وسط شدٍّ وجذبٍ عالميين، واقتراب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران من دخول شهرها الثاني، وعدم وضوح مقترحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوضع نهاية “مثالية” للحرب التي بادر بها في 28 فبراير الماضي؛ تخرج إفريقيا مُحمَّلة بأثقال تُرهق اقتصاداتها، بل وتصل في بعض الحالات إلى مرحلة الاستنزاف المستدام وبمستويات جديدة ليس أقل ملامحها حالة تضخم متزايد.
في المقابل تظل إفريقيا رهينة تداعيات هذه الحرب، رغم هامشية موقع إفريقيا في فعالياتها ومساعي تسويتها (باستثناء الوساطة المصرية).
يتناول المقال الأول انتهاز روسيا والصين للحرب الجارية، ولا سيما قدرة الصين على تصدير كميات أكبر من أسلحتها لإفريقيا مع توقعات بوصول هذه الصادرات لمستويات تتجاوز عام 2024م القياسي لذروة هذه الصادرات.
أما المقال الثاني فيتناول تكالب الدول الإفريقية على شراء معدات وتكنولوجيا تجسُّس من الصين أيضًا. بينما ركز المقال الثالث والأخير على تقديم رؤية موجزة حول تداعيات الحرب الراهنة على إيران في إفريقيا.
روسيا تركّز على الحرب، والصين ترفع مبيعاتها من السلاح لإفريقيا([1])
استنزفت حرب روسيا في أوكرانيا إمدادات الأولى من السلاح، بما فيها الأسلحة المخصصة للتصدير لإفريقيا. وقامت الصين بشَغْل هذا الفراغ بتوفير أسلحة رخيصة التكلفة لدول لها سجل في انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداءات الأخرى على المواطنين. ونجحت الصين في العام 2024م في التفوق على روسيا كأكبر مُصدّر للسلاح في إفريقيا جنوب الصحراء. وييسر كل من جيش التحرير الشعبي الصيني People’s Liberation Army (PLA) وشركات الأمن الصينية الخاصة تدفق هذه الأسلحة. ولا تحكم صفقات الصين من قبل أيّ تنظيمات معنية بتجارة السلاح الدولية، كما أنه من المعروف عن بكين تضمينها السلاح من أجل تمرير صفقات أخرى أو تحسين العلاقات الدبلوماسية والتجارية في سياق صنعها حلفاء جدد وتوسيع النفوذ.
وقال أليساندرو أرديونو Alessandro Arduino، وهو زميل مشارك في معهد الخدمات المتحدة الملكي Royal United Services Institute: إن الصين تزيد دورها “كلاعب أمني هام على نحو متزايد”. بينما لاحظت كريستينا جوكيك C. DjokicK، وهي باحثة في برنامج نقل السلاح Arms Transfers Program في معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلامStockholm International Peace Research Institute، أن الصين مسؤولة الآن عن 26% من واردات غرب إفريقيا من السلاح.
وقالت جوكيك لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست SCMP: إن “صادرات الصين لدول غرب إفريقيا كانت آخذة في التزايد بشكل عام في الفترة 2020- 2024م؛ حيث وصلت أعلى مستوياتها”، ولاحظت أن الصين قد زادت من مبيعات السلاح لبوركينا فاسو ومالي بعد الانقلابات التي شهدتها كل منهما، قبل أن تضيف “لكن ذلك فاقم من الصراعات في مثل هذه الدول وحقيقة أنها تقوم بشراء مزيد من الأسلحة أكثر من أي وقت مضى”.
وفي مالي وقعت الأسلحة الصينية في يد الجيش المالي و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، مما فاقم الصراع الذي كان قد بدأ في العام 2017م. وتظهر لقطات مصوّرة ومقاطع فيديو دعائية صنعتها الجماعة الإرهابية المخزون الضخم من الأسلحة التي تنتجها الصين، ولا سيما شركة “نورينكو” China North Industries Corp. Ltd. (Norinco) بما فيها بنادق آلية وبنادق هجومية وقاذفات صواريخ مجهزة بمقذوفات مضادة للدبابات وفق مركز “مؤسسة جيمستاون” Jamestown Foundation.
وقد استخدمت الأسلحة الصينية في مناطق الصراع في القارة الإفريقية طوال سنوات، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان والسودان… وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية يُلاحَظ وقوع الأسلحة الصينية في أيدي مقاتلو حركة 23 مارس المتمردة التي تريد إسقاط حكومة كينشاسا. وفي السنوات الأخيرة حصلت رواندا، الواقعة شرق الكونغو، على نُظُم صاروخية وأسلحة أخرى تنتجها شركة نورينكو (أكبر مورد للأسلحة الصينية) وشركات صينية أخرى.
وفي العام 2019م وقَّعت نيجيريا اتفاقًا بقيمة 152 مليون دولار مع نورينكو لتوفير الأخيرة لنيجيريا أسلحة مطلوبة للحرب ضد بوكو حرام. ويدّعي بعض المحللين أن أسلحة بكين أقل جودة واعتمادية، لكنّ المعدات الصينية باتت ملمحًا مُهمًّا في جهود نيجيريا لمواجهة الإرهاب. ولنورينكو الآن مقارّ في كلٍّ من أنجولا ونيجيريا والسنغال في الجنوب الإفريقي.
وربما يتمثل الأمر الأكثر أهمية من مبيعات السلاح ذلك الاهتمام الذي تبديه الصين لتدريب عناصر الجيوش الإفريقية، وعقدها أنشطة عسكرية مشتركة مثل تدريبات “بريكس بلس” البحرية Brics Plus الأخيرة في جنوب إفريقيا، وإدراج الدعم الإفريقي ضمن “مبادرة الأمن العالمي” التي أطلقتها بكين” بحسب تأكيد ديفيد شين D.Shinn البروفيسور في مدرسة إليوت للعلاقات الدولية Elliot School of International Affairs في جامعة جورج واشنطن لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست. وأضاف شين أن “علاقة الصين الأمنية (خلافًا لحال علاقات روسيا أو الولايات المتحدة الأمنية مع إفريقيا) تتحاشى تقديم الدعم العسكري النشط”؛ إذ تتحفظ بكين عن الانخراط في أزمة تحجم من تلبية بعض متطلباتها الأمنية.
إفريقيا تضخ 2 بليون دولار لشراء تكنولوجيا تجسس صينية مثيرة للجدل([2])
تُظهر دراسة جديدة أن الشركات والبنوك الصينية تقف خلف أغلب بنية المراقبة والتجسس المدعومة بالذكاء الاصطناعي في إفريقيا. ويُلاحَظ أن تكنولوجيا التجسُّس في إفريقيا باتت تتشكل بشكل متزايد من قبل الصين. وقد أنفقت 11 دولة إفريقيا مجتمعة أكثر من 2 بليون دولار على نُظم تجسُّس مدعومة بالذكاء الاصطناعي وفقًا لدراسة جديدة قام بها كل من معهد دراسات التنمية Institute of Development Studies الموجود بالمملكة المتحدة، وشبكة الحقوق الرقمية الإفريقية African Digital Rights Network. وقد تم شراء الكثير من مكونات أدوات التجسس تلك من الصين، وقدمت البنوك الصينية الخاصة المخصصات المطلوبة لبناء هذه البنية الأساسية وصيانتها، حسبما أوردت الدراسة.
“مثل هذه الشروط الضخمة تكون مشروطة بشراء تكنولوجيا وخدمات صينية مطلوبة لتشييد ونقل “نظم مدن آمنة”؛ حسبما كتب مُؤلِّفا الدراسة وايراجالا واكابي Wairagala Wakabi وتوني روبرتس. وقد ضخَّت هذه الاستثمارات رغم أن أغلب الدول الإفريقية المعنية بها لم يتوافر بها تنظيمات قانونية أو رقابية كافية. وفي غياب التهديات والجرائم الإرهابية فإن أدوات التجسُّس الهائلة تلك تقضي على حق المواطن في الخصوصية.
ويُلاحَظ أن صلة الاستخبارات والتجسُّس بين إفريقيا والصين تسير بعُمْق أكبر من أدوات الشراء السابقة؛ إذ تشيد شركات صينية مثل هواوي وZTE حوالي 70% من بينة إفريقيا للاتصالات من الجيل الرابع، وهي البنية الضرورية للاستخدام الفعَّال لأجهزة التجسُّس.
وعلى سبيل المثال أنفقت نيجيريا 470 مليون دولار على تكنولوجيا التجسس، حسبما تقول الدراسة. وهي أكبر شبكة من الكاميرات الذكية التي تمَّت إقامتها بين 11 دولة تغطيها الدراسة وتستورد معدات من الصين ودول أخرى (وهي مصر التي تتلقى معدات تجسُّس من كوريا وإسبانيا. ونيجيريا والجزائر التي تتلقى معدات تجسُّس من روسيا وفرنسا. وموريشيوس من الإمارات وإسرائيل. وموزمبيق من كوريا. ورواندا من الإمارات. والسنغال وأوغندا من كوريا؛ وزيمبابوي وزامبيا من كوريا). وبحسب إحصاء قدَّمته الدراسة فإن الدول الإفريقية تشهد طفرة في انتشار كاميرات التجسس الذكية في المدن في العام 2025م؛ ومنها نيجيريا (10 آلاف كاميرا)، وأوغندا (5 آلاف كاميرا)، وموريشيوس (4143 كاميرا)، وكينيا (2000)، وزامبيا (1000)، ورواندا (849)، والسنغال (500)، ثم موزمبيق (459).
وتستخدم أكثر من 60 دولة في العالم تكنولوجيا التجسس بالذكاء الاصطناعي الصينية. وقد عبّر خبراء عن مخاوفهم من الاستخدام الجامح لمثل هذه الأدوات، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الحملات على المنشقين مثل النشطاء والصحفيين.
وثمة أمثلة عديدة على إساءة استخدام تكنولوجيا التجسس التي ورد ذِكْرها سابقًا. وعلى سبيل المثال: تم تتبُّع مواطني التبت في نيبال، وهناك مخاوف في الإكوادور والأرجنتين إزاء التمكين التكنولوجي للحكومات المستبدة. وقد ورد استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجوه لمراقبة النشطاء في أوغندا ومحتجي الجيل زد في كينيا.
وفشلت الدول الإفريقية التي تغطيها الدراسة في تقديم آليات كافية لحماية المواطنين ودعمهم في التعافي في حالة حدوث أخطاء أو انتهاكات التجسس الذكي؛ كما صرّح واكبي وروبرتس.
وقال الباحثان: إن هذه الحكومات تحتاج إلى وضع قانون مخصص حول التجسس الذكي في الفضاء العام، والذي يحدّد ويُحجّم الفاعلين الذين يسمح لهم القيام بمراقبة الفضاء العام، ويُحجّم التجسس على أمثلة تُحدّدها المحكمة، ويُؤسّس هيئة رقابة مستقلة عن الحكومة والشرطة والقضاء.
تداعيات حرب إيران تنتشر في إفريقيا([3])
تُعرّض تداعيات الحرب الجارية على إيران إفريقيا لمواجهة تهديدات خطيرة؛ مِن قبيل الاضطرابات البحرية، وارتفاع أسعار الطاقة، وأعباء الغذاء، والتهديدات الأمنية والتحالفات المتغيرة. وبات واضحًا أن هذه الجرب تتجاوز في تأثيراتها الشرق الأوسط بشكل كبير، وتمتد إلى إفريقيا وتُهدّدها بفوضى جيوسياسية واقتصادية. وبدءًا من خطوط النقل البحري في مضيق باب المندب وتزايد التوتر في القرن الإفريقي؛ اضطرت الحكومات الإفريقية إلى الانخراط في أزمة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب طرق التجارة وحدة المنافسة بين القوى العالمية في إفريقيا.
وبحسب هوبرت كينكوه Hubert Kinkoh، زميل بتشاتام هاوس، فإن هذه التداعيات باتت مرئية بالفعل. وأشار إلى التهديدات المتنامية من جماعة الحوثي الموالية لإيران، التي تعوق الملاحة في مضيق باب المندب- الذي يُعدّ نقطة عبور حيوية بين اليمن وجيبوتي، فهو يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويمر عبره ما يصل إلى 12% من التجارة العالمية وملايين البراميل من النفط يوميًّا. وقد ازدادت أهمية هذا الممر المائي بعد أن عطّلت إيران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ليصبح بذلك أحد الطرق القليلة المتبقية لصادرات النفط من الخليج العربي.
وفي الأسبوع الماضي، صرّح زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، الموالي لإيران، بأن الجماعة “مستعدة لجميع التطورات في هذه المعركة”، معلنًا دعمها لطهران.
ويُلاحظ هنا أن أيّ إغلاق للمضيق يُنذر بتصعيد التوترات في البحر الأحمر؛ حيث تُدير الولايات المتحدة قاعدتها العسكرية الإفريقية الدائمة الوحيدة في معسكر ليمونيه بجيبوتي.
وإلى جانب المخاطر الأمنية، حوّلت الحرب بالفعل أنظار العالم عن الصراعات الدائرة في إفريقيا، والتي تُخلِّف بالفعل خسائر إنسانية فادحة. ولاحظ كينكوه ذلك بقوله: “لعلّ الأمر الأكثر مأساوية هو أن تصاعد الصراع في الخليج يُخفت فعليًّا الحرب في السودان”. وحذّر من أن الصراع “يعوق الاهتمام الدبلوماسي اللازم لتحقيق السلام”؛ وفي الوقت نفسه، تعاني الاقتصادات الإفريقية في سبيل استيعاب تداعيات عدم الاستقرار العالمي. وأضاف: “نشهد تقاربًا خطيرًا حيث يُهدّد انعدام الأمن البحري وصدمات الأسعار العالمية بانهيار الدول الإفريقية المُنهكة أصلاً”.
كما تؤدي الاضطرابات الراهنة في طرق التجارة بالبحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف الشحن وإجهاد سلاسل الإمداد، في حين يُبرز انقطاع إمدادات الغاز عن مصر كيف يُمكن أن يتحول نزاع إقليمي بسرعة إلى أزمة طاقة. وقال كينكوه: “لم يعد الاضطراب البحري في البحر الأحمر والسويس مجرد مشكلة لوجستية، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لاستقرار السيادة الإفريقية”.
وأضاف أن انقطاع إمدادات الطاقة والأسمدة يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، مما يُفاقم الضغط على السكان المُعرّضين للخطر أصلًا. وحذّر كينكوه قائلًا: “في منطقة بلغ فيها الإحباط الاقتصادي حدًّا لا يُطاق، تُشكِّل هذه الصدمات في سلاسل الإمداد عوامل مُسرِّعة للتوترات السياسية، مُحوّلةً الاحتكاكات البحرية العالمية إلى مُحفّزات فورية للاضطرابات الاجتماعية”.
وفي سياق آخر، يعكس مشهد الطاقة في إفريقيا هشاشة هيكلية أعمق. فعلى الرغم من إنتاج إفريقيا نحو 7.5 مليون برميل من النفط الخام يوميًّا، إلا أنها لا تُكرّر سوى ربع احتياجاتها النفطية محليًّا، وتستورد معظم منتجاتها المكررة. ولاحظ كينكوه: “بالنسبة لشركات النفط الإفريقية العملاقة، تُعدّ أسعار النفط الخام القياسية العالية مكسبًا زائفًا؛ إذ سرعان ما تتبدَّد إيرادات النفط الخام بفعل الارتفاع الهائل في أسعار البنزين والديزل”.
وحذَّر من أن ارتفاع أسعار النفط ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل هو أيضًا عامل مُحتمَل لزعزعة الاستقرار الداخلي. ففي شرق إفريقيا، على سبيل المثال، يؤدي تغيير مسار الشحن حول رأس الرجاء الصالح إلى ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، وقد لوَّحت كينيا بالفعل برفع محتمل للأسعار، الأمر الذي بات ذا حساسية سياسية. وقال كينكوه: إن الخطر الأوسع يكمن في حلقة التغذية الراجعة؛ حيث تؤدي تكاليف الطاقة المتزايدة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما يزيد من الضغط الاقتصادي في المناطق التي تعاني بالفعل من انخفاض قيمة العملة وضعف النمو.
……………………………………………….
[1] With Russia Focused on War, China Increases Arms Sales to Africa, Africa Defence Forum, March 17, 2026 https://adf-magazine.com/2026/03/with-russia-focused-on-war-china-increases-arms-sales-to-africa/
[2] Ananya Bhattacharya, Africa pours $2 billion into controversial Chinese surveillance tech, Rest of World, March 23, 2026 https://restofworld.org/2026/africa-china-ai-surveillance/
[3] Mevlut Ozkan, ‘Threat to sovereign stability’: Iran war spillover felt across Africa, Anadolu Ajansi, March 24, 2026 https://www.aa.com.tr/en/africa/-threat-to-sovereign-stability-iran-war-spillover-felt-across-africa/3877388










































