الأفكار العامة:
– تُثبت مسارات أليكو دانغوت وإيلون ماسك أن إفريقيا تحتاج إلى نموذجي الصناعة والابتكار التكنولوجي لتحقيق تحول هيكلي مستدام.
– على الحكومات تهيئة البيئة التي تسمح بازدهار ريادة الأعمال في القارة.
– غالباً ما يخلط النقاش حول التنمية الإفريقية بين التصنيع التقليدي (المصانع ومصافي التكرير والموانئ) ونموذج الاقتصاد الرقمي.
– عانت نيجيريا لعقود من مفارقة مكلفة، فهي أكبر منتج للنفط في إفريقيا، لكنها تصدّر الخام وتستورد معظم وقودها المكرر، مما فاقم نقص العملات الأجنبية وانقطاع الإمدادات وعبء الدعم.
– أصبحت نيجيريا اليوم مصدراً صافياً للبنزين؛ إذ يمكن للمصافي تلبية ما يصل إلى 80% من احتياجات البلاد، وتزويد أوروبا وأسواق غرب إفريقيا. ويُتوقع أن تنخفض احتياجاتها من العملة الأجنبية لاستيراد الوقود بنحو 40%، مما يخفف الضغط على النايرا.
– تخطط الشركة لخلق ما لا يقل عن 100 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بينما يمكن لمحطتها البحرية استقبال نحو 1000 ناقلة نفط سنوياً.
– أثبت دانغوت أن إفريقيا قادرة على تطوير أدوات صناعية والمنافسة عالمياً عبر الصناعة الثقيلة والتصنيع.
– عبر SpaceX وTesla وStarlink وAI، موّل إيلون ماسك ابتكارات كانت تُعدّ غير مجدية اقتصادياً: الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، والسيارات الكهربائية، وإنترنت الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي المتقدم.
– يطرح ماسك، من أصل جنوب إفريقي، نموذجاً مختلفاً لإدارة الأعمال لا يقل أهمية، بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية.
* * *
بقلم: جاكي سيليرز
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
على الحكومات الإفريقية أن تفعل شيئاً واحداً حاسماً: أن تمهّد أرضية كي يزدهر نموذجان مختلفان من ريادة الأعمال، كلاهما ضروري، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.
كثيراً ما يُختزل النقاش حول تنمية القارة داخل ثنائية ضيقة: التصنيع التقليدي بمصانعه ومصافيه وموانئه في جهة، والاقتصاد الرقمي بتقنياته الناشئة في جهة أخرى. لكنّ مسارَي أليكو دانغوت وإيلون ماسك يكشفان زيف هذه القسمة؛ فإفريقيا لا تحتاج إلى أن تختار، بل تحتاج النموذجين معاً كي تُنجز تحوّلاً هيكلياً يدوم.
دانغوت: حين يصبح الحديد والنار أداتي سيادة:
عاشت نيجيريا لعقود مفارقةً باهظة الثمن، فهي أكبر منتج للنفط في القارة، ومع ذلك ظلّت تصدّر خامها لتعيد استيراده وقوداً مكرّراً، في دورة أنهكت احتياطاتها من العملات الأجنبية، وأربكت إمداداتها، وأثقلت موازناتها بأعباء الدعم، وقرّر دانغوت أن يكسر هذه الحلقة المفرغة.
لم يكن القرار سهلاً، فبناء مصفاة قادرة على معالجة 700 ألف برميل يومياً تطلّب استثماراً هائلاً، وسنوات من المثابرة في وجه موجات من الشكوك. وحين بلغت المصفاة طاقتها الكاملة مطلع هذا العام، بدأت الثمار تنضج: تحوّلت نيجيريا إلى مُصدّر صافٍ للبنزين، وباتت المنشأة قادرةً على تلبية ما يصل إلى 80% من حاجة البلاد، مع فائض يُصدَّر إلى أوروبا وأسواق غرب إفريقيا.
ويُنتظر أن تتراجع فاتورة العملة الأجنبية لاستيراد الوقود بنحو 40%، فيخفّ الضغط عن النايرا.
أمّا على صعيد البشر، فالشركة تخطّط لخلق ما لا يقل عن مائة ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فيما تستطيع محطتها البحرية استقبال نحو 1000 ناقلة سنوياً.
ولم يتوقف الرجل عند هذا الحد، ففي أواخر يوليو جمع 2.5 مليار دولار لمضاعفة طاقة المصفاة، وفي 14 من سبتمبر أطلق ما يُوصف بأكبر اكتتاب عام أوّلي في تاريخ إفريقيا، ساعياً إلى جمع نحو 1.6 مليار دولار، بدفعات تبدأ من عشرة أسهم، وطموحٍ لاجتذاب عشرة ملايين مستثمر عبر القارة.
المقارنة مع «أمازون» (التي صنعت ثروات مساهميها الأوائل) تفرض نفسها هنا. وسواء تحقق الطموح أم لا، فإن هذا الاكتتاب سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الإفريقي العادي على امتلاك حصة من القاعدة الصناعية لقارته.
وتتجه بوصلة دانغوت شرقاً أيضاً، حيث ظفرت جزيرة لامو شمال الساحل الكيني بمصفاة ضخمة جديدة، بينما تدرس تنزانيا مقترحاته لمحطة كهرباء تعمل بالفحم، ووحدة لإنتاج اليوريا، واستثمارات في الموانئ والطرق.
هي إمبراطوريةٌ وُلدت من رحم إستراتيجية واضحة: إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات في قطاعات مفصلية (الأسمنت والأسمدة والسكر والملح والبتروكيماويات) معززةً بسياسات حماية تجارية. ولقد أثبت دانغوت أن إفريقيا قادرة على بناء أدوات صناعية تنافس العالم.
إيلون ماسك، ابن جنوب إفريقيا:
على الضفة الأخرى يقف إيلون ماسك، ابن جنوب إفريقيا، نموذجاً مختلفاً لا يقل أهمية، بمعزل عن حساباته السياسية. فإذا كان دانغوت رجل الصناعة الثقيلة، فإن ماسك رجل التكنولوجيا المتقدمة والابتكار الذي يقلب الطاولة.
عبر «سبيس إكس» و«تسلا» و«ستارلينك» ومشاريع الذكاء الاصطناعي، راهن ماسك على أفكار بدت في بدايتها ضرباً من العبث الاقتصادي: صواريخ تعود لتُستخدم من جديد، سيارات تسير بالكهرباء، إنترنت يهبط من الفضاء، وذكاء اصطناعي متقدم.
لكن الدرس الأعمق في تجربته ليس تقنياً، بل إنسانياً: إنه احتضان الفشل. فقد تعثّرت شركاته مراراً قبل أن تفرض حضورها. والرسالة إلى صنّاع القرار ورجال الأعمال في إفريقيا لا لبس فيها: الابتكار يعني أن تتعايش مع عدم اليقين، لا أن تهرب من المخاطرة.
ومع حصول «ستارلينك» على تراخيص العمل في 30 دولة إفريقية، صار أثر ماسك ملموساً، فتحسّن الاتصال يفتح أبواب ريادة الأعمال الرقمية والتعليم والطب عن بُعد والشمول المالي، ويتيح للمناطق الريفية أن تتجاوز عقوداً من ضعف الشبكات بقفزة واحدة.
غير أن النعمة تحمل في طيّاتها تحدياً: فالأمر يستلزم إطاراً تنظيمياً صارماً يمنع استخدام محطات مسجّلة في الخارج لأغراض ضارة، تتسلل من ثغرات التنظيم المحلي للاتصالات، وهو ما تنبّهت إليه دراسة مرتقبة لمعهد الدراسات الأمنية.
لكن لنكن واقعيين. حتى لو ضخّ ماسك مليارات الراندات في جنوب إفريقيا، فإن ثروته وحدها لن تعيد تشكيل اقتصاد البلاد. فمشروعاته كثيفة رأس المال والتقنية (شبكة أقمار، مصنع بطاريات، مركز بيانات للذكاء الاصطناعي) ترفع الإنتاجية وتُنعش شبكات الموردين، لكنها لا تمنح ملايين العمال محدودي المهارة وظائف مباشرة.
وستأتي فرص العمل من الآثار غير المباشرة: إنترنت أفضل، طاقة أرخص، منظومات موردين وخدمات رقمية أنشط، وقطاع بناء وأشغال عامة أكثر حيوية، وجاذبية أعلى لرؤوس الأموال الخاصة.
ومثل أي تدفق كبير لرأس المال، قد يوسّع الاستثمار الفجوات قبل أن يبدأ النمو في ردمها. الخلاصة: يمكن لماسك أن يكون شرارةً لجنوب إفريقيا، لا منقذاً لاقتصادها.
لا نجاح بلا بيئة حاضنة:
المشروعات العملاقة، مثل مشروعات دانغوت وماسك، لا تثمر إلا في مناخٍ داعمٍ ومواتٍ. وتجاربهما تذكّرنا بأن المسؤولية الاجتماعية للشركات ليست ترفاً، بل ضرورة لتفادي النفور المحلي، خصوصاً في قارةٍ ما زال الفقر المدقع يثقل كاهلها.
يحمل نجاح دانغوت رسالة واضحة: دور إفريقيا لا ينبغي أن يبقى حبيس تصدير الخام واستهلاك المستورد. والنموذج ذاته قابل للتكرار: تحويل النحاس في زامبيا، تكرير الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، الليثيوم في زيمبابوي، البطاريات في المغرب، الأسمدة في إثيوبيا، بل وصناعة الدواء في كينيا ومصر وجنوب إفريقيا.
استثماراتٌ جريئة قادرة على نقل هذه الدول من اقتصاد يستخرج الثروة إلى اقتصاد يضيف إليها قيمة صناعية، بشرط التزام حكومي صريح.
وتبقى ركائز النجاح ثابتة لا تتبدّل: استقرار اقتصادي كلي، وإمدادات طاقة موثوقة، ونظام مالي ناضج، وخدمات لوجستية فعّالة أو في طريقها إلى تحديث جاد، وضمان للملكية الخاصة، وأطر تنظيمية واضحة يمكن التنبؤ بها.
صحيح أن الحكومات لا تستطيع أن تصنع «دانغوت» أو «ماسك» بقرار، لكنها تملك ما هو أهم: أن تهيّئ البيئة التي تسمح لرواد الأعمال الكبار بالبروز والاستثمار للأمد البعيد.
إن إفريقيا تحتاج، في آنٍ واحد، إلى صناعيين يراهنون على قطاع التحويل (ذلك القطاع الحيوي الذي كثيراً ما يُبخَس حقه)، وإلى مبتكرين يخوضون مخاطر التحولات التقنية الكبرى. ومستقبل القارة الاقتصادي معلّقٌ على مدى قدرتها على تحفيز هذين المسارين معاً، لا الاكتفاء بأحدهما.
ــــــــــ
رابط المقال:
https://issafrica.org/fr/iss-today/dangote-musk-l-afrique-a-besoin-d-industriels-et-d-innovateurs











































