أظهرت الهجمات المتزامنة في مالي، التي نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة ومتمردين طوارق انفصاليين في 25 أبريل، كيف تمكن مقاتلون من مجموعات مختلفة ذات أهداف متباينة من استهداف حكومة البلاد.
وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كمارا، والسيطرة على قواعد عسكرية ومدن في شمال البلاد على أطراف الصحراء الكبرى، كما أعلن المسلحون فرض حصار شامل على العاصمة باماكو في جنوب الدولة الشاسعة غير الساحلية.
ورغم سلسلة تدخلات منذ عام 2013 من قوات فرنسية وأمريكية وأممية وروسية، فإن هذه الجماعات المسلحة، إلى جانب فصائل أخرى مرتبطة بتنظيم “داعش”، حققت مكاسب كبيرة في مناطق أخرى من الإقليم، حسب تقرير لوكالة رويترز.
وأفادت التقرير أن هذه الجماعات وسعت وجودها في دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، كما أقامت روابط مع متشددين في شمال نيجيريا.
وامتد نطاق نشاطها الآن لأكثر من 3000 كيلومتر من غرب مالي قرب السنغال، مرورًا بنيجيريا وصولاً إلى تشاد,
وتواجه عمليات تعدين الذهب والليثيوم واليورانيوم الكبرى مخاطر متزايدة، إلى جانب دول أخرى على طول ساحل غرب إفريقيا.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نوفمبر الماضي إن “الإرهاب في الساحل ليس مجرد واقع إقليمي مأساوي، بل إن الترابط المتزايد بين جماعاته في إفريقيا وخارجها يجعله تهديدًا عالميًا متصاعدًا”.
هجمات مالي وخارطة تهديدات الساحل
التحالفات والتدخلات الخارجية
أصبحت روسيا الداعم العسكري الرئيسي لمالي منذ أن أطاح العسكريون بالحكم عام 2020 وأخرجوا القوات الأممية والغربية.
كما اتجهت بوركينا فاسو والنيجر، اللتان يحكمهما أيضًا عسكريون وصلوا إلى السلطة بعد الإطاحة بالمدنيين، إلى موسكو للحصول على الدعم العسكري بهدف مواجهة التمردات المختلفة.
ويوجد حاليًا نحو 2500 جندي روسي منتشرين في 20 قاعدة داخل مالي، وفقًا لمجموعة “إنفيستيغيشنز ويذ إمباكت” (INPACT) التي تتابع العمليات الروسية.
وقد انسحب مئات الروس من قواعد في الشمال منذ هجمات السبت، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الدعم الروسي لمالي وألحق ضررًا بصورة موسكو كضامن أمني في إفريقيا.
فيما قالت وسائل إعلام روسية رسمية إن قوات “فيلق إفريقيا” منعت انقلابًا في 25 أبريل وحمت مواقع استراتيجية، بينما أكدت الكرملين في 30 أبريل أن القوات الروسية ستبقى في مالي لدعم الحكومة.
الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي
في السنوات الأخيرة، عززت الجماعات المتشددة مواقعها في المناطق الريفية، حيث قامت بتجنيد مقاتلين وبناء نفوذ سياسي، بدلاً من تنفيذ هجمات ضخمة تجذب الانتباه الدولي.
ومنذ أن كانت مجرد مجموعات صغيرة من المسلحين محصورة في بقعة محدودة من الصحراء، أصبحت الجماعات المرتبطة بالقاعدة أو “داعش” قادرة على التحرك بحرية في مالي، والسيطرة على نحو 60% من بوركينا فاسو، وأجزاء واسعة من جنوب وغرب النيجر.
وقد أدى ذلك إلى نزوح نحو 4 ملايين شخص بسبب العنف، بحسب الأمم المتحدة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن مجموع مقاتلي تنظيم “داعش” والقاعدة في غرب إفريقيا يتراوح بين 15 ألفًا و22 ألف مقاتل، فيما يمتلك الطوارق الانفصاليون في مالي آلاف المقاتلين أيضًا.
ومع توسع نفوذها، باتت هذه الجماعات تهدد شمال بنين وتوغو وغانا وساحل العاج. كما تحولت التمردات في شمال شرق نيجيريا إلى أخطر فرع لتنظيم “داعش”، حيث امتد غربًا ليرتبط بجماعات جهادية أخرى في الساحل.

الموارد تحت التهديد
تنتج غرب إفريقيا ما بين 11 و12 مليون أونصة من الذهب سنويًا، أي نحو 10% من الإنتاج العالمي، بحسب شركة “جلوبال داتا”. وتضم غانا ومالي وبوركينا فاسو وغينيا عشرات المناجم الصناعية، إلى جانب التعدين الحرفي الذي أنتج بين 4.8 و6.4 مليون أونصة إضافية في عام 2024.
كما تمتلك المنطقة احتياطيات كبيرة من البوكسيت وخام الحديد، إضافة إلى معادن استراتيجية مثل الليثيوم والنحاس والكوبالت. أما النيجر فهي من كبار منتجي اليورانيوم، إذ كانت توفر نحو 25% من احتياجات أوروبا عام 2022، وفق الاتحاد الأوروبي، قبل أن تستولي سلطتها العسكرية على منجم فرنسي رئيسي العام الماضي وتوقف الصادرات إلى أوروبا.
وقد رفعت شركات التعدين إنفاقها الأمني في السنوات الأخيرة مع توسع نفوذ الجماعات المسلحة، فيما تعرضت بعض المناجم لهجمات، وتزايدت المخاوف بشأن سلامة خطوط الإمداد.

الهجرة وتداعيات الأزمة
أدت سنوات العنف مقرونة بالحرمان الاقتصادي إلى زيادة عدد المهاجرين من غرب إفريقيا المتجهين نحو أوروبا. وتعد هذه الرحلات مكلفة وخطيرة، إذ يضطر المهاجرون لعبور الصحراء الكبرى أو التوجه إلى السنغال وموريتانيا لمحاولة الإبحار نحو جزر الكناري الإسبانية.
ورغم ذلك، فإن أعداد المهاجرين من غرب إفريقيا إلى أوروبا لا تزال أقل بكثير من مستويات الهجرة التي شهدتها سوريا خلال الحرب الأهلية.
ويحذر خبراء الساحل من أنه إذا خرجت الجماعات الجهادية عن مسارها الحالي المتمثل في تثبيت نفوذها الإقليمي، فقد تتحول في المستقبل إلى تهديد مباشر لأوروبا والولايات المتحدة.
نقلاً عن:











































