مقدمة:
يُشكّل الصراع المستمر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أحد أكثر النزاعات تعقيداً واستعصاءً في القارة الإفريقية، ليس فقط بسبب تعدد الفاعلين المسلحين المحليين، بل أيضاً بفعل تشابك المصالح الإقليمية وتداخل الحسابات الأمنية لدول الجوار.
فمنذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، تحوّل إقليم كيفو إلى مسرح مفتوح لصراعات متناسلة، تتغذى على هشاشة الدولة المركزية، وتتزاحم فيه الجماعات المسلحة، والاقتصاد غير المشروع المرتبط بالموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق؛ يأتي الدور الإقليمي لدول الجوار بوصفه عاملاً حاسماً في تفسير ديناميات استمرار النزاع، وعلى وجه الخصوص يبرز الدور الرواندي بوصفه عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل موازين القوى في شرق الكونغو، سواءٌ من خلال التدخل المباشر أو عبر دعم الجماعات المتمردة، وعلى رأسها حركة 23 مارس.
لا يهدف هذا المقال إلى إصدار أحكام معيارية بقدر ما يسعى إلى تقديم قراءة تفسيرية متوازنة، من خلال طرح إشكالية مركزية مفادها: إلى أي مدى يمكن فهم التحركات الرواندية في شرق الكونغو باعتبارها استجابةً أمنية مشروعة، أم أنها تعكس مشروع نفوذ إقليمي يتجاوز منطق الدفاع الحدودي؟
ويعتمد المقال مقاربةً تحليلية تستند إلى مفهوم الأمن الإقليمي المركّب[1]، وإلى أدبيات الدولة الهشة، وصراعات الوكالة في إفريقيا.
إطلالة على المشهد الآني للصراع:
تشير التطورات الميدانية الأخيرة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى استمرار حالة السيولة العسكرية رغم المساعي الدبلوماسية لاحتواء التصعيد. فقد تجددت المواجهات بين الجيش الكونغولي ومقاتلي حركة 23 مارس في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو، مع لجوء القوات الحكومية إلى استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف مواقع وقيادات ميدانية للحركة.
وفي المقابل؛ يواصل المتمردون الاحتفاظ بموطئ قدم في مناطق إستراتيجية، الأمر الذي يعكس محدودية قدرة الدولة المركزية في كينشاسا على استعادة السيطرة الكاملة على الشرق المضطرب. وقد تزامن هذا التصعيد مع تحذيرات أممية ومن منظمات حقوقية من تفاقم الوضع الإنساني، في ظل موجات نزوح جديدة وتدهور الخدمات الأساسية.
كما أثارت هذه التطورات قلقاً دولياً متزايداً من احتمال تحول المواجهات إلى صراع إقليمي أوسع، خاصةً في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين كينشاسا وكيغالي بشأن الدعم الخارجي للمتمردين. وتؤكد هذه المعطيات أن الصراع لم يدخل بعدُ مرحلة التسوية المستقرة، بل لا يزال خاضعاً لمنطق التوازنات العسكرية المتقلبة والرهانات الإقليمية المفتوحة.
أولاً: رواندا كـ«شرطي جديد» للمنطقة!:
تحتل رواندا موقعاً مركزياً في مشهد الصراع في منطقة البحيرات العظمى.. فمنذ الإبادة الجماعية عام 1994م، وما أعقبها من تحولات سياسية وأمنية عميقة، عملت كيغالي على بناء دولة مركزية قوية ذات مؤسسة عسكرية وأمنية عالية الانضباط، واستثمرت بكثافة في تحديث جيشها وتوسيع حضوره خارج الحدود عبر عمليات حفظ السلام الأممية، سواءٌ في إفريقيا الوسطى أو موزمبيق أو ضمن بعثات الأمم المتحدة. وقد ارتبطت هذه العملية بصعود القيادة الحالية التي جعلت من الأمن القومي أولويةً مطلقة في السياسة الداخلية والخارجية.
وقد أسهم هذا الحضور الخارجي في تكريس صورة رواندا كفاعل أمني كفء وقادر على التدخل السريع في البيئات الهشة. غير أن هذا الدور لا ينفصل عن سياقها المباشر في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تتهم كينشاسا كيغالي بدعم حركة 23 مارس وغيرها من الفصائل المسلحة، معتبرةً أن استقرارها الداخلي يظل رهيناً بما يجري في شرق الكونغو.
ويتعلق الدور الرواندي في شرق الكونغو، بعاملين أساسيين، يمكن اعتبارهما أهم مرتكزات فهم التحركات الأمنية لكيغالي في المنطقة، وهما:
1- التحول في العقيدة الأمنية الرواندية: تبنت رواندا ما يمكن تسميته بعقيدة «الأمن الوقائي العابر للحدود»، القائمة على منع تشكّل تهديدات خارجية قبل أن تصل إلى أراضيها[2]. بينما يرى منتقدوها أن هذا السلوك يتجاوز منطق الدفاع الوقائي إلى محاولة فرض توازنات ميدانية تخدم مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية.
2- هواجس الجماعات المسلحة الهوتوية: تعتبر كيغالي وجود «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا» FDLR في شرق الكونغو تهديداً دائماً لأمنها القومي، إذ تضم عناصر متهمة بالمشاركة في إبادة 1994م. وبذلك تعلل القيادة الرواندية تدخلاتها باعتبارها عمليات دفاع استباقي.. غير أن هذا المنطق الأمني، هو الآخر، لا يُفهم بمعزل عن مصالح اقتصادية وإستراتيجية أوسع، خصوصاً في ظل غنى شرق الكونغو بالموارد المعدنية.
ثانياً: التمرد في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية:
للصراع في شرق الكونغو جذور تاريخية، تعود إلى حقبة الاستعمار البلجيكي، الذي عمل على تغذية الخلافات بين قوميات التوتسي والهوتو، حيث عززت بلجيكا نفوذ التوتسي. واستمرت تلك الخلافات بعد الاستقلال، خلال تاريخ حافل بالتمردات والحروب الأهلية، والسياسات الفاشلة التي أدت إلى تفاقم الخلافات القبلية إلى أزمة وطنية، على نحو ما أحدثه قانون الجنسية (1981م)، الذي زاد الشرخ الاجتماعي بتحديد الانتماء الإثني شرطاً للمواطنة، وخلقت صراعاً على الأراضي الخصبة.
ثم جاءت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994م لترسم نقطة فاصلة في تاريخ التوتر في شرق الكونغو، حيث أدى تدفق اللاجئين والمسلحين من رواندا إلى شرق الكونغو في تلك الفترة، من بينهم فلول ميليشيات الهوتو المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية في رواندا، إلى عسكرة المنطقة بشكل غير مسبوق. وقد تحولت الأراضي الكونغولية إلى ساحة صراع إقليمي خلال حربي الكونغو الأولى والثانية[3].
وقد وفر هذا التدفق المبرر لكيغالي لاجتياح الكونغو في حربي 1996-1997م و1998-2003م، وفي ظل اتهام رواندا لكينشاسا بتوفير المأوى لمقاتلي القوات الديمقراطية لتحرير رواندا FDLR تدعم كيغالي حركات متمردة كونغولية بهدف الضغط على الحكومة الكونغولية من جهة، وضرب ميليشيات الهوتو المعادية من جهةٍ أخرى[4].
ثالثاً: هشاشة الدولة الكونغولية:
على الرغم من المساحة الشاسعة، والموارد الطبيعية الضخمة، تعاني الدولة الكونغولية من ضعف السيطرة على أطرافها الشرقية، خصوصاً في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو، حيث تتداخل الحدود مع رواندا وأوغندا وبوروندي في بيئة جغرافية وعسكرية معقدة، الأمر الذي جعل المنطقة فضاءً مفتوحاً للجماعات المسلحة، سواءٌ ذات الطابع المحلي أو المدعومة إقليمياً.
وتشير أدبيات «الدولة الهشة» إلى أن ضعف المؤسسات يُسهل تدخّل الفاعلين الخارجيين واستخدام الفصائل المحلية كأدوات نفوذ. وقد أكد روبرت روتبرغ أن نقص القدرة المؤسسية للدولة على فرض سيطرتها يعرّضها لضغوط من قوى داخلية وخارجية تستفيد من الفراغ الأمني والسياسي، ما يقوّض السيادة الوطنية ويؤدي إلى تصعيد النزاع بدلاً من احتوائه[5].
وفي حالة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يظهر هذا المنطق بوضوح؛ فغياب الدولة عن معظم المناطق الشرقية، وانعدام قدراتها في بسط الأمن والتحكم في الموارد الطبيعية، يجعل المنطقة فضاءً مفتوحاً للصراعات الإقليمية والداخلية.
وتُعتبر المعادن الإستراتيجية، مثل الكولتان والذهب والقصدير، أحد عوامل الاستمرار في الصراع، إذ تستخدم الجماعات المسلحة المحلية والداعمة إقليمياً هذه الموارد كأدوات تمويل للحرب، بينما تظل الدولة عاجزةً عن فرض نظام حكومي مركزي[6].
تشير دراسةٌ حديثة إلى أن ضعف الدولة الكونغولية في شرق البلاد يسمح للمتمردين المدعومين من رواندا وأوغندا بالسيطرة على سلاسل الإمداد الإستراتيجية، والممتدة من المناجم في كيفو الشمالية والجنوبية إلى حدود هذه الدول، مستغلين عائدات الذهب والماس والكولتان لتمويل عملياتهم العسكرية، بما في ذلك شراء الأسلحة، وتجنيد العمال والحرفيين، وشراء ولاءات موظفي الجمارك والحدود[7]. وتشير الدراسة نفسها إلى أنه رغم إنكار رواندا وأوغندا وبوروندي أيّ تورط مباشر في نهب الموارد الكونغولية؛ تُظهر الحقائق الاقتصادية أن هذه الدول تستفيد جزئياً من التنافس على المعادن، ما يُعمّق الصراعات الإقليمية، ويجعل الحروب بالوكالة بين الأذرع المسلحة لدول الجوار مُهدِّدةً بتصعيد مستمر[8].
رابعاً: الدور الرواندي في دعم حركة إم 23:
سلطت عودة نشاط حركة 23 مارس إلى واجهة الأحداث الضوء على طبيعة الدور الرواندي وحدوده. فالتقدم العسكري الذي أحرزته الحركة في إقليم شمال كيفو، واقترابها من مراكز حضرية إستراتيجية، لم يُقرأ فقط بوصفه تطوراً ميدانياً، بل باعتباره مؤشراً على اختلال في توازن القوى الإقليمي، وعلى إمكانية تشكّل معادلة أمنية جديدة في منطقة البحيرات العظمى. وهنا تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية، ويتداخل المحلي بالإقليمي بصورة تجعل من الصعب الفصل بين الدوافع الدفاعية والطموحات الإستراتيجية.
1- نشأة حركة 23 مارس:
تأسست حركة 23 مارس، المعروفة اختصاراً بـ M23، عام 2012م إثر انشقاق عناصر من الجيش الكونغولي بدعوى عدم تنفيذ اتفاق 23 مارس 2009م، واكتسبت اسمها من تاريخ الاتفاق.
وتُوصَف الحركة بأنها الجناح المسلح لإثنية التوتسي، وقد تمركزت في إقليم شمال كيفو، واستطاعت، لفترة وجيزة، السيطرة على مدينة غوما. وبعد أشهر من السيطرة على مناطق واسعة من إقليم كيفو الشمالية شرق الكونغو، تعرّضت هذه الحركة لهزائم ساحقة عام 2013م، بعد حملة مشتركة للجيش الكونغولي وقوة تدخل تابعة للأمم المتحدة FIB ضمن بعثة MONUSCO.
ثم عادت الحركة للظهور بقوة في سنوات 2021 و2022 و2023م، وخاضت معارك ضارية ضد الجيش الكونغولي طيلة عام 2024م، وارتفعت وتيرتها في ديسمبر، وتطورت الأحداث بسيطرتها، في وقتٍ سابق، على بلدة مينوفا التي تُعدّ خط إمداد رئيسياً للقوات الحكومية، ثم واصلت التقدم باتجاه بلدة ساكي التي تبعد قرابة 20 كيلومترًا عن العاصمة الإقليمية غوما، وسيطرت عليها، حسب تأكيد بعثة الأمم المتحدة[9]. وخلال شهر يناير 2025م، تمكنت الحركة من دخول مدينة غوما، العاصمة الإقليمية لشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، للمرة الثانية، وعززت سيطرتها عليها التي استمرت حتى اليوم.
ورغم ارتباط الحركة في جانب من قاعدتها الاجتماعية ببعض مكونات التوتسي الكونغوليين (خاصةً بانيامولينج)، ما يجعل النزاع متداخلاً مع اعتبارات الهوية والمواطنة والتمثيل في شرق البلاد. إلّا أنها تطرح نفسها رسمياً كحركة سياسية-عسكرية تسعى لإصلاحات أوسع في الدولة.
2- حقيقة الدعم الرواندي:
تتهم كينشاسا كيغالي بتقديم الدعم الأساسي لحركة 23 مارس، وتساندها في هذا الاتهام دول أوروبية، بالإضافة إلى تقارير الأمم المتحدة التي أكدت ضلوع رواندا في النزاع بشرق الكونغو الديمقراطية إلى جانب الحركة المتمردة.
وأشارت عدة تقارير لخبراء الأمم المتحدة إلى وجود دعم عسكري ولوجستي من رواندا للحركة، شمل تدريباً وتسليحاً ومساندةً استخباراتية[10]. كما تحدثت تقارير دولية عن عبور مقاتلين روانديين الحدود وتوفير إسناد ميداني مباشر للحركة. وفي هذا السياق؛ وصفت الأمم المتحدة ومجلس الأمن مراراً وتكراراً ميليشيا حركة 23 مارس، ذات الأغلبية التوتسية، بأنها مدعومة من رواندا، وهو ادعاء نفته كيغالي مراراً وتكراراً[11].
في المقابل؛ تنفي كيغالي هذه الاتهامات، وتؤكد أن ما يحدث شأن داخلي كونغولي مرتبط بفشل كينشاسا في معالجة قضايا التهميش والاندماج العسكري.
3- صراعات الوكالة:
يمكن قراءة العلاقة بين رواندا والحركة في إطار «صراعات الوكالة» Proxy Wars، حيث تستخدم الدولة الداعمة فاعلاً غير حكومي لتحقيق أهداف أمنية أو سياسية دون انخراط مباشر[12]. وفي هذه الحالة؛ توفّر الحركة لرواندا عمقاً أمنياً ونفوذاً ميدانياً داخل الأراضي الكونغولية.
في صراعات الوكالة غالباً ما تحافظ الدولة الداعمة على هامش إنكار Plausible Deniability، وفي الحالة الرواندية تتكرر الاتهامات الموجهة إلى كيغالي بدعم الحركة، مقابل نفي رسمي متكرر، ما يشير إلى انسجامها مع هذا النمط الذي يتيح لها التأثير دون تحمّل كلفة سياسية أو قانونية مباشرة.
ويمكن ملاحظة عدَّة دوافع لرواندا للانخراط في صراع الوكالة بشرق الكونغو، يمكن إجمالها في الآتي:
– دافع أمني: يتعلق باحتواء تهديدات تعتبرها رواندا وجودية أو مزمنة عبر إضعاف خصومها داخل الكونغو.
– دافع نفوذ إقليمي: ترمي رواندا من خلاله للحفاظ على وزن سياسي وأمني في إقليم البحيرات العظمى عبر التأثير في موازين القوى المحلية.
– دافع اقتصادي: يرتبط، بشكل غير مباشر، بسلاسل توريد الموارد الإستراتيجية، مما يعزّز النفوذ ويخلق أدوات ضغط في يد رواندا.
خامساً: تداعيات التدخل الرواندي:
1- التوسع الميداني: ونعني به ما شهدته السنوات الأخيرة من عودة قوية لحركة إم 23، وسيطرتها على مناطق إستراتيجية في شمال كيفو، بما فيها غوما العاصمة الإقليمية لشرق الكونغو، ما أعاد خلط الأوراق العسكرية والسياسية في المنطقة.
2- التداعيات الإنسانية: حيث أدى تقدّم المتمردين إلى موجات نزوح واسعة، وفاقم هشاشة الأوضاع الإنسانية في شرق الكونغو، حيث يعاني ملايين المدنيين من انعدام الأمن الغذائي وغياب الخدمات الأساسية.
3- التأثير الإقليمي والدولي: تسبب التصعيد في توتر العلاقات الدبلوماسية بين كينشاسا وكيغالي، كما دفع منظمات إقليمية، مثل مجموعة شرق إفريقيا والاتحاد الإفريقي، إلى محاولة الوساطة. غير أن تباين مواقف الدول الأعضاء يعكس تعقيد التوازنات في منطقة البحيرات العظمى. أما في الإطار الدولي؛ فإن رواندا أصبحت مدانة، وفقاً لتقارير دولية، بالتورط في انتهاك سيادة دولة مجاورة، بجانب ما ينجم عن انخراطها في الصراع، من تحمّل جزء من المسؤولية عن الانتهاكات التي وقعت بحق المدنيين. وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات عليها وعلى حركة إم 23، فضلاً عن عقوبات فرضتها عدة دول أوروبية منفردة.
سادساً: قراءة تحليلية:
يتجاوز الدور الرواندي في شرق الكونغو، وفقاً لما تظهره التقارير، مجرد هاجس أمني ضيق، أو قضايا أمن حدودي، إلى شكل من أشكال التدخل غير المباشر في شؤون دولة مجاورة، عبر دعم فصيل مسلّح ذي قدرة على تهديد استقرارها.
فبينما لا يمكن إنكار مخاوف كيغالي من تهديدات مسلحة عابرة للحدود، تشير المؤشرات إلى سعيها أيضاً لترسيخ موقعها كفاعل أمني محوري في المنطقة.
يطرح ذلك سؤالاً أعمق حول حدود السيادة في السياقات الإفريقية الهشة: هل تتحول الدولة القوية نسبياً إلى ضامن للاستقرار، أو إلى فاعل يُعيد إنتاج عدم الاستقرار بما يخدم مصالحه الإستراتيجية؟
إن استمرارية هذه الانتهاكات رغم وجود بعثة الأمم المتحدة للتدخل في الكونغو MONUSCO تُظهر تحديات كبيرة في قدرة المجتمع الدولي على فرض احترام سيادة الدولة والحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس ضعف آليات التنفيذ والمساءلة في بيئات هشة.
إن حالة الصراع في شرق الكونغو، وما صاحبها من تدخلات، تؤكد أن أي تسوية سلمية يتم التوصل إليها لا يكفي فيها الاقتصار على وقف إطلاق النار فحسب، بل يجب أن تشتمل على التزامات واضحة من الدول المجاورة بعدم تسليح أو دعم أي فصائل مسلّحة، بجانب وجود آلية فعّالة ودقيقة لمراقبة حدود الدول المعنية بالنزاع.
الخاتمة:
تكشف دراسة الدور الرواندي في الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية عن تداخل معقد بين مقتضيات الأمن القومي المشروع، كما تُعرِّفه كيغالي، والرغبة في تمدد النفوذ الإقليمي وإدارة التوازنات في إقليم البحيرات العظمى. فبينما تستند كيغالي إلى سردية الدفاع الوقائي؛ توحي المعطيات الميدانية بأن تدخلها- المباشر أو غير المباشر- يُسهم في إعادة إنتاج ديناميات العنف، وإدامة أمد الصراع بدلاً من احتوائه.
وتؤكد هذه الحيثيات أن فلسفة الأمن القومي لدولة من الدول، حين يُترجم إلى سياسات ميدانية تتعلق بدولة مجاورة، قد يتحول من أداة ردع وحماية، إلى وسيلة ذرائعية لتحقيق مصالح مرتبطة بالنفوذ السياسي والاقتصادي، بل يتحول إلى عامل من عوامل تغذية الصراع، خصوصاً في البيئات التي تعاني أصلاً من الهشاشة وضعف بنية الدولة وتنازع الشرعيات المحلية.
ومن ثَمّ؛ يبقى مستقبل النزاعات، في كثير من الدول الإفريقية، مرهوناً بقدرة الأطراف والمؤسسات الإقليمية، كالاتحاد الإفريقي، على بناء آلية أمن جماعي حقيقية، تعالج جذور الأزمة بدلاً من إدارتها عبر توازنات عسكرية مؤقتة.
——————————–
الهوامش والمراجع:
[1] Buzan, Barry, and Ole Wæver. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
[2] Reyntjens, Filip. Political Governance in Post-Genocide Rwanda. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.
[3] Prunier, Gérard. Africa’s World War: Congo, the Rwandan Genocide, and the Making of a Continental Catastrophe. Oxford: Oxford University Press, 2009.
[4] عبد القادر، محمد علي. “الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية: الديناميات المحلية والأبعاد الإقليمية”. مركز الجزيرة للدراسات، 2023. https://studies.aljazeera.net/ar/article/5547
[5] Rotberg, Robert I., ed. When States Fail: Causes and Consequences. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004.
[6] See again: (Prunier, 2009).
[7] ACSS (Africa Center for Strategic Studies). “Rwanda and the DRC at Risk of War as New M23 Rebellion Emerges: An Explainer.” June 29, 2022. Accessed January 30, 2023. https://cutt.us/DxsYV
[8] The same source: (ACSS, 2022).
[9] العربية. نت، ماذا نعرف عن حركة “إم 23” التي قلبت الموازين بالكونغو الديمقراطية، يناير 2025، على الرابط:
https://www.alarabiya.net/arab-and-world/2025/01/29/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%85-23-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%82%D9%84%D8%A8%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86%D8%BA%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9
[10] United Nations Group of Experts on the Democratic Republic of the Congo. Reports on the Democratic Republic of the Congo. 2012; 2023.
[11] الأمم المتحدة، جمهورية الكونغو الديمقراطية: مخاوف من اندلاع حرب إقليمية مع تعثر جهود السلام، 12 ديسمبر 2025، https://news.un.org/ar/story/2025/12/1143884
[12] Salehyan, Idean. “The Delegation of War to Rebel Organizations.” Journal of Conflict Resolution 54, No.3 (2010).











































