
يعد حق الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وخدمات صرف صحي من مقوّمات الحياة الآمنة للجميع، وللأطفال على وجه الخصوص، وتتضاعف أهمية هذه الخدمات في القارة الإفريقية؛ إذ تتفاوت فرص الحصول عليها تفاوتًا واضحًا بين الدول والأقاليم، وبين المناطق الريفية والحضرية، ما يفرض تحديات أمام الفئات الأكثر احتياجًا وخصوصًا أطفال إفريقيا.
ويزداد الوضع تعقيدًا مع الصراعات المُسلَّحة وما يرافقها من ضغوط ديموغرافية وبيئية، وما تُضعفه من قدرة الدولة على توفير هذه الخدمات. وقد انعكس ذلك في إعلان الاتحاد الإفريقي عام 2026م «عامًا مخصصًا للمياه والصرف الصحي»، تحت شعار «ضمان توفر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمِنَة لتحقيق أهداف أجندة 2063».
وتأسيسًا على ذلك جاءت فكرة تقرير يركّز على حالة الطفل في إفريقيا، مع إيلاء اهتمام خاص للمياه الآمِنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة للطفل في إفريقيا، بما يجعل تحسين هذه الخدمات جزءًا أساسيًّا من جهود التنمية وحماية حقوق الأطفال في إفريقيا. ومن هنا تبلورت فكرة إطلاق تقرير “حالة أطفال إفريقيا 2026: تركيز خاص على المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية” State of Africa’s Children 2026: Special Focus on Water, Sanitation and Hygiene ، والذي نحاول في هذا المقال تقديم قراءة لأبرز ما ورد به حول حقوق الأطفال الأفارقة، ولا سيما فيما يتعلق بالحق في مياه شرب آمِنَة وخدمات صرف صحي ونظافة صحية مُدارة بشكلٍ آمِن (أهمية التقرير وبنيته- المشهد الراهن- التقدم المُحرَز- التّحدّيات- التوصيات والرؤى المستقبلية). (اضغط هنا لاستعراض الخريطة التفاعلية للمقال)
محتويات المقال
أولًا: تقرير حالة أطفال إفريقيا 2026م:
الأهمية والبنية وجهة الإصدار
مَثَّل إعلان الاتحاد إفريقيا عام 2026م عامًا للمياه والصرف الصحي، كما أوردنا سلفًا، فرصةً مُواتية لإطلاق الاتحاد النسخة الأولى من تقريره حول “حالة أطفال إفريقيا”، مما يضع الأطفال في صلب أجندة التنمية القارية. وفي هذا الإطار، صُمِّم هذا التقرير -الصادر عن مفوضية الاتحاد إفريقيا بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)- ليكون إصدارًا سنويًّا يتماشى مع أولويات الاتحاد إفريقيا، وليعمل كأداة إستراتيجية للمساءلة بالاستناد إلى الأدلة المتاحة؛ بهدف تتبُّع التقدُّم المُحرَز، وتعزيز اتساق السياسات، وترسيخ المسؤولية الجماعية تجاه حقوق أطفال إفريقيا وحمايتهم ورفاههم.
ومن هنا تأتي أهمية التقرير، لا سيما مع تركيز هذه النسخة الأولى بشكل خاص ومكثّف على قضايا المياه والصرف الصحي والنظافة، ليس باعتبارها قطاعًا فنيًّا مستقلًا، بل كعامل مُحدّد حاسم لتحقيق الأمن البشري والتنمية بصورتها الشاملة؛ فبدون وجود أنظمة كافية ومرنة للمياه والصرف الصحي والنظافة، يتعرَّض حق الأطفال في التعليم للتقويض بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها والتغيُّب عن المدرسة، وتتأثر سلبًا صحة الأمهات والمواليد الجدد في بيئات الولادة غير الآمِنَة، كما تُضعف قدرة الأُسَر على الصمود نتيجة لحلقة مستمرة من انعدام الأمن المائي وعبء الأمراض التي يمكن الوقاية منها؛ حال توفر الأنظمة والسياسات الملائمة ذات الصلة بتوفير مياه الشرب الآمِنَة وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية.
أما حول بنية التقرير، فيتكون -إضافةً للمقدمة والملاحق-، من 5 فصول رئيسة: يطرح الفصل الأول تساؤلًا مفاده: لماذا التركيز أولًا على الأطفال بالتحديد؟ قبل أن ينتقل للحديث عن علاقة ذلك بصحة الأم والطفل والتعليم والاستثمار في رأس المال البشري. فيما يدور الفصل الثاني حول منهجية التقرير ومصادره والعوائق أمامه خلال الإعداد. أما الفصل الثالث، فيناقش إمكانية حصول الأطفال الأفارقة على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة بما في ذلك التقدم المُحرَز في مرافق الرعاية الصحية وإدارة الصرف الصحي بشكلٍ آمِن.
وفي الفصل الرابع، يُخصّص التقرير حديثه حول الاتجاهات العامة المتعلقة بخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة في جميع أنحاء إفريقيا، لا سيما أوجه عدم المساواة، ومعالجة ذلك عبر التركيز على التمويل من أجل الوصول المنصف لجميع الأطفال داخل القارة لهذه الخدمات. وفي الأخير، يقدم الفصل الخامس خارطة طريق للسياسات والتوصيات اللازمة لتعزيز خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة وتحسين استفادة الأطفال منها.
من جهة أخرى، يعتمد التقرير على مجموعة من مصادر البيانات الثانوية، أبرزها بيانات منظمة الصحة العالمية واليونيسف والأمم المتحدة، إلى جانب تحليلات ومصادر متاحة للجمهور العام، مشيرًا إلى أن النتائج الواردة فيه لا تعكس بالضرورة المواقف الرسمية لجميع الدول الإفريقية.
ثانيًا: تقرير حالة الطفل 2026م:
قراءة عامة
تُسلّط الأدلة والتحليلات الواردة في تقرير “حالة الأطفال في إفريقيا 2026م” الضوء على حقائق لافتة في جهود إفريقيا لحماية حقوق كل طفل في الحصول على مياه شرب آمِنَة وخدمات الصرف الصحي. فمنذ عام 2015م، بداية عهد أهداف التنمية المستدامة، أحرزت دول إفريقيا تقدُّمًا استثنائيًّا في توفير مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية للأطفال. ومع ذلك، وخلال الفترة نفسها، استمر عدد السكان في الدول الإفريقية في النمو؛ حيث يبلغ عدد سكان القارة الآن 691 مليون نسمة دون سنّ 18 عامًا. ويعني ذلك ضرورة بذل جهود مكثّفة لتعزيز أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وحوكمتها، وتمويلها، وصُنع القرار فيها، وخدماتها، لمواكبة التغيُّرات الديموغرافية والاجتماعية.
وفي ظل النمو السكاني والتوسع الحضري، تُواجه إفريقيا تحديات مستمرة تُعيق توفير المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية لجميع الأطفال، وفي البيئات الهشَّة بشكل أكثر تحديدًا، تُواجه العديد من الدول حالات طوارئ صحية عامة، وتأثيرات كبيرة لتغيُّر المناخ، مما يجعل الأطفال عرضةً بشكل استثنائي لنقص خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. وفي هذا الإطار، تشير البيانات الواردة بالتقرير إلى أن المجتمعات الريفية والمدارس ومرافق الرعاية الصحية الأولية لديها مُعرَّضة لخطر التخلُّف عن الركب؛ نظرًا لتركيز الاهتمام على الاحتياجات الحضرية.
وعلى الرغم من ذلك، برزت تجارب إفريقية من خلال تقدُّمها في مواجهة التحديات، ونهجها المبتكَر والشامل في توفير خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. وقد تم تسليط الضوء على العديد من هذه الدول كدول رائدة في هذا المجال في هذا التقرير، بما في ذلك رؤية إفريقيا للمياه 2063 وسياساتها كخارطة طريق لوصول جميع الأفارقة، بمن فيهم الأطفال، بخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وهو ما يتطلب تعاونًا وتنسيقًا على مستوى القارة، للتعلُّم من التجارب الناجحة، واختبار الأفكار الجديدة، ومُساءَلة بعضنا البعض.
ثالثًا: لماذا الأطفال أولًا؟
يبدأ التقرير بتساؤل هام مفاداه: لماذا التركيز على الأطفال؟ أو بقول آخر: لماذا تُعدّ خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية أساسية لمستقبل أطفال إفريقيا؟ وهنا يجيب التقرير بأن وصول الطفل الإفريقي إلى هذه الخدمات يُمثّل ركيزة أساسية لتحقيق الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته -معاهدة إقليمية أساسية لحقوق الطفل في القارة اعتمدتها منظمة الوحدة الإفريقية آنذاك في أديس أبابا عام 1990م-، وبخاصة مع نموّ عدد الأفارقة دون سن 18 عامًا، ما يجعل التركيز على صحة الطفل ونمائه ذا أهمية متزايدة.
علاوةً على ذلك، تُعدّ خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية ضرورية للأطفال ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، بل للنمو والازدهار، وهو ما يعكسه شكل رقم (1)، والذي يبيّن أن إفريقيا، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية والمرصد العالمي للصحة والمياه والصرف الصحي لعام 2019م، تحمَّلت وحدها المسؤولية عن وفاة ثلثي الأطفال لديها دون سن الخامسة، نتيجة إلى مياه الشرب غير الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة غير المتوفرة، أو المتوفرة في أدنى مستوياتها.

يُضاف لذلك أن توفير فرص الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية يُسهم في الحد من الولادة المبكرة وأمراض الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، وهي الأسباب الثلاثة الرئيسية لوفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها، مما يُعزّز أجندة إفريقيا للأطفال وإستراتيجية الصحة في إفريقيا.
ومن جهة أخيرة، تُعزّز خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس إستراتيجية التعليم القارية للاتحاد الإفريقي (2026- 2035م) Continental Education Strategy for Africa 2026-2035 عبر خلق بيئة آمِنة ووقائية وعالية الجودة للمعلمين والطلاب على حدّ سواء. لذا، ومن خلال حماية هذه الحقوق في وقت مبكر من حياة الأطفال، تستثمر إفريقيا في تنمية رأس مالها البشري وبناء المزيد من قادة الغد الأصحاء.
رابعًا: المياه وخدمات الصرف في إفريقيا:
مكتسبات تحتاج إلى استكمال
منذ عام 2000م، كان التقدُّم المُحرَز على صعيد توفير خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الشاملة لأطفال إفريقيا كبيرًا. فبين عامي 2000 و2024م، حصل 161 مليون طفل دون سن 18 عامًا في إفريقيا على مياه شرب مُدارة بشكلٍ آمِن، وحصل 129 مليون طفل على خدمات صرف صحي مُدارة بشكلٍ آمِن أيضًا. ومنذ عام 2015م، حصل 65 مليون طفل على خدمات النظافة الأساسية.
وهذا يعني أنه بحلول عام 2024م، كان طفلان من كل خمسة أطفال في إفريقيا (40%) يستخدمون مياه شرب مُدارة بشكل آمِن (59% في المناطق الحضرية مقابل 25% في المناطق الريفية)؛ وكان ما يقرب من ثلثهم (30%) يستخدمون خدمات صرف صحي مُدارة بشكل آمِن (38% في المناطق الحضرية مقابل 24% في المناطق الريفية)؛ وكان 38% يستخدمون خدمات النظافة الصحية الأساسية (48% في المناطق الحضرية مقابل 30% في المناطق الريفية).
على الرغم من هذه المكتسبات، لا تزال هناك حاجة إلى بذل جهود كبيرة لتحقيق كافة احتياجات جميع الأطفال الأفارقة من المياه والصرف الصحي بحلول عام 2063م، لا سيما في الدول الهشَّة والمتأثرة بالنزاعات، وتلك التي تُواجه مَخاطر مناخية متزايدة؛ كما أوردنا سلفًا.
بالإضافة إلى ذلك، يُبرز التقرير أنه في جميع أنحاء إفريقيا، يتضافر النمو السكاني مع التوسُّع الحضري السريع، مما يزيد من صعوبة زيادة تغطية خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المناطق الحضرية. ونتيجة لذلك، بين عامي 2015 و2024م، وبينما ارتفعت نسبة تغطية الصرف الصحي المُدار بشكلٍ آمِن في المناطق الحضرية من 32% إلى 38%؛ ظلت تغطية مياه الشرب المُدارة بشكلٍ آمِن والنظافة الصحية الأساسية دون تغيير يُذْكَر.
ويعني تأثير النمو السكاني أنه خلال هذه الفترة، ازداد عدد سكان المدن الذين لا يحصلون على مياه شرب مُدارة بشكلٍ آمِن بمقدار 70 مليون نسمة (من 213 مليون إلى 283 مليون نسمة)، وازداد عدد السكان الذين لا يحصلون على خدمات صرف صحي مُدارة بشكل آمِن بمقدار 88 مليون نسمة (من 341 مليون إلى 428 مليون نسمة)، وازداد عدد السكان الذين لا يحصلون على خدمات النظافة الصحية الأساسية بمقدار 97 مليون نسمة (من 263 مليون إلى 359 مليون نسمة).
بشكلٍ عام، يسير الوصول إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية في إفريقيا في الاتجاه الصحيح، ولكن ينبغي تسريع الجهود، وبخاصة في شرق إفريقيا وعبر المناطق الريفية لمواكبة النمو السكاني. فرغم تحقيق خطوات مهمة، إلا أن هناك حاجة إلى إيلاء أولوية سياسية أكبر للنظافة لحماية جميع الأطفال، لا سيما في المناطق الحضرية ومخيمات النازحين؛ حيث تؤدي ظروف الاكتظاظ إلى انتشار الأمراض المعدية وتدهور صحة الأطفال.
خامسًا: خدمات المياه والصرف في مدارس إفريقيا:
تفاوت في التقدم
يُسلّط تقرير “حالة الأطفال في إفريقيا لعام 2026م” في هذا القسم الضوء على استثمار الدول الإفريقية موارد هائلة (من الوقت والموارد السياسية والاجتماعية) لتحسين الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وتعزيز حوكمة وأنظمة المياه والصرف الصحي، وتأمين تمويل متنوع، مما أدَّى إلى قطاعات مياه وصرف صحي أكثر استدامة.
وكدليل على هذا الالتزام، اعتبارًا من عام 2024م، أدرجت 31 دولة إفريقية خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في مرافق الرعاية الصحية ضمن خططها الوطنية، وأدرجت 28 دولة إفريقية خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس. ويُعدّ هذا أساسًا مهمًّا لأنظمة تعليمية وصحية قوية تتضمَّن خدمات مياه وصرف صحي ونظافة صحية عالية الجودة.
وحول ما تم تحقيقه فيما يتعلّق بتوفير خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس؛ فبين عامي 2015 و2023م، ارتفعت نسبة تغطية خدمات الصرف الصحي الأساسية في المدارس الإفريقية من 49% إلى 57%، وارتفعت نسبة تغطية خدمات النظافة الأساسية من 33% إلى 42%.

وبالتوازي مع هذا التقدُّم، يلتحق ملايين الأطفال بالمدارس دون خدمات شاملة للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية؛ فبين عامي 2015 و2023م ظلت تغطية خدمات مياه الشرب الأساسية في المدارس دون تغيير يُذْكَر. وتُعدّ المدارس الابتدائية والريفية، والنظافة الصحية في جميع المدارس في أنحاء القارة، الأكثر عُرضَة للتخلُّف عن الركب.
تُظهر بيانات الشكل أعلاه، الصادرة عن برنامج المراقبة المشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف (2015- 2023م) تقدمًا بطيئًا وتدريجيًّا في توفير خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس الإفريقية، ورغم ارتفاع نسبة الحصول على الخدمات الأساسية في الصرف الصحي والنظافة الصحية؛ إلا أن التحسُّن في قطاع مياه الشرب شهد جمودًا ملحوظًا. ما يعكس حقيقة أن أعدادًا كبيرة من المدارس في إفريقيا ما زالت تعاني من نقص الخدمات الأساسية اللازمة لبيئة تعليمية صحية وآمِنَة.
استمرارًا لبيانات التقرير حول الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المدارس؛ يشير إلى إنه وفقًا لبيانات عام 2023م، لم تكن 51% من المدارس في إفريقيا مُزوّدة بمياه شرب أساسية، علمًا بأن معظم هذه المدارس كانت في بيئات هشَّة. على سبيل المثال، سجَّلت منطقة وسط إفريقيا أدنى نسبة وصول إلى هذه الخدمات في القارة، وكذلك سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا أكبر عدد مَطلَق من الطلاب الذين لا يحصلون على مياه شرب في مدارسهم.
في المقابل، توفرت خدمات الصرف الصحي الأساسية في أكثر من نصف مدارس إفريقيا (57%)، مع وجود أكبر حاجة إليها في غرب ووسط إفريقيا، وخاصةً منطقة الساحل. أما منطقة شمال إفريقيا، فقد اقتربت من تحقيق التغطية الشاملة لخدمات الصرف الصحي الأساسية في المدارس.
وعن موريشيوس وسيشل، فبحلول عام 2023م فقد حقَّقت تغطية كاملة. فيما كانت إثيوبيا والنيجر وتوغو الأبعد عن هذا المسار؛ حيث تفتقر أكثر من نصف مدارسها إلى أيّ خدمة صرف صحي على الإطلاق، وحتى بين المدارس التي أفادت بوجود دورات مياه، لم تكن جميعها دورات مياه منفصلة للجنسين أو جيدة الصيانة، مما يجعلها أقل ملاءمة للاستخدام.

تُظهر بيانات الشكل أعلاه، أزمة حادة في وصول مياه الشرب إلى المدارس الإفريقية عام 2023م؛ إذ يفتقر نحو 195 مليون طفل لهذه الخدمة الأساسية، وفي هذا الإطار، تتحمَّل 5 دول (إثيوبيا، نيجيريا، الكونغو الديمقراطية، النيجر، موزمبيق) عِبْء أكثر من نصف هذه الأزمة بحوالي 101 مليون طفل، فيما تتحمَّل بقية القارة العدد المتبقي (94 مليون طفل)، وهو ما يستدعي توجيه التدخلات التنموية العاجلة لهذه المناطق الأكثر تضررًا.
أما عن الأطفال في سنّ الدراسة في إفريقيا بدون خدمات صرف صحي، فتُقدَّر أعدادهم بحوالي 121 مليون طفل (بحسب بيانات عام 2023م بالتقرير)، علمًا أن أغلبهم في نيجيريا، إثيوبيا، النيجر، موزمبيق، ساحل العاج (على الترتيب)، فيما توزعت الأعداد الأخرى (47 مليون طفل) على بقية القارة.

أما فيما يتعلق بخدمات النظافة للأطفال في سن الدراسة؛ فقد أشار التقرير إلى وجود 225 مليون طفل -بحسب بيانات عام 2023م- بدون خدمات نظافة في مدارسهم، وهي النسبة الأكبر مقارنةً بأعداد الأطفال المحرومين من مياه الشرب (195 مليون طفل) أو خدمات الصرف الصحي (121 مليون طفل). أما عن الدول التي تتحمَّل العبء الأكبر في وجود الأطفال بدون خدمات النظافة في المدارس؛ فقد تركزت على الترتيب من الأكثر فأقل في: (نيجيريا، إثيوبيا، السودان، أوغندا، النيجر)، أما النسبة المتبقية (119 مليون طفل) فكانت لبقية القارة.

سادسًا: الأطفال وخدمات المياه والصرف
في السياقات الهشَّة والمتأثرة بالنزاعات
ينقلنا التقرير في هذا القسم إلى واقع الأطفال الذين يعيشون في سياقات هشّة، مبينًا أنهم الأكثر عُرْضَة لضعف الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وغير ذلك من انتهاكات لحقوقهم. ففي بعض أنحاء إفريقيا، تُواجه البلدان أنواعًا مختلفة من الهشاشة -اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وأمنية، أو بيئية، وغالبًا ما تكون مجتمعة-.
وفي هذه السياقات يحدث تداخل قوي بين الهشاشة وضعف الأداء في الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة. وفي النزاعات المطوّلة، يكون الأطفال دون سن 5 سنوات أكثر عُرْضةً للوفاة بأكثر من 20 مرة بسبب أمراض مرتبطة بالمياه والصرف الصحي غير الآمنين، مقارنةً بالعنف المباشر الناتج عن النزاعات.
وهنا يشير التقرير إلى 10 دول هم: بنين، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وتشاد، وساحل العاج، وغينيا، ومالي، والنيجر، ونيجيريا، والصومال، باعتبارها موطنًا لما مجموعه 190 مليون طفل يواجهون ما أسمته اليونيسف تهديدًا ثلاثيًّا: أقل من 50 في المائة من الوصول إلى المياه والصرف الصحي الأساسيين على الأقل، وعِبْء مرتفع بشكل ملحوظ للوفيات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب ارتفاع مستوى المخاطر المناخية والبيئية.
ففي هذه البلدان، لا يحصل ما يقرب من ثلثي الأطفال على الحدّ الأدنى من المياه في المنزل أو خدمات الصرف الصحي الأساسية، ويمارس ربعهم التغوُّط في العراء. ومع عدم قدرة ثلاثة أرباع الأطفال على غسل أيديهم بسبب نقص المياه والصابون في المنزل، فإن هذه البلدان هي أيضًا موطن لبعض من أعلى معدلات الأمراض والوفيات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في العالم.

علاوةً على ذلك، يمكن أن يؤدي نقص خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية إلى الهشاشة والصراع، في البيئات المستقرة. بمعنى أن يكون انخفاض الوصول إلى هذه الخدمات الأساسية مصدرًا للتظلم السياسي ويؤدي إلى العنف، في حين أن إعطاء الأولوية للسكان النازحين يمكن أن يُغذّي الصراع مع المجتمعات المضيفة. فعلى الصعيد العالمي، زادت الهجمات على البنية التحتية للمياه في السنوات الأخيرة، ما عرَّض المدنيين، وخاصةً الأطفال، لمخاطر أكبر من تلك الناجمة عن الصراع أو العنف وحده.
وبالرغم من ذلك كله، فإن التعاون العابر للحدود بشأن خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية يُعدّ أداةً للسلام؛ فمن خلال زيادة التعاون بين الجهات الفاعلة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، والجهات الإنسانية، وبناء السلام، يمكن للحكومات أن تدفع بالتخطيط المشترك الذي يُحقّق أهدافًا ومساعي متوافق بشأنها.
سابعًا: دعوة للعمل من أجل أطفال إفريقيا
منذ بداية فترة أهداف التنمية المستدامة (التي اعتمدتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015م بهدف تحقيقها بحلول عام 2030م؛ كما أوردنا أعلاه)، أحرزت إفريقيا تقدُّمًا قويًّا وثابتًا نحو تحقيق حصول الجميع على خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية الأساسية (وهو الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة المكوّنة من 17 هدف). ورغم أن تحقيق حصول الجميع على خدمات مياه وصرف صحي مُدارة بشكلٍ آمِن بحلول عام 2030م بات بعيد المنال، إلا أنه لا يزال من الممكن الوصول إلى هذه المستويات الأعلى من الخدمات في إطار رؤية إفريقيا للمياه 2063.
ويتطلب ذلك تسريع الجهود المبذولة حاليًّا لتوسيع نطاق الخدمات الأساسية لتشمل جميع الأفارقة، بما في ذلك بذل جهود متجددة للحدّ من أوجه عدم المساواة في السياقات المستقرة والهشّة على حد سواء، وزيادة التركيز على رفع مستويات الخدمات وبناء قدرة أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية على الصمود في وجه تغيُّر المناخ والنزاعات وحالات الطوارئ.
وفي هذا السياق، تتوفر فرص عديدة أمام السياسات والجهود الإفريقية لتسريع وتيرة التغيير، ومنها:
- تعزيز القيادة السياسية الفاعلة والشفافة والخاضعة للمساءلة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية:
لضمان إعطاء الأولوية للحلول التي تقودها الحكومات وتمتلكها المجتمعات المحلية، وتوفير التمويل اللازم لها، ومساءلتها عن تقديم خدمات منصفة وميسورة التكلفة وعالية الجودة. ويشمل ذلك دَمْج خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في المبادرات الوطنية والحكومية المشتركة المعنية بتغير المناخ، مثل الخطط الوطنية للتكيُّف مع تغيُّر المناخ، وتعزيز التنسيق مع قطاعي الصحة والتعليم، وتحسين إنفاذ اللوائح والمعايير. - تسريع التقدم وزيادة التمويل، بما في ذلك تعبئة الموارد المحلية:
للوصول إلى أعداد كبيرة من السكان ولا سيما في بلدان كأنغولا، وكوت ديفوار، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وغانا، وكينيا، ومدغشقر، ونيجيريا، والسودان، وأوغندا، وتنزانيا؛ حيث تُسجَّل أكبر أعداد من السكان الذين يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، أو الصرف الصحي الأساسي، أو النظافة الصحية الأساسية. ويسهم وضع إستراتيجية واضحة مدعومة بتمويل محلي في إظهار الالتزام الحكومي وتعزيز ثقة المستثمرين، بما يساعد على جذب المنح و/أو التمويل القابل للسداد إلى هذا القطاع
- استهداف البلدان التي تواجه تهديدات ثلاثية:
من خلال تعزيز الدعم المتبادل بين البلدان لتطوير النظم، وتحسين التمويل، وبناء القدرات الفنية، بما يتيح زيادة قدرة خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية على الصمود أمام تغيُّر المناخ والنزاعات. ويتطلب ذلك قيادة وطنية من الحكومات لتنسيق جهود الجهات الإنسانية والفاعلة في بناء السلام والتنمية، وتوجيهها نحو حلول مستدامة وبخاصة في بنين، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وتشاد، وكوت ديفوار، وغينيا، ومالي، والنيجر، ونيجيريا، والصومال.
- الاستفادة من تبادل الخبرات والقيادة بين البلدان في مجال السياسات الوطنية للمياه والصرف الصحي وخطط تمويلها:
لمساعدة البلدان الأخرى على تعزيز الحوكمة، وتوسيع نطاق الخدمات المنصفة، والارتقاء بمستويات الخدمات المقدمة للسكان، وتعبئة التمويل وتخطيطه وتوجيهه إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا. وهنا يبرز التقرير الحاجة المُلِحّة إلى هذا الدعم المتبادَل في وسط إفريقيا؛ حيث يسجّل التقدم أبطأ وتيراته بوجه عام.
- إعطاء الأولوية للاستثمارات والمبادرات المُوجَّهة للفئات الأكثر ضعفًا:
ويشمل ذلك تخصيص الميزانيات للوصول إلى الفئات الأكثر عُرضة للتهميش، على أن يتم رَصْد الاحتياجات التمويلية والفجوات القائمة في تلبية احتياجات الفئات المهمشة، وإعطاء الأولوية للفئات التي لا تحظى بفرص عمل كافية ضمن مبادرات بناء القدرات، وتنمية الموارد البشرية العاملة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وتطوير الأسواق المرتبطة بهذا القطاع.
- تعزيز النظم الوطنية لجمع بيانات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية وتحليلها:
لتحسين فهم احتياجات الأطفال في إفريقيا، ويتطلب ذلك تحسين توافر البيانات وجودتها لدعم اتخاذ القرارات المتعلقة بمستويات الحصول على الخدمات والتفاوتات في الوصول إليها، كما ينبغي تحسين تصنيف البيانات جغرافيًّا وحسب النوع الاجتماعي، من خلال تطوير المسوح الأسرية، ودعم القدرات، وتعبئة الموارد المحلية، وتعزيز التنسيق والتعاون بين الجهات الخارجية الداعمة وهيئات الرصد والمتابعة.
- أخيرًا، ومع أن جميع مجالات العمل في رؤية إفريقيا للمياه 2063 وسياساتها مهمة، إلا أن هذا التقرير ركّز على المجالات التي تم تقييمها على أنها الأكثر أهمية لإحداث تغيير إيجابي لحياة الأطفال. والتي تمحورت حول: (1) التخطيط والحوكمة والرصد؛ (2) الميزانية والتمويل؛ (3) الاستهداف والإنصاف؛ (4) التنظيم؛ (5) اللامركزية؛ (6) تعزيز القدرات. وقد تم تصنيفها وفقًا لسياسات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، والتي ستساهم مجتمعةً في تحقيق رؤية إفريقيا للمياه، ولا سيما ما يتعلق بحقوق الطفل في مياه آمِنة وخدمات صرف صحي ونظافة صحية مدارة بشكل آمِن.
خاتمة (رؤية تقييمية):
ختامًا، وعقب استعراض أبرز ما جاء في تقرير “حالة أطفال إفريقيا لعام 2026م”، تتضح أهميته في تسليط الضوء على قضية المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية باعتبارها أحد الجوانب الأساسية المرتبطة بحقوق الطفل ومستقبله في القارة. كما تبرز خصوصيته في كونه أول إصدار من نوعه يُخصّص لهذه القضية تناولًا موسعًا في إطار استعراض أوضاع أطفال إفريقيا.
ورغم قيمة وأهمية توقيت صدور التقرير فإنه لا يخلو من بعض التحفظات؛ وفي مقدمتها اعتماده على بيانات ثانوية بالأساس، وإقراره في الصفحات الأولى بأن نتائجه لم تُعرَض على الدول الأعضاء للتحقق منها، كما أن بعض البيانات اعتمدت على تقارير طوعية تعكس تقييم الحكومات لأدائها، ما يَحُدّ من دقتها وقابليتها للمقارنة. كما أن بعض البيانات لا تُميِّز بين الأطفال والبالغين، فتبقى آثار الفجوات على الأطفال في أجزاء من التقرير استنتاجًا لا قياسًا مباشرًا.
فضلًا عن ذلك، يبرز التقرير أهمية تبادل الخبرات بين الدول الإفريقية، لكنّه لا يُوضّح بالقدر الكافي كيف يمكن تنظيم هذا التعاون عمليًّا، أو تحديد الدول التي تمتلك تجارب يمكن الاستفادة منها، أو بناء آليات لنقل الخبرات الفنية والمؤسسية والتمويلية.
في المحصلة، يُمثل التقرير بداية مُهمّة لتطوير رؤية إفريقية أكثر انتظامًا لمتابعة أوضاع الأطفال في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، لكن يظل الاختبار الحقيقي في الخطوات العملية لتحديث البيانات، وتوسيع التعاون الإقليمي، وتوجيه التمويل للمناطق الأكثر احتياجًا.
وأخيرًا، فإن حماية حقوق أطفال إفريقيا لا تكتمل بالاعتراف بها فقط، بل بقدرتنا على جعلها واقعًا معاشًا؛ فالطفل المحروم من حقوقه اليوم هو خطر كامن على استقرار المجتمع في الغد، وكما يذكرنا المثل الإفريقي: “الطفل الذي لا تحتضنه القرية سيحرقها يومًا ما لكي يشعر بدفئها”، لذا، ينبغي ألّا تُرتهن فرص أطفالنا في الحياة الكريمة بمكان ميلادهم أو ظروف عيشهم، ففي نهاية المطاف كما يقول مثل إفريقي آخر: “الأطفال هم مكافأة الحياة”، والاستثمار في حمايتهم هو صون لمستقبل القارة بأَسْرها.
يناقش الفيديو التالي مشكلة عمالة الأطفال في أفريقيا جنوب الصحراء، مسلطاً الضوء على أسبابها وتأثيراتها السلبية على القارة.
مصدر التقرير:
African Union and UNICEF, “STATE OF AFRICA’S CHILDREN 2026 SPECIAL FOCUS ON WATER SANITATION”, (UNICEF African Union Office & African Union Commission, Sep 2026), https://www.unicef.org/esa/media/17411/file/AU%20STATE%20OF%20AFRICA’S%20CHILDREN%20REPORT%202026.pdf.pdf
يمكن الإطلع على التقرير بصيغة pdf











































