بول تيامبي زيليزا Paul Tiyambe Zeleza
ترجمة:د.مجدي آدم
كان ثانديكا مكاندوير Thandika Mkandawire (1940-2020م) قامةً فكريةً شامخة، جسّدت أعماله الرسالة التاريخية والإنسانية للقومية الإفريقية: تحرير المجتمعات الإفريقية والأوساط الأكاديمية من قيود التبعية الاقتصادية والمعرفية الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. امتدت مسيرته اللامعة عبر القارات والتخصصات والمؤسسات، تاركةً بصمةً لا تُمحى على المشهد الأكاديمي الإفريقي والعالمي. وبصفته خبيراً اقتصادياً، ومُنظّراً اجتماعياً، ومؤسساً رائداً للمؤسسات، كرّس مكاندوير حياته لتحرير المعرفة من الاستعمار، وإعادة تصوُّر التنمية، والدفاع عن الديمقراطية. ومع ذلك، فإنه إلى جانب إسهاماته العلمية الجليلة، كان مرشداً وقائداً وشخصيةً إنسانيةً مؤثرةً، أنارت حفاوته وكرمه حياة عدد لا يُحصى من الناس. بعد أن حظيت بشرف معرفته شخصياً وانبهرت بذكائه الفذ، أؤمن إيماناً راسخاً بأن إرث مكاندوير الفكري كنزٌ ثمين، ومنبعٌ دائمٌ للبصيرة والإلهام للأجيال الحالية والمستقبلية من المفكرين الأفارقة في القارة وفي الشتات.
تتناول هذه الدراسة سبعة أبعاد محورية من حياته وعمله، مُعزَّزةً بتأملاتٍ من أقرانه وتلاميذه ومعجبيه، كما وردت بوضوح في العدد الخاص من نشرة مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا (العددين 2 و3، 2020م) وفي كلمات الرثاء المؤثرة الأخرى التي نُشرت منذ رحيله.
التأثيرات: صقل شخصية فكرية عظيمة:
تأثرت مسيرة مكاندوير الفكرية بشكلٍ عميق بتضافر تجارب شخصية وأحداث تاريخية ولقاءات أكاديمية. وُلد مكاندوير عام ١٩٤٠م في زيمبابوي إبان الحقبة الاستعمارية، لأب ملاوي وأم زيمبابوية، وقد عرّضته طفولته المبكرة لواقع الاستعمار المرير والتفاوتات العرقية الممنهجة. كما ساهمت طفولته في زامبيا، حيث عمل والده كعامل مهاجر، في تعميق فهمه للظلم البنيوي. وقد ترك نظام العمل الاستعماري، باستبعاده للأفارقة من الوظائف الماهرة وذات الأجور المجزية، بصمةً واضحةً عليه، وغرس فيه التزاماً مدى الحياة بتحدي الهياكل غير العادلة.
شكّلت دراسة مكاندوير الثانوية في ملاوي مرحلةً محوريةً في تكوينه الفكري. فعلى عكس التسلسلات الهرمية العرقية الراسخة التي رآها في زامبيا؛ وجد في ملاوي مستعمرةً متخلفةً للغاية، تُشكّل مصدراً إقليمياً للعمالة. أثارت هذه التجربة المتنوعة للاستعمار فضوله حول الديناميكيات الاجتماعية والسياسية الأوسع التي تُشكّل المجتمعات الإفريقية. ووجد وعيه السياسي المتنامي متنفساً له في الصحافة، حيث بدأ ينتقد الحكم الاستعماري ومظالمه. وكتب في الصحف الملاوية، معرباً عن معارضته للنزعات الاستبدادية للديكتاتورية الناشئة في مرحلة ما بعد الاستعمار بقيادة هاستينغز كاموزو باندا، مما أدى إلى سجنه ونفيه لاحقاً.
كانت فترة نفيه نقطة تحول في حياته، فقد سعى مكاندوير إلى إكمال تعليمه العالي في الولايات المتحدة خلال حركة الحقوق المدنية، وهي فترة اتسمت بنشاط سياسي مكثف وحراك فكري. وقد لاقت النضالات العرقية والخطابات المناهضة للاستعمار في ذلك الوقت صدى عميقاً لديه، وتأثر بشكلٍ خاص بخبراء الاقتصاد السياسي الراديكاليين مثل غونار ميردال وآرثر لويس، الذين تحدت أعمالهم النظريات الاقتصادية التقليدية وأكدت على أهمية التنمية التي تقودها الدولة، كما عززت كتابات كوامي نكروما وجوليوس نيريري القومية التزامه بتحرير إفريقيا وتنميتها.
كانت فترة إقامته في السويد، حيث مُنح اللجوء بعد أن سحب نظام باندا جواز سفره، فترةً حاسمةً أخرى في مسيرته الفكرية. هناك تعرّف مكاندوير على النموذج الإسكندنافي للديمقراطية الاجتماعية، الذي أثّر بشكلٍ كبير في تفكيره بشأن الدول التنموية والسياسات الاجتماعية. أظهرت التجربة الإسكندنافية إمكانية الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وهو درسٌ اعتقد أنه ذو أهمية بالغة لإفريقيا. كما وفرت له السويد بيئةً أكاديميةً حاضنة، حيث قام بتدريس الاقتصاد وبدأ بتطوير أفكاره حول التنمية والحوكمة.
لم تقتصر التأثيرات الفكرية لمكاندوير على الاقتصاد والعلوم السياسية فحسب، بل كان لديه شغفٌ كبيرٌ بالمعرفة، مستمداً رؤاه من التاريخ وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية والفنون، بما في ذلك الموسيقى والأدب. أثرى هذا النهج متعدد التخصصات دراساته، مما مكّنه من التفاعل مع القضايا المعقدة من زوايا نظرٍ متعددة. ساهمت خلفيته الفكرية الواسعة، إلى جانب تجاربه الحياتية، في صقل شخصيته الفكرية، وجعلته مفكراً قادراً على الربط بين النظرية والتطبيق، والواقع المحلي والخطابات العالمية.
القومية والوحدة الإفريقية: أسس الالتزام الفكري والسياسي:
شكّلت القومية والوحدة الإفريقية محوراً أساسياً في التزامات مكاندوير الفكرية والسياسية. وقد عكس انخراطه المبكر في الحركات القومية في ملاوي إيمانه بقوة تقرير المصير في إحداث تغيير جذري. حتى في شبابه كصحفي، انخرط بعمق في النضال ضد الاستعمار، مندداً بالسلطات الاستعمارية ومدافعاً عن تحرير إفريقيا. إلا أن هذا الالتزام بالقومية لم يكن خالياً من النقد، فقد كان مكاندوير مدركاً تماماً للتناقضات بين المُثل القومية وواقع الحكم في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث غالباً ما قوّض الاستبداد وهيمنة النخب أهداف التحرير الأوسع.
وفي المنفى، تعمّق التزام مكاندوير بالوحدة الإفريقية مع انخراطه في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. لم يعد ينظر إلى نضالات الاستقلال كأحداث وطنية معزولة، بل كجزء من حركة قارية أوسع نطاقاً من أجل التحرر والوحدة، وتحرير إفريقيا ككل. وقد تجلّت رؤيته الإفريقية الجامعة في قيادته لمجلس تنمية بحوث العلوم الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA. ففي ظل إدارته، أصبح المجلس منصةً حيويةً للتعاون الفكري العابر للحدود اللغوية والإقليمية، مما عزز الشعور بالوحدة بين الباحثين الأفارقة.
كما تجلّت نزعة مكاندوير الإفريقية الجامعة في كتاباته، فقد كتب باستفاضة عن دور القومية في بناء الدولة وتشكيل الهوية. وفي مقالته المؤثرة «المثقفون الأفارقة والقومية»، استكشف العلاقة المعقدة بين المثقفين والحركات القومية. وجادل بأن المثقفين، على الرغم من دورهم المحوري في صياغة الرؤى القومية، غالباً ما وجدوا أنفسهم في صراع مع أنظمة ما بعد الاستقلال التي أعطت الأولوية للولاء السياسي على حساب الحوار النقدي. عارض مكاندوير النظرة الماركسية التي تُقلل من شأن القومية باعتبارها قوةً رجعية، مؤكداً أنها كانت آلية توحيد حيوية في مواجهة التفكك الاستعماري.
طوال مسيرته، ظل مكاندوير مدافعاً قوياً عن الوحدة والتعاون الإفريقيين، كان يؤمن بأن تحديات القارة- التخلف الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، وعدم المساواة الاجتماعية- لا يمكن معالجتها بفعالية إلا من خلال العمل الجماعي. امتدت مُثُله الإفريقية الجامعة إلى ما هو أبعد من المجال السياسي لتشمل الأبعاد الفكرية والثقافية، داعياً إلى تحرير المعرفة من الاستعمار وتعزيز المنظورات الإفريقية في الخطابات العالمية. كما لاقت آراؤه صدًى لدى المشروع الأوسع نطاقاً لإعادة ربط المثقفين الأفارقة بالمُثُل الإفريقية الجامعة للأجيال السابقة، مُظهراً أن هذه التطلعات لا تزال بالغة الأهمية في معالجة قضايا التخلف والتهميش المعاصرة.
المسار المهني: من الصحافة إلى القيادة العالمية:
تميّز المسار المهني لمكاندوير بتكاملٍ سلس بين الدقة الفكرية والقيادة المؤسسية والالتزام العميق بالعدالة الاجتماعية. فبصفته صحفياً في ملاوي، أكسبه نقده اللاذع للحكم الاستعماري والاستبداد الذي أعقب الاستقلال شهرةً واضطهاداً في آنٍ واحد. وشكّل منفاه نقطة تحول، إذ انتقل من الصحافة إلى الأوساط الأكاديمية، ليصبح في نهاية المطاف شخصيةً بارزةً في مجال اقتصاديات التنمية.
في الولايات المتحدة، درس مكاندوير الاقتصاد، مكتسباً فهماً عميقاً للتفاعل بين السياسة والتنمية. وواصل مسيرته الأكاديمية في السويد، حيث أصبح محاضراً في الاقتصاد بجامعة ستوكهولم. وكانت هذه الفترة حاسمةً في تطوير أفكاره حول التنمية التي تقودها الدولة والسياسة الاجتماعية، والتي أصبحت فيما بعد محاور أساسية في أعماله.
وشكّلت عودة مكاندوير إلى إفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي مرحلةً جديدةً في مسيرته المهنية. تولّى منصباً قيادياً في معهد زيمبابوي لدراسات التنمية، حيث ساهم في صياغة أجندة البحث للمعهد خلال السنوات الأولى التي أعقبت استقلال زيمبابوي. وقد عززت هذه التجربة إيمانه بأهمية بناء مؤسسات بحثية قوية ومستقلة قادرة على إنتاج معرفة تتناسب مع السياق المحلي.
إلا أن أهم إسهاماته برزت خلال فترة توليه منصب الأمين التنفيذي لمجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA من عام ١٩٨٦م إلى عام ١٩٩٦م. فقد حوّل مكاندوير المجلس إلى منظمة بحثية رائدة على مستوى عموم إفريقيا، موفراً منصة حيوية للباحثين الذين يتناولون التحديات الاجتماعية والاقتصادية في ذلك الوقت. وتحت قيادته، وسّع المجلس برامجه، وتميز ذلك بإنشاء فرق عمل وطنية ومتعددة الجنسيات عززت البحث التعاوني متعدد التخصصات. وإدراكاً منه لأهمية الاستمرارية الفكرية، في ظل نقص التمويل في الجامعات والبيئات السياسية المقيدة، أولى مكاندوير اهتماماً خاصاً لرعاية الباحثين المستقبليين من خلال تقديم منح بحثية وإرشاد لطلاب الماجستير، ضامناً بذلك استمرارية وجود قيادات فكرية إفريقية. وشملت مبادرات أخرى إطلاق معاهد الحوكمة الديمقراطية ودراسات النوع الاجتماعي.
في عام ١٩٩٨م، عُيّن مكاندوير مديراً لمعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية UNRISD، حيث أشرف على أبحاث رائدة في مجال السياسات الاجتماعية والحوكمة في البلدان النامية. وقد عززت فترة عمله في المعهد، التي استغل فيها المنصة للدفاع عن سياسات تُعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، مكانته كقائد فكري عالمي. هناك، عزز مكاندوير رؤيته السابقة، موضحاً كيف غالباً ما تُهمّش الهياكل المالية الدولية الاحتياجات التنموية الخاصة بالدول الإفريقية. والجدير بالذكر أنه دعاني للانضمام إلى فريق من تسع باحثات نسويات، بصفتي أحد رجلين، لإعداد تقرير مهم بمناسبة الذكرى العاشرة لمؤتمر بكين للمرأة التابع للأمم المتحدة عام ١٩٩٥م. وقد عكس المنشور الناتج، بعنوان «المساواة بين الجنسين: السعي لتحقيق العدالة في عالم غير متكافئ»، التزامه بالمساواة بين الجنسين باعتبارها حجر الزاوية في العدالة الاجتماعية والتنمية.
كان آخر منصب أكاديمي شغله مكاندوير هو منصب رئيس كرسي التنمية الإفريقية في كلية لندن للاقتصاد LSE، من عام ٢٠٠٩م وحتى وفاته عام ٢٠٢٠م. وخلال فترة عمله في الكلية، واصل توجيه جيل جديد من الباحثين، إلى جانب مشاركته في نقاشات عامة حول التنمية والحوكمة. تميز عمله في الكلية بالتركيز المستمر على التحول الهيكلي للاقتصادات الإفريقية ودور السياسة الاجتماعية في تعزيز النمو الشامل.
طوال مسيرته المهنية، ظل مكاندوير ملتزماً بمبادئ الاستقلال الفكري والحرية الأكاديمية، وكان مدافعاً قوياً عن استقلال المؤسسات التي قادها، وكثيراً ما تصدى لجهات خارجية نافذة لضمان تمكّن الباحثين الأفارقة من مواصلة أبحاثهم بحرية تامة دون أي تأثير غير مبرر. إن مسيرته المهنية، التي تميزت بمزيج من التميز العلمي والقيادة الرائدة، تُعدّ شهادةً قوية على التزامه الدائم باقتصاديات التنمية والبحث العلمي الإفريقي الشامل.
تحرير المعرفة من الاستعمار: تأكيد السيادة الفكرية الإفريقية:
كانت دعوة ثانديكا مكاندوير لتحرير المعرفة من الاستعمار بمثابة نقد للتسلسلات الهرمية الأكاديمية الراسخة، ودعوة صريحة للسيادة الفكرية للباحثين الأفارقة. فقد اعتقد أن خضوع أنظمة المعرفة الإفريقية للهيمنة المعرفية الغربية يُعدّ من أهم العوائق أمام التنمية الحقيقية في القارة. وانطلق عمله طوال حياته من قناعةٍ راسخة بضرورة أن يضطلع الباحثون الأفارقة بدورٍ محوري في صياغة الخطابات والسياسات التي تؤثر في مجتمعاتهم. بالنسبة لمكاندوير، لم يكن تحرير المعرفة من الاستعمار مجرد ممارسة أكاديمية، بل خطوة حيوية لاستعادة زمام المبادرة في مسار التنمية في إفريقيا.
وقد أدان مكاندوير باستمرار النظام الأكاديمي العالمي لتهميشه الأصوات الإفريقية. وسلط الضوء على التحيزات الهيكلية المتأصلة في النشر العلمي، بما في ذلك هيمنة المجلات الأوروبية الأمريكية واستبعاد وجهات النظر الإفريقية من الخطابات السائدة. يرى أن هذا الإقصاء يُرسّخ فهماً مشوّهاً وناقصاً للواقع الإفريقي. وأشار إلى الممارسة الشائعة لـ«الاستيلاء الفكري»، التي غالباً ما تُحلّل البيانات والتجارب الإفريقية من خلال أطر تتجاهل السياقات التاريخية والثقافية الفريدة للقارة.
كان أحد المحاور الرئيسية في أعمال مكاندوير هو نقد «الاستئثار المؤسسي»، وهو مصطلح استخدمه لوصف فرض نماذج مؤسسية موحدة على الدول الإفريقية من قِبل المؤسسات المالية الدولية. هذه النماذج، المستمدة من التجارب الغربية، غالباً ما تفشل في مراعاة التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات الإفريقية. جادل مكاندوير بأن برامج التكيف الهيكلي تُجسّد هذا النهج، مما يُضعف قدرة الدولة وإستراتيجيات التنمية المُصمّمة خصيصى لتلبية الاحتياجات المحلية. وشبّه هذه البرامج بنوعٍ من الاستعمار الفكري، لأنها تُجبر الدول الإفريقية على تبنّي حلول مُحددة من الخارج، مما يُعمّق تبعيتها في كثيرٍ من الأحيان.
تجلّى موقف مكاندوير المبدئي بشأن الاستقلال الفكري بوضوحٍ تامّ خلال لقائه بوفدٍ من البنك الدولي عام ١٩٩٢م. اقترح الوفد مشروعاً بحثياً بتصميمٍ ومنهجيةٍ مُحدّدين مُسبقاً. رفض مكاندوير هذا النهج رفضاً قاطعاً، مُصرّاً على أن مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA سيقبل التمويل ونطاقاً موضوعياً واسعاً، لكنّ تصميم المشروع وتنفيذه وإدارته يجب أن تبقى تحت السيطرة الإفريقية. وشدّد على أنه في حين يُمكن للبنك مراجعة السجلات المالية؛ فلن يكون له أيّ دورٍ في العملية الفكرية. أدّى هذا الإصرار على السيادة في إنتاج المعرفة إلى انسحاب البنك الدولي، وهو ما يُؤكّد التزام مكاندوير الراسخ بالحفاظ على استقلالية ونزاهة البحث العلمي الإفريقي.
كما سلّط مكاندوير الضوء على ديناميكيات الاستغلال في التعاون البحثي بين الشمال والجنوب، ورفض نموذج «استخلاص البيانات»، الذي غالباً ما يُهمّش الباحثين الأفارقة ويُحصرهم في أدوارٍ ثانوية كـ«مساعدين أكاديميين» في مشاريع يقودها باحثون من دول الشمال. أكد ضرورة ألَّا يقتصر دور الباحثين الأفارقة على جمع البيانات فحسب، بل أن يكونوا في طليعة من يتبنون النظريات ويُفسرون نتائج أبحاثهم لتشكيل إنتاج المعرفة. ودعا مكاندوير إلى شراكات عادلة تُقرّ وتُثمّن المساهمات الفكرية للباحثين الأفارقة، مُشدداً على أهمية ممارسات البحث الأخلاقية التي تُعزز دور المؤسسات الإفريقية. تجاوزت رؤيته مجرد الإصلاح، إذ سعت إلى إعادة تصوُّر التعاون العلمي كمساحة للاحترام المتبادل والتبادل الحقيقي، حيث يُمكن للباحثين الأفارقة تأكيد سيادتهم الفكرية.
بالنسبة لمكاندوير؛ لم تكن عملية إنهاء الاستعمار مجرد تحدي للنماذج الأوروبية المركزية، بل تطلبت أيضاً من الباحثين الأفارقة الرجوع بنشاط إلى أعمال نظرائهم في القارة والتفاعل معها. كان يعتقد أن بناء مجتمع فكري إفريقي قوي ومترابط أمرٌ أساسي لإنتاج معرفة متجذرة في الواقع المحلي. إضافةً إلى ذلك؛ دعا مكاندوير إلى تفاعل جاد مع الدراسات من آسيا وأمريكا اللاتينية، مُقراً بالتاريخ المشترك للاستعمار والتخلف في جميع أنحاء الجنوب العالمي. من خلال الاستفادة من هذه الأنظمة المعرفية المتنوعة؛ يمكن للباحثين الأفارقة تطوير أطر أكثر دقةً ومقارنةً تثري الخطابات الأكاديمية العالمية وتعزز النضال الجماعي من أجل السيادة المعرفية.
بفضل قيادته وإسهاماته العلمية؛ وضع مكاندوير الأسس لمشهد فكري متحرر من الاستعمار، وذلك بدعمه لمبادرات سعت إلى تفكيك التسلسلات الهرمية الهيكلية والمعرفية الراسخة في الأوساط الأكاديمية العالمية. وتميزت فترة عمله في مؤسسات مثل مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA ومعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية UNRISD بجهود حثيثة لتمكين الباحثين الأفارقة من تحديد أجنداتهم البحثية، والتنظير انطلاقاً من سياقاتهم التاريخية والاجتماعية، والنشر في منصات تُعلي أصواتهم. وقد أدرك أن تحرير المعرفة من الاستعمار يتطلب نهجاً مزدوجاً: تحدي الهيمنة الخارجية لنظريات المعرفة الغربية، وفي الوقت نفسه تعزيز مجتمع فكري نابض بالحياة ومستدام ذاتياً داخل إفريقيا.
وقد تجلى ذلك في عدة جوانب ملموسة، ففي مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA، أسس مكاندوير برامج مثل فرق العمل الوطنية والمتعددة الجنسيات المذكورة سابقاً، والتي وفرت التمويل والشبكات للباحثين الأفارقة للتعاون في مشاريع ذات أهمية وطنية وإقليمية. كما أكد أهمية النشر في المجلات الإفريقية لمواجهة استبعاد وجهات النظر الإفريقية من المنابر الأكاديمية السائدة. علاوةً على ذلك؛ كان مكاندوير ناقداً لاذعاً لممارسات الاحتكار الأكاديمي التي همّشت الباحثين الأفارقة، كتفضيل الأطر والمنهجيات النظرية الغربية على حساب الأطر والمنهجيات المحلية.
اختلفت رؤية مكاندوير في بعض الجوانب عن حركة التحرر من الاستعمار المعاصرة، فبينما سعت كلتاهما إلى تفكيك التسلسلات الهرمية المعرفية؛ ركّز مكاندوير على تمكين المؤسسات والباحثين الأفارقة من إنتاج معرفة قادرة على إعادة تشكيل الخطابات العالمية. ورأى قيمةً في التفاعل الانتقائي مع النظريات الغربية، لا لتقليدها، بل لتكييفها ونقدها بما يخدم الواقع الإفريقي. في المقابل؛ يؤكد العديد من باحثي التحرر من الاستعمار المعاصرين على عصيان معرفي أكثر جذرية، داعين إلى الرفض التام للنماذج الغربية لصالح أنظمة المعرفة المحلية. وامتد نهج مكاندوير أيضاً إلى ما وراء القارة الإفريقية، إذ دعا إلى تضامن أفقي مع الباحثين من آسيا وأمريكا اللاتينية، مدركاً أن تحديات الهيمنة المعرفية لا تقتصر على إفريقيا وحدها. وآمن ببناء تحالف فكري بين بلدان الجنوب، قادر على إنتاج أطر مقارنة، وتقديم رؤى عالمية بديلة متجذرة في تجارب مشتركة للاستعمار والتخلف.
في الوقت نفسه، تبنّى مكاندوير نهجاً عملياً لإنهاء الاستعمار، مركزاً على خطوات عملية لبناء القدرات الفكرية وتعزيز الاستقلالية في المؤسسات الإفريقية. تحت قيادته، وسّع مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA برنامجه للنشر. وتعاون مع دور نشر أكاديمية أخرى في القارة لتأسيس «مجموعة الكتب الإفريقية» ABC عام ١٩٨٩م، وهي منصة تسويق وتوزيع عالمية مملوكة لأفارقة، للكتب الإفريقية، و«شبكة الناشرين الأفارقة» APNET، التي تأسست عام ١٩٩٢م لتعزيز النشر المحلي.
يتناقض نهج مكاندوير مع نهج بعض الباحثين المعاصرين في مجال إنهاء الاستعمار، الذين يؤكدون على الأبعاد الرمزية والثقافية لإنهاء الاستعمار، مثل إعادة النظر في المناهج الدراسية وإعادة تقييم التراث الأدبي. كان هدف مكاندوير الأسمى ضمان أن يكون الباحثون الأفارقة ليسوا مجرد مشاركين، بل قادة في الإنتاج العالمي للمعرفة، وأن يساهموا في صياغة السياسات والنظريات التي يتجاوز تأثيرها حدود القارة.
ولا تزال رؤيته للسيادة الفكرية تُنير الدرب، مقدمةً إطاراً دقيقاً لمعالجة الظلم المعرفي الذي لا يزال قائماً في اقتصاد المعرفة العالمي. ومن خلال دعوته إلى بيئة فكرية متحررة من الاستعمار ومنخرطة عالمياً، وضع مكاندوير سابقةً لكيفية ازدهار البحث العلمي الإفريقي في عالم لا يزال يعاني من تركة الاستعمار.
إعادة صياغة مفهوم التنمية: من التبعية إلى التحول:
كان من أبرز إسهامات مكاندوير إعادة تعريفه للتنمية كعملية شاملة ومتعددة الأبعاد، لا تقتصر على النمو الاقتصادي فحسب، بل تشمل التحول الهيكلي والتقدم الاجتماعي. جادل بأن التنمية يجب أن تكون متناسبة مع السياق، مُصمّمة خصيصى للواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي الفريد لكل بلد. لم تكن التنمية مجرد زيادة الناتج المحلي الإجمالي أو تطبيق إصلاحات السوق، بل شملت أيضاً تعزيز رفاهية الإنسان، والحد من التفاوتات، وبناء مؤسسات قوية. أكد مكاندوير على مركزية الدولة في توجيه التنمية، رافضاً الادعاء النيوليبرالي بأن الأسواق وحدها قادرة على تحقيق النمو والعدالة. كما رفض النهج الاختزالي للمؤسسات المالية الدولية، التي غالباً ما تعاملت مع التنمية كعملية تكنوقراطية، منفصلة عن أسسها السياسية والاجتماعية.
شكّل مفهوم مكاندوير لـ«الدولة التنموية» حجر الزاوية في أبحاثه. جادل بأن الدولة التنموية ليست مجرد دولة تسعى لتحقيق النمو الاقتصادي، بل هي دولة تسعى جاهدةً لتحويل بنيتها الاقتصادية من خلال التصنيع والابتكار التكنولوجي وتنمية رأس المال البشري. وحدد مكاندوير القدرة على التدخل الإستراتيجي للدولة باعتبارها السمة المميزة للدول التنموية. وهذا يتطلب ليس فقط بيروقراطيات كفؤة، بل أيضاً عقداً اجتماعياً بين الدولة ومواطنيها، حيث تُوزع فوائد التنمية على نطاق واسع، مما يعزز الشرعية والثقة.
ودحض مكاندوير الخرافة القائلة بأن الدول الإفريقية عاجزة بطبيعتها عن أن تكون تنموية- ما أسماه «حجج الاستحالة»- مشيراً إلى أمثلة من فترة ما بعد الاستقلال مباشرة، عندما أظهرت العديد من الدول طموحات تنموية ملحوظة. خلال هذه الفترة، استثمرت الدول بكثافة في التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، محققةً معدلات نمو مبهرة. إلا أن فرض برامج التكيف الهيكلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي قوّض هذه الجهود. فقد جردت هذه البرامج الدول من قدرتها على إدارة اقتصاداتها، وأعطت الأولوية للتقشف المالي وتحرير السوق على حساب أهداف التنمية طويلة الأجل. أبرز مكاندوير كيف أدت هذه السياسات المفروضة من الخارج إلى تقويض أسس الدول التنموية، مما جعلها عرضةً للصدمات الاقتصادية وأدى إلى استمرار التبعية.
شنّ مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA، بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة UNECA برئاسة أديبايو أديديجي، حملةً سياسية وفكرية شرسة ضد برامج التكيف الهيكلي، مسلطاً الضوء على آثارها الاجتماعية والاقتصادية المدمرة، والتي أدت إلى تفكيك الخدمات العامة، وتدمير الصناعات المحلية، وتفاقم الفقر وعدم المساواة. ومن خلال البحث الدقيق والمناصرة، قدّمت هاتان المؤسستان سرديةً مضادة للنهج النيوليبرالي السائد، مؤكدتَين على ضرورة وجود إستراتيجيات تنموية تحافظ على استقلالية الدولة وتعطي الأولوية لرفاهية السكان الأفارقة.
وشدّد مكاندوير على أهمية التعلم من النجاحات التنموية في شرق آسيا والدول الإسكندنافية، مؤكداً أن الدول التنموية تُبنى من خلال خيارات سياسية مدروسة وإصلاحات مؤسسية. ومن الدروس الرئيسية التي استخلصها: أشار إلى التصنيع السريع في شرق آسيا، ودمج الدول الإسكندنافية للسياسات الاجتماعية مع الإستراتيجيات الاقتصادية. مع ذلك؛ حذّر من التقليد الأعمى، داعياً الدول الإفريقية إلى تكييف هذه الدروس مع سياقاتها الخاصة. وبذلك؛ يمكنها رسم مسارات تنموية توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
في رؤيته، كانت السياسة الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من الدولة التنموية. رفض مكاندوير النظرة الضيقة التي تعتبر السياسات الاجتماعية مجرد شبكات أمان للفقراء. وبدلاً من ذلك؛ دافع عن «السياسة الاجتماعية التحويلية» التي تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للفقر وعدم المساواة. وأكد أن الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية الاجتماعية ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل هو أيضاً إستراتيجية اقتصادية، لأنه يعزز الإنتاجية، ويقوي التماسك الاجتماعي، ويُرسي أسس النمو المستدام.
امتد نقد مكاندوير لقطاع التنمية ليشمل تمجيد القطاع غير الرسمي والتمويل الأصغر كحلول سحرية للفقر. فبينما أقر بأهمية القطاع غير الرسمي؛ حذّر من تصويره كبديل مثالي للتوظيف الرسمي والتصنيع. وجادل بأن التمويل الأصغر، الذي يُشاد به غالباً كأداة ثورية للتخفيف من حدة الفقر، لم يُسهم إلا قليلاً في معالجة أوجه عدم المساواة الهيكلية، بل قد يُفاقمها أحياناً بإثقال كاهل الفقراء بالديون. وبدلاً من ذلك؛ دعا إلى تدخلات جريئة تقودها الدولة قادرة على إحداث تغيير جذري وخلق مسارات نحو التوظيف الرسمي وسبل العيش المستدامة.
ومن خلال أبحاثه؛ قدّم مكاندوير إطاراً رؤيوياً لإعادة تصوُّر التنمية في إفريقيا. وحثّ صانعي السياسات والباحثين على تجاوز المقاييس السطحية وتبنّي نهج شامل يركز على الإنسان، ويُعطي الأولوية للإنصاف والاستدامة وتقرير المصير. وقد لاقت أفكاره صدىً لدى العديد من القادة الأفارقة، بمن فيهم قادة إثيوبيا ورواندا وبوتسوانا، الذين سعوا إلى تطبيق إستراتيجيات تنموية تقودها الدولة وسياسات اجتماعية تحويلية. استعان هؤلاء القادة برؤى مكاندوير لصياغة سياسات تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي، والحد من الفقر، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود. ولا تزال أفكاره مؤثرة، إذ تُوفِّر منظوراً نقدياً لتحليل ومعالجة التحديات المعقدة للتنمية في الجنوب العالمي.
الديمقراطية والتنمية: علاقة تكافلية:
كان مكاندوير مدافعاً قوياً عن العلاقة التكافلية بين الديمقراطية والتنمية. رفض نموذج الدولة التنموية الاستبدادية في شرق آسيا، الذي كان يرى أن النمو الاقتصادي يستلزم قمع الحريات الديمقراطية. وبدلاً من ذلك؛ دافع عن مفهوم «الدولة التنموية الديمقراطية»، الذي يدمج الطموحات التنموية للسياسات التي تقودها الدولة مع مبادئ الحكم الديمقراطي.
جادل مكاندوير بأن الديمقراطية والتنمية تعززان بعضهما بعضاً، فقد اعتقد أن المؤسسات الديمقراطية توفر آليات أساسية للمساءلة والشفافية والشمول. ومن خلال تعزيز المشاركة العامة، وضمان أن يكون للمواطنين صوت في صنع السياسات، يعزز الحكم الديمقراطي شرعية وفعالية سياسات التنمية. وأكد مكاندوير أن هياكل الحكم الشامل أكثر قدرةً على إدارة الصراعات الاجتماعية، وبناء توافق في الآراء حول أولويات التنمية، وضمان استفادة جميع شرائح المجتمع من النمو.
كان أحد المحاور الرئيسية لنقد مكاندوير هو مفهوم «الديمقراطيات التي تفتقر إلى الخيارات». يشير هذا المصطلح إلى الديمقراطيات الإفريقية المقيدة ببرامج التكيف الهيكلي، التي حدّت من خياراتها السياسية وقوّضت أهدافها التنموية. جادل بأن هذه البرامج تُضعف العقد الاجتماعي بين الحكومات ومواطنيها، لأنها غالباً ما تفرض إجراءات تقشفية تُفاقم عدم المساواة والفقر. دعا مكاندوير إلى وضع أطر سياساتية تُمكّن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً من اتباع إستراتيجيات تنموية تتوافق مع تطلعات مواطنيها.
كما أكّد مكاندوير على القيمة الجوهرية للديمقراطية، فبينما ينظر بعض الباحثين إلى الديمقراطية كوسيلة لتحقيق نتائج تنموية أفضل؛ أصرّ مكاندوير على أن الديمقراطية جديرة بالسعي إليها لذاتها. فقد رآها تعبيراً أساسياً عن كرامة الإنسان وضمانة حاسمة ضد الاستبداد والقمع. سلّطت أعماله الضوء على أهمية حماية المؤسسات والممارسات الديمقراطية، حتى في السياقات التي قد لا تكون فيها الفوائد التنموية واضحةً على الفور.
من خلال دعوته إلى دول تنموية ديمقراطية؛ قدّم مكاندوير رؤيةً مُلهمة للحكم في إفريقيا، لقد أثبت أن الحريات الاقتصادية والسياسية يمكن أن تتعايش وتتكامل، مما يوفر أساساً للتنمية المستدامة والشاملة. ولا تزال رؤاه تُثري النقاشات حول الحوكمة والتنمية، وتُفنّد الثنائية الزائفة بين الحرية السياسية والتقدم الاقتصادي.
الرجل وإرثه: مرشد وقائد وصاحب رؤية:
لم تقتصر إسهامات ثانديكا مكاندوير الفكرية على ذلك فحسب، بل تجلّت أيضاً في صفاته الشخصية الاستثنائية. فقد كان يُنظر إليه على نطاق واسع كمرشد وقائد وصاحب رؤية، تركت حفاوته وتواضعه وكرمه أثراً عميقاً في نفوس كل من عرفه. وكثيراً ما أشاد زملاؤه وطلابه بقدرته على إلهامهم وتحفيزهم، موفراً لهم التوجيه والتشجيع، ومُنمّياً فيهم روح الفضول الفكري والتفكير النقدي.
كانت قيادة مكاندوير في مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA ومعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية UNRISD مُلهمةً ومُغيّرة. ففي مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا، رسّخ ثقافة الرصانة الفكرية والتعاون، مُهيئاً منصةً للباحثين الأفارقة للمشاركة في نقاشات نقدية وإنتاج بحوث مؤثرة. وكان مُلتزماً بضمان بقاء مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا مؤسسةً مستقلةً وشاملةً، مفتوحةً أمام الباحثين من مختلف التخصصات والخلفيات الإقليمية. وكان إصراره على الحفاظ على الاستقلال الفكري والمالي للمنظمة دليلاً على إيمانه الراسخ بأهمية دور الأفارقة في إنتاج المعرفة.
بصفته مرشداً؛ كان مكاندوير شغوفاً بنجاح طلابه وزملائه. كان يحرص على تقديم ملاحظات تفصيلية حول أعمالهم، وغالباً ما كان يثير فيهم رؤى جديدة من خلال نقده البنّاء. تميّز إرشاده بقدرة استثنائية على الموازنة بين النقد البنّاء والتشجيع، مما مكّن الباحثين الشباب من صقل مساعيهم الفكرية دون أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم. ويعزو إليه العديد من تلاميذه، الذين أصبحوا اليوم من كبار الباحثين والممارسين، الفضل في تشكيل مساراتهم المهنية والفكرية.
بفضل حفاوته وتواضعه؛ كان مكاندوير شخصية محبوبة رغم ذكائه الفذ ومكانته العالمية. كان يؤمن بقوة المجتمع والتعاون، وكثيراً ما كان يُهيئ مساحات غير رسمية للتبادل الفكري. سواءٌ في أروقة المؤتمرات، أو على موائد الطعام، أو في نقاشات الليل، كان يتفاعل بعمق مع الآخرين، منصتاً باهتمام دائماً، ومُقدّماً رؤى ثاقبة. لا يزال الجميع يتذكرون ضحكته وروح الدعابة لديه وقدرته على إيجاد السعادة حتى في أصعب الظروف.
وبعيداً عن دائرته المقربة؛ امتد تأثير مكاندوير إلى الأوساط الأكاديمية والسياسية العالمية. لقد لاقت أعماله صدىً واسعاً في مختلف التخصصات، وحفزت الباحثين وصنّاع السياسات على إعادة النظر في المناهج التقليدية للتنمية والحوكمة والسياسات الاجتماعية. وقدّمت دعوته للاستقلال الفكري ونقده للتدخلات الخارجية في التنمية الإفريقية إطاراً نقدياً لفهم تحديات القارة وفرصها.
لا يقتصر إرث مكاندوير على إسهاماته العلمية فحسب، بل يمتد ليشمل المؤسسات التي ساهم في بنائها والأثر الذي تركه في حياة الكثيرين. وقد جسّدت فترة عمله في مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA ومعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية UNRISD وكلية لندن للاقتصاد التزامه بتهيئة بيئات تُمكّن الباحثين الأفارقة من الازدهار والمساهمة بفعالية في الحوارات العالمية. وعكَسَ عمله في هذه المؤسسات إيمانه الراسخ بقوة العمل الفكري الجماعي في إحداث تغيير جذري. ومن خلال تهيئة بيئات يزدهر فيها التفكير النقدي والبحث العلمي الرصين؛ ساهم مكاندوير في رسم المسارات الفكرية لجيل من الباحثين وصناع السياسات الأفارقة.
يتجاوز إرث مكاندوير إسهاماته المباشرة في التنمية المؤسسية والحوار الأكاديمي. كان مناصراً لا يكلّ لإدماج الأصوات الإفريقية في النقاشات العالمية حول التنمية والحوكمة. لم تقتصر رؤيته لإفريقيا ذات السيادة الفكرية على المؤسسات الأكاديمية فحسب، بل امتدت لتشمل صنع السياسات والتعاون الدولي. لطالما أكد أن تحديات التنمية في إفريقيا لا يمكن معالجتها بفعالية إلا إذا كانت وجهات نظرها وتجاربها الفريدة محوراً أساسياً في أجندة التنمية العالمية.
جسّد مكاندوير، في حياته الشخصية والمهنية، القيم التي نادى بها. كان مرشداً يُولي اهتماماً بالغاً لعلاقاته مع الطلاب والزملاء، مُقدّماً لهم التوجيه الفكري والدعم الشخصي والتشجيع. اتسم أسلوبه القيادي بالشمولية والتعاون، مما يعكس إيمانه بأن أهم الإنجازات في المعرفة والسياسات تنبع من الجهد الجماعي.
رؤية للمستقبل:
لا يزال عمل ثانديكا مكاندوير مصدراً حيوياً لمواجهة التحديات المعقدة لعصرنا. تُقدّم رؤيته الثاقبة للتفاعل بين الديمقراطية والتنمية والسياسة الاجتماعية إطاراً لإعادة تصوُّر الحوكمة والتحول الاقتصادي في إفريقيا وخارجها. ولا تزال دعوته إلى إنهاء الاستعمار في إنتاج المعرفة مصدر إلهام للجهود الرامية إلى دمقرطة الفضاءات الأكاديمية والسياسية، بما يضمن إثراء النقاشات العالمية بوجهات نظر متنوعة.
وبينما تخطو إفريقيا خطواتها الأولى في القرن الحادي والعشرين؛ تُشكّل رؤية مكاندوير لقارة عادلة ومنصفة ومزدهرة منارةً تهديها. ويُقدّم تركيزه على السيادة الفكرية، والسياسة الاجتماعية كأداة للتغيير، والعلاقة التكافلية بين الديمقراطية والتنمية، خريطة طريق لتحقيق نمو مستدام وشامل. ويُحفّز إرثه الأجيال الحالية والمستقبلية على مواصلة العمل على تفكيك الحواجز المعرفية والهيكلية، وتعزيز الابتكار، ونشر العدالة.
في إحياء ذكرى ثانديكا مكاندوير، نُكرّم حياةً مُكرّسةً لطلب المعرفة والعدالة والكرامة الإنسانية. لقد تركت إسهاماته في الأوساط الأكاديمية والسياسات وبناء المؤسسات والقيادة بصمةً لا تُمحى على القارة والعالم، وهي تُمهّد الطريق لمن يسعون إلى بناء مجتمع عالمي أكثر عدلاً وشمولاً. ولا شك أن أفكاره وقيمه ستُخلَّد، مُؤثرةً في عمل الباحثين وصُنّاع السياسات والناشطين لأجيالٍ قادمة.
الخلاصة:
كان ثانديكا مكاندوير من ألمع الشخصيات وأكثرها إلهاماً التي عرفتها في حياتي. لقد أثّر فيَّ وفي كثيرين غيري ذكاؤه الفذّ، ونقده اللاذع لنماذج التنمية التقليدية، والتزامه الراسخ بالوحدة الإفريقية. وإلى جانب إسهاماته العلمية؛ كان ثانديكا نموذجاً يُحتذى به للمفكر العام- صاحب مبادئ، دقيق، وإنساني للغاية. كان يتمتع بقدرة فريدة على تبسيط الأفكار المعقدة إلى رؤى واضحة ومفهومة، مُثيراً الفضول الفكري ومُحفزاً التفكير السطحي.
كانت لقاءاتي به، سواءٌ في الأوساط الأكاديمية الرسمية أو في أحاديث عابرة، دائماً مُثرية. كانت روح الدعابة المعدية لديه، وفرحه اللامحدود بالحياة، وإيمانه الراسخ بإمكانيات إفريقيا، مصدر إلهام لي. ولعب إرشاد ثانديكا دوراً محورياً في تشكيل مسيرتي الفكرية. ومثل العديد من الباحثين الأفارقة من جيلي؛ أُدين له بفضل كبير لقيادته في مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA، الذي قدّم دعماً بالغ الأهمية خلال العقود الصعبة من برامج التكيف الهيكلي. لقد أنقذت زمالة «تأملات في التنمية» التي قدّمها مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا، والممولة من مؤسسة روكفلر، والتي حصلت عليها عام ١٩٨٩م، مسيرتي الأكاديمية، بل ودفعتها إلى الأمام بقوة. مكنتني هذه الزمالة من تأليف كتاب «تاريخ اقتصادي حديث لإفريقيا، المجلد الأول: القرن التاسع عشر»، الذي نشرته سلسلة كتب مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA عام ١٩٩٣م. وفاز الكتاب بجائزة نوما Noma عام ١٩٩٤م. وقد عرض ثانديكا بفخر لوحة الجائزة التي منحها الناشر في مكتبه. ومنذ ذلك الحين، نشرت أهم كتبي مع مجلس تنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية في إفريقيا، بما في ذلك أحدث كتاب سنطلقه بعد هذه الكلمة، وهو «إعادة تصور الأكاديميات الإفريقية والأمريكية».
إن إرث مكاندوير يتجاوز إنجازاته الفردية؛ فهو يكمن في المجتمعات الفكرية النابضة بالحياة التي رعاها والأفكار التحويلية التي دافع عنها. ولا يزال عمله طوال حياته منارةً لمن يلتزمون بالنضال المستمر من أجل التحرر المعرفي والاقتصادي والوجودي. شكراً لك يا ثانديكا على عقلك الاستثنائي ورؤيتك الثاقبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
Paul Tiyambe Zeleza, CODESRIA Bulletin Online, No.14, December 2024- “Thandika Mkandawire and the African Intellectual Decolonisation Movement”. 10/12/2024. at: https://journals.codesria.org/index.php/codesriabulletin/article/view/5845?articlesBySimilarityPage=29










































