تمهيد:
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وفي الساعات الأولى من الصباح، شنت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها، إسرائيل، هجومًا منسقًا على إيران، بعد يوم من مقابلة أجراها وزير الخارجية العماني مع التلفزيون الأمريكي، أكد فيها أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج إيران النووي تسير على ما يرام، وأن السلام بات وشيكًا.
غير أن هذا الهجوم لم يكن مفاجئًا، فقد أمضت إيران ما يقب من نصف القرن، منذ الإطاحة بالشاه عام 1979، في الاستعداد للحرب مع “الشيطان الأكبر”، كما وصفت الولايات المتحدة. وقد ردّت، على عكس ما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر، ردًا فوريًا. ولم تكتفِ إيران باستهداف مواقع في الأراضي المحتلة، بل استهدفت أيضًا دول الجوار. وفي نهاية المطاف، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما قد قضتا على قيادة إيران وقتلت المرشد. غير أن وتيرة الحرب قد ازدادت دراوة واتساعًا، حتى تاريخ الانتهاء من هذا المقال مساء الأربعاء 4 مارس 2026.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتي “الغضب الملحمي” و”الأسد الهادر”. وبينما تدور رحى القتال هناك، امتدت تداعياتها السياسية والاقتصادية إلى العواصم الإفريقية، منها ما هو فوري وأخرى قصيرة الأجل، وثالثة ستمتد لسنوات وربما لعقود، بينما امتدت آثار الحرب إلى العالم أجمع، وهو ما سوف نتناوله في السياق التالي، من خلال النقاط التالية:
المحور الأول: المواقف الإفريقية تجاه الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران.
المحور الثاني: التداعيات الاقتصادية الحالية والمحتملة على إفريقيا جنوب الصحراء.
المحور الثالث: صراع متجدد وسيناريوهات محتملة.
المحور الأول
المواقف الإفريقية تجاه الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران
تباينت ردود الأفعال الإفريقية إزاء تلك المواجهات، ما بين الدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية وبعض البلدان، بينما اختارت أخرى موقف الحزم ضد طهران، وأخرى اختارت مبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية، وثالثة اختارت التحوط. وحذّر آخرون من تجاوزات عسكرية غربية. ويحرص كثيرون على انتقاء كلماتهم بعناية، محاولين تجنّب استعداء أيٍّ من الطرفين. أما على المستوى الشعبي اندلعت بعض الاحتجاجات بعد مقتل المرشد.
ففي بيانات منفصلة دعت نيجيريا وغانا وكينيا والسنغال إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحوار، محذرة من زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية وزيادة الضغوط الاقتصادية على الدول المعرضة للصدمات العالمية، واحتمال حدوث اضطراب في إمدادات النفط العالمية وارتفاع أسعار الوقود. حيث تُظهر ردود الفعل قلقًا مشتركًا بشأن كيفية تأثير الصراع على تعطيل طرق نقل الطاقة، ورفع أسعار النفط، والتأثير على التدفقات التجارية الحيوية للاقتصادات الإفريقية.
حيث تتأثر ردود فعل الحكومات بالموانئ والممرات البحرية، والتحويلات المالية من الخليج، وأسعار النفط، والشراكات الأمنية مع واشنطن، والتوقعات الضمنية حول من سيخرج أقوى بعد انتهاء الأزمة.
أولًا: على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية ..إدانة ودعوة إلى ضبط النفس: أدان الاتحاد الإفريقي، شأنه شأن حكومات بعض الدول، الهجوم ودعا إلى ضبط النفس، خشية أن يؤدي التصعيد إلى صراع أوسع يهدد السلام العالمي، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والتحديات الاقتصادية، مما قد يزيد من حدة الأزمات الإنسانية والإقليمية القائمة في إفريقيا.
وفي بيان منفصل، أعرب رئيس مفوضية الاتحاد، عن “قلق الاتحاد البالغ” إزاء الضربات العسكرية ضد إيران، واصفًا إياها بأنها “تصعيد قد يُنذر بتصعيد خطير للأعمال العدائية في الشرق الأوسط”.
وأيدت (إيكواس)، دعوة الاتحاد إلى الهدوء، وأشارت في بيان إلى أن ما يحدث سيترتب عليه عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليين، وعلى أسواق الطاقة العالمية، والتجارة، وسلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما بالنسبة لغرب إفريقيا ([1]).
ثانيًا: القرن الإفريقي: موقف حازم تجاه طهران، وصمت تجاه واشنطن وتل أبيب
في القرن الإفريقي، وفي كينيا تحديدًا، سارعت الحكومات إلى إدانة إيران بشكل قاطع، متجاهلةً دور الولايات المتحدة وإسرائيل في إشعال فتيل المواجهة.
وأصدر الرئيس ويليام روتو أحد أوضح الإدانات في القارة. قائلا إن كينيا “تدين بشدة الضربات” على دول الخليج، محذرًا من أن تصعيد الصراع إقليميًا يُهدد السلام والأمن الدوليين.
وفي أرض الصومال المعلنة من جانب واحد، أدانت السلطات بشدة الضربات الإيرانية على دول الخليج، ولم يكن هذا الموقف مفاجئًا. فالاستثمار الإماراتي في ميناء بربرة وتوسيع التعاون الأمني يُمثلان ركيزة أساسية في النموذج الاقتصادي للإقليم وسعيها الدؤوب لنيل الاعتراف الدولي. لا تقتصر المخاطر الجيوسياسية على منطقة الخليج فحسب، فقد أصبحت إسرائيل مؤخرًا أول دولة تعترف رسميًا بالإقليم كدولة ذات سيادة. كما أشارت إدارة ترامب إلى انفتاحها على النظر في خطوة مماثلة، حيث يقوم المسؤولون في هرجيسا بتسويق الوصول الاستراتيجي إلى الميناء وحقوق التمركز العسكري لواشنطن علنًا مقابل الاعتراف.
كذلك أدانت الصومال هجمات إيران، معربةً عن تضامنها مع دول الخليج، إلا أن مقديشو استبعدت الإمارات عمدًا، في إغفالٍ مقصود، بسبب التوترات بينهما بشأن أرض الصومال حيث تعتقد مقديشو أن الإمارات دعمتها ضمنيًا.
وفي إثيوبيا، ذهب رئيس الوزراء آبي أحمد أبعد من ذلك، إذ أجرى اتصالًا مباشرًا مع ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح وأدان ما وصفه بـ”الهجوم الشنيع” على سيادة الكويت ومجالها الجوي، متعهدًا بالتضامن مع قيادتها وشعبها. كما يعيش ويعمل ملايين الإثيوبيين في الخليج، وتُعدّ تحويلاتهم المالية شريان حياة للاقتصاد، ويرتبط أمن البحر الأحمر واستقرار الخليج ارتباطًا وثيقًا بالاحتياطيات النقدية، وفرص العمل، والاستقرار السياسي في الداخل.
وفي حالة الصومال، يُعدّ التحالف مع السعودية ذا أهمية خاصة، ويتشكل موقف أرض الصومال من خلال اعتراف إسرائيل بحكومتها وعلاقاتها الوطيدة مع الإمارات العربية المتحدة، كما تربط كينيا علاقات أمنية ودبلوماسية مع إسرائيل، وعلاقات متينة مع دول الخليج.
وتسعى جميع هذه الحكومات إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وتراهن كل هذه البلدان على فوز التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وازدياد نفوذه مستقبلاً؛ لذا فهم يريدون أن يكونوا في الجانب الرابح من هذه النتيجة.
ثالثًا: جنوب إفريقيا والسنغال ومبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية
أعرب الرئيس سيريل رامافوزا عن قلقه البالغ إزاء التصعيد، وصرحت بريتوريا قائلةً: “الدفاع الاستباقي عن النفس غير مسموح به بموجب القانون الدولي”، وهو تصريح يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه نقد للعقيدة الأمريكية الإسرائيلية.
وفي داكار، كان رئيس الوزراء عثمان سونكو أكثر صراحةً قائلاً :”بإمكان أي دولة، دون قرار أو تفويض من الأمم المتحدة، أن تقرر ضرب دول أخرى واغتيال قادتها. يجب قول الحقيقة كما هي. هذا أمر في غاية الخطورة، ويُهدد التوازن العالمي الذي بُني على مدى الخمسين عامًا الماضية”.
تجاوز نقد سونكو للحرب الأحداث المباشرة في الشرق الأوسط، فبالنسبة له، يكمن الخطر في تآكل القواعد التي يقوم عليها النظام العالمي. وتعتمد العديد من الحكومات الإفريقية على القانون الدولي كدرعٍ واقٍ من تدخل القوى العظمى والضغوط الخارجية.
ويحذر المحللون من أنه إذا تمكنت الدول القوية من تجاوز المعايير متعددة الأطراف دون عقاب في سياقٍ ما، فإن ذلك يُرسي سابقةً قد تُقوّض هذه المعايير نفسها في أماكن أخرى، بما في ذلك إفريقيا.
ولا يقتصر هذا القلق على أزمة الشرق الأوسط، فقد أعرب سونكو سابقًا عن قلقه إزاء تصرفات الدول الكبرى الأحادية التي تُضعف القواعد الدولية القائمة، مُشيرًا إلى أنه عندما تبدأ القوى العظمى في وضع قواعدها الخاصة، يفقد مفهوم النظام الدولي المستقر معناه.
رابعًا: نيجيريا وغانا والتحوط الاستراتيجي: في غرب إفريقيا، كان الحذر هو الخيار السائد حتى الآن، حيث دعت الخارجية النيجيرية إلى أقصى درجات ضبط النفس والالتزام الصارم بالقانون الدولي، دون إدانة إيران أو التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
وتتعاون أبوجا تعاونًا وثيقًا مع شركائها الأمنيين الغربيين، وتحافظ على علاقات تجارية مع دول الخليج، وتُدير واقعًا داخليًا متنوعًا دينيًا وحساسًا لسياسات الشرق الأوسط.
وتبنّت غانا خطابًا متزنًا مماثلًا، داعيةً إلى خفض التصعيد ومُركّزةً على سلامة مواطنيها في الخارج.
وأكّدت غامبيا هذا الحذر، داعيةً إلى أقصى درجات ضبط النفس ومشددةً على حماية أرواح المدنيين والبنية التحتية([2]).
خامسًا: على المستوى الشعبي: على الرغم من دعوة إفريقيا إلى ضبط النفس مع تصاعد وتيرة الحرب، خاصة عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في غارة جوية إسرائيلية يوم السبت، فقد عبّر الشيعة عن غضبهم إزاء اغتيال المرشد. وبحسب التقارير، أسفرت الاحتجاجات عن مقتل العشرات وإصابة آخرين، حيث نظّم أعضاء الحركة الشيعية من أجل نيجيريا، بقيادة إبراهيم الزكزاكي، مظاهرات منسقة في عدة ولايات شمالية يوم الأحد 1 مارس.
وحشدت الحركة، المرتبطة أيديولوجيًا ودينيًا بإيران، أنصارها في ولايات غومبي والنيجر وكانو وباوتشي ويوبي وسوكوتو.
وفي غومبي، تجمّع المصلّون بعد الصلاة، وانطلقوا في مسيرة من مركزهم الديني إلى معبد تودون وادان بانتامي.
ورفع المتظاهرون لافتات تدين الهجمات وتطالب بالعدالة، وتُشير التقارير إلى مظاهرات مماثلة في ولاية النيجر، حيث لوّح المشاركون بالأعلام الإيرانية ورفعوا شعارات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل([3]).
المحور الثاني
التداعيات الاقتصادية الحالية والمحتملة على إفريقيا جنوب الصحراء
اعرب الجميع عن قلقهم إزاء احتمال انتشار انعدام الأمن والآثار الاقتصادية المترتبة على الصراع متخوفين من هشاشة إفريقيا المزمنة أمام صدمات أسعار النفط، فعندما يعطل الصراع خطوط الإمداد العالمية، ترتفع أسعار الوقود بشكل حاد، مما يؤثر على النقل والتصنيع وتوزيع الغذاء وميزانيات الأسر.
ولطالما شكل ارتفاع أسعار النفط ضغطًا على العديد من الاقتصادات الإفريقية، لا سيما الدول المستوردة الصافية، من خلال رفع معدلات التضخم وتوسيع العجز التجاري.
ومع استمرار اضطرابات السوق، يحذر القادة من أن القارة لا تستطيع تحمل التكلفة المتصاعدة للصراع.
وقد كثّف الكثيرون دعواتهم إلى دبلوماسية بقيادة الأمم المتحدة، محذرين من أن أي تصعيد إضافي قد يزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي في وقت لا تزال فيه العديد من الدول تتعافى من الصدمات العالمية، وارتفاع تكاليف الاقتراض الدولي.
أولًا: التداعيات على التجارة وسلاسل التوريد
في أعقاب اندلاع المواجهات مباشرة، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام جميع السفن باستثناء الروسية والصينية. ويُعدّ المضيق بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي، إذ يُقدّر أن ما بين 20 و30% من النفط والغاز العالميين يُنقل عبره. وقد عبر المضيق حوالي 20 مليون برميل من النفط يوميًا في عام 2024.
وفي 28 فبراير، وبعد نحو ساعة من بدء الضربات، بدأ الحرس الثوري الإيراني ببث رسائل إلى السفن التجارية في الخليج العربي، معلنًا منع العبور عبر مضيق هرمز.
وبحلول الأول من مارس، تم تعليق أو تحويل مسار أكثر من 70% من الشحن البحري من المضيق، وقد ارتفعت أسعار النفط بالفعل منذ إعلان إيران نيتها إغلاقه. لم يكن ذلك بسبب زرع إيران ألغامًا أو فرضها حصارًا على المضيق، بل كان نتيجة لتقييم المخاطر من قبل شركات الشحن والتأمين، حيث وجد معظمهم أن المخاطر غير مقبولة. كما غيرت السفن مسارها عبر رأس الرجاء الصالح ، بعد أن أعلن حلفاء إيران، الحوثيون، عزمهم إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية.
لكن إغلاق هرمز ليس السلاح الوحيد في ترسانة إيران القادر على إلحاق ضرر بالغ بالتجارة العالمية، فقد أشارت تقارير إلى أن إيران قصفت ضواحي دبي الثرية وبعض البنى التحتية الحيوية.
وبما أنها تركز على استهداف وقصف المصالح الأمريكية في المنطقة، ولأن شركات النفط والغاز الأمريكية تُعدّ من اللاعبين الرئيسيين في دول الخليج، فقد توجه ضرباتها نحو هذه المصالح.
ويبدو أن الهدف هو الضغط ، وفرض خسائر فادحة عليها وعلى حلفائها لإجبارهم على محاولة كبح جماح ترامب ونتنياهو.
وستُظهر الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت أسواق النفط والغاز ستُراعي هذا الخطر الإضافي.
إذا فعلت، فسترتفع أسعار النفط بشكل ملحوظ خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مما سيؤثر على موسم القيادة الصيفي في الولايات المتحدة، وربما على توجهات الناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.
إذا ردّ ترامب على الضرر الانتخابي المحتمل الذي قد تُلحقه أسعار الغاز المرتفعة بالمرشحين الجمهوريين في نوفمبر بتقييد صادرات الطاقة، فقد تواجه أوروبا مشكلة كبيرة، نظرًا للعقوبات التي فرضتها على استيراد النفط والغاز الروسيين.
وستتأثر آسيا أيضًا، وستستورد الدول الإفريقية أي تضخم ناتج عن هذه المخاطر عبر شركائها التجاريين الرئيسيين.
وإذا ما حدث هذا، ستتضرر الدول الإفريقية المستوردة للنفط والغاز بشدة، فمع انقطاع المساعدات الإنمائية الرسمية وجميع أشكال الدعم تقريبًا، وتهديد أزمة الديون المستمر، قد تجد تلك الدول ، والتي تعاني من ضائقة مالية شديدة، نفسها في وضع بالغ الصعوبة([4]).
ثانيًا: ارتفاع أسعار النفط وتداعياتها على القارة الإفريقية
على حسب وسائل الإعلام الدولية أعلنت ايران أن مضيق هرمز تحت سيطرة القوات البحرية الإيرانية، في نفس الوقت الذي أعلن فيه ترامب على منصته “تروث سوشيال”، أنه سيضمن حرية الملاحة في المضيق، ولو اضطره الأمر لمرافقة البحرية الأمريكية للسفن المارة.
إلا أن ذلك يتوقف على تقييم المخاطر نظرًا لأن مالكي ناقلات النفط والتجار لا يرغبون في المخاطرة بسفنهم، فضلًا عن ورود تقارير عن هجمات على ناقلات النفط، وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، وقد ترتفع أكثر بكثير إذا لم تُستأنف حركة الملاحة قريبًا.
ومع محاولة منظمة أوبك+ تخفيف الصدمة بزيادة حصص الإنتاج، لكن هذا لن يُجدي نفعًا إلا إذا تمكن النفط من الخروج فعليًا عبر ممرات ملاحية آمنة([5]).
والتأثير المباشر الأكبر على الدول الإفريقية سيكون حتمًا هو حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن أسعار النفط العالمية، وبالتالي احتمال ارتفاع أسعار الوقود في الأشهر المقبلة. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار النفط بشكل حاد على المدى القريب وأن تبقى مرتفعة لفترة من الزمن، وذلك تبعًا لنتائج الحرب وفي ظل غياب أي إجراءات جديدة لخفض الإنتاج بهدف موازنة ارتفاع الأسعار([6]).
وبالفعل قفز خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، بنسبة 10% ليتجاوز 82 دولارًا للبرميل يوم الاثنين، قبل أن يهدأ بعد هجوم إيران على ثلاث سفن على الأقل قرب مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقد حذر المحللون من أن الأسعار قد ترتفع إلى 80 إلى 100 دولار أمريكي للبرميل، أو أكثر، إذا استمرت التوترات أو تم إغلاق الطرق الحيوية.
ومع تداول خام برنت فوق سعر 64.85 دولارًا للبرميل، وهو السعر المرجعي لميزانية نيجيريا لعام 2026، من المتوقع أن تعزز الأسعار المرتفعة عائدات التصدير، وتقوي الاحتياطيات الأجنبية، وتزيد التدفقات إلى حساب الاتحاد، مما قد يؤدي إلى زيادة مخصصات حساب الاتحاد للخزينة الفيدرالية والحكومات المحلية وحكومات الولايات.
مع ذلك، لا تزال نيجيريا تستورد بعض منتجاتها البترولية المكررة، مثل البنزين ووقود الطائرات، ومن المتوقع أن ترتفع أسعارها مع ارتفاع أسعار النفط الخام العالمية([7]).
وقد اتفقت مجموعة أوبك+، التي تضم الدول المنتجة للنفط، على زيادة إنتاجها بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا للمساعدة في تخفيف أي ارتفاع في الأسعار، لكن بعض الخبراء يشككون في جدوى ذلك.
وحذر إدموند كينغ، رئيس جمعية السيارات، من أن الصراع قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين، وأن الاضطرابات والقصف ستكون عاملًا محفزًا لتعطيل توزيع النفط عالميًا، مما سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع الأسعار.
وسيعتمد حجم ومدة ارتفاع أسعار الوقود على مدة استمرار الصراع، ويأتي ذلك في الوقت الذي رست ما لا يقل عن 150 ناقلة نفط في مياه الخليج المفتوحة خلف مضيق هرمز، على الرغم من مرور عدد قليل من السفن الإيرانية والصينية، وإذا ارتفعت أسعار النفط الخام عالميًا، من المرجح ارتفاع أسعار المنتجات المكررة – بما في ذلك البنزين والديزل – محليًا، مما سيزيد من تفاقم التضخم وأزمة غلاء المعيشة. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين سيرفع أسعار السلع المستوردة، وسيكون لذلك آثار سلبية على النقل وتوزيع الغذاء ونفقات الأسر([8]).
ثالثًا: تضرر قطاع السفر والسياحة وتذبذب الاستثمار الأجنبي
على الرغم من أن الصراع لا يزال في بداياته، إلا أنه من الواضح أن السفر والسياحة في الشرق الأوسط قد تأثرا بشكل فوري مع إلغاء رحلات جوية على نطاق واسع. بدأت الحرب بالفعل في تعطيل حركة السفر العالمية، حيث ألغت آلاف شركات الطيران الدولية رحلاتها من وإلى الشرق الأوسط، أو علّقتها، أو غيّرت مسارها، وذلك لأسباب تتعلق بالسلامة.
وأُغلقت الأجواء لعدة دول مؤقتًا، مما تسبب في تقطع السبل بالمسافرين أو أجبر شركات الطيران على اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة.
وبالنسبة لبعض بلدان إفريقيا قد تشمل الآثار ارتفاع أسعار التذاكر، وتأخيرات في السفر، وحالة من عدم اليقين.
وقد يتأثر الأشخاص الذين يخططون لأداء مناسك الحج، بما في ذلك العمرة خلال شهر رمضان،كما قد يواجه الطلاب والمهنيون في الدول المتضررة صعوبات في التنقل([9]).
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف النقل الجوي وانخفاض عدد الرحلات إلى تراجع عائدات السياحة وزيادة تكاليف سفر الأعمال في اقتصادات شرق إفريقيا، كما قد تشهد أسعار السلع الأساسية مزيدًا من التقلبات.
وتُساهم اضطرابات الشحن العالمية، وارتفاع أسعار النفط، وزيادة أقساط التأمين على الطرق البحرية في ارتفاع تكلفة نقل المدخلات الزراعية والصادرات، وقد يواجه المنتجون ارتفاعًا في أسعار الشحن، مما قد يؤدي إلى عدم وصول المنتجات الزراعية المُخصصة للأسواق الخارجية في الوقت المحدد([10]).
كما ينعكس الصراع بشكل مباشر على تدفقات الاستثمارات الأجنبية وبيئة الأعمال في الدول الإفريقية، ويميل المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى «الهروب الآمن»، عبر التحوط من المخاطر والتوجه إلى الأصول التقليدية كالذهب والسندات الحكومية، على حساب الاستثمارات المباشرة في مشاريع البنية التحتية والطاقة بالأسواق الناشئة التي تُصنف كبيئات عالية المخاطر.
وفي الداخل الإفريقي، ينعكس عدم اليقين على القدرة التنافسية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ حيث تؤدي زيادة تكلفة الوقود إلى تضخم تكاليف الإنتاج والتشغيل، مما يقلل من صافي العوائد المتوقعة للمستثمرين، كما يؤدي إلى رفع المخاطر، وهو ما يرفع بدوره كلفة تمويل المشاريع التنموية الكبرى ويضغط على الاستقرار المالي([11]).
رابعًا: تقلبات أسعار الذهب والعملات وترقب الأسواق
شهدنا بالفعل ارتفاعًا في أسعار النفط والذهب، بالإضافة إلى انخفاض قيمة العملات الإفريقية كالراند وارتفاع قيمة الدولار؛ كل ذلك سيؤدي إلى ارتفاع التضخم.
ولا يمكن نقل الأفراد أو البضائع في الاقتصاد دون إنفاق، ما يعني ارتفاعًا واسع النطاق في الأسعار، وقد يؤدي ذلك إلى بقاء أسعار الفائدة ثابتة لفترة، فضلًا عن كونه عائقًا أمام آفاق النمو، وارتفاع أسعار الفائدة يعني تكلفة أعلى للأموال، وبالتالي انخفاضًا في الاقتراض.
لكن في نهاية المطاف، سيعتمد التأثير على عدد من العوامل التي لم تتضح بعد، وقد لا تتضح إلا على مدى أشهر، إن لم يكن سنوات، إذا ما قورنت بما حدث في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث مرّت أربع سنوات على تلك الحرب، وما زالت نتائجها غير واضحة تمامًا، وكلما طالت مدة النزاع، زادت الآثار السلبية، وكلما زاد حجم النزاع من حيث عدد الدول المشاركة، أو كلما زاد التأثير الإقليمي لهذه الحرب، زادت تعقيد المشكلة.
والنتيجة السياسية النهائية في إيران ستحدد أيضاً حجم الضرر الاقتصادي، والحكومة التي ستتولى السلطة في نهاية المطاف سيكون لها تأثير كبير على الأثر العالمي النهائي لهذه الحرب ومستوى الدمار.
كما أن المنطقة تزخر بأصول صناعة النفط والغاز، وكلما زاد تدمير هذه الأصول والبنية التحتية عموماً، كلما طال أمد إعادة تشغيل الإنتاج والاقتصاد بعد الهجوم وغيره؛ وبالتالي، سيزداد الأثر السلبي على الاقتصاد العالمي والمحلي على حد سواء، باختصار، يمكننا توقع أثر تضخمي، خاصة إذا استمر الوضع لفترة([12]).
وهذا الوضع هو أخطر صراع يشهده الشرق الأوسط منذ عقود، وبالنظر إلى تداعياته؛ بدأت الأسواق العالمية بالفعل في الاستجابة بارتفاع علاوات المخاطرة وتقلبات حادة. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر الذهب من 5277.9 دولارًا إلى 5414 في غضون يوم واحد، تشمل الأسباب التوترات العالمية المستمرة، والطلب على الملاذات الآمنة، وعمليات شراء البنوك المركزية، والتوقعات والاتجاهات العامة.
أما العملات الرقمية، فقد شهدت أسعارها انخفاضًا نتيجة المخاطر الجيوسياسية والمخاوف العالمية، والانهيار الحاد في فترة وجيزة، وعمليات البيع بدافع الخوف، وضعف السوق.
وعلى الرغم من أن مجلس الأمن والأسواق المالية العالمية قد أوليا اهتماماً عاجلاً للمواجهة المتصاعدة، فإن الطريقة التي ستتأثر بها الأسواق المالية غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
وتُعدّ نفقات الطاقة عنصرًا أساسيًا في قطاعات النقل والتصنيع والزراعة والخدمات اللوجستية، وستواجه الدول المستوردة للوقود احتمالية ضغوط على ميزان المدفوعات، وارتفاع أسعار المستهلك، وتزايد فواتير الاستيراد.
وتُلحق هذه التقلبات في أسعار السلع العالمية ضررًا بالغًا باقتصادات الشرق والجنوب الإفريقي، نظرًا لأن العديد منها مُستوردة صافية للوقود.
وستؤدي الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة أسعار المواد الغذائية وتكاليف المدخلات، مما قد يُؤدي إلى تدهور مستويات المعيشة، لا سيما للأسر ذات الدخل المنخفض، وقد يؤثر أيضًا على التخطيط المالي الحكومي.
وأي صدمة طاقة مستمرة ستجبر الحكومات إما على زيادة الضرائب على الوقود، مما سيزيد من أعباء المواطنين، أو دعم الأسعار لحماية الجمهور، مما سيزيد من الضغط على المالية العامة.
ويُعقّد هذا الوضع السياسة النقدية أيضًا، فقد تضطر البنوك إلى تشديد أسعار الفائدة للحفاظ على استقرار الأسعار، مما قد يُبطئ نمو الائتمان والاستثمار المحليين، في ظل مواجهة ارتفاع التضخم المستورد، ويُعدّ التأثير على أسواق الصرف الأجنبي قناةً حاسمةً أخرى.
كما تعتمد بلدان القارة على عائدات النقد الأجنبي من التحويلات المالية والصادرات والسياحة، وسيتفاقم العجز التجاري مما قد يُضعف عملاتها ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، وتنشأ حلقةٌ تُزعزع استقرار الأسواق المالية وتُعيق خدمة الديون، لا سيما الديون الخارجية المقومة بالعملات الأجنبية، عندما يُؤدي ضعف العملة إلى ارتفاع التضخم المحلي([13]).
وقد ارتفع الدولار بنسبة 0.3% مقابل سلة من العملات، بينما سجل الذهب في جنوب إفريقيا – أعلى مستوى له في أكثر من أربعة أسابيع. ومثل العملات الأخرى الحساسة للمخاطر، تتأثر غالباً بالعوامل العالمية.
وأظهر مسح لمؤشر مديري المشتريات أن مؤشر ثقة قطاع التصنيع في جنوب إفريقيا قد تراجع قليلاً في فبراير، حيث انخفض المؤشر الرئيسي إلى ما دون مستوى 50 نقطة المحايد.
وأظهرت بيانات صادرة عن الرابطة الوطنية لمصنعي السيارات ارتفاع مبيعات السيارات الجديدة بنسبة 11.4% على أساس سنوي في فبراير، متجاوزةً بذلك توقعات خبراء الاقتصاد في بنك نيدبانك البالغة 5.2%، والنسبة المسجلة في يناير والبالغة 7.5%.
وفي بورصة جوهانسبرج، انخفض مؤشر توب-40 بنسبة 0.8%، كما شهدت سندات الحكومة الجنوب أفريقية القياسية لعام 2035 تراجعاً حاداً، حيث ارتفع العائد بمقدار 14.5 نقطة أساسية ليصل إلى 8.115%([14]).
وقامت شركات التأمين البحري بإلغاء بعض التغطيات ورفعت أقساط التأمين بشكل حاد.
وفي أبيدجان، عكست جلسة تداول يوم الاثنين صدمة أسعار النفط، وكانت أربع من أكبر خمس شركات رابحة هي شركات الطاقة أو توزيع النفط، حيث ارتفع سهم شركة فيفو إنرجي كوت ديفوار بنسبة 7.41% ليصل إلى 2175 فرنكًا إفريقيًا، وزاد سهم شركة توتال إنيرجيز السنغال بنسبة 7.39% ليصل إلى 3125 فرنكًا إفريقيًا، بينما صعد سهم شركة توتال إنيرجيز كوت ديفوار بنسبة 7.14% ليصل إلى 3000 فرنك أفريقي. وأضاف سهم شركة توزيع الكهرباء سي آي إي كوت ديفوار نسبة 7.36% ليصل إلى 3430 فرنكًا أفريقيًا.أما شركة توزيع الكهرباء سي آي إي كوت ديفوار، فقد ارتفع سهمها بنسبة 7.36% ليصل إلى 3430 فرنكًا إفريقيًا.
ويقول المحللون إن منتجي وموزعي النفط المدرجين في الأسواق الإفريقية يستفيدون عادةً من ارتفاع أسعار النفط الخام وتجدد طلب المستثمرين على الأصول الملموسة خلال الصدمات الجيوسياسية، وقد أظهرت التداولات المبكرة رد فعل نموذجيًا، حيث ارتفعت أسعار النفط الخام بنحو 9%.
وعلى الرغم من مكاسب أسهم الطاقة، ظلّت معنويات السوق العامة حذرة. انخفض مؤشر BRVM المركب بنسبة 0.21% إلى 416.85 نقطة. وتراجع مؤشر BRVM Prestige بنسبة 0.35% إلى 164.25 نقطة. وكان مؤشر BRVM 30 المؤشر الوحيد الذي سجل ارتفاعًا، حيث ارتفع بنسبة 0.08% إلى 194.96 نقطة.
ومن بين الأسهم المتراجعة، انخفض سهم شركة سيرفير كوت ديفوار بنسبة 6.61%، مما يعكس إلغاء الرحلات الجوية على نطاق واسع بعد الإضرابات.
وانخفض سهم شركة يونيليفر كوت ديفوار بنسبة 5.77%، وخسر سهم بنك إفريقيا النيجر 5.50%، وتراجع سهم شركة سي إف إيه أو موتورز كوت ديفوار بنسبة 5.03%.
وبلغ إجمالي حجم التداول 2,255,844 سهمًا بقيمة 1.77 مليار فرنك إفريقي. وشهدت أحجام التداول ارتفاعًا مع تعديل المستثمرين لمراكزهم، وبلغت القيمة السوقية الإجمالية 16,071.82 مليار فرنك إفريقي([15]).
المحور الثالث
صراع متجدد وسيناريوهات محتملة
أولًا: بين حربي 12 يونيو 2025 و28 فبراير 2026
أفرز التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران في 12 يونيو 2025م تداعيات اقتصادية عالمية، لم تكن إفريقيا جنوب الصحراء بمنأى عنها، فقد شهدت أسواق النفط العالمية تقلُّبًا حادًّا؛ حيث ارتفعت العقود الآجِلَة لخام برنت بنسبة 7.02% لتصل إلى 74.23 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير، قبل أن تتراجع قليلًا مع نهاية التداولات.
ويعود هذا الارتفاع بالأساس إلى المخاوف من اتساع رقعة النزاع في منطقة الخليج، خاصةً في ظل التهديد الإيراني بالرد واحتمالية استهداف طرق الملاحة عبر مضيق هرمز.
انعكست هذه التطورات سريعًا على العملات وأسواق المال الإفريقية، فقد سجل الراند الجنوب إفريقي تراجعًا حادًّا بنسبة أكثر من 1.8% مقابل الدولار خلال ساعات التداول التي أعقبت الضربة، كما تراجعت مؤشرات البورصة في جوهانسبرغ، مع انسحاب المستثمرين من الأصول عالية المخاطر نحو أدوات الملاذ الآمِن كالذهب والسندات الأمريكية.
وفي غانا؛ حيث كان التضخم يتراجع بعد أشهُر من ارتفاع أسعار الوقود، أثار الارتفاع في أسعار النفط حالة جديدة من عدم اليقين؛ حيث يُتوقع أن يؤدي إلى زيادة أسعار الوقود بنسبة 5 إلى 7% خلال أسبوعين، ما يُشكّل ضغطًا متزايدًا على بنك غانا وسعر صرف السيدي.
مثل هذا التذبذب الذي أحدثته حرب الـ12 يوم تحديًا كبيرًا للدول الإفريقية التي تعتمد على استيراد الطاقة؛ فكان المتوقع أن ترتفع فاتورة الواردات النفطية، مما يزيد من معدلات التضخم ويضغط على أرصدة الحساب الجاري.
ومع هشاشة بعض الاقتصادات لا سيما في منطقة الساحل وشرق إفريقيا، كان استمرار التصعيد من الممكن أن يؤدي إلى اضطرابات في الميزانيات العامة وزيادة تكاليف الدعم الحكومي للوقود والغذاء، ما يُهدِّد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما تزايدت المخاطر المرتبطة بإمدادات الغذاء والسلع، الناجمة عن النشاط الحوثي المتصاعد، ما يرفع كلفة التأمين والنقل ويؤثر سلبًا على اقتصادات تعتمد على سلاسل إمداد بحرية مثل السودان وإثيوبيا والصومال([16]).
أما في حرب 28 فبراير فقد أعربت العديد من بلدان القارة عن قلقها إزاء التداعيات الاقتصادية التي بدأت تظهر بالفعل جراء التصعيد، وخاصة ارتفاع أسعار الوقود الذي يهدد بتفاقم التضخم، حيث تعكس تلك المخاوف حقائق هيكلية أوسع نطاقًا.
فالعديد من الاقتصادات الإفريقية لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط، إما كمستوردين معرضين لارتفاع الأسعار، أو كمصدرين تعتمد ميزانياتهم الوطنية على تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
كما لا يزال النفط مصدرًا رئيسيًا لعائدات التصدير للعديد من تلك الاقتصادات. وتعتمد دول مثل نيجيريا وأنغولا وليبيا والكونغو والغابون اعتمادًا كبيرًا على عائدات الطاقة لتمويل الإنفاق الحكومي.
ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية تخشى الحكومات الإفريقية من أن تكون التداعيات الاقتصادية المحتملة وخيمة.
بالنسبة للدول المستوردة للنفط، مثل كينيا ورواندا وجنوب إفريقيا وغانا، يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود عادةً إلى ارتفاع أسعار النقل والسلع الأساسية، مما يهدد دخول الأسر الهشة أصلاً.
أما بالنسبة للدول المنتجة للنفط، مثل نيجيريا وأنغولا وليبيا، فقد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة مؤقتة في الإيرادات، ولكن بشرط استقرار الإنتاج، وهو تحدٍّ في ظل تهالك البنية التحتية، ونقص الاستثمار في هذا القطاع([17](.
وبالنظر إلى المخاطر الكلية، ومنحنيات أسعار السلع، والتعرض للأسواق الناشئة، والاستراتيجيات المرتبطة بإفريقيا، فإن التداعيات فورية وغير متكافئة. وقد تفاعل خام برنت بقوة بالفعل كما ذكرنا.
فلا تزال إفريقيا مستوردًا صافيًا للنفط بشكل رئيسي، مما يزيد من تعرضها لارتفاع مستمر في تكاليف الطاقة وأقساط الشحن والتأمين، وبينما قد تستفيد الدول المصدرة الصافية (نيجيريا وأنغولا) من زيادة الإيرادات على المدى القريب، تواجه القارة ككل تضخمًا مستوردًا، وضغوطًا على العملة، وتحديات في النمو.
والخلاصة تشمل قنوات انتقال التأثير الرئيسية ما يلي([18]):
- ارتفاع فواتير الاستيراد وتأثير التضخم – تلبي المنتجات المكررة المستوردة من دول الخليج جزءًا كبيرًا من احتياجات شرق وغرب وجنوب إفريقيا (مثل كينيا وتنزانيا وأوغندا وغانا والسنغال وجنوب إفريقيا). ويؤدي الارتفاع المطول في أسعار الصرف إلى اتساع فجوة الحساب الجاري، ومخاطر انخفاض قيمة العملات (النيجيرية النيجيرية، والراند الجنوب أفريقي، والشلن الكيني)، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء والتصنيع.
- ارتفاع تكاليف الأسمدة والمدخلات الزراعية – تواجه إمدادات النيتروجين من دول الخليج خطر الانقطاع، مما يضغط على الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة، ويزيد من تضخم أسعار الغذاء في أسواق جنوب الصحراء الكبرى الحساسة أصلًا للصدمات العالمية.
- مخاطر التشديد المالي والنقدي: يحد ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك من هامش السياسة المتاح أمام الأنظمة ذات المديونية المرتفعة أو التي تستهدف التضخم، مما قد يؤثر سلبًا على توقعات النمو لعام 2026.
- يرى المصدرون الصافيون ديناميكيات متباينة: فالدعم المالي والاحتياطي قصير الأجل لنيجيريا (وسط الإصلاحات وزيادة الإنتاج) قد يُقابله انخفاض لاحق في الطلب العالمي إذا امتدت الصدمة.
وعلى الجانب الآخر يمثل التحول المحتمل في العلاقات الأمريكية الإيرانية، خاصة بعد هذه الحرب، فرصًا لبعض البلدان، فبينما قد تستفيد دول مثل تنزانيا بشكل كبير من انخفاض أسعار الطاقة، وزيادة التجارة، وفرص الاستثمار، إلا أنه يجب أيضًا مراعاة المخاطر الناجمة عن التوترات الجيوسياسية والمنافسة في السوق.
ويكمن مفتاح نجاح تلك الدول في إدارة سياستها الخارجية بحذر، وضمان استغلال أي فرص تنشأ عن المشهد العالمي المتغير لدعم النمو الاقتصادي للبلاد، مع تقليل المخاطر المرتبطة بتعميق العلاقات مع إيران.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة لتداعيات الحرب على إفريقيا جنوب الصحراء
على الرغم من صعوبة التنبؤ بدقة بالتداعيات المحتملة لتلك الحرب على القارة الإفريقية، والتي تتوقف على التنبؤ بموعد انتهاءها وشكل العلاقة بين المتصارعين بعد الحرب، إلا أنه يمكن وضع السيناريوهات التالية:
السيناريو الأول: استمرار الحرب لأجل غير مسمى
إذا استمرت التوترات، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الطاقة العالمية، وستواجه الدول المستوردة للطاقة أشد التداعيات الاقتصادية.
وقد يتعرض الشرق الأوسط عموماً لزعزعة الاستقرار إذا تفاقم الوضع، مما قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري واضطرابات في تدفقات التجارة والاستثمار.
وينبع احتمال حدوث انكماش اقتصادي أوسع، وارتفاع التضخم، وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي عالمياً من عدم الاستقرار الجيوسياسي المستمر، لا سيما في منطقة حيوية لإنتاج الطاقة.
وفي نهاية المطاف، قد يؤدي استمرار التوتر إلى اضطراب الأسواق العالمية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية بعيدة المدى، خاصة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية وثقة المستثمرين.
وسيتأثر مسار الوضع بشكل كبير بردود فعل القوى العالمية، والعمليات العسكرية، والجهود الدبلوماسية، والتي، ستستغرق وقتاً لتسويتها([19]).
السيناريو الثاني: النجاح العسكري المبكر لواشنطن وإسرائيل
حيث حذرت منه مؤسسة “إس بي إم إنتليجنس” من أن النجاح العسكري المبكر لواشنطن وتل أبيب قد لا يُنهي الصراع.
على المدى القصير، سيحقق التحالف الأمريكي الإسرائيلي مكاسب تكتيكية كبيرة… إلا أن هذه المكاسب ستثبت أنها خادعة استراتيجيًا، إذ تُمكّن المرونة المؤسسية الإيرانية من ردّ غير متكافئ ومستدام.
على المدى المتوسط، سيشهد العالم اضطرابات اقتصادية حادة مع تقلب أسواق النفط، وبروز مضيق هرمز كنقطة ضعف حاسمة لمستوردي الطاقة، بما في ذلك العديد من الدول الإفريقية.
ويحذر مركز أكسفورد للاقتصاد بالمثل من أن “المخاطر المباشرة قصيرة الأجل التي تواجه الدول الإفريقية تقتصر أساسًا على ارتفاع أسعار النفط العالمية وتراجع أسعار صرف العملات.
كما يحذر من أن الأصول المرتبطة بالولايات المتحدة في إفريقيا قد تصبح أهدافًا رمزية، وأن التوترات الدينية قد تتصاعد في المجتمعات متعددة الأديان.
ومن القضايا التي تستدعي المتابعة مستقبل نقل أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس في ظل وجود قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية كما أن هجمات الحوثيين على حلفاء إسرائيل في القرن الإفريقي قد تتصاعد أيضًا”([20]).
السيناريو الثالث: اتساع رقعة الصراع
مع إغلق مضيق هرمز، أو تعطل إنتاج النفط والغاز في منطقة الخليج، مع توقفه بالفعل في ايران، تعمتد بلدان شرق آسيا بما فيه الصين على استيراد النفط من منطقة الخليج، وتعتمد روسيا بشكل ما على نفط إيران، فضلا عن اعتماد أوربا على نفط الخليج، من شأن توقع سلاسل الإمداد للطاقة أن يضر تلك البلدان، فتنخرط بشكل أو بآخر في إنهاء الصراع بالطرق الدبلوماسية، أو أن تكون فاعلة في إنهاءه بشكل أسرع، أو التسبب في اتساعه، وهو ما حدث في يوم الرابع من فبراير، حيث حركت كلا من فرنسا وبريطانيا حاملات طائرات إلى منطقة الشرق الأوسط.
وقد دخل حزب الله الحرب بالفعل واتسعت رقعة الصراع، والتي سوف تتوسع أكثر، مما يضر ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة لو انخرط الحوثيون في الصراع وأغلق مضيق باب المندب.
السيناريو الرابع: سيناريو ما بعد الحرب .. هل إفريقيا بعد فنزويلا وإيران؟
بغض النظر عن التداعيات الاقتصادية السلبية المحتملة، سيكون من الحماقة أن تعتقد الدول الإفريقية أن سيادتها ليست مهددة، وأنها ستنجو من ترامب ونتنياهو.
فبمجرد أن يقتنعان بأنهما هزما إيران وأخضعاها تمامًا، سيحولان أنظارهما إلى الهدف التالي.
إن تلك السياسة والمعروفة بـ”دفويكا”، أشبه بلوحة تاريخية قديمة، فإذا ما أزلنا بعض طبقاتها، نجد أن ما نراه من الماضي لا يختلف عن الحاضر، فهي سياسة استعمارية عدوانية قمعية.
بعد فنزويلا بفترة وجيزة، أشار الرئيس ترامب بوضوح لا لبس فيه إلى أن دولًا أخرى ستُستهدف على غرار مادورو، أي القضاء عليها.
وربما تكون جنوب إفريقيا هي التالية، فقد أشارت إسرائيل بالفعل، عبر مدونة نُشرت في صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 2 يناير 2026، والتي تجاهلتها وسائل الإعلام الإفريقية إلى حد كبير، إلى رغبتها في رؤية إفريقيا أكثر تفتيتًا، بدءًا من جنوب إفريقيا.
ويوجود قاعدة أمريكية في بوتسوانا، من المرجح أن تكون فرص جنوب إفريقيا ضئيلة جدًا في مواجهة أي عدوان أمريكي إسرائيلي مشترك.
فالانقسامات الداخلية فيها عميقة، لا سيما على أسس عرقية، ويُقدّم الانفصاليون البيض، مثل أورانيا وحركة استقلال كيب وبويرفولك في ولاية أورانج الحرة، فرصًا وذريعةً لحركة دفويكا.
وسيكون من الصعب الدفاع عن ساحل البلاد الطويل نسبيًا، وهو موردٌ قيّمٌ ونعمةٌ عظيمة، وقد تندم جنوب إفريقيا على اليوم الذي فكّكت فيه منشآتها النووية وبنيتها التحتية للأسلحة النووية.
أما نيجيريا، التي أضعفها فسادٌ مستشرٍ ونقاشاتٌ مُضلّلةٌ حول تناقضاتها الداخلية، فقد استسلمت بالفعل، دون أن تُطلق رصاصةً واحدةً دفاعًا عن سيادتها أو تُبدي أيّ اعتراضٍ يُذكر.
وقد تكون الصومال وصوماليلاند محطةً عابرةً في الطريق إلى جنوب إفريقيا (فلن تُقدّم تركيا ولا مصر العون للصومال إذا ما نشرت الولايات المتحدة وإسرائيل جزءًا صغيرًا من أسطولهما قبالة سواحل مقديشو لإجبار حسن شيخ محمود وحلفائه في فيلا الصومال على الاعتراف باستقلال صوماليلاند).
يجب أن يكون ردّ إفريقيا بسيطًا: أن تبدأ الآن بالصراخ بأعلى صوتها لحشد الرأي العام الإفريقي، وأن تسعى إلى إقامة تحالفاتٍ ملموسة مع روسيا والصين، وأن تندرج تحت مظلتهما النووية، وفوق كل ذلك، أن تُوحّد وتُدمج وتُشكّل دولًا أكبر.
ولكن قبل كل شيء، فلنُحشد المجتمع الإفريقي، ولنُوقظ وعي الأفارقة من رأس الرجاء الصالح إلى القاهرة، ومن رأس حفون إلى ألميدس (الرأس الأخضر) يجب التعبئة لأن مستقبل القارة وشعوبها ومواردها يعتمد على ذلك، لأنه كذلك بالفعل([21]).
ختامًا:
ربما لا يصلح هنا ما قاله ابن عباد على لسان بلدان الإقليم، “لا ناقة لنا في هذه الحرب ولا جمل”، فعلى الرغم من ضآلة نصيب بلدان إفريقيا في حجم التجارة العالمية، إلا أنها منغمسة فيها، ومتضررة منه في الغالب. وهذا النصيب الضئيل – هو كبير نسبة إلى ناتجها المحلي الإجمالي- فالأضرار التي ستلحق بها غير هينة، وتلامس كافة مناحي الاقتصاد، الذي يعاني أصلا من أزمات. ويجب ألا تستهين بالآثار الاقتصادية والتجارية السلبية المحتملة، الأمر الذي يذكرنا دائما، بضرورة التكامل الإفريقي، وحل مشكلات القارة داخليًا.
……………………………………
[1] ) https://www.bbc.com/pidgin/articles/c0e5r1y43dwo
[2] ) Sheriff Bojang Jnr, Africa picks sides in the US/Israel-Iran war.2/3/2026.at: https://www.theafricareport.com/410557/africa-picks-sides-in-the-us-israel-iran-war/
[3] ) https://www.bbc.com/pidgin/articles/c0e5r1y43dwo
[4] ) Kasirim Nwuke, After Iran, who’s next? Should Africa be worried?.2/3/2026.at: https://newafricanmagazine.com/news-analysis/politics/after-iran-whos-next-should-africa-be-worried/
[5] ) Katja Hamilton, US-Israel attack on Iran: South Africa warned of potential business disruption.2/3/2026.at: https://www.bizcommunity.com/article/us-israel-attack-on-iran-south-africa-warned-of-potential-business-disruption-844143a
[6] ) Ashley Lechman, US Israel conflict with Iran raises inflation risks for South Africa warns KPMG economist.2/3/2026.at: https://businessreport.co.za/economy/2026-03-02-us-israel-conflict-with-iran-raises-inflation-risks-for-south-africa-warns-kpmg-economist/
[7] ) https://www.bbc.com/pidgin/articles/c0e5r1y43dwo
[8] ) https://www.bbc.com/pidgin/articles/c0e5r1y43dwo
[9] ) https://www.bbc.com/pidgin/articles/c0e5r1y43dwo
[10] ) Hilderbrand Shayo, Tanzania: How Us-Iran War Ripple Effects Endanger Tanzania’s Economic Trajectory.at: https://allafrica.com/stories/202603030368.html
[11] ) ميادة شكري المحمودي، انعكاسات الصراع الإيراني الإسرائيلي على الأوضاع المعيشية في إفريقيا، قراءات افريقية،3/3/2026.متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/36572/
[12] ) Ashley Lechman, Op.cit.
[13] ) Hilderbrand Shayo, Op.cit.
[14] ) https://www.reuters.com/world/africa/south-african-rand-sinks-middle-east-conflict-adds-economic-uncertainty-2026-03-02/
[15] ) https://www.ecofinagency.com/news-finances/0303-53408-brvm-us-israel-strikes-on-iran-spark-rally-in-west-african-energy-stocks
[16] ) آية محسب عبد الحميد مصطفى،التصعيد الإيراني–الإسرائيلي: تداعيات جيوسياسية واقتصادية على إفريقيا جنوب الصحراء، قراءات افريقية، 18/6/2025. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/29841/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-2025
[17] (Bouba Jalloh, Africa urges restraint as US-Israel strikes escalate in Iran.2/3/2026.at: https://www.dw.com/en/africa-urges-restraint-as-us-israel-strikes-escalate-tensions-in-iran/a-76185930
[18] (Paul Chinedu, Oil-starved Africa faces inflation, FX squeeze as US-Israel-Iran tensions flare.2/3/2026.at: https://financeinafrica.com/news/u-s-israel-iran-tension-amplifies/
[19] ) Hilderbrand Shayo, Op.cit.
[20] ) Sheriff Bojang Jnr, Op.cit.
[21] ) Kasirim Nwuke, Op.cit.











































