بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية في السودان، لا يزال المجتمع الدولي يطرح السؤال الخاطئ. فالمسألة ليست ما إذا كان السلام ممكناً، بل في ظل أي شروط يمكن أن يكون ذا معنى بحيث يكون جاذبا لأطراف الصراع؟
إذ لم تعد الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى صراع متعدد الأوجه تغذيه الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية والحوافز الاقتصادية التي تشجع على استمرار العنف.
لذا، يتطلب إنهاء الحرب الأهلية في السودان مواجهة هذه الحقائق البنيوية بدلاً من الاعتماد على صيغ السلام التقليدية التي فشلت مراراً وتكراراً.
نحن في حاجة إلى حلول وصيغ تفاوضية مبتكرة تكسر حالة الجمود الراهنة.
على الرغم من عدم إمكانية حسم الصراع عسكريا لا تزال كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تعتقدان بإمكانية تحقيق نصر عسكري
الحرب الأهلية في السودان
إن حجم الأزمة وحده يستدعي تحركاً عاجلاً. فالسودان يواجه الآن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع نزوح أكثر من 12 مليون شخص واستهداف واسع النطاق للمدنيين، ولا سيما النساء والفتيات.
أما العواقب الاقتصادية فهي مدمرة بنفس القدر. فقد خسر السودان مليارات الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الأولى من الحرب، وتشير التوقعات إلى أن الفقر المدقع قد يتجاوز 60% من السكان إذا استمر الصراع.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات على الانهيار؛ إنها تحذيرات من أنه كلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة إعادة بناء الدولة التي انهارت أركانها.
ولعل الصراع ينبع في جوهره كما بينا من قبل في مواضع كثيرة من فشل المرحلة الانتقالية. فبعد سقوط عمر البشير عام 2019، دخل السودان في اتفاقية هشة لتقاسم السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. سرعان ما انهارت هذه الاتفاقية بسبب خلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني، مما أدى إلى تهاوي السلطة على مستوى البلاد.
لم تكن النتيجة مجرد حرب بين طرفين أو جنرالين متنافسين، بل تفكك دولة أضعفتها عقود من الاستبداد والانقسامات العرقية والتنمية غير المتكافئة.
ومع ذلك، لا تقوى العوامل الداخلية وحدها على تفسير استمرار الحرب الأهلية في السودان. فقد أسهمت جهات خارجية بدور غير خاف في إطالة أمد الصراع.
تحالفت قوى إقليمية مع فصائل مختلفة بناءً على مصالح استراتيجية: فقد دعم البعض القوات المسلحة السودانية بشكل كبير، بينما ارتبطت قوى إفريقية فاعلة بدعم قوات الدعم السريع.
ولا يخفى أن هذه التحالفات ليست أيديولوجية، بل هي جيوسياسية واقتصادية. فقد حوّلت موارد الذهب في السودان، وموقعه على البحر الأحمر، ومكانته في حوض النيل، الصراع إلى ساحة حرب بالوكالة. وطالما استمر تدفق الأسلحة والتمويل والدعم السياسي من الخارج، فلن يكون لدى أي من الطرفين حافز للتفاوض بحسن نية.
وهنا بالتحديد يكمن سبب فشل جهود السلام السابقة. فقد ركزت مبادرات مثل محادثات منبر جدة ومقترح “الحوار الرباعي” المدعوم من الولايات المتحدة على وقف إطلاق النار دون معالجة الدوافع الكامنة وراء الحرب الأهلية في السودان.
وعلى الرغم من عدم إمكانية حسم الصراع عسكريا لا تزال كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تعتقدان بإمكانية تحقيق نصر عسكري، وهو اعتقاد يتم تأسيسه على أوهام الدعم الخارجي والمكاسب الميدانية. إلا أن الصراع في الواقع وصل إلى طريق مسدود استراتيجي. فلا يستطيع أي من الطرفين تحقيق سيطرة حاسمة على البلاد، واستمرار القتال لن يؤدي إلا إلى تعميق التشرذم والانقسام الإقليمي. وربما يتم تكريس السيناريو الليبي، وربما تجاوزه بوجود مراكز متعددة للسلطة.
ويعكس الوضع على الأرض هذه الحقيقة. يتزايد انقسام السودان إلى مناطق سيطرة، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء من كردفان، بينما تحافظ القوات المسلحة السودانية على سيطرتها على المناطق الوسطى والشرقية والشمالية. هذا التقسيم الفعلي ليس مرحلة مؤقتة، بل هو يترسخ مؤسسياً من خلال هياكل حكم موازية، واقتصادات متنافسة، وجماعات مسلحة محلية. إذا استمر هذا المسار، فإن السودان يُخاطر باتباع مسار دول أخرى مُجزأة، حيث يصبح الصراع أمراً طبيعياً، وتزداد صعوبة استعادة الوحدة الوطنية.
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق بين استمرار وتكريس الوضع القائم أو إمكانية تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار
في ضوء هذه الديناميكيات، كيف تبدو ملامح مسار واقعي نحو السلام؟
أولاً، يجب أن تبدأ أي عملية سلام فعّالة بتغيير في الاستراتيجية الدولية. فالمقاربات الحالية – التي تغض الطرف عن تمويل طرفي الصراع والدعوة إلى التفاوض في نفس الوقت – تبدو متناقضة بشكل جوهري. من الضروري وجود موقف دولي موحد، لا سيما بين الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية. هذا يعني ممارسة ضغط منسق لوقف نقل الأسلحة، وتقييد التدفقات المالية، وفرض عقوبات محددة الأهداف على الأفراد والشبكات التي تستفيد من اقتصاد الحرب. إنه بدون تغيير حسابات الربح والخسارة للأطراف المتحاربة، ستظل الدبلوماسية غير فعّالة.
ثانيًا، يجب التخلي عن الاعتقاد بالحل العسكري. لا تزال كل من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تُصوّر الصراع على أنه صراع محصلته صفرية، مُصرّةً على تحقيق النصر بدلًا من التسوية. ومع ذلك، تُظهر البيانات بوضوح أن الصراع المطوّل لا يؤدي إلا إلى انهيار كارثي يجب على الاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية أن تضطلع بدور أكثر فعالية في إيصال هذه الحقيقة وتيسير المفاوضات التي تُقر باستحالة تحقيق نصر كامل.
ثالثًا، لا بد من تغيير هيكل المفاوضات. فقد هيمنت الجهات العسكرية والجهات الراعية الخارجية على عمليات السلام السابقة، مما همّش المجتمع المدني السوداني الذي قام بدور محوري في انتفاضة عام2019 . ولا يمكن بناء سلام مستدام من خلال مفاوضات النخب بين الفصائل المسلحة فحسب، بل يتطلب إشراك الجهات المدنية الفاعلة، والمنظمات النسائية، والمجتمعات المحلية التي تحملت وطأة الصراع. وهذه ليست مجرد حجة نظرية، بل ضرورة عملية لبناء الشرعية ومنع دوامات العنف في المستقبل.
رابعًا، يجب دمج المساءلة والعدالة الانتقالية في عملية السلام. فلا يمكن تجاهل حجم الفظائع – بما في ذلك العنف العرقي والاستهداف الممنهج للمدنيين – في سبيل تحقيق الاستقرار. ومن شأن آلية العدالة الانتقالية، مثل لجنة الحقيقة والمصالحة، أن تؤدي وظائف رمزية وعملية. فهي تُشير إلى قطيعة مع ثقافة الإفلات من العقاب التي ميزت السياسة السودانية، وتُرسّخ إطارًا للمصالحة طويلة الأمد.
خامساً، يجب التعامل مع إعادة الإعمار الاقتصادي كركيزة أساسية للسلام، وليس كحلٍّ ثانوي بعد انتهاء النزاع. فقد أصبح اقتصاد الحرب الأهلية في السودان، المدفوع بموارد قيمة كالذهب والمدعوم بالأسواق الخارجية، محركاً رئيسياً للعنف. ويتطلب عكس هذا الوضع استثمارات دولية منسقة في البنية التحتية، وإصلاحات الحوكمة، والتنويع الاقتصادي. أما البديل فهو بيئة ما بعد الحرب التي تستمر فيها نفس الجهات الفاعلة والحوافز في تأجيج عدم الاستقرار.
أخيراً، يجب إعطاء الأولوية القصوى لوصول المساعدات الإنسانية. فملايين المدنيين السودانيين معرضون لخطر المجاعة والنزوح والعنف. وأي وقف لإطلاق النار، حتى لو كان مؤقتاً، يجب أن يتضمن آليات قابلة للتنفيذ لضمان وصول المساعدات بشكل آمن. وهذا ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً واجب استراتيجي. فالانهيار الإنساني يزيد من زعزعة استقرار البلاد ويقوض أي آفاق للسلام طويل الأمد.

ما السبيل؟
وفي الختام، يصبح السؤال ليس ما إذا كان السودان قادراً على تحقيق السلام، بل ما إذا كان بالإمكان تهيئة الظروف اللازمة لذلك.
ومن الواضح أن المسار الحالي، الذي يتسم بدبلوماسية غير متكاملة وتدخلات خارجية ومصالح عسكرية راسخة، يشير إلى أن الحرب الأهلية في السودان سوف تستمر ما لم يحدث تحول جذري.
وعليه فإن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق بين استمرار وتكريس الوضع القائم أو إمكانية تحقيق الاستقرار و إعادة الإعمار.
ومن المرجح ان الخيارات التي يتم اتخاذها، على الصعيدين الداخلي والدولي، سوف تحدد المسار الذي سيسلكه أهل السودان.
وفي جميع الحالات لن يتحقق السلام في السودان من خلال التصريحات أو الاتفاقات قصيرة الأجل، بل من خلال مواجهة الحقيقة المُرّة المتمثلة في أن الحرب مربحة للبعض، واستراتيجية للبعض الآخر، ولكنها كارثية ومدمرة للأغلبية.
وعليه يتطلب إنهاؤها توجيه كافة الحوافز والمزايا نحو السلام بدلاً من الحرب، وهي مهمة سياسية وأخلاقية في آن واحد.










































