مقدمة:
صدرت في مارس عام 2025م دراسة بعنوان «سياسة إثيوبيا في البحر الأحمر: الممرات والمواني والأمن في القرن الإفريقي»:
ETHIOPIA’S RED SEA POLITICS: CORRIDORS, PORTS AND SECURITY IN THE HORN OF AFRICA
تأليف: بيروك تيريفي Biruk Terrefe، وذلك شراكة بين معهد الوادي المتصدع The Rift Valley Institute، والمملكة المتحدة للتنمية الدولية UK International Development، وبرنامج إكسبت programme XCEPT. وقد شملت الدراسة 47 صفحة.
مؤلف الدراسة هو الدكتور بيروك تيريفي محاضر في العلوم السياسية والاجتماعية الإفريقية بجامعة بايرويت Bayreuth، وباحث مشارك في مركز الدراسات الإفريقية بجامعة أكسفورد، التي حصل فيها على درجة الدكتوراه.
تهدف هذه الدراسة، التي يسميها مؤلفها أحياناً بالورقة البحثية، وأحياناً أخرى بالتقرير أو البحث، إلى الإجابة عن سؤالين محوريين:
لماذا وكيف ربطت الحكومة الإثيوبية عقيدتها في البحر الأحمر بقضايا أوسع تتعلق بالتنمية والأمن؟
وما الدوافع الأساسية التي أدت إلى إنشاء هذا التعقيد المتعلق بالبنية التحتية والأمن من وجهة نظر الحكومة الإثيوبية؟
وبعبارة أخرى؛ تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة وتحليل الأحداث الرئيسية، والدوافع والجهات الفاعلة والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها سياسات إثيوبيا البحرية، وذلك انطلاقاً من مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وصوماليلاند في يناير 2024م، وما تلاها كنقطة انطلاق لدراسة الاقتصاد السياسي الأوسع للمواني والممرات التجارية في القرن الإفريقي.
تم تنظيم هذه الدراسة لتتكون من مستخلص، ومقدمة، وثلاثة أقسام رئيسية، وخاتمة. إضافةً إلى قائمة ثرية من المصادر والمراجع، التي استقى منها المؤلف بياناته ومعلوماته.
وسوف نستعرض الدراسة من خلال النقاط الآتية:
– إثيوبيا ورحلة البحث عن منفذ بحري مباشر.
– إثيوبيا وإستراتيجية تنويع المنافذ التجارية البحرية.
– إثيوبيا الكبرى: تشابك عقيدة البحر الأحمر والضغوط الديموغرافية.
– آبي أحمد والبحث عن إرث مجيد.
– مذكرة التفاهم وتحقيق الحلم الإثيوبي بكل أبعاده جملةً وتفصيلاً.
▪ إثيوبيا ورحلة البحث عن منفذ بحري مباشر:
ركّزت مقدمة الدراسة على إبراز نقاط محددة تدعم حيويتها وراهنيتها، منها: أنه عندما ألقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محاضرةً أمام البرلمانيين في أكتوبر 2023م، بعنوان «من قطرة ماء إلى بحر» From a Drop of Water to Sea، تحدّى افتراضاً أساسياً في الفهم المعتاد للاقتصاد السياسي لمنطقة القرن الإفريقي، وهو أن الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، والتي لا تطل على البحر، يجب ألا تعتمد بعد الآن على الاتفاقيات الثنائية وحسن نية جيرانها لاستيراد وتصدير البضائع، فإثيوبيا لديها رغبة صريحة في الحصول على منفذ مباشر إلى البحر. إضافةً إلى ذلك؛ قدّم آبي نموذجاً بديلاً أشبه بعقيدة البحر الأحمر، وله تداعيات سياسية مهمة على منطقة القرن الإفريقي، والعديد من الجهات الفاعلة الدولية.
ومن تلك النقاط التي ركزت عليها المقدمة- أيضاً- أنه تم الإعلان عن مذكرة تفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند خاصة بـ«الشراكة والتعاون»، وُقّعت في الأول من يناير 2024م (دون نشرها)، باعتبارها إطاراً لتعزيز العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع تعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية والسياسية. وأعقبها- بعد هذا الإعلان مباشرة- إصدار الحكومة الإثيوبية بياناً أكثر شمولاً لمواجهة التكهنات والاستنكار الشعبي والإدانة الدولية. ووفقاً للبيان؛ فإن مذكرة التفاهم تمنح إثيوبيا حق الوصول إلى «قاعدة عسكرية»، و«خدمات بحرية تجارية» في خليج عدن.
إلى جانب القاعدة البحرية- وفقاً للمقدمة- تتضمن تلك المذكرة اتفاقية تأجير تجاري منفصلة، والتي يُقال إنها تسمح لإثيوبيا ببناء منشآت تجارية، وتحويل ما يصل إلى 30٪ من إجمالي وارداتها وصادراتها إلى ميناء بربرة. ويُقال أيضاً إن هذا سيتم مقابل حصة مماثلة في الخطوط الجوية الإثيوبية تُمنح لصوماليلاند. وفي منتصف سبتمبر (2024م)، أكدت حكومتا صوماليلاند وإثيوبيا الانتهاء من وضع تفاصيل تلك المذكرة، والتوصل إلى اتفاق عملي. وما تزال تفاصيل مذكرة التفاهم سرية للغاية، ولم يطلع عليها سوى عدد قليل من الأفراد في أعلى مستويات الحكومتين.
▪ إثيوبيا وإستراتيجية تنويع المنافذ التجارية البحرية:
حمل القسم الأول من هذه الدراسة عنوان «تاريخ وصول إثيوبيا إلى البحر». ويرصد هذا القسم تاريخ سعي إثيوبيا الذي دام قرناً من الزمان للوصول إلى البحر، والذي بلغ ذروته في آخر التطورات المتعلقة بمذكرة التفاهم الموقعة مع أرض الصومال، بين رئيس الوزراء آبي أحمد والرئيس موسى بيهي عبدي، والتي تزعم منح إثيوبيا حق الوصول إلى سواحل أرض الصومال مقابل الاعتراف بها. وقد أثارت المذكرة- التي لم يُكشف عن تفاصيلها- توترات سياسية كبيرة مع الصومال، أسفرت عن طرد سفير إثيوبيا لدى مقديشو، وإدانة واسعة النطاق لانتهاك إثيوبيا لوحدة الصومال وسيادتها وسلامتها الإقليمية.
ناقش وحلل المؤلف في هذا القسم ثلاث قضايا؛ أولاها: تكوينات الممرات والمواني في إثيوبيا. وأبان من خلالها أن مسألة الوصول إلى البحر لطالما شكّلت مسعًى محورياً للدولة الإثيوبية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد تناوبت جيبوتي وإريتريا، في فترات مختلفة خلال القرن الماضي، على أن تكونا المنفذ المينائي الرئيسي لإثيوبيا. وثانيتها: تحديات ممر جيبوتي. وقد اتضح للمؤلف أن اعتماد إثيوبيا على مواني جيبوتي أدى إلى ارتفاع تكاليف التأخير ورسوم المواني، إضافةً إلى جانب التكاليف والمدفوعات المتأخرة؛ ثمة عقبة رئيسية أخرى تتعلق بحالة البنية التحتية المتهالكة والمتدنية المحيطة بميناء جيبوتي، وقدرتها الاستيعابية. وقد تبين له أن التوترات المحيطة بارتفاع التكاليف، وعدم موثوقية البنية التحتية، ودخول شركات جديدة إلى قطاع الخدمات اللوجستية، دفعت صانعي السياسات الإثيوبيين إلى وضع إستراتيجيات طويلة الأجل، تتجاوز اعتمادهم على المسؤولين الجيبوتيين.
أما القضية الثالثة التي ناقشها وحللها هذا القسم، فتتمثل في «البحث عن بدائل: ما وراء جيبوتي وإريتريا كمنافذ تجارية». وقد أوضح المؤلف في هذا السياق: أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة سعت إلى تنويع الوصول إلى المواني للحد من المخاطر المرتبطة بنقاط الاختناق الوحيدة. وقد هدفت خطة النمو والتحول الثانية للجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي (2015-2020م) صراحةً إلى زيادة حصة التجارة الإثيوبية، عبر ممر بربرة العابر إلى 30٪، مع توسيع حصة ميناء بورتسودان إلى 10٪.
تبين للمؤلف أن بروز ميناء بربرة كممر إستراتيجي يُظهر جهود إثيوبيا الحثيثة لتنويع منافذها التجارية خارج جيبوتي وإريتريا. وأنه في حين ما تزال إمكاناته التجارية قائمة؛ فإن دمج الأبعاد العسكرية في عمليات الميناء يُضيف طبقات من التعقيد، مما يُورِّط جهات فاعلة إقليمية ودولية، مثل: المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة. وأن هذه الديناميات ذات الاستخدام المزدوج تطمس الخطوط الفاصلة بين البنية التحتية المدنية والعسكرية. علاوةً على أنه بينما تُعيد إثيوبيا تقييم روابطها بالممرات المينائية؛ يُقدّم ميناء بربرة رؤى حول كيفية دمج إثيوبيا لإستراتيجيتها الاقتصادية للتنويع في عقيدتها الجديدة للبحر الأحمر.
▪ إثيوبيا الكبرى: تشابك عقيدة البحر الأحمر والضغوط الديموغرافية:
حمل القسم الثاني من هذه الدراسة عنوان «عقيدة البحر الأحمر في إثيوبيا»، وقد تناول فيه المؤلف ما أسماه «عقيدة آبي أحمد بشأن البحر الأحمر»، والدوافع والمناورات الكامنة وراءها، والتي تفسر سياساته المتعلقة بالبحر الأحمر. وأوضح فيه أن محاضرة رئيس الوزراء آبي أحمد، أمام البرلمانيين في أكتوبر 2023م، تُقدّم مدخلاً مفيداً لدراسة عدد من المبادئ التي تُشكّل سعي الحكومة الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر. وأضاف أن آبي أحمد في عرضه يُؤطّر هذا الأمر باعتباره ضرورة وطنية، مدفوعة بالضغوط الديموغرافية، والحاجة إلى ضمان السلام والازدهار والاستقرار، كما يربط ذلك بمطالب تاريخية وديناميات الجغرافيا السياسية الإقليمية المتغيرة.
تشكل هذا القسم من أربعة محاور، أولها: «مسألة وجودية: تسييس قضية البحر الأحمر». وفي هذا السياق؛ أشار المؤلف إلى أن خطاب آبي أحمد البرلماني- المشار إليه- يبلور مبدأً أساسياً، مفاده أن الوصول إلى البحر الأحمر ليس مجرد ميزة اقتصادية، بل هو ضروري لبقاء إثيوبيا وازدهارها على المدى الطويل. ويؤكد بشكلٍ قاطع أن هذه مسألة مصلحة وطنية؛ مشيراً إلى أن القضية تتجاوز النقاشات السياسية العادية. وانطلاقاً من خلال تأطير السعي للوصول إلى البحر الأحمر على أنه «وجودي»؛ يُضفي آبي أحمد طابعاً أمنياً على هذا الموضوع، ويجعله فوق النقاش.
أما فيما يخص المحور الثاني (التصاميم الإقليمية والطموحات العالمية للقوة)؛ فيرى المؤلف أن آبي أحمد يتجاوز هذا الإطار الوجودي، إذ يسعى إلى ترسيخ رؤية لإثيوبيا قوية؛ وقوة إقليمية مهيمنة، قادرة على توظيف الاهتمام الجيوسياسي الحالي بالبحر الأحمر لصالحها. لذا- وفقاً للمؤلف- فإن مذكرة التفاهم لا تُعنى في المقام الأول بتيسير التجارة، أو تنويع منافذ المواني التجارية الإثيوبية، إذ كان من الممكن تيسير مثل هذه الترتيبات من خلال أنواع أخرى من الاتفاقيات. إن مذكرة التفاهم هذه تتعلق بإستراتيجية إثيوبيا الكبرى، ويجب النظر إليها على المدى البعيد.
وأما في المحور الثالث، الذي حمل عنوان «الأبعاد شبه الوطنية»، فيذهب المؤلف إلى أن عمليات إعادة التشكيل السياسي والاقتصادي لا تقتصر على المستوى الإقليمي أو الجيوسياسي فحسب، بل تحدث أيضاً بشكلٍ ملاحظ على المستوى شبه الوطني. وأن الممرات التجارية تُعدّ بمثابة روابط تربط بعض المجتمعات في دوائر التجارة والتراكم وسلطة الدولة، بينما تفصل مجتمعات أخرى. وأبان أنه فيما يتعلق بالممرات الشرقية في بربرة وجيبوتي؛ فإن لهذا الأمر آثاراً على العديد من المجموعات، ولا سيما العفر والصوماليين.
حفل المحور الرابع (إستراتيجية المياه المزدوجة الكبرى: تجاوز المحظورات) بالإشارة إلى كتاب «إستراتيجية المياه المزدوجة الكبرى» The Two Water Grand Strategy، الذي يركز على تأمين مصالح إثيوبيا السياسية والاقتصادية والبيئية على المدى الطويل. ويكمن جوهر تلك الإستراتيجية في إدراك أن كلّاً من النيل والبحر الأحمر يمثلان محوراً أساسياً لسياسة إثيوبيا الخارجية، وإستراتيجية أمنها القومي. وأنه بتوقيع مذكرة التفاهم حقق آبي أحمد هدفين تكتيكيين، الأول هو تطوير رواية جديدة عن قوة بحرية. أما الثاني فهو أن تُولّد المناقشات والحوارات والروايات الجديدة رؤى أخرى جديدة، تُمكّن من الحصول على المزيد من البيانات والمزيد من البدائل، كما تُمكّن من إيجاد الوقت والخيارات المناسبة.
▪ آبي أحمد والبحث عن إرث مجيد:
حاول المؤلف في القسم الثالث من الدراسة، وهو بعنوان «فهم العوامل المعاصرة لإستراتيجية إثيوبيا البحرية»، الإحاطة بالاعتبارات الأمنية ذات الصلة بالمبررات الاقتصادية، من خلال تحليل التصور الإثيوبي للحصار، والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، ومظاهرها دون الوطنية. إضافةً إلى ذلك؛ قام بتحليل المنطق المختلف الذي يدفع الجهات الفاعلة الإثيوبية إلى السعي للوصول إلى البحر، موضحاً أن المنطق الاقتصادي غير كافٍ لفهم الدوافع الأمنية والعسكرية لمذكرة التفاهم.
ولتحقيق ما يهدف إليه المؤلف- في هذا الإطار- ناقش ثلاث قضايا مركزية:
أولاً: قضية «الخروج من الحصار»: وذلك عندما كشف توقيع مذكرة التفاهم عن مدى توتر العلاقات الإثيوبية مع مصر، والصومال، وإريتريا. وأبان أنه خلال عام 2024م، عززت الصومال تعاونها مع كلا البلدين، وتجلّى ذلك في زيارات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود المتكررة إلى القاهرة وأسمرة، وبلغ ذروته بتشكيل تحالف ثلاثي جديد. كما أبان أن مناورات إثيوبيا في خليج عدن والبحر الأحمر تتأثر بشدة بتوتراتها مع مصر، ولا سيما بشأن سد النهضة.
وفي هذه الأجواء؛ أغلقت أرض الصومال المكتبة الثقافية المصرية في هرجيسا بشكل دائم، بسبب «مخاوف أمنية جدية». وأخيراً؛ تفاقمت التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بشكل ملاحظ، سواءٌ منذ توقيع اتفاقية بريتوريا في نوفمبر 2022م، بسبب استمرار الخلافات حول إدارة الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، أو بسبب تصاعد الصراع في السودان، حيث لا يوجد توافق بين الطرفين.
ثانياً: قضية «الأمن المتشابك: تركيا وخليج القرن الإفريقي»: وفي سياق هذه القضية؛ أشار المؤلف إلى أنه وسط تصاعد التوترات عرضت تركيا التوسط بين إثيوبيا والصومال، مستغلةً علاقاتها الوثيقة مع كلا النظامين. وتُعدّ تركيا أكبر مستثمر منفرد في الصومال، حيث تستضيف مقديشو معسكر «تركسوم» TURKSOM، وهو أكبر منشأة عسكرية تركية في الخارج. أما في إثيوبيا؛ فقبل الزيادة الكبيرة في استثمارات الإمارات العربية المتحدة كانت تركيا ثاني أكبر مستثمر بعد الصين.
يرى المؤلف- في إطار هذه القضية- أنه بالنسبة لتركيا ودول الخليج أصبح القرن الإفريقي جزءاً لا يتجزأ من محيطها الأمني الأساسي، وامتداداً للنظام الإقليمي الذي تسعى إلى بنائه. وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما قطعت مصر وثلاث دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي علاقاتها مع قطر عام 2017م، مما أدى إلى نشاط مكثف، واستثمارات في القرن الإفريقي. وتُجسّد مشاركة كلٍّ من تركيا والإمارات العربية المتحدة في إثيوبيا والقرن الإفريقي اتجاهاً أوسع نطاقاً في تغيّر طبيعة العلاقات الدولية.
ثالثاً: قضية «الحسابات الداخلية، والوكلاء، وإعادة تدوير الريع»: وفي مضمار هذه القضية؛ سلّط المؤلف الضوء على التوترات الجيوسياسية، والتوترات بين الدول في المنطقة. وأبان أن المخاوف الجيوسياسية تتجلى على المستوى شبه الوطني، حيث يسعى الفاعلون الدوليون إلى استغلال النزاعات الداخلية. وبالمثل؛ برّر آبي أحمد حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر بمصطلحات شبه وطنية صريحة، تتعلق بالإثيوبيين من القومية الصومالية، والقومية العفرية.
يرى مؤلف الدراسة- في منحى مشابه- أنه بالنظر إلى بعض قناعات آبي الأساسية، ومناوراته السياسية، وخلافاً للحجة القائلة بأن مذكرة التفاهم مع صوماليلاند ليست سوى تشتيت للانتباه عن النزاعات الداخلية الجارية- ينبغي فهم هذه المذكرة كأداة لحشد الجماعات المتباينة في خدمة إرثه الذي سيتركه لأجيال؛ فهو يؤمن بأنه في ظل قيادته يجب أن تتمتع إثيوبيا بوصول أفضل إلى البحر الأحمر، إنه يريد إرثاً يخلّد اسمه للأجيال القادمة، كما ارتبط اسم سلفه ميليس زيناوي بإرث مشروع سد النهضة؛ وإن كان هيلا سيلاسي هو الذي وضع خططه، وكلّف الأمريكيين بدراستها.
▪ مذكرة التفاهم وتحقيق الحلم الإثيوبي بكل أبعاده جملةً وتفصيلاً:
خلص المؤلف إلى أن مذكرة التفاهم، التي وُقّعت في الأول من يناير 2024م بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس السابق لصوماليلاند موسى بيهي عبدي، (وهي مذكرة سرية)، تمنح إثيوبيا حق الوصول إلى سواحل صوماليلاند مقابل اعتراف إثيوبيا باستقلالها. وأنها أثارت توترات سياسية كبيرة مع الصومال. وأنها علاوةً على أنها تنطوي على تداعيات عسكرية وتجارية؛ فإنها تُمثل أيضاً أحدث فصول مساعي إثيوبيا الحثيثة لتأمين منفذ بحري لها.
كما خلص المؤلف أيضاً إلى: أن تلك المذكرة جاءت مدفوعةً بشعور الحكومة الإثيوبية المتزايد بأنها محاصرة من قِبل دول معادية، في وقتٍ يلوح فيه شبح الصراع الجيوسياسي في مياه البحر الأحمر. وأن لهذه التوترات الإقليمية تداعيات على السياسة الداخلية في كلٍّ من إثيوبيا وصوماليلاند، حيث تتفاقم الصراعات الداخلية بفعل فاعلين إقليميين. وأنه بالنسبة لصوماليلاند؛ تثير المذكرة تساؤلات حول التوازن بين السعي إلى الاعتراف والاستقلال الاقتصادي، وإدارة التوترات الداخلية.
إضافةً إلى ذلك؛ خلص المؤلف إلى: أنه من وجهة نظر الحكومة الإثيوبية، كانت المذكرة في المقام الأول اتفاقية أمنية استجابةً لمخاوفها الأمنية الوطنية. أما من وجهة نظر بعض جيران إثيوبيا، فتستحضر هذه الإستراتيجية ذكريات طموحاتها الإمبراطورية السابقة.
كلمة أخيرة:
تُعدّ دراسة بيروك تيريفي (سياسة إثيوبيا في البحر الأحمر: الممرات والمواني والأمن في القرن الإفريقي) مرآةً عاكسة للسياسة الإثيوبية في عهد آبي أحمد، وهي تحث الخطى نحو تنفيذ سياساتٍ لتأمين منفذ بحري لها؛ انطلاقاً من مذكرة التفاهم الموقّعة بين إثيوبيا وصوماليلاند في يناير 2024م. لقد يممت إثيوبيا وجهها إلى البحر الأحمر، وفي بالها دائماً حتمية الوصول، وإن طال السفر.











































