الأفكار العامة:
–يشير تقرير جديد أعدّه خبراء البيئة إلى أن خفض تلوث الهواء في إفريقيا يُحقّق فوائد اقتصادية ضخمة.
-يستند التقرير إلى دراستين تُقدّمان تدابير عملية تُقلّل تلوث الهواء وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري معًا، وتُدِرّ مليارات الدولارات عبر خفض التكاليف الصحية، وتقليل الغياب بسبب المرض، ورفع الإنتاجية.
-حلّل تقرير “حالة الهواء العالمي 2025” جودة الهواء وآثاره الصحية في دول العالم خلال عام 2023.
-أظهر التقرير وفاة نحو مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء عام 2023 بسبب تلوث الهواء.
-كبار السن والأطفال الأكثر تضررًا؛ ورغم أن إفريقيا جنوب الصحراء تمثل 12% فقط من الوفيات العالمية المرتبطة بالتلوث، تسجّل أكثر من نصف وفيات الأطفال الناجمة عنه.
-في بعض مناطق إفريقيا، يُدِرّ كل دولار يُنفَق على خفض التلوث نحو 26 دولارًا من المنافع الاقتصادية.
-تُقدّر تكلفة تنفيذ 25 تدبيرًا للحد من التلوث في إفريقيا بنحو 11 مليار دولار بحلول 2035، لكنّ المنافع الاقتصادية قد تفوقها بمراحل.
-في غانا، انخفضت نسبة الأسر التي تعتمد على الحطب والفحم النباتي للطهي من 75% عام 2000 إلى 54% عام 2021، وتضاعف استخدام غاز البترول المسال(LPG)، الأقل تلوثًا، ما خفّض وفيات تلوث الهواء بنحو 30%.
بقلم: كريس مالي، كارولين ساوي، كيفن هيكس
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
خلف الأرقام الجافة التي تملأ التقارير، تقف حقيقة تستحق التوقف: حين تُقلّل الدول الإفريقية من تلوث هوائها، فإنها لا تنقذ الأرواح فحسب، بل تُوفّر المال أيضًا. هذا ما يَستخلصه تقرير جديد أعده ثلاثة خبراء في علوم البيئة، هم كريس مالي وكيفن هيكس وكارولين ساوي، ويستند إلى دراستين تعرضان خطوات عملية تُمكِّن القارة من كبح تلوث الهواء وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الوقت نفسه.
والنتيجة؟ مليارات الدولارات يمكن ادخارها، مصدرها تراجع الفواتير الصحية، وانخفاض أيام الغياب عن العمل بسبب المرض، وارتفاع الإنتاجية.
إلى أي حدّ تفاقمت أزمة تلوث الهواء في إفريقيا؟
للإجابة، يكفي أن ننظر في تقرير “حالة الهواء العالمي 2025 (State of Global Air 2025)”؛ الذي درس جودة الهواء وأثرها على الصحة في دول العالم خلال عام 2023. الصورة التي يرسمها التقرير قاتمة: نحو مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء فقدوا حياتهم في تلك السنة بسبب التعرُّض لتلوث الهواء. وبهذا الرقم يحتل تلوث الهواء المرتبة الثانية بين أخطر التهديدات التي تطال الصحة العامة في القارة، ولا يتقدمه سوى سوء التغذية.
وكما يحدث في كثير من الأزمات، يدفع الأضعف أغلى الثمن؛ فكبار السن والأطفال هم الأكثر عُرْضة لوطأة هذا التلوث. واللافت أن إفريقيا جنوب الصحراء، رغم أنها لا تُمثّل سوى 12% من مجمل الوفيات المرتبطة بهذه الظاهرة عالميًّا، تتحمَّل وحدها أكثر من نصف وفيات الأطفال الناجمة عن تلوث الهواء في العالم.
من أين يأتي هذا التلوث؟
الحصة الكبرى من التلوث الناجم عن النشاط البشري في المنطقة مصدرها المنازل نفسها؛ حيث لا يزال الطهي يعتمد على الحطب والفحم النباتي وأنواع أخرى من الوقود الملوَّث. أما ما تبقى فيأتي من الصناعة وتوليد الكهرباء والنقل والزراعة وإدارة النفايات. والمفارقة أن هذه المصادر نفسها هي من أكبر مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تُحرّك تغيُّر المناخ. بعبارة أخرى، فإن مواجهة تغيُّر المناخ على مستوى الكوكب قد تنعكس مباشرةً على هواء أنظف وصحة أفضل داخل الأحياء والبيوت.
وتحمل الدراسة الأولى عنوانًا يختصر الفكرة: “أصول خفية: المبررات الاقتصادية والصحية للعمل المناخي وتحسين جودة الهواء (Hidden assets: the economic and health case for climate and clean air action) ” وقد قيّمت الدراسة 25 حلًّا ثبتت جدواه للحد من التلوث والانبعاثات في وقت واحد، وتغطي هذه الحلول قطاعات اقتصادية محورية: الطاقة والأنشطة القائمة على الوقود الأحفوري، والصناعة، والنقل، والزراعة والنظم الغذائية، والطهي والتدفئة المنزلية، فضلًا عن إدارة النفايات.
وهنا يظهر الرقم الجدير بالاهتمام: في بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، قد يُعيد كل دولار ينفق على خفض التلوث منافع اقتصادية تقارب 26 دولارًا أمريكيًّا. وليس هذا الرقم تقديرًا عشوائيًّا، بل هو حصيلة مقارنة بين كلفة إجراءات خفض التلوث والقيمة النقدية التقديرية للأضرار التي تساعد هذه الإجراءات على تفاديها. وللمقارنة فقط، تُحقّق حملات تطعيم الأطفال نحو 16 دولارًا مقابل كل دولار ينفق. صحيح أن تطبيق التدابير في عموم إفريقيا جنوب الصحراء سيُكلّف نحو 11 مليار دولار بحلول عام 2035، لكنّ العائد الاقتصادي سيتجاوز هذه التكلفة بالأضعاف.
من أين تتدفق هذه المنافع؟
من عدد أقل من المرضى الذين يقصدون المستشفيات بسبب أمراض يسببها التلوث، ومن أيام عمل أقل تضيع في الفراش. فحين يتراجع التلوث، تقل الأمراض وترتفع الإنتاجية، وتقل أيضًا الأيام الدراسية التي يخسرها الأطفال بسبب أمراض مثل الربو. وكل تكلفة يتم تفاديها هي في المحصلة وَفْر حقيقي في خزائن الحكومات، وتزداد أهميتها عندما تنفذ الحلول ضمن حزمة منسَّقة لا بصورة متفرقة. بهذا المعنى، يمكن لعدد محدود من الاستثمارات التنموية أن يحقق عائدًا اقتصاديًّا ملموسًا وينقذ الأرواح في آنٍ واحد.
ما أفضل السبل المتاحة للدول الإفريقية لخفض التلوث والانبعاثات؟
هنا تأتي الدراسة الثانية، المعنونة بـ”التقييم المتكامل لتلوث الهواء وتغيُّر المناخ من أجل التنمية المستدامة في إفريقيا”، وقد رصدت 37 مجالًا يتيح للدول الإفريقية تحسين جودة الهواء وصحة سكانها، مع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الوقت نفسه. وتمتد هذه المجالات من اعتماد طرق طهي أنظف وتطوير النقل العام، إلى التحوُّل نحو الكهرباء المتجددة، ونقل شحن البضائع من الطرق البرية إلى السكك الحديدية، ورفع كفاءة استخدام الطاقة في المصانع.
وتوصي هذه التدابير أيضًا بوقف حرق المخلفات الزراعية في الحقول، بينما يمكن للمدن أن تجعل جمع النفايات أكثر رفقًا بالبيئة، عبر تحويل النفايات الغذائية إلى سماد عضوي (كومبوست) أو غاز حيوي (بيوغاز)، مع احتجاز غازات الاحتباس الحراري المنبعثة من مكبّات النفايات ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
ولعل تدبيرين اثنين يكشفان بوضوح حجم الفارق الذي يمكن أن تُحدثه هذه الإجراءات في إفريقيا:
– انتقال الأُسَر من الفحم النباتي والحطب إلى بدائل طهي أنظف. وهذا لا يُقلّل تلوث الهواء داخل المنازل وخارجها، وهو التلوث المسؤول عن عدد كبير من وفيات الأطفال في القارة، فحسب، بل يَحُد في الوقت نفسه من الملوثات المناخية قصيرة العمر التي تُغذّي الاحتباس الحراري.
– الاستثمار في نقل عام ميسور التكلفة وموثوق. فذلك يُخفّض انبعاثات المركبات والضباب الدخاني في المدن، ويقلل في الوقت نفسه من كلفة التنقل إلى العمل أو المدرسة أو العيادة.
ولم تَعُد هذه مجرد توصيات نظرية؛ فبعض الدول الإفريقية بدأت تطبيقها فعلًا. في غانا، على سبيل المثال، تراجعت نسبة الأُسَر التي تعتمد على الحطب والفحم النباتي في الطهي من 75% عام 2000 إلى 54% عام 2021، وتضاعَف خلال الفترة نفسها عدد الأُسَر التي تطهو بغاز البترول المسال (LPG) الأقل تلويثًا. وبفضل ذلك، يُقدّر أن معدل الوفيات المرتبط بتلوث الهواء الداخلي في غانا انخفض بنحو 30% خلال المدة نفسها. وحتى حين ارتفع العدد المطلق للوفيات الناجمة عن تلوث الهواء الداخلي في البلاد، ظلت هذه الزيادة أقل بكثير مما كانت ستكون عليه لولا التخلّي التدريجي عن الوقود الملوث.
لماذا يُعدّ الربط بين إدارة جودة الهواء وإدارة تغيُّر المناخ بالغ الأهمية؟
لطالما جرى التعامل مع تلوث الهواء وتغيُّر المناخ كملفين منفصلين، لكلّ منهما حلوله الخاصة. غير أنّ الظاهرتين، في جوهرهما، تنبعان من المصادر والأسباب نفسها. ولهذا قارنت دراستنا كلفة كل تدبير لخفض الانبعاثات بما ينتظر منه من فوائد في جودة الهواء أو الصحة العامة أو المناخ أو الاقتصاد، فظهرت القيمة الإجمالية لكل تدبير على حدة.
كما انتقلت أبحاثنا من سؤال عام عن كيفية الحدّ من التلوث في إفريقيا إلى تحديد دقيق لما يمكن لكل قطاع أن يُنفّذه في كل بلد. وقد سلكت نيجيريا وكوت ديفوار وغانا هذا الطريق بالفعل؛ إذ تبين أن التنفيذ الكامل لخططها المناخية الوطنية كفيل بتجنُّب آلاف الوفيات المبكرة، بفضل ما يصاحب خفض الانبعاثات من تحسن في جودة الهواء. وحين تحسب التكاليف والفوائد لكل دولة على حدة، يصبح بوُسْع بنوك التنمية وسائر الجهات المانحة أن تعرف كم يلزم من المال، وأين يُنفَق، وما الذي يمكن تحقيقه به.
ما الخطوة التالية؟
تكشف الأرقام عن خلل صارخ: لا يذهب إلى مكافحة تلوث الهواء سوى نحو 1% من التمويل الدولي المخصص للتنمية، ولا يبلغ الدول الإفريقية منه إلا نزر يسير. وجذر المشكلة في الآلية التي تختار بها بنوك التنمية مشاريعها؛ فقواعد الإقراض لديها كثيرًا ما تتغاضى عن المنفعة المزدوجة التي يحققها خفض تلوث الهواء ومكافحة تغيُّر المناخ معًا. ونادرًا ما يحصل تلوث الهواء على بند تمويلي مستقل، بل إن المشاريع التي تعالج القضيتين في آنٍ واحد قد تجد نفسها مُوزّعة بين قسمين إداريين منفصلين.
وتخلص دراستنا إلى أن على بنوك التنمية أن تُوجّه تمويلاتها منخفضة الكلفة نحو المناطق التي تحقق فيها أعظم الأثر، وتندر فيها فرص التمويل الميسور. وينبغي عند اتخاذ قرارات التمويل الموازنة بين المنافع المرتقبة والتكاليف، بدلًا من الاكتفاء بانتقاء المشاريع الأسهل تمويلًا. وعلى الصناديق المناخية متعددة الأطراف أن تدرك أيضًا المكاسب التي تترتب على خفض تلوث الهواء وغازات الاحتباس الحراري معًا.
والخلاصة أن التحرُّك السريع على المسارين في الوقت نفسه يثمر منافع اقتصادية أكبر بكثير مما لو عُولِجت المشكلتان كلّ على حدة.
ـــــــــ
رابط المقال:











































