السلطات عن مخطط استهدف اغتيال الرئيس الانتقالي الجنرال آسيمي غويتا، متهمة جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم “القاعدة” بالسعي إلى إسقاط القيادة الحالية وجرّ البلاد إلى مزيد من الفوضى.
وفي الوقت نفسه، شددت الحكومة على رفضها القاطع لأي حوار مع “الجماعات الإرهابية المسلحة”، مؤكدة أن الخيار العسكري سيظل المسار الأساسي للتعامل مع التهديدات الأمنية المتزايدة التي تواجه البلاد، خاصة في مناطق الشمال والوسط.
هجمات غير مسبوقة في مالي
شهدت مالي يومي 25 و26 أبريل الماضي هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية ومقار حساسة تابعة للمجلس العسكري الحاكم، في واحدة من أعنف العمليات التي تتعرض لها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وقد تبنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، الموالية لتنظيم “القاعدة”، تلك الهجمات، معلنة تنفيذها بالتنسيق مع مجموعات مسلحة من الطوارق تنشط شمال البلاد.
وأثارت هذه الهجمات صدمة واسعة داخل مالي، خاصة بعد الإعلان عن مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الذي يُعد أحد أبرز الوجوه العسكرية الداعمة للرئيس الانتقالي آسيمي غويتا، وأحد مهندسي التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد منذ انقلاب 2020.
وفي أول تعليق رسمي موسع على التطورات، قال وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب، خلال لقاء مع أعضاء السلك الدبلوماسي في العاصمة باماكو، إن الحكومة “لا تنوي التحاور مع مجموعات مسلحة إرهابية عديمة الأخلاق تتحمل مسؤولية المآسي التي يعيشها السكان منذ سنوات”.
وأضاف ديوب أن الهجمات الأخيرة لم تكن مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل كانت جزءًا من “مخطط واضح لقطع رأس القيادة السياسية والعسكرية في البلاد”، في إشارة إلى استهداف الرئيس ووزير الدفاع.

استهداف مباشر لغويتا
وكشف وزير الخارجية المالي تفاصيل جديدة بشأن محاولة اغتيال الرئيس آسيمي غويتا، موضحًا أن الهجوم استهدف مقر إقامته في مدينة كاتي القريبة من العاصمة باماكو.
وقال ديوب إن “شاحنتين مفخختين استهدفتا مقر إقامة الرئيس، وقد انفجرت إحداهما بعد تعرضها لإطلاق نار، بينما لم تنفجر الثانية بسبب سرعة رد الفعل الأمني”، مؤكدًا أن “الهدف الأول كان معروفًا بوضوح، ويتمثل في اغتيال رئيس الدولة”.
وأضاف أن “الهدف الثاني تمثل في استهداف مقر إقامة وزير الدولة ووزير الدفاع والمحاربين القدامى”، في إشارة إلى الجنرال ساديو كامارا الذي قُتل خلال الهجمات.
وأشار ديوب إلى أن الجهات المنفذة للهجوم كانت تسعى إلى “استبدال القيادة الحالية بشخصيات تخدم قوى تريد كسر مشروع إعادة تأسيس الدولة المالية”، مؤكدًا أن السلطات الانتقالية اختارت “استعادة السيادة الوطنية والتحرك باستقلالية بعيدًا عن الضغوط الخارجية”.
وتسببت الهجمات في إثارة موجة واسعة من الشائعات داخل مالي، خاصة بعد اختفاء الرئيس غويتا عن الأنظار لعدة أيام عقب الأحداث.
وتداولت وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي أنباء عن احتمال إصابته أو مقتله، قبل أن يظهر لاحقًا خلال لقاء مع السفير الروسي، ثم خلال تقديم واجب العزاء لعائلة وزير الدفاع، وأخيرًا أثناء زيارته الجنود الجرحى.
تحالف بين الطوارق والقاعدة
واعتبر وزير الخارجية المالي أن الهجمات الأخيرة أثبتت بشكل واضح وجود تحالف مباشر بين الجماعات الانفصالية الطوارقية وتنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل.
وقال ديوب إن “التحالف بين المتمردين الطوارق وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم يعد موضع شك”، مضيفاً أن “الأطراف نفسها تتبنى ما يمكن وصفه بحلف الشر”.
وكانت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” قد أعلنت أن الهجمات جرت بالتنسيق مع “جبهة تحرير أزواد”، وهي حركة مسلحة تنشط شمال مالي وتسعى منذ سنوات إلى إقامة كيان مستقل في مناطق الطوارق.
وبحسب بيانات الجماعتين، تولت “نصرة الإسلام والمسلمين” تنفيذ الهجمات التي استهدفت مدينة كاتي قرب باماكو، بينما شاركت مع مقاتلي الطوارق في هجمات أخرى على مدن شمالية ووسطى مثل كيدال وغاو وموبتي.
اتهامات لأوكرانيا وفرنسا
وفي تصعيد لافت، اتهمت السلطات المالية أطرافًا خارجية بدعم الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل، سواء عبر تقديم معلومات استخباراتية أو دعم لوجستي أو تسهيل عمليات التجنيد.
وقال عبد الله ديوب إن بعض هذه الأطراف “لا تخفي دعمها”، مشيرًا بشكل مباشر إلى أوكرانيا التي قال إنها “أقرت علناً بتقديم دعم لوجستي للجماعات الإرهابية في الساحل”.
كما لمح الوزير إلى وجود دور فرنسي غير مباشر في الأزمة، دون أن يذكر باريس بالاسم، قائلاً إن “بعض الجهات ما زالت تدفن رؤوسها في الرمال بينما تستمر في دعم الفوضى”.
وتشهد العلاقات بين مالي وفرنسا توترًا حادًا منذ سنوات، خاصة بعد انسحاب القوات الفرنسية من البلاد وتوجه المجلس العسكري نحو تعزيز التعاون الأمني مع روسيا، بما في ذلك الاستعانة بعناصر من مجموعة “فاغنر” الروسية.
وترى السلطات المالية أن الدعم الخارجي أسهم في تطوير قدرات الجماعات المسلحة خلال الفترة الأخيرة، سواء من حيث تنسيق الهجمات أو استخدام الأسلحة أو تنفيذ العمليات المعقدة.
وأشار ديوب إلى أن الهجمات الأخيرة تؤكد وجود “محاولة منظمة لخنق الاقتصاد الوطني وزعزعة استقرار البلاد”، مستشهداً بمحاولات سابقة لاستهداف العاصمة باماكو وقطع طرق الإمداد الحيوية.
وأضاف الوزير أن بلاده “لن تخضع لإملاءات أي دولة”، مؤكدًا أن السلطات المالية ماضية في الدفاع عن “سيادة الدولة واستقلال قرارها السياسي والعسكري”.
أزمة أمنية
وتعيش مالي منذ أكثر من عقد أزمة أمنية حادة بدأت مع تمرد الطوارق عام 2012، قبل أن تتوسع لاحقًا مع صعود الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”.
ورغم العمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها السلطات المالية بدعم من قوات أجنبية خلال السنوات الماضية، فإن الهجمات المسلحة ما تزال تتوسع نحو مناطق جديدة، فيما يتزايد عدد الضحايا المدنيين بشكل مستمر.
وفي أحدث التطورات، قُتل أكثر من 30 شخصًا، الأربعاء، في هجومين استهدفا بلدتين بوسط مالي، ونُسبا إلى جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
وقال مسؤول محلي إن الحصيلة تجاوزت 35 قتيلاً، بينهم 25 شخصاً في بلدة كوري كوري و10 آخرون في غوموسوغو، مشيرًا إلى أن الهجومين وقعا بشكل شبه متزامن.
في المقابل، أعلن الجيش المالي تنفيذ عملية عسكرية ضد الجماعات المسلحة في المنطقة نفسها، مؤكدًا “تحييد نحو 10 إرهابيين”، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن العملية.
نقلاً عن:










































