مقدمة:
شهدت الصحافة والإعلام في دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال فبراير 2026م حالة من الاستنفار التحليلي تجاه التفاعلات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث رصدت التقارير العبرية تشابكًا معقدًا بين التحركات الدبلوماسية الإسرائيلية وردود الفعل الإقليمية الحادة، فقد ركزت عدة مقالات على التداعيات المستمرة للاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، وما تلاه من مزاعم حول إغلاق مقديشو مجالها الجوي أمام الطيران الإسرائيلي مدعومة بموقف تركي صلب، تجسَّد في إرسال مقاتلات F-16إلى القاعدة العسكرية في الصومال، وهو ما اعتبره المحللون الإسرائيليون محاولة لتضييق الخناق الجوي والسياسي على تل أبيب.
وبالتوازي مع هذا التوتر البحري والجوي؛ انصبّت اهتمامات الإعلام العبري على الجبهة الإثيوبية؛ حيث حذّرت وزارة الخارجية الإسرائيليين من خطر اندلاع حرب شاملة في إقليم تيغراي، وسط مخاوف من انهيار اتفاقات السلام الهشَّة وتأثير ذلك على المصالح الإسرائيلية في العمق الإفريقي.
ولم تكتمل صورة القلق الإسرائيلي إلا برصد التحرك العسكري المصري المتمثل في إرسال آلاف الجنود إلى الصومال، وهو ما قرأته صحيفة “معاريف” وغيرها كرسالة إستراتيجية تهدف إلى تغيير موازين القوى ومواجهة النفوذ الإسرائيلي والإثيوبي على حدٍّ سواء، مما يضع المنطقة برُمّتها، وفق الرؤية العبري، على شفا أزمة عالمية كبرى تتداخل فيها طموحات القوى الإقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية في صراع محموم للسيطرة على هذا الممر الإستراتيجي الحيوي.
وتستعرض هذه الورقة 3 مقالات لكُتّاب دولة الاحتلال الإسرائيلي ركزت في مجملها على منطقة القرن الإفريقي وتجاذباتها كالتالي:
في المقال الأول بموقع غلوبس العبري، للكاتبين دين شموئيل إلماس وستاف ليفني، والمنشور بتاريخ 3 فبراير 2026م، ثمة تركيز على مزاعم حكومة الاحتلال بشأن قرار رسمي صادر عن مقديشيو يقضي بغَلْق المجال الجوي الصومالي أمام الطيران الإسرائيلي؛ كرد فِعْل غير مُعْلَن على التقارب الإسرائيلي مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي. وفي المقال إشارات إلى دعم تركيا لموقف حكومة مقديشيو، حتى من النواحي العسكرية، ويرصد المقال أيضًا تداعيات خطيرة للقرار الصومالي “المفترض” بمنع الطائرات المدنية الإسرائيلية من استخدام المجال الجوي، في وقتٍ تُواصل فيه سلطنة عمان حظر مرور الطائرات الإسرائيلية منذ حرب غزة، وهو ما يُضيّق الخناق على شركات الطيران التي تحمل جنسية دولة الاحتلال.
في المقال الثاني بموقع قناة أخبار 12، للكاتب دانئيل أرازي، والمنشور بتاريخ 5 فبراير 2026م، ثمة تركيز على إقليم تيغراي الذي يُواجه خطر العودة إلى الصراع الشامل؛ مما دفَع وزارة الخارجية بدولة الاحتلال الإسرائيلي لإصدار تحذير رسمي من السفر لإثيوبيا نتيجة تجدد الاشتباكات المسلحة وقطع الخدمات الأساسية. ويستعرض الكاتب الجذور التاريخية والسياسية المعقدة للإقليم، موضحًا أن اتفاق السلام الهشّ المُوقَّع عام 2022 لم يحلّ النزاعات الجوهرية.
في المقال الثالث في صحيفة معاريف، والمنشور بتاريخ 11 فبراير 2026م، يُسلّط الكاتب إيلي لاؤون الضوء على تحرُّك مصر لإرسال آلاف الجنود إلى القرن الإفريقي دعمًا للصومال، في ظل تنافس إقليمي يشمل تركيا والسعودية للسيطرة على هذه المنطقة الإستراتيجية ومواجهة النفوذ الإسرائيلي، ويرى أن هذا الانتشار العسكري يمثل رسالة حازمة لإثيوبيا وتغييرًا جذريًّا في موازين القوى، وسط مخاوف جدية من أن يؤدي الاحتكاك المتزايد بين القوى المختلفة بمنطقة القرن الإفريقي إلى نزاع عسكري مباشر أو أزمة عالمية بدلًا من تحقيق الاستقرار المنشود.
تركيا ترسل مقاتلات F-16 والصومال يغلق المجال الجوي: احتدام الصراع بالقرن الإفريقي([1])
استهل الكاتبان الإسرائيليان دين شموئيل إلماس وستاف ليفني مقالهما المشترك بموقع غلوبس بالإشارة إلى ما وصفاها بـ”الزيارة التاريخية” التي أجراها وزير الخارجية جدعون ساعر إلى هرجيسا عاصمة أرض الصومال، وكيف قررت مقديشيو بعدها بقرابة الشهر تعليق موافقتها الدورية لشركة الطيران الإسرائيلية “أركياع” التي نقلت الوزير، للمرور عبر مجالها الجوي. وتابَعَا أنه “رغم أن مقديشو لم تُبرِّر القرار رسميًّا، إلا أن كل الدلائل تُشير إلى أن الأمر يتعلق بتصفية حسابات ضد إسرائيل”؛ على حد قولهما.
المقال المشترك أوضح أن وزارة الطيران الصومالية نَفَت هذا الأمر بشكل مفاجئ، ووصف مسؤولوها في حديث مع شبكة BBC، الادعاءات حول حظر مرور الطائرات الإسرائيلية (المدنية) بأنها “كذبة”، وادعت أن هذه المنشورات من شأنها أن تَضُرّ بصورة الطيران المدني في البلاد.
محور أنقرة –مقديشو:
ووفق الكاتبين، ويبدو أنهما لم يقتنعا بنفي مقديشيو، فقد ذهبا إلى أن ثمة علامة أخرى على الدافع المحتمل وراء قرار وزارة الطيران الصومالية “الغريب”، وهي حقيقة أن شركة “أركياع” تُعدّ الشركة الثانية خلال شهر تقريبًا التي تُواجه إجراءً مشابهًا. ففي أوائل يناير 2026م، فتحت السلطات في الصومال تحقيقًا بسبب استخدام غير مُنسّق للمجال الجوي، بغرض تهريب زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، عيدروس الزبيدي، على خلفية التصعيد في البلاد.
وصرّحت وكالة الهجرة والجنسية الصومالية حينها بأن البلاد تدعم دعوة المملكة العربية السعودية للحوار لحل الوضع في اليمن، وهو موقف يتماشى مع الدعم السعودي لحركة “الإصلاح”، التي هاجمت المجلس الانتقالي الجنوبي. وبعد نحو أسبوع، ورد أن الصومال حظرت مرور الطائرات العسكرية، وطائرات الشحن، أو الطائرات التابعة لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، راعية الزبيدي، بما في ذلك الطائرات المستأجرة مِن قِبَلها، وكل هذا الحديث عن لسان الكاتبين الإسرائيليين.
وبحسب المقال؛ فإن الدافع وراء التركيز على طائرات نظام محمد بن زايد، مع تجنُّب الإضرار بشركات الطيران التجارية مثل “فلاي دبي”، يكمن في التدخل العميق لأبو ظبي في القارة الإفريقية؛ إذ تساعد الإمارات متمردي قوات الدعم السريع (RSF) في السودان، وتتدخل فيما يحدث في ليبيا، ولكن بالنسبة للصومال، فإن القضية الأكثر أهمية، وتتعلق بموطئ القدم الإماراتي في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند). وتُعتبر أبو ظبي واحدة من أهم اللاعبين الدوليين في الإقليم الانفصالي، وذلك حتى قبل أن تفكر إسرائيل في أن تصبح أول دولة تعترف رسميًّا باستقلال هرجيسا.
موقع إستراتيجي وأزمة متأصلة:
ولم يُغفل الكاتبان الإشارة إلى أن إقليم أرض الصومال يقع في موقع إستراتيجي في القرن الإفريقي، جنوب مضيق باب المندب، ويُعدّ بوابة الدخول إلى البحر الأحمر الذي أصبح نقطة توتُّر بسبب هجمات الحوثيين، وقالا: إن أهمية هذا المسار حاسمة، ففي الأيام العادية، يَمُرّ عبره حوالي 12% من التجارة البحرية العالمية.
ويشير الكاتبان إلى أن جذور أرض الصومال تعود إلى المستعمرة البريطانية التي اتحدت عام 1960م مع الصومال الإيطالي لتأسيس الصومال المُوحَّد، ولكن مع انهيار النظام في مقديشو عام 1991م، أعلن إقليم أرض الصومال انفصاله. وعلى مدار ثلاثة عقود، حاول كبار مسؤولي الإقليم الفوز باعتراف دولي لسكانه البالغ عددهم حوالي 6 ملايين نسمة، وعلى هذه الخلفية قُوبِلَ إعلان الاعتراف الإسرائيلي باحتفالات ضخمة. وسارعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تأمين موطئ قدم مُهِمّ لها في المنطقة؛ ففي عام 2019، فازت شركة الموانئ العملاقة DP World (موانئ دبي العالمية) بعقد مدته 30 عامًا لتشغيل ميناء بربرة الإستراتيجي.
ونَوَّه الكاتبان الإسرائيليان إلى أن الحكومة في هرجيسا لا تمتلك القدرة على فرض السيطرة على ما يحدث في المجال الجوي، ولكن في نوفمبر الماضي أعلنت أرض الصومال أن تأشيرات الدخول التي يجري الحصول عليها في الصومال غير صالحة في أراضيها. وكجزء من القرار، يُطلب من الزوار الحصول على تصريح دخول في أحد المطارين الدوليين في أرض الصومال، أو في مفوضياتها الدبلوماسية في دول مثل: كينيا وإثيوبيا والولايات المتحدة.
ومضيا قائلين: إنه بالتوازي مع التوترات الجوية، نشرت تركيا يوم الأربعاء الماضي (مراعاة تاريخ النشر) ثلاث مقاتلات من طراز F-16 في الأراضي الصومالية. ووفقًا لتقرير في موقع (Middle East Eye)، تهدف المقاتلات إلى تأمين القاعدة العسكرية التركية في البلاد، وهي أكبر قاعدة لأنقرة خارج حدودها، وكذلك دعم خططها للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقتصادية للصومال خلال العام، بالإضافة إلى توجيه رسالة لإسرائيل.
ولفت الكاتبان إلى أنه في توقيتٍ لا يبدو عشوائيًّا على الإطلاق، أصدرت الحكومة التركية بيانًا رسميًّا لدعم مقديشو، من دون إشارة مباشرة إلى إسرائيل، وصرَّحت بأن “دعم تركيا للسيادة الإقليمية للصومال لا جدال فيه”. كما ورد به أن تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب الصومالي في نضاله ضد المنظمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة “الشباب”.
الشرق الأقصى يبتعد:
ويوضح الكاتبان أن شركة “أركياع” ليست وحدها التي تواجه احتمال مطالبتها بتحويل طائراتها المدنية إلى مسارات بديلة، بل إن شركة “إل-عال” أيضًا قد تواجه حاجزًا مماثلًا مع انتهاء صلاحية تصاريح المرور الحالية الخاصة بها في نهاية شهر مارس 2026م، في وقتٍ يُعدّ المرور في المجال الجوي الصومالي مسارًا حيويًّا لشركات الطيران الإسرائيلية في طريقها إلى الشرق الأقصى؛ إذ تمتلك تلك الشركات حاليًّا ثلاثة مسارات لهذه الرحلات:
الأول: هو المسار النشط عبر البحر الأحمر والصومال.
الثاني: هو المسار الذي كانت تستخدمه الشركات قبل الحرب، والذي يمر عبر المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
الثالث: هو “المسار الشمالي”، والذي يُستخدم حاليًّا للرحلات الجوية إلى فيتنام، ويمر فوق تركيا وآسيا الوسطى قبل الاتجاه جنوبًا إلى وجهات الشرق.
ويمر أقصر المسارات وأكثرها كفاءة للرحلات الجوية إلى الشرق فوق عُمان، ولكنه غير متاح للطائرات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب (حرب غزة)، ولا يبدو أنه سيُعاد فتحه في المستقبل المنظور، وبالتالي فإن حظر المجال الجوي الصومالي يترك “المسار الشمالي” كخيار رئيسي. هذا المسار يطيل وقت الرحلة من تايلاند إلى إسرائيل بحوالي ساعة ويزيد من تكاليف الوقود، على الرغم من أن شركة “أركياع” تدّعي أن أسعار التذاكر لن تتأثر بهذه الخطوة.
حرية الطيران والأضرار:
المقال يشرح أنه من الناحية القانونية، فإن الصومال عضو في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) وموقعة على اتفاقية شيكاغو (1944)، التي تشكل البنية التحتية لنظام الطيران المدني العالمي. وتُرسخ الاتفاقية مبدأ “حريات الجو”، وعلى رأسها مبدأ الحرية الأولى: حق أيّ طائرة مدنية من دولة ما في المرور عبر المجال الجوي لدولة أخرى دون الهبوط.
ومِن ثَم فإن رفض السماح بمرور الطائرات الإسرائيلية في المجال الجوي الصومالي، بناءً على الهوية الوطنية لشركة الطيران، يتعارض مع مبادئ اتفاقية شيكاغو وحرية الطيران الأولى الراسخة فيها، والتي تُلزم بتطبيق متساوٍ وبدون تمييز لقواعد الطيران المدني الدولي، ولا تسمح بسلب حقوق المرور على أساس الجنسية فقط.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يقول الكاتبان: إنه بإمكان إسرائيل التوجه رسميًّا إلى منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، وإثارة القضية ضمن آلية تسوية النازعات الخاصة بالمنظمة، وأن مثل هذه الخطوة تحمل أهمية مهنية، لكنها لا تُصاحب بصلاحيات إنفاذ مباشرة. وفي الوقت نفسه، قد تتحرك إسرائيل على الساحة السياسية مع الدول ذات التأثير الإقليمي في محاولة لممارسة ضغط غير مباشر على مقديشو. وذهبا إلى أنه من النواحي العملية، تُعدّ الاتصالات السياسية قناة العمل الأكثر فعالية.
وزارة المواصلات بحكومة الاحتلال الإسرائيلي ردَّت على توجه مقديشيو المزعوم بقولها: “توجهت شركة أركياع إلى هيئة الطيران المدني ووزارة المواصلات بهذا الشأن، وتعمل الوزارة مع الجهات ذات الصلة لمحاولة مساعدة الشركة بالوسائل المتاحة لها”.
هل ستنتقل الوجهات إلى الولايات المتحدة؟
ويختم الكاتبان بالقول: إنه في الأشهر الأخيرة، تطلعت شركات الطيران الإسرائيلية إلى توسيع خطوطها لتشمل وجهات طويلة المدى، ومثلًا استأجرت شركة “أركياع” طائرات لرحلات إلى نيويورك، وبانكوك، وهانوي، وأعلنت شركة “يسرائير” للطيران عن نيتها التوسع في سوق الوجهات طويلة المدى.
وأوضحا أنه طالما أن الصومال تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية المدنية، ويرفض العمانيون فتح المجال الجوي، فإن الوجهات مثل تايلاند والفلبين التي بدأت شركة “يسرائير” أيضًا في التطلع إليها قد تُواجه صعوبة من شأنها إطالة مسار الرحلة. في مثل هذه الحالة، قد يتم توجيه تلك الطائرات إلى مناطق طلب أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
الخطر في تيغراي: وزارة الخارجية تُحذّر الإسرائيليين: شمال إثيوبيا دخل الحرب([2])
استهل الكاتب الإسرائيلي دانئيل أرازي مقالته بموقع قناة الأخبار 12 العبرية، بتاريخ 5 فبراير 2026م بالإشارة إلى أنه على خلفية تصاعد التوترات في شمال إثيوبيا، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية تحذيرًا رسميًّا للمواطنين، دعت خلاله إلى تجنُّب الرحلات غير الضرورية إلى منطقة تيغراي، في أعقاب تقارير عن اشتباكات مسلحة، وإغلاق للطرق، وانقطاعات مستمرة في التيار الكهربائي.
ويذكر الكاتب أن هذه التطورات تأتي بعد فترة من السلام الهشّ في المنطقة، والذي تمحور حول اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في عام 2022م، إلا أن تنفيذه ظل جزئيًّا، مشيرًا إلى أن التحذير يأتي على خلفية مخاوف من أن تؤدي هذه التوترات إلى تجدُّد اشتعال الصراع الذي أدْمَى المنطقة في الأعوام (2020 -2022م)، وترك مئات آلاف السكان في مناطق مُحاصَرة وهجرة قسرية.
جغرافيا وتاريخ ومكانة فريدة:
ويوضح أرازي أن إقليم تيغراي (Tigray)، المنطقة الواقعة في أقصى شمال إثيوبيا، يحتل مكانة فريدة وذات أهمية جغرافية وتاريخية ورمزية عميقة في القرن الإفريقي، ويصف المنطقة، التي لا تطل على البحر، بأنها محاطة بإريتريا والسودان ومقاطعتي أمهرة وعفر الإثيوبيتين، وتتميز بسلاسل جبلية دراماتيكية، وهضاب جرانيتية، وأنهار تشقّ وديانًا سحيقة، لافتًا إلى أن هذه التضاريس القاسية لم تُشكّل فقط أنماط الاستيطان والزراعة، بل شكَّلت أيضًا ثقافة سياسية من الصمود والاستقلال وتقاليد طويلة من مقاومة الحكم الخارجي.
ويسترسل الكاتب الإسرائيلي في وصف جغرافيا الإقليم؛ حيث المنحدرات الجبلية التي زُرعت بنظام المدرجات لآلاف السنين بأنها تشهد على صراع مستمر من أجل البقاء وعلى قدرة بشرية استثنائية على التكيُّف مع ظروف قاسية لكنّها رائعة الجمال، وكيف أن الموقع الجغرافي الإستراتيجي لتيغراي جعل منها عبر التاريخ بوابة بين إفريقيا والبحر الأحمر والشرق الأوسط، وساهم في أهميتها الجيوسياسية المستمرة.
وبحسب الكاتب ينظر الكثيرون إلى تيغراي كمهد للحضارة الإثيوبية؛ حيث يمتد تاريخ الإقليم لنحو ثلاثة آلاف عام، بدءًا من مملكة “دعمت”، وصولًا إلى إمبراطورية “أكسوم”، إحدى القوى العظمى في العالم القديم، ويذكر أنه بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن السابع الميلادي، كانت “أكسوم” مُنافِسَة لروما وفارس، وصكت عملتها الخاصة، وطوَّرت خطًّا مستقلًا، وسيطرت على طرق التجارة التي ربطت بين البحر المتوسط والهند، مشيرًا إلى أن تبني المسيحية كدين بدأ منذ القرن الرابع، مما جعل إثيوبيا واحدة من أقدم الدول المسيحية في العالم.
وبالتوازي مع ذلك، يرى الكاتب أن للمنطقة أهمية حاسمة أيضًا بالنسبة للإسلام؛ ففي القرن السابع منحت مملكة “أكسوم” ملاذًا لأتباع النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) الأوائل ضمن الهجرة الأولى، وفي أرض تيغراي يوجد مسجد النجاشي، أقدم مسجد في إفريقيا. وقال: إن هذا الموروث الديني المزدوج يستمر في تشكيل هوية سكان تيغراي، التي تتميز بروحانية عميقة، ووعي تاريخي قوي، وتقاليد طويلة من التعلم والكتابة.
ويذكر الكاتب أن الغالبية العظمى من سكان تيغراي هم من أبناء شعب التيغراي، الذين يتحدثون اللغة التيغرينية، ويتشاركون هوية جماعية متماسكة بُنيت من تاريخ مشترك من النضال والبقاء. وإلى جانبهم تعيش أقليات، من بينهم أبناء “إيروب” و”كوناما”، الذين يساهمون في التنوع الإقليمي.
وبحسب أرازي، فقد قدّمت تيغراي على مدار مئات السنين أباطرة وقادة عسكريين ولاهوتيين ومثقفين باشروا دورًا مركزيًّا في التاريخ الإثيوبي. ومع ذلك، يُلاحظ الكاتب أنه رغم مكانتها التأسيسية، انتقل مركز القوة السياسية تدريجيًّا نحو الجنوب بدءًا من القرن التاسع عشر، ووجدت تيغراي نفسها بشكل متزايد على هامش الدولة الإثيوبية، وهي العملية التي كان من شأنها أن تؤثر بعمق على التطورات الحديثة.
من الاغتراب الإمبراطوري إلى الثورة والقوة السياسية:
يوضح دانيال أرازي أن السياسة الحديثة لتيغراي نمت عبر تاريخ طويل من المقاومة للحكم المركزي ومن الإقصاء الاقتصادي والسياسي؛ فبعد وفاة الإمبراطور يوهانس الرابع في عام 1889م وصعود منليك الثاني، ابتعد مركز الحكم عن تيغراي، وشهدت المنطقة سياسة مستمرة من الغبن تحت ظلال حكومات إمبراطورية مختلفة، ويرى أن ذروة هذه العملية كانت في “تمرد الوياني” عام 1943م، وهو انتفاضة شعبية ضد الإمبراطور هيلي سلاسي، قُمِعت بقسوة عبر قصف جوي بمساعدة طائرات حربية بريطانية، مضيفًا أن صدمة القمع العنيف حُفِرَت في الذاكرة الجماعية لسكان تيغراي وعمَّقت الشعور بالظلم والاغتراب.
ويتابع الكاتب الإسرائيلي بأن سقوط الملكية في عام 1974م وصعود النظام الماركسي أدَّى إلى تفاقم التوتر؛ إذ أدَّى القمع السياسي والمجاعة وعسكرة الدولة إلى تأسيس جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) في منتصف السبعينيات، مشيرًا إلى أن المنظمة، التي استندت إلى دعم ريفي ومعرفة عميقة بالمنطقة الجبلية، أدارت حرب عصابات طويلة ساهمت في النهاية في انهيار النظام عام 1991. وبعد ذلك، أصبحت الـ((TPLF القوة المهيمنة في الائتلاف الحاكم، الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا (EPRDF)، التي حكمت البلاد لما يقرب من ثلاثة عقود.
وأوضح أرازي أنه في هذه الفترة جرى تبنّي نظام الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا، الذي منح مناطق مثل تيغراي قدرًا من الحكم الذاتي الثقافي واللغوي، وأنه رغم أن الدولة شهدت نموًّا اقتصاديًّا ملحوظًا، إلا أن القوة السياسية ظلت مركزة، وتزايد الشعور لدى المجموعات الإثنية الأخرى بأن سيطرة الـ(TPLF) كانت غير متكافئة، لافتًا إلى أن موجة احتجاجات واسعة بدأت في 2015م أدت في النهاية إلى صعود آبي أحمد لرئاسة الوزراء في 2018م، وإلى تغيير حادّ في ميزان القوى. وبالنسبة للكثيرين في تيغراي، يرى الكاتب أن هذا الانتقال لم يُفْهَم كإصلاح بل كإقصاء؛ حيث دُفعت جبهة تحرير تيغراي إلى الهامش وجرى تصويرها كعدو مركزي لوحدة الدولة.
حرب، حصار وكارثة إنسانية:
ويوضح الكاتب أن التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي تفاقَم بسرعة بعد عام 2018م، على خلفية عدم الثقة السياسية، والتصورات المتناقضة للفيدرالية، والتقارب بين آبي أحمد وإريتريا، العدو التاريخي لجبهة تحرير تيغراي، مشيرًا إلى أن نقطة الانكسار جاءت في نهاية عام 2020م، بعد أن أجرت تيغراي انتخابات إقليمية خلافًا لقرار الحكومة بالتأجيل. وفي 4 نوفمبر 2020م، شنَّت الحكومة الإثيوبية هجومًا عسكريًّا واسع النطاق على تيغراي، عُرف بـ”عملية إنفاذ القانون”، ومن الناحية الفعلية، يرى الكاتب أنها تحولت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين.
وبحسب أرازي، فقد انضمت للحملة قوات الجيش الإثيوبي والجيش الإريتري وميليشيات من منطقة أمهرة، وكانت النتيجة ارتكاب أعمال عنف واسعة ضد المدنيين، ودمار منهجي وحصار شبه كامل للمنطقة. ويذكر الكاتب أنه جرى قطع أنظمة الاتصالات، وأغلقت البنوك، وتوقفت إمدادات الكهرباء والوقود، وحُجبت المساعدات الإنسانية أو قُيِّدت بشكل صارم، كما ذكَّر بأن الجوع أصبح أداة حرب؛ حيث لم تُزْرَع الحقول، وأوقفت قوافل المساعدات، وانهار النظام الصحي بعد نهب المستشفيات وتدمير المعدات الطبية، فيما يقدر باحثون مستقلون، وفقًا للكاتب، أن ما بين 600 ألف إلى 800 ألف شخص لقوا حتفهم نتيجة القتال والجوع والأمراض، وهي أرقام تجعل من حرب تيغراي واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في جيلنا.
ويضيف الكاتب أن العنف الجنسي المنهجي، والمجازر بحق المدنيين في مدن مثل “أكسوم”، والتهجير الجماعي لمئات الآلاف، خاصةً من مناطق غرب تيغراي، أصبح جزءًا من الواقع اليومي، وبالنسبة لكثير من سكان المنطقة، يرى أرازي أن الحرب لم تُعتَبر مجرد صراع سياسي بل تهديد وجودي ومحاولة لمحو مجتمع كامل وذاكرة تاريخية ومستقبل جماعي، مؤكدًا أن ندوب تلك الفترة لا تزال عميقة وتنزف.
سلام هشّ وخوف حقيقي من تجدُّد القتال:
ويذكر أرازي أن اتفاق وقف إطلاق النار المُوقَّع في بريتوريا بجنوب إفريقيا في نوفمبر 2022م، بوساطة الاتحاد الإفريقي، أدّى إلى إنهاء القتال واسع النطاق، وأحيا الآمال في إعادة الإعمار، وشمل التزامًا بنزع سلاح قوات تيغراي من الأسلحة الثقيلة واستعادة الخدمات الفيدرالية، لكنّ الكاتب يشير إلى أن تنفيذه ظل جزئيًّا وبطيئًا، وأن القوات الإريترية لم تكن طرفًا في الاتفاق، وأن وجودها المستمر، إلى جانب النزاعات الإقليمية العالقة في غرب وجنوب تيغراي؛ كل ذلك يستمر في تغذية توترات خطيرة، في وقت لا يزال مئات آلاف النازحين غير قادرين على العودة إلى ديارهم، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات من أمهرة.
وفي مطلع عام 2026م، يورد الكاتب الإسرائيلي أن الاشتباكات المسلحة اندلعت مجددًا بين قوات تيغراي والجيش الفيدرالي في مناطق مُتنازَع عليها مثل “تلمت” و”كورم” و”ألاماتا”، ويذكر أن الهجمات بواسطة الطائرات المُسيَّرة، وإلغاء الرحلات الجوية، ونقص السيولة النقدية، والتقارير عن تعبئة القوات، تثير قلقًا عميقًا بين السكان الذين لا يزالون يعانون من صدمة الحرب.
وعلى خلفية ذلك، يكرر أرازي أن وزارة الخارجية الإسرائيلية نشرت تحذيرًا رسميًّا يدعو المواطنين لتجنُّب الرحلات غير الضرورية إلى تيغراي بسبب القتال المتجدد، وحظر التجول، وإغلاق الطرق، وانقطاع الكهرباء وقيود الاتصالات، ويشير إلى أن تحذيرات مماثلة نُشرت أيضًا مِن قِبَل دول وجهات دولية أخرى، مما يعكس خوفًا متزايدًا من تدهور متجدد في شمال إثيوبيا.
ويختتم أرازي مقاله بالإشارة إلى أن تيغراي تعيش اليوم فيما أسماها “حياة البرزخ”، من وضع انتقالي هشّ بين الحرب والسلام، ويعتقد أنه رغم أن القتال ليس واسع النطاق في هذه المرحلة، إلا أن الأسس السياسية للاستقرار طويل الأمد لم تُوضَع بعدُ؛ فنزاعات الأراضي، وغياب العدالة بشأن جرائم الحرب، والاختناق الاقتصادي، وانعدام الثقة بين القيادة الإقليمية والحكومة الفيدرالية، تستمر جميعها في إعاقة إعادة الإعمار. وبالنسبة لسكان تيغراي، يختم الكاتب بأن البقاء يظل صراعًا يوميًّا يستند إلى تاريخ يمتد لآلاف السنين، ويرى أن التحذيرات الدولية ليست مجرد توصيات أمنية، بل هي شهادة على فشل مستمر في حلّ جذور أحد أكثر الصراعات تدميرًا في إفريقيا الحديثة.
تركيا والسعودية تتطلعان: مصر ترسل قوات إلى المنطقة الإستراتيجية([3])
يستهل الكاتب إيلي لاؤون مقاله بصحيفة معاريف العبرية بالإشارة إلى أن منطقة القرن الإفريقي تظل دائمًا منطقة إستراتيجية، لكن أهميتها ازدادت في السنوات الأخيرة. فعقب سيطرة الحوثيين على أجزاءٍ من اليمن لحقت بطرق التجارة البحرية أضرار وصلت ميناء إيلات، ما دفع تل أبيب –بحسب زعم الكاتب– إلى الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي (صوماليلاند)، بينما تستعد مصر لتوسيع انخراطها الأمني في القرن الإفريقي، مع عرض قوة عسكرية مخصّصة للانضمام إلى مهمة الاتحاد الإفريقي في الصومال.
وينقل الكاتب الإسرائيلي تفاصيل حدث رسمي أُقيم في مصر بمشاركة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ووزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر (مراعاة التغيير الوزاري في مصر)؛ حيث جرى استعراض وحدات جيش مصرية مُجهَّزة بمئات المركبات المدرعة، وأنظمة لوجستية، ومروحيات قتالية، وطائرات هجومية خفيفة من طراز “أير تراكتور”.
ويوضح المقال أن العرض شمل تدريبات تكتيكية تحاكي القتال ضد الإرهاب، وإنقاذ المصابين تحت النار، وغارات محمولة، مما يؤكد جاهزية القوات لمهام شرطية وتأمينية معقدة.
التحالفات الإقليمية:
يذكر الكاتب أن هذه الخطوة تأتي على خلفية توطيد العلاقات الأمنية بين القاهرة ومقديشو، وهو ما تجلَّى في التوقيع على اتفاق دفاع مشترك في أغسطس الماضي، وبالإضافة إلى الاتفاق، يشير الكاتب إلى أن السعودية تحاول أيضًا تعزيز تحالف عسكري ثلاثي مع الصومال ومصر في إطار معارضتها للوجود الإسرائيلي وتعاون الأخيرة مع الإمارات العربية المتحدة.
وبحسب المقال، فإنه في إطار التعاون المصري-الصومالي، من المتوقع أن تنشر مصر حوالي 5.000 جندي كجزء من قوة السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، وحوالي 5.000 جندي آخرين في إطار انتشار ثنائي منفصل. ويرى الكاتب أن هذا يمثل تغييرًا مهمًّا في ميزان القوى الإقليمي؛ حيث من المتوقع أن تحل هذه القوات محل الوحدات الإثيوبية العاملة حاليًّا في الصومال، والتي انتهت مدة تفويضها في نهاية عام 2024.
رسائل إستراتيجية لإثيوبيا وإسرائيل:
ويعتقد الكاتب أن انخراط مصر في الصومال لا يقتصر فقط على محاربة تنظيم “الشباب” الإرهابي، بل يُنظَر إليه كتحرُّكٍ إستراتيجي أوسع أمام إثيوبيا؛ إذ تفاقم التوتر بين القاهرة وأديس أبابا في السنوات الأخيرة بسبب الخلاف حول سد النهضة والاتفاق الذي وقَّعته إثيوبيا مع أرض الصومال للحصول على منفذ إلى البحر.
كما يلفت المقال إلى أن مصر أبدت معارضة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهي غير راضية عن المساعدة الإثيوبية (بمساعدة من الإمارات) للمتمردين السودانيين، مشيرًا إلى أن زيارة الرئيس الصومالي لمصر هذا الأسبوع (مراعاة تاريخ النشر) جاءت لتجسيد هذا الموقف.
طبيعة القوات والهدف من نشرها:
ذهب الكاتب الإسرائيلي إلى أن المفهوم المصري يقوم على قاعدة مفادها أن نشر القوات المصرية على حدود إثيوبيا يُشكّل رسالة واضحة بدعم القاهرة السيادة الصومالية وسلامتها الإقليمية، مشيرًا إلى أن البعثة المصرية ستشمل وحدات مشاة، وقوات خاصة، ومنظومة دعم جوي، بهدف تثبيت الوضع الأمني وتمكين الحكومة المركزية في مقديشو من ترسيخ سيطرتها في الدولة.
ورأى أن تدريب القوات المصرية، كما ظهر في الاصطفاف، ركَّز على الدمج بين الوسائل المدرعة وقدرات التنقل العالية، المطلوبة للتعامل مع الحرب غير المتكافئة التي تُميّز الساحة الصومالية.
الدور التركي والمخاوف من التصعيد:
علاوة على ذلك، يذكر المقال أن تركيا عزَّزت وجودها في الصومال، وخلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصر الأسبوع الماضي (مراعاة تاريخ النشر)، أعرب الزعيمان المصري والتركي، عن معارضتهما للوجود الإسرائيلي، لافتًا إلى أن الأتراك كشفوا عن وجود طائرات مقاتلة في العاصمة الصومالية.
ويختتم الكاتب إيلي لاؤون مقاله في معاريف بالتحذير من الوجود العسكري المتزايد لقوات مختلفة في القرن الإفريقي؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو عبر وكلاء، وبدلًا من كبح جماح الحوثيين، الأمر الذي قد يتدهور الوضع إلى أزمة عالمية.
ـــــــــــــــــــــــ
([1]) دين شموئيل إلماس وستاف ليفني، “تركيا ترسل مقاتلات F-16 والصومال يغلق المجال الجوي: احتدام الصراع بالقرن الإفريقي”، موقع غلوبس (الأراضي المحتلة)، 3 فبراير 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001533727
([2]) دانئيل أرازي، “الخطر في تيغراي: وزارة الخارجية تحذر الإسرائيليين-شمال إثيوبيا دخل الحرب”، قناة أخبار 12 (الأراضي المحتلة)، 5 فبراير 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.mako.co.il/travel-news/international/Article-1049477d9dc2c91027.htm
([3]) إيلي لاؤون، ” تركيا والسعودية تتطلعان: مصر ترسل قوات إلى المنطقة الإستراتيجية”، صحيفة معاريف (الأراضي المحتلة)، 11 فبراير 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.maariv.co.il/news/world/article-1283727











































