جمّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، السبت، اتفاق جزر تشاغوس، في خطوة تعكس تصاعد التوترات مع دونالد ترامب، بعد فشل واشنطن في تقديم موافقة رسمية لازمة لدخول الاتفاق حيّز التنفيذ.
جاء القرار في توقيت حساس، إذ كانت الحكومة البريطانية تسابق الزمن لإقرار التشريعات المرتبطة بالاتفاق قبل تعليق جلسات البرلمان، إلا أن غياب التأكيد الأمريكي حال دون استكمال العملية القانونية. ما دفع لندن إلى التجميد المؤقت بدل المضي قدمًا في خطوة قد تثير تعقيدات استراتيجية.
ورغم ذلك، شددت مصادر حكومية على أن الاتفاق لم يُلغَ بالكامل، بل تم وضعه في حالة تعليق، مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وموريشيوس لإعادة إحيائه لاحقًا.
خلافات سياسية وضغوط أمريكية
تصاعدت الأزمة بعد مواقف متقلبة من ترامب، الذي كان قد أبدى دعمًا أوليًا للاتفاق، قبل أن يهاجمه لاحقًا بشدة، واصفًا إياه بأنه “عمل من أعمال الضعف التام”، ومطالبًا لندن بعدم “التخلي عن دييغو غارسيا”.
ولم تقتصر الانتقادات على التصريحات، بل امتدت إلى ضغوط سياسية علنية عبر منصته “تروث سوشيال”معتبرًا اتفاق جزر تشاغوس “وصمة على حليفنا العظيم”، في إشارة إلى بريطانيا. وذلك رغم أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد أعلنت دعمها الرسمي للاتفاق قبل ذلك بفترة وجيزة.
هذا التباين داخل الموقف الأمريكي ألقى بظلاله على القرار البريطاني، إذ تُعد الموافقة الأمريكية شرطًا قانونيًا أساسيًا لتفعيل الاتفاق، ما جعل غيابها عائقًا مباشرًا أمام التنفيذ.
ما هو اتفاق جزر تشاغوس؟
تم توقيع الاتفاق في مايو 2025، وينص على نقل السيادة على أرخبيل تشاغوس من بريطانيا إلى موريشيوس، مقابل إعادة استئجار قاعدة عسكرية في جزيرة دييغو غارسيا لمدة تصل إلى 99 عامًا.
وتبلغ تكلفة الإيجار نحو 101 مليون جنيه إسترليني سنويًا في المتوسط، مع ترتيبات مالية متدرجة تشمل دفعات أعلى في السنوات الأولى، ثم ربط المبلغ لاحقًا بمعدلات التضخم.
ويهدف الاتفاق، بحسب الحكومة البريطانية، إلى حماية الوضع القانوني للقاعدة العسكرية وضمان استمرار تشغيلها في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على لندن لإنهاء سيطرتها على الأرخبيل.
أهمية دييغو غارسيا الاستراتيجية
تُعد جزيرة دييغو غارسيا، أكبر جزر أرخبيل تشاغوس، واحدة من أهم القواعد العسكرية الغربية في العالم، حيث تُستخدم بشكل مشترك من قبل بريطانيا والولايات المتحدة.
وتتميز القاعدة بموقع استراتيجي في قلب المحيط الهندي، ما يمنحها قدرة على دعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فضلاً عن دورها في مهام المراقبة والاستخبارات.
وأكدت الحكومة البريطانية أن القاعدة تمثل “أصلاً عسكريًا استراتيجيًا بالغ الأهمية”، مشيرة إلى أن ضمان أمنها التشغيلي على المدى الطويل كان الدافع الرئيسي وراء الاتفاق.
جذور النزاع على الأرخبيل
تعود جذور الأزمة إلى ستينيات القرن الماضي، عندما فصلت بريطانيا جزر تشاغوس عن موريشيوس خلال الحقبة الاستعمارية، قبل أن تسمح للولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية في دييغو غارسيا.
وشهدت تلك الفترة تهجير آلاف السكان الأصليين من الجزر، ما أثار جدلاً قانونيًا وحقوقيًا مستمرًا حتى اليوم، خاصة بعد صدور قرارات دولية تدعم حق موريشيوس في السيادة على الأرخبيل.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت الضغوط الدولية على بريطانيا، بما في ذلك مواقف صادرة عن محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، تطالب بإنهاء السيطرة البريطانية على الجزر، وإقرار اتفاق جزر تشاغوس.
انقسام داخلي في بريطانيا
أثار قرار تجميد الاتفاق ردود فعل متباينة داخل الساحة السياسية البريطانية، حيث رحّب حزب المحافظين وحزب “ريفرم يو كي” بالخطوة، معتبرين أنها تصحيح لمسار خاطئ.
وقالت زعيمة المحافظين كيمي بادينوك إن وضع الاتفاق “في مزبلة التاريخ” يمثل نتيجة لنضال طويل ضده، مشيرة إلى أن الحكومة كانت ستدفع مليارات مقابل الاحتفاظ بقاعدة تمتلكها بالفعل.
If Keir Starmer’s Chagos surrender now finds its rightful place – on the ash heap of history – it will be because Conservatives led the fight against it from day one.
That it took so long is another damning indictment of a prime minister, who fought to hand over British… https://t.co/QxOw2ekqld
— Kemi Badenoch (@KemiBadenoch) April 10, 2026
في المقابل، انتقد الحزب الليبرالي الديمقراطي طريقة إدارة ملف اتفاق جزر تشاغوس، حيث وصف المتحدث باسمه كالوم ميلر العملية بأنها “فوضوية تمامًا”. وحذر من تأثير تقلبات الموقف الأمريكي على الشراكة العسكرية بين لندن وواشنطن.
موقف سكان تشاغوس
يبقى سكان تشاغوس الأصليون أحد أبرز الأطراف المتأثرة بالاتفاق، حيث عبّر كثير منهم عن رفضهم لنقل السيادة إلى موريشيوس، معتبرين أن ذلك قد يعقّد فرص عودتهم إلى الجزر.
ويطالب هؤلاء بالإبقاء على السيادة البريطانية، باعتبارها ضمانة أفضل لحقوقهم، بينما يرى آخرون أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام برامج إعادة التوطين بعد عقود من التهجير القسري.
وينص الاتفاق بالفعل على إنشاء صندوق دعم بقيمة 40 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى السماح بإعادة توطين السكان في معظم الجزر، باستثناء دييغو غارسيا لأسباب أمنية.
التنافس مع الصين
يتجاوز الخلاف حول اتفاق جزر تشاغوس الإطار الثنائي بين بريطانيا والولايات المتحدة، ليعكس تحولات أوسع في التوازنات الجيوسياسية في المحيط الهندي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة مع الصين.
وتخشى لندن من أن يؤدي عدم التوصل إلى اتفاق إلى فتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها في المنطقة، وهو ما أشار إليه ستارمر ضمنيًا عند حديثه عن “مخاطر التأثيرات الخبيثة”.
كما يسلط التجميد الضوء على هشاشة التنسيق بين الحلفاء الغربيين في ملفات استراتيجية حساسة، خصوصًا عندما تتداخل الاعتبارات السياسية الداخلية مع الحسابات الأمنية الدولية.
مستقبل الاتفاق
في ظل استمرار الجمود، يبقى مستقبل اتفاق جزر تشاغوس غير محسوم، حيث تعتمد الخطوة التالية على مدى قدرة بريطانيا على الحصول على دعم أمريكي واضح، إضافة إلى استكمال الإجراءات التشريعية داخليًا.
ومن غير المتوقع إدراج أي مشروع قانون جديد بشأن الجزر في خطاب ملك بريطانيا المرتقب في مايو، ما يعني أن الملف قد يظل معلقًا لعدة أشهر على الأقل.
ومع استمرار الاتصالات بين لندن وواشنطن وموريشيوس، يظل السيناريو الأقرب هو إعادة التفاوض أو تعديل بعض بنود الاتفاق بما يضمن توافقًا سياسيًا أوسع، دون المساس بالأهمية الاستراتيجية لقاعدة دييغو غارسيا.
بهذا التطور، يتحول ملف اتفاق جزر تشاغوس من قضية قانونية تاريخية إلى اختبار حقيقي للعلاقات البريطانية الأمريكية، وسط توازن دقيق بين السيادة، والأمن، والضغوط الجيوسياسية المتصاعدة.

نقلاً عن:












































