رأفت عبد الناصر فتحي أحمد
باحث بالدراسات الإفريقية في التاريخ الإسلامي
بكلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة
ملخص
يتناول البحث دراسة دور القوافل التجارية في بناء الجامع الكبير بمدينة جِنّي في مملكة مالي في القرن 7هـ/13م، باعتباره نموذجاً مُعبّراً عن التفاعل بين النشاط الاقتصادي والممارسات العمرانية والدينية في منطقة السودان الغربي. يهدف البحث إلى الكشف عن الكيفية التي ساهمت بها شبكات القوافل العابرة للصحراء في توفير المواد الأولية اللازمة للبناء مثل الأخشاب والحجارة والطين المحسن، وكذلك في جلب الحرفيين المهرة والتقنيات المعمارية التي نقلت خبرات من شمال إفريقيا إلى مالي.
وقد اعتمدت الدراسة على منهج تاريخي تحليلي يجمع بين المصادر العربية الكلاسيكية والرحلات الجغرافية من جهة، وبين نتائج الاكتشافات الأثرية وتقارير الحفائر التي كشفت عن معطيات مادية متصلة بعمران المساجد والأسواق في المنطقة من جهةٍ أخرى. وتبين من خلال التحليل أن القوافل لم تكن مجرد وسيلة لنقل السلع التجارية كالمِلح والذهب والجلود، بل كانت أيضاً قناة أساسية لانتقال الأفكار الدينية التي عززت مكانة الإسلام في مالي وأسهمت في تحويل الجامع الكبير إلى مركز حضري وثقافي يتجاوز دوره العبادي.
وقد أظهرت النتائج أن الجامع الكبير ارتبط بازدهار النشاط التجاري، حيث إن العوائد الاقتصادية للتجارة مكنت السلاطين والنخب المحلية من تمويل عمليات البناء والتجديد، كما ساعدت على ترسيخ مكانة مالي ضمن أهم شبكات المراكز الإسلامية المؤثرة في بلاد السودان الغربي. وتخلص الدراسة إلى أن بناء الجامع الكبير بمالي لم يكن حدثاً معزولاً، بل ثمرةً مباشرةً لحيوية القوافل التجارية، مما يجعل من العمارة الدينية في تلك الحقبة مرآةً للتكامل بين الاقتصاد والدين والثقافة في فضاء الصحراء والسودان الغربي.
مقدمة
تُشكّل دراسة القوافل التجارية في بلاد السودان الغربي، ولا سيما في مملكة مالي، مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة التفاعلات الحضارية التي شهدتها المنطقة خلال العصر الإسلامي، ذلك أن القوافل لم تكن مجرد وسائل لنقل البضائع، بل كانت جسوراً للتواصل الثقافي والديني والاقتصادي بين مصر وبلاد المغرب العربي وبلاد السودان الغربي، ومن خلال هذه القوافل عرفت مملكة مالي انتشار الإسلام، وازدهار العلم، وتطور العمارة الدينية التي شكّلت أحد أبرز وجوه الحضارة الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء.
وتتجلى أهمية الدراسة بوجهٍ خاص في ارتباطها بالجامع الكبير بمالي، الذي أُنشئ في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، فقد مثّل هذا الجامع علامة بارزة على ازدهار مالي الاقتصادي والديني، وكان شاهداً على حجم الثروة التي وفرتها التجارة العابرة للصحراء، ولم يكن بناء الجامع الكبير مجرد مشروع عمراني، بل كان نتاجاً مباشراً للثروة المتدفقة من القوافل التجارية، ودليلاً على وعي سياسي وديني بأهمية توظيف الموارد الاقتصادية في تعزيز الهوية الإسلامية وترسيخ سلطة الدولة.
من هنا، تأتي أهمية هذا البحث في أنه يربط بين جانبين متكاملين، وهما: الجانب الاقتصادي المتمثل في حركة القوافل التجارية، والجانب الحضاري العمراني المتمثل في بناء جامع كبير أصبح مركزاً للعبادة والتعليم والثقافة، وهذا الربط يفتح آفاقاً جديدة لفهم المجتمعات الإسلامية في إفريقيا، وكيف أسهمت التجارة في تشكيل العمران الديني والثقافي، وهو ما يمنح البحث قيمة علمية وتاريخية متميزة.
أهمية الدراسة
تستمد هذه الدراسة أهميتها من عدة جوانب؛ فمن حيث الأهمية التاريخية تكمن في تناول حقبة حيوية من تاريخ مالي، التي شكّلت إحدى أقوى الممالك الإسلامية في بلاد السودان الغربي، حيث كان القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي مرحلة تأسيس وازدهار سياسي واقتصادي وديني.
ومن حيث الأهمية الاقتصادية تكشف الدراسة عن الدور الجوهري للقوافل التجارية في بناء مؤسسات دينية، مما يوضح كيف كان الاقتصاد عاملاً موجهاً للحياة الاجتماعية والعمرانية.
ومن حيث الأهمية الدينية والثقافية يظهر أن المسجد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل مؤسسة جامعة للعلم والتعلم، مما يعكس دور التجارة في نشر الثقافة الإسلامية وربط مالي بالمراكز الحضارية الإسلامية.
أهداف الدراسة
ينطلق هذا البحث في جملة من الأهداف العلمية والتاريخية التي يسعى إلى تحقيقها، منها:
1- توضيح الدور الاقتصادي للقوافل التجارية في ازدهار مملكة مالي خلال القرن 7ه/13م.
2- بيان أثر التجارة في تشييد الجامع الكبير بوصفه مؤسسة دينية وثقافية، ونتاجاً مباشراً لحركة القوافل.
3- الكشف عن العلاقة بين الثروة الاقتصادية والعمارة الإسلامية في بلاد السودان الغربي.
4- تحليل دور الجامع الكبير كمركز ديني وعلمي ارتبط بفضل القوافل بالعالم الإسلامي الأوسع.
5- إثراء الدراسات التاريخية التي تتناول التفاعل بين الاقتصاد والدين في بناء الرموز الحضارية، وتقديم نموذج يبرز دور التجارة في صياغة العمارة الدينية.
إشكالية الدراسة وتساؤلاتها
تدور إشكالية الدراسة حول السؤال الرئيسي، وهو كيف أسهمت القوافل التجارية في تمويل وبناء الجامع الكبير بمالي في القرن 7ه/13م؟ وينبثق عن هذا السؤال الرئيسي عدد من التساؤلات الفرعية التي توضح مسارات البحث، وهي:
1- ما طبيعة القوافل التجارية التي نشطت في مملكة مالي خلال القرن 7ه/13م؟
2- ما السلع الأساسية التي كانت تنتقل عبر هذه القوافل، وكيف أسهمت في تراكم الثروة؟
3- كيف انعكس النشاط التجاري على ازدهار مالي الاقتصادي والاجتماعي؟
4- ما الدور الذي لعبه الحكام والنخب التجارية في توجيه الثروة نحو المشاريع العمرانية والدينية؟
5- بأي صورة تم توظيف هذه الموارد في بناء الجامع الكبير؟
6- ما الأبعاد الدينية والثقافية التي اكتسبها الجامع الكبير نتيجة ارتباطه بالتجارة؟
منهج الدراسة:
اعتمد البحث على منهج البحث التاريخي بأدواته المختلفة من سرد الأحداث التاريخية ووصفها وتحليلها ونقدها مع مراعاة الترتيب الموضوعي والزمني؛ كما يستند إلى المصادر العربية مثل تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي وغيره، إلى جانب الدراسات الحديثة والأبحاث الأثرية والمعمارية، ووثائق اليونسكو حول التراث العمراني لمدينة جِنِّي.
محتويات الدراسة
أولاً: الإطار العام للقوافل التجارية العابرة للصحراء
تُعَدّ القوافل التجارية عبر الصحراء الكبرى من أبرز الظواهر التاريخية التي شكّلت ملامح بلاد السودان الغربي والأوسط خلال العصر الإسلامي الوسيط، إذ لم تقتصر أهميتها على الجانب الاقتصادي المتمثل في تبادل السلع (الذهب، والملح، والعاج، والنسيج)، وإنما امتدت لتشمل مجالات الفكر والثقافة والدين، وقد ارتبطت نشأة المراكز الحضرية الكبرى في مملكة مالي مثل تمبكتو وجنّي بازدهار هذه القوافل، حيث تحولت من مراكز تجارية إلى مراكز علمية ودينية لعبت دوراً محورياً في توطيد الإسلام وانتشار العمران الديني[1].
يأتي الجامع الكبير في مدينة جنّي مثالاً بارزاً على هذا التفاعل بين النشاط التجاري والعمارة الدينية، فقد ارتبط تأسيسه في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي بازدهار تجارة القوافل التي وفرت الموارد المالية واليد العاملة اللازمة لبنائه، كما جعلت منه مركزاً حضرياً جامعاً لعلوم الدين والتجارة في آنٍ واحد[2].
وبذلك؛ فإن دراسة أثر القوافل التجارية في بناء الجامع الكبير لا تُسهم فقط في فهم طبيعة الاقتصاد في مملكة مالي[3]، بل تكشف أيضاً عن العلاقة الجدلية بين التجارة والدين والعمران في تاريخ بلاد السودان الغربي والأوسط.
1- مفهوم القافلة وأهميتها:
تُعرّف «القافلة» بأنها مجموعة كبيرة من التجار والحيوانات (غالباً الجمال) تتحرك في مسارٍ محدّد عبر الصحراء لنقل البضائع بين منطقتين أو أكثر، وقد مثلت القوافل في بلاد السودان الغربي حلقة الوصل بين الشمال (مصر وبلاد المغرب الإسلامي) والجنوب (بلاد السودان الغربي مالي، غانة، صُنغي)، وقد اتسمت هذه القوافل بالتنظيم الدقيق، حيث كان يقودها «الأدلّاء» الذين يعرفون مواقع الآبار والواحات، كما كان يُفرض على أفرادها نظام صارم لتأمين الرحلة في مواجهة مخاطر الصحراء[4].
كانت هذه القوافل بمثابة وحدات اقتصادية واجتماعية تتألف من مجموعات من التجار والعلماء ووسائل النقل (خاصةً الجمال)، تسير وفق تنظيم محكم عبر مسافات طويلة. وقد لعبت دوراً حيوياً في نقل البضائع بين مصر وبلاد المغرب الإسلامي وبلاد السودان الغربي خلال العصور الإسلامية، عبر شبكة التجارة العابرة للصحراء الكبرى، حيث نقلت القوافل سلعاً قيِّمة مثل الذهب، والملح من الصحراء.
بالإضافة إلى العاج والرقيق، مقابل سلع متنوعة من مصر وبلاد المغرب الإسلامي مثل الأقمشة، والنحاس، والزجاج وكذلك الخيول. وهذه القوافل لم تكن وسيلة نقل فحسب بل كانت قنوات أساسية لتبادل الأفكار وانتشار الحضارة الإسلامية في مجتمعات السودان الغربي، فقد ساهمت في نشر الإسلام تدريجياً بين شعوب السودان مثل غانا، ومالي، وصنغي، وأسهمت في إقامة مراكز تعليمية دينية في المدن مثل تمبكتو، جاو، وجنّي التي أصبحت مراكز للتجارة والعلم.
2- مسالك القوافل عبر الصحراء:
ارتبطت مملكة مالي منذ القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي بشبكة معقّدة من طرق القوافل التجارية التي ربطت بلاد المغرب الإسلامي ببلاد السودان الغربي، ومن أبرز هذه المسالك وأهمها:
أ) طريق (سجلماسة – ولاتة – تمبكتو – جنّي):
يُعدّ هذا الطريق من أقدم الطرق وأكثرها نشاطاً، حيث شكّلت سجلماسة في المغرب محطة رئيسة لاستقبال القوافل التي تحمل الذهب القادم من الجنوب في أعماق السودان الغربي، ولانطلاق القوافل التي تمر عبر ولاتة وتمبكتو وصولاً إلى جنّي التي عُدّت مركزاً للتجارة والعبور[5].
كانت القوافل تمر عبر ولاتة وهي مركز حدودي مهم، ثم تصل إلى تمبكتو التي سرعان ما أصبحت مدينة علمية وتجارية كبرى، قبل أن تتجه نحو جنّي التي مثلت عقدة مواصلات وتجارية مهمة في الداخل الإفريقي، وهذا الطريق لم يقتصر على نقل البضائع فحسب، بل كان معبراً للأفكار والثقافة الإسلامية، مما جعل منه عاملاً رئيساً في إسلام المجتمعات الإفريقية وربطها بالمراكز الحضارية في المغرب والأندلس.
ب) طريق (تغازة – ولاتة – تمبكتو):
تخصص هذا الطريق في تجارة الملح المستخرج من مناجم تغازة شمال الصحراء، والذي كان يُنقل بكميات كبيرة عبر القوافل ليُبادل بالذهب في مناطق مالي. وتكتسب تجارة الملح هنا بُعداً إستراتيجياً، حيث لم يكن الملح مجرد سلعة غذائية، بل كان مادة أساسية لحفظ الطعام وتنظيم الحياة الاقتصادية[6]، حتى إن قيمته في بعض الفترات قاربت قيمة الذهب، وهو ما خلق توازناً تجارياً حيوياً بين شمال إفريقيا وجنوبه، وهذا يفسر لماذا كانت السيطرة على مناجم الملح وطرق نقله مسألة سياسية واقتصادية محورية في صراعات الممالك الإفريقية.
ج) المسالك الشرقية نحو تادمكّة:
مثلت هذه الطرق امتداداً تجارياً نحو الشرق، إذ ربطت النيجر الأوسط بالمناطق الشرقية لمالي، ومن هناك إلى طرق التجارة التي تؤدي إلى مصر عبر واحات الصحراء مثل الكُفرة ودارفور[7]، وهذا الربط أتاح لمملكة مالي الانفتاح على المجال التجاري الشرقي، وربطها بالطرق المؤدية إلى وادي النيل والعالم العربي المشرقي، كما ساهم في إدماج مالي ضمن شبكة التجارة الإسلامية الأوسع، بما في ذلك تجارة الذهب، والرقيق، والعاج، والمنتجات الزراعية.
كما أن انتظام هذه المسالك يعكس مستوى التنظيم العالي لشبكة القوافل، حيث كانت تتطلب معرفة دقيقة بالآبار والواحات، وتنظيماً للأمن، فضلاً عن دفع رسوم المرور والضرائب للسلطات المحلية التي استفادت مالي من عوائدها في تعزيز سلطتها السياسية والعسكرية، كما أن ارتباط مملكة مالي منذ القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي بشبكة واسعة ومعقّدة من المسالك القافلية، أي الطرق التي سلكتها القوافل التجارية العابرة للصحراء الكبرى لربط شمال إفريقيا (المغرب الإسلامي) ببلاد السودان الغربي، مثلت شرايين اقتصادية وثقافية ودينية ساهمت في تكوين هوية مالي وربطها بالعالم الإسلامي، ولم تكن مجرد طرق للنقل.
وتكشف طرق القوافل التجارية عن مدى التكامل الاقتصادي بين شمال إفريقيا (المغرب الإسلامي) وبلاد السودان الغربي، حيث لعبت مالي دور الوسيط الرئيسي في تجارة الذهب والملح، كما توضح أن هذه المسالك لم تكن اقتصادية فقط، بل ساهمت في نشر الإسلام واللغة العربية، وتبادل المعرفة والثقافة المختلفة، وهو ما جعل مالي أحد أهم المراكز الحضارية الإسلامية في إفريقيا خلال العصر الإسلامي الوسيط.
3- السلع التجارية الرئيسة المتبادلة:
اعتمدت تجارة القوافل على تبادل سلع ذات طابع تكاملي بين الشمال (المغرب الإسلامي) والجنوب (بلاد السودان الغربي)، حيث توضّح المصادر أن السلع المتبادلة لم تكن متشابهة أو متكررة، بل كانت ذات طبيعة تكاملية، أي أنّ كل منطقة كانت تُصدّر منتجات لا تتوفر في الأخرى، مما جعل عملية التبادل مجدية وضرورية، وتمثلت فيما يلي:
أ) من الشمال: الملح، النسيج، الخيول، النحاس، بعض الصناعات المعدنية، إضافةً إلى التوابل.
ب) من الجنوب: الذهب، العاج، الرقيق، الجلود، الحبوب (الدخن والذرة)[8].
فمن الشمال (الذي يتمثل في بلاد المغرب الإسلامي) كان يأتي الملح الذي كان مادة حيوية لحفظ الطعام وتعويض الأملاح المفقودة في بيئة حارة، إضافةً إلى الخيول التي كانت عنصراً مهماً في القوة العسكرية والسياسية، والنسيج والصناعات المعدنية التي عكست مستوى الحرفية في مدن المغرب والأندلس؛ ومن الجنوب (الذي كان يتمثل في بلاد السودان الغربي) كان يأتي الذهب الذي شكّل العمود الفقري للاقتصاد النقدي، والعاج الذي استُخدم في الصناعات الفاخرة، والرقيق الذي كان جزءاً من النظام الاقتصادي والاجتماعي آنذاك، وكذلك الجلود والحبوب التي كانت تمثل موارد غذائية وتجارية أساسية.
وهذا التبادل لم يكن محصوراً في نطاق إقليمي ضيق، بل جعل من بلاد السودان الغربي، وخصوصاً مملكة مالي، جزءاً حيوياً من حركة التجارة الدولية في العصر الإسلامي، فالمعادن النفيسة القادمة من هناك- وعلى رأسها الذهب– اندمجت في الدورة الاقتصادية للحوض المتوسط وأوروبا.
وقد جعل هذا التكامل من السودان الغربي أحد أهم المراكز الاقتصادية في العالم الإسلامي الوسيط، حتى إن الذهب المالي مثّل عصب الاقتصاد النقدي في حوض البحر المتوسط وأوروبا في تلك الفترة، وكان الذهب القادم من مناجم بورِه Bure في مناطق غينيا الحالية وبيغو Bitu/Bighu في غانا يمثل أساس الثروة التجارية لمملكة مالي، حتى إن النقود الذهبية الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي كانت تعتمد بشكل كبير على ذهب السودان الغربي[9].
وهذا يوضح دور الذهب المالي في الاقتصاد المتوسطي والأوروبي، وأن اقتصاديات أوروبا لم تكن مستقلة تماماً، بل كانت مرتبطة بشكل مباشر بالموارد الإفريقية عبر شبكات التجارة الإسلامية؛ كما يوضح أيضاً البعد الحضاري في ذلك الوقت، فهذه التبادلات لم تكن اقتصادية فحسب، بل حملت معها مؤثرات ثقافية وحضارية، حيث انتقلت الأفكار واللغة والعلم والدين (الإسلام) على طول طرق القوافل، مما جعل الصحراء الكبرى ليست حاجزاً، بل جسراً حضارياً واقتصادياً يربط بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي.
4- حجم القوافل وأثرها الحضاري:
تُشير المصادر إلى أن القوافل كانت تضم في بعض الأحيان ما بين 1,000 و3,000 جمل، محمّلةً بالذهب، والملح، والنسيج، والعاج، وكان لكل قافلة رئيس أو شيخ القافلة يتولى إدارة شؤونها، ومعه الأدلّاء الذين يمتلكون خبرة جغرافية دقيقة، كما وفّرت هذه القوافل مصدراً مهماً للدخل للسلطات في مالي من خلال الضرائب المفروضة على العبور والتجارة، وهو ما يفسر القوة الاقتصادية التي تمتعت بها المملكة في القرن السابع الهجري[10].
تُظهر المصادر التاريخية هنا أن القوافل التجارية العابرة للصحراء الكبرى لم تكن مجرد رحلات تقليدية، بل مؤسسات اقتصادية كبرى تعكس مستوى عالياً من التنظيم والقدرة على الإدارة. فقد ضمّت القافلة الواحدة في بعض الأحيان ما بين ألف إلى ثلاثة آلاف جمل محمّلةً بسلع إستراتيجية، مثل الذهب الذي شكّل أساس الاقتصاد النقدي في العالم الإسلامي، والملح الذي كان مادة حيوية في بيئة السافانا ويُساوي أحياناً وزنه ذهباً.
إضافةً إلى النسيج والعاج بوصفهما من السلع ذات القيمة التجارية العالية، وكان لهذه القوافل قيادة مركزية تمثّلت في شيخ القافلة الذي تولّى تنظيم شؤونها وإدارة مسارها، إلى جانب الأدلّاء الذين امتلكوا خبرة جغرافية دقيقة بمسالك الصحراء وموارد المياه، وهو ما أتاح لها الاستمرار في رحلات طويلة محفوفة بالمخاطر.
كما استفادت الممالك والإمبراطوريات من هذا النشاط من خلال الضرائب المفروضة على العبور والتجارة، وهذا الأمر جعل القوافل مصدراً أساسياً لدخل مملكة مالي، وأسهم في ترسيخ قوتها الاقتصادية في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، بما يعكس الدور المحوري للتجارة في بناء ازدهار الدولة وتوسّع نفوذها السياسي والحضاري.
لم تكن القوافل التجارية مجرد ظاهرة اقتصادية، بل كانت أيضاً قناة لنشر الإسلام واللغة العربية، إذ انتقلت عبرها المصاحف، والكتب الفقهية، والعلماء الذين استقروا في مدن مالي الكبرى، وأسهموا في بناء المؤسسات الدينية مثل المساجد والمدارس القرآنية. وهكذا كان للقوافل دورٌ مزدوج اقتصادي وحضاري، مهّد لظهور مدن كبرى مثل تمبكتو وجنّي بوصفها مراكز تجارية ودينية مزدهرة[11].
لم تقتصر القوافل التجارية في بلاد السودان الغربي على وظيفتها الاقتصادية المتمثلة في تبادل السلع المهمة، بل تجاوزت ذلك لتصبح وسيلة فعّالة في نقل الثقافة الإسلامية ومقوماتها الحضارية، فقد حملت هذه القوافل معها المصاحف والكتب الفقهية.
إلى جانب العلماء والفقهاء الذين استقروا في المراكز الحضارية الكبرى مثل تمبكتو وجنّي، وأسهموا في تأسيس المساجد والكتاتيب التي أصبحت بدورها مؤسسات تعليمية ودينية مؤثرة في نشر العقيدة الإسلامية وتعزيز مكانة اللغة العربية لغةً للعلم والدين، ومن ثَمّ فإن دور القوافل كان مزدوجاً، إذ مثّلت شرياناً اقتصادياً يغذّي الأسواق بالذهب والملح وسائر السلع، وفي الوقت نفسه قناة حضارية نشرت قيم الإسلام وأسست لنهضة فكرية ودينية، وهو ما يفسر تحوّل مدن مثل تمبكتو إلى مراكز مزدهرة تجمع بين النشاط التجاري والحياة العلمية والدينية في آنٍ واحد.

ثانياً: مملكة مالي والسياق السياسي والثقافي
في القرن 7هـ/13م:
1- نشأة مملكة مالي وصعودها السياسي والاقتصادي:
ظهرت مملكة مالي كقوة إقليمية بعد سقوط مملكة غانة في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، فنشأت في مطلع القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، حيث برزت قبيلة الماندينغ بقيادة سوندياتا كيتا Sundiata Keita (633-653ه/1235-1255م) مؤسس الدولة بعد انتصاره في معركة كيرينا Kirina حوالي سنة 1235م، مما أتاح له توحيد قبائل الماندينغ وبسط نفوذه على المناطق الغنية بالذهب في بورِه Bure وبيغوBighu.
وقد شكلت هذه السيطرة على مناجم الذهب الأساس الاقتصادي لنشأة الدولة، وسمحت لها بالتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة؛ كما ساعد موقع مالي الجغرافي على ضفاف نهر النيجر في تأمين طرق المواصلات الداخلية، وربط مناطق الزراعة بمراكز التجارة، وهو ما عزز بنيتها الاقتصادية وساهم في نموها الحضري والسياسي[12]، وتحولها إلى قوة مؤثرة في العالم الإسلامي وإفريقيا جنوب الصحراء.
2- أثر القوافل التجارية في تكوين السلطة المركزية:
لعبت القوافل التجارية عبر الصحراء دوراً رئيسياً في ترسيخ السلطة المركزية لملوك مالي؛ واتسمت مملكة مالي بنظام إداري مركزي، حيث كان السلطان (مانسا) يتمتع بسلطة مطلقة، يدعمه عدد من الولاة المحليين والزعماء القبليين.
كما اعتمدت المملكة في تسيير شؤونها على نظام يسمى «النيامنكالُو» (هم فئات اجتماعية متخصصة تحتكر حرفاً معينة، كالمغنين (الجريوت) والحدادين وصانعي الجلود، وكانت تتمتع بمكانة تجمع بين التقدير والتحفظ داخل المجتمع)، و«الهورون» (هم النبلاء المحاربون) الذين كانوا يشكلون الطبقة الحاكمة، إلى جانب العلماء والفقهاء الذين وفروا الشرعية الدينية للحكم.
وهذا النظام السياسي ساعد على بسط نفوذ مالي على مساحات واسعة امتدت من نهر السنغال غرباً إلى نهر النيجر شرقاً، حيث مكّن المملكة من أن تفرض ضرائب ورسوم على القوافل العابرة، مما وفر لها موارد مالية مهمة استُخدمت في تمويل الجيش وبناء المراكز الإدارية[13].
كما أن سيطرة المملكة على مراكز تجارية، مثل نِياني Niani (العاصمة) وجنّي Djenné وتمبكتو Timbuktu، مكنتها من مراقبة حركة التجارة وضمان تدفق البضائع، وهو ما عزز شرعية السلطة الملكية أمام القبائل والنخب المحلية؛ كما تشير الأدلة الأثرية المكتشفة في موقع جنّي جنّو Jenne-jeno إلى أن هذه المراكز الحضارية لعبت دور الوسيط التجاري منذ فترات مبكرة، وقد استوعبتها مالي لاحقاً ضمن منظومتها الإدارية[14]. وهو ما يعكس تكامل البعدين السياسي والاقتصادي في بناء قوة المملكة.
3- القوافل التجارية ونشر الإسلام والاتصال بالعالم الإسلامي:
لم تكن القوافل وسيلة للتبادل الاقتصادي فحسب، بل كانت أيضاً قناة أساسية لنشر الإسلام والثقافة العربية في بلاد السودان الغربي، فقد حمل التجار معهم المصاحف والكتب الفقهية، وجلبوا العلماء والفقهاء الذين أسسوا المدارس القرآنية والمساجد، خصوصاً في مدن مثل تمبكتو وجنّي.
وقد ساعد هذا في ترسيخ الإسلام ديناً للنخب الحاكمة والتجار، ومن ثَمّ تعزيزه كإطار ثقافي واجتماعي في المملكة، إضافةً إلى ذلك وفّرت هذه القوافل جسوراً دائمة للاتصال بالعالم الإسلامي، سواء من خلال الحج إلى مكة أو من خلال العلاقات التجارية مع بلاد المغرب الإسلامي ومصر، وهذا الأمر أدخل مالي في شبكة العالم الإسلامي الأوسع[15].
وارتبط صعود مملكة مالي بانتشار الإسلام الذي وصلها عبر القوافل التجارية والعلماء القادمين من الشمال، وقد أسلم سوندياتا كيتا وعدد من خلفائه، مما منح المملكة شرعية دينية إضافية في العالم الإسلامي، وأدى هذا التبنّي للإسلام إلى ظهور حركة عمرانية دينية تمثلت في بناء المساجد والمدارس القرآنية، وكان للعلماء القادمِين مع القوافل دور بارز في ترسيخ التعاليم الإسلامية وتطوير الحياة الفكرية[16].
وبرزت مالي في القرن السابع الهجري كمركز علمي، خصوصاً في مدينتَي جنّي وتمبكتو اللتين أصبحتا ملتقى للعلماء والفقهاء، ومن خلال بناء المساجد الكبرى مثل الجامع الكبير في جنّي، وتم تأسيس مدارس قرآنية ومكتبات دينية، وقد ساهمت القوافل في تزويد هذه المراكز بالمخطوطات العربية والكتب الفقهية، مما جعل مالي جزءاً من شبكة المعرفة الإسلامية العالمية[17].

ثالثاً: مدينة جني بوصفها مركزاً تجارياً حضرياً:
1- الموقع الجغرافي للمدينة:
تقع مدينة جنّي Djenné على جزيرة في دلتا نهر النيجر الداخلية، على الضفة الشرقية لنهر الباني، وهي منطقة تتميّز بكثرة المجاري المائية والمستنقعات الموسمية، الأمر الذي جعلها نقطة وصل طبيعية بين النقل النهري والتجارة البرية، وتأسست مدينة جنّي في عام 184ه/800م، وهي من أقدم مدن السودان الغربي.
وقد مكّنها هذا الموقع من أن تكون محطة تجمُّع للبضائع القادمة عبر القوافل من شمال إفريقيا كالملح من تغازة والخيول من المغرب، ومن الجنوب الذهب والعاج والرقيق من بلاد السودان الغربي، كما أتاح موقعها أيضاً السيطرة على جزء من تجارة الحبوب والأسماك والسلع الزراعية المنتجة في دلتا النيجر، وهو ما جعلها سوقاً إقليمية ودولية في آنٍ واحد.
أثبتت الحفريات الأثرية في موقع جنّي-جنو Djenné-Djenno أن المنطقة شهدت استيطاناً حضارياً متواصلاً منذ القرن الثالث قبل الميلاد، مما يدل على أن البنية التجارية والحضرية لجنّي لم تكن وليدة القرن 7هـ/13م بل ثمرة تطور طويل الأمد؛ ويقع المسجد في مدينة جنّي التي تُعدّ أحد المراكز الإسلامية والثقافية، والتي أصبحت مركزاً للتجارة والتجار الذين ينقلون بضائعهم كالملح والذهب والرقيق من بلاد السودان الغربي والأوسط[18].
2- الأسواق الكبرى ووظائفها:
تُمثل أسواق مدينة جنّي إحدى الركائز الحيوية في البنية الاقتصادية والاجتماعية لبلاد السودان الغربي خلال العصور الإسلامية، حيث لم تكن مجرد فضاءات للتبادل التجاري المباشر، بل كانت مؤسسات متعددة الوظائف لعبت دوراً مركزياً في ترسيخ شبكة العلاقات الاقتصادية والثقافية العابرة للصحراء.
فقد توزعت هذه الأسواق بين أسواق مركزية متخصصة في السلع الإستراتيجية ذات البعد الإقليمي والدولي مثل الملح والذهب والخيول والنحاس، وأسواق محلية ارتبطت بالاحتياجات اليومية للسكان من الحبوب والأسماك والفخار وسائر المنتجات الغذائية والحرفية، وهذا التمايز يعكس مستوى متقدماً من التنظيم الاقتصادي، حيث ارتبطت الأسواق المركزية بحركة القوافل والتجارة بعيدة المدى، بينما مثّلت الأسواق المحلية حلقة وصل مع الاقتصاد الزراعي المحيط بالمدينة[19].
وإلى جانب وظيفتها التجارية، اضطلعت الأسواق بدورٍ مالي وإداري غير رسمي، تمثل في إرساء آليات الائتمان، وتحديد مقاييس الوزن، وتنظيم العقود التجارية، وهو ما أظهر وجود أعراف اقتصادية متوارثة لعبت دوراً شبيهاً بالمؤسسات المصرفية البدائية.
أكدت نتائج التنقيبات الأثرية في موقع جنّي-جنو هذه الوظائف، إذ كشفت عن وجود مخازن تجارية واسعة لحفظ السلع، وأدوات دقيقة للوزن، ومعادن مستوردة من مناطق بعيدة، وهو الأمر الذي يعكس مدى اندماج جنّي في الشبكات التجارية العابرة للإقليم، ويبرهن على الدور المحوري الذي اضطلعت به في تنشيط التجارة بين الشمال والجنوب، وربط الأسواق المحلية بالحركة الاقتصادية الدولية[20].
كما شكّلت هذه الأسواق فضاءات اجتماعية وثقافية فاعلة، إذ التقت فيها جماعات مختلفة من التجار المحليين والأجانب القادمين من مصر والمغرب والأندلس، إلى جانب تجار بلاد السودان، وهو ما أتاح تبادل الخبرات والأنماط الاجتماعية والقيم الثقافية، ومن خلال هذا التفاعل المتعدد الأبعاد تحولت أسواق جنّي إلى مراكز لنقل الأفكار والعادات واللغة.
وأسهمت في بلورة مشهد حضاري متميز جمع بين التأثيرات المحلية والإسلامية. وبذلك يمكن القول إن أسواق جنّي لم تكن مجرد إطار اقتصادي محدود، بل فضاءً مركباً أفرز ديناميكيات اقتصادية وثقافية واجتماعية كان لها أثر بالغ في تشكيل هوية بلاد السودان الغربي وتعزيز موقعها ضمن الاقتصاد الإسلامي[21].
3- العلاقة بين السوق والجامع:
تُبرز التجربة الحضرية في مدينة جنّي أن العلاقة بين السوق والجامع لم تكن علاقة مكانية أو وظيفية بسيطة، بل شكّلت إطاراً مؤسسياً متكاملاً يربط بين المجالين الاقتصادي والديني في نسيج المدينة، وقد ارتبط السوق المركزي بالجامع الكبير ارتباطاً وثيقاً، حيث أُقيم الجامع بمحاذاة السوق ليصبح مركزاً للشرعية الدينية والسياسية التي تنظّم أنشطة السوق وتضفي عليها المشروعية الإسلامية.
هذا التمركز المكاني لم يكن عفوياً، بل يعكس وعياً حضارياً بأهمية الجمع بين سلطة الدين وسلطة الاقتصاد في فضاء حضري واحد، بحيث يقوم المسجد بدور الضابط الأخلاقي والشرعي، بينما يمثّل السوق المجال الحيوي لتبادل السلع وإدارة المعاملات التجارية.
ومن ناحية أخرى؛ لم تكن العلاقة أحادية الاتجاه، إذ لعبت النخب التجارية دوراً محورياً في دعم المؤسسة الدينية من خلال الأوقاف والتمويلات المخصصة لبناء وصيانة الجامع الكبير، وقد شكّل هذا الدعم المادي تجسيداً رمزياً للتوازن بين الاقتصاد والدين، حيث أعاد التجار استثمار مكاسبهم التجارية في تعزيز المكانة الروحية والعلمية للمدينة.
وهو ما رسّخ شرعيتهم الاجتماعية وعزّز نفوذهم السياسي، وبهذا المعنى أصبح المسجد رمزاً لشرعية مزدوجة، وهي شرعية دينية تنبع من رسالته الروحية والتعليمية، وشرعية اقتصادية نابعة من كونه ثمرة مساهمة الطبقة التجارية[22].
كما أن العلاقة بين السوق والجامع اتسعت لتشمل المجال التعليمي والفقهي، إذ اضطلع العلماء بدور جوهري في تقنين المعاملات المالية وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما عزّز من ثقة التجار المحليين والأجانب، ولا سيما القادمون من المغرب ومصر، في سلامة النشاط التجاري ونزاهته، وقد انعكس هذا الدور على ترسيخ مكانة جنّي كمركز رئيسي في الشبكات التجارية العابرة للصحراء، حيث كان تلازم التجارة بالعلم والدين عنصراً أساسياً في جاذبية المدينة[23].
وتؤكد المصادر التاريخية وتقارير اليونسكو وأوصاف الرحالة العرب، ومنهم ابن بطوطة، أن الجامع لم يكن مجرد مؤسسة دينية، بل كان القلب النابض للمدينة، وأن السوق والمسجد معاً شكّلا الركيزة الأساسية لشرعية جنّي وحيويتها الحضارية، فالمدينة لم تُبْنَ فقط على أساس اقتصادي يقتصر على المبادلات التجارية، ولا على أساس ديني محض، بل على تكامل المؤسستين في بنية حضرية متفاعلة جعلت من جنّي نموذجاً فريداً في بلاد السودان الغربي لارتباط الاقتصاد بالدين في صياغة الشرعية السياسية والاجتماعية[24].
رابعاً: بناء الجامع الكبير في جني:
1- قصة التأسيس (رواية تاريخ السودان عن كوي كُنبرُو):
تُجمع المصادر التاريخية، سواء المحلية منها أو العربية، على أن نشأة الجامع الكبير في جنّي ارتبطت بتحول ديني وسياسي مهم في تاريخ المنطقة، فقد أورد المؤرخ عبد الرحمن السعدي (ت 1066هـ/1655م) في كتابه (تاريخ السودان) رواية محلية بالغة الأهمية عن تأسيس المسجد، ووفقاً لهذه الرواية، كان حاكم جنّي المسمى كوي كُنبرُو Koi Kunboro من أبرز الزعماء المحليين في القرن 7ه/13م.
وقد اعتنق الإسلام بعد أن عاش فترة من حياته متمسكاً بالمعتقدات التقليدية السائدة في المنطقة، فعقب إسلامه اتخذ خطوة رمزية بالغة الدلالة، حيث هدم قصره الذي كان يمثل رمز السلطة التقليدية، وشيد مكانه مسجداً جامعاً، ليكون معلماً دينياً ومركزاً للتعليم الشرعي الإسلامي، ورمزاً رسمياً لدخول المدينة في دائرة الحضارة الإسلامية[25].
وحمل هذا القرار دلالات متعددة لا تقتصر على الطابع الديني فحسب، بل تتجاوز إلى أبعاد سياسية واجتماعية، فاختيار الحاكم لموقع قصره السابق لبناء المسجد يعكس انتقال السلطة الرمزية من المجال الدنيوي إلى المجال الديني الإسلامي، مما أضفى شرعية جديدة على حكمه.
وبذلك، يمكن القول إن المسجد لم يكن مجرد مؤسسة دينية، بل كان أيضاً وسيلة سياسية لترسيخ سلطة الحاكم بعد إسلامه، ودمج المدينة في شبكة العلاقات الإسلامية الواسعة التي امتدت من المغرب والأندلس شمالاً إلى بلاد السودان الغربي جنوباً[26].
إلى جانب ذلك، ساهم بناء الجامع في تحويل جنّي إلى مركز إقليمي ذي مكانة بارزة، إذ أصبح ملتقى للتجار المسلمين القادمين من شمال إفريقيا، إلى جانب العلماء والفقهاء الذين وجدوا فيه بيئة ملائمة لنشر التعليم الإسلامي، وقد عزز هذا من دور المدينة في الحركة التجارية العابرة للصحراء، حيث شكّل المسجد فضاءً جامعاً يلتقي فيه النشاط الاقتصادي بالبعد الثقافي والديني، وهو ما جعل من جنّي إحدى أبرز المدن الإسلامية في السودان الغربي[27].
كما أن هذه الرواية التاريخية تكشف عن مدى تأثير الإسلام في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية للمدن بالسودان الغربي في العصور الإسلامية، فقد أصبحت المساجد الكبرى ومنها جامع جنّي مؤسسات جامعة تؤطر حياة المجتمع دينياً وتعليمياً واقتصادياً، فضلاً عن كونها رمزاً ملموساً لتحول المجتمع من البنية التقليدية المحلية إلى الفضاء الإسلامي الأشمل. ومن هنا، يكتسب مسجد جنّي قيمته التاريخية بوصفه شاهداً على التحولات العميقة التي شهدتها بلاد السودان الغربي في تلك الحقبة[28].
2- مواد البناء (الطوب اللَّبن، النخيل، الصيانة الموسمية):
اعتمد بناء الجامع الكبير في جنّي على مواد محلية بسيطة لكنها ذات فعالية عالية، تتناسب مع طبيعة البيئة النهرية والمناخية في دلتا النيجر، فقد استُخدم الطوب اللَّبن (الطين المجفف تحت أشعة الشمس) كعنصر أساسي في تشييد الجدران والكتل المعمارية الكبرى، وهو أسلوب شائع في عمارة وادي النيجر منذ العصور المبكرة، وتأتي أهمية هذه المادة من توافرها بكميات كبيرة في البيئة المحلية، وسهولة تشكيلها، وقدرتها على مقاومة الحرارة، فضلاً عن كونها تعكس استمرارية تقاليد البناء الطيني في منطقة الساحل والسودان الغربي[29].
إلى جانب الطوب اللَّبن لعبت أخشاب النخيل دوراً إنشائياً وجمالياً مميزاً في تصميم المسجد، فقد وُظِّفت كدعامات أفقية بارزة تُعرف محلياً باسم تورون Toron، وهي تمتد إلى خارج واجهات المسجد لتشكل شبكة من الأعمدة الخشبية الظاهرة، هذه التقنية لم تكن مجرد حل إنشائي لتثبيت الجدران الطينية الضخمة ومنعها من الانهيار، بل ساعدت أيضاً في مواجهة الظروف المناخية، من أمطار غزيرة ورطوبة عالية، كما أن هذه الدعامات الخشبية استُخدمت عملياً سلالم لتسهيل عمليات الترميم السنوي للجدران، ما يوضح تداخل العمارة مع الممارسة الاجتماعية والدينية اليومية[30].
وتُعدّ عملية الصيانة الموسمية Crepissage من أبرز الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالجامع الكبير في جنّي حتى وقتنا الحاضر، ففي كل عام وخلال موسم محدد بعد انقضاء الأمطار، يجتمع سكان المدينة رجالاً ونساءً وأطفالاً في حدث جماعي لترميم المسجد، حيث يقومون بإعادة تغطية جدرانه بطبقة جديدة من الطين.
هذه المشاركة الواسعة لا تقتصر على كونها عملية تقنية للحفاظ على استدامة المبنى، بل تُعدّ أيضاً طقساً اجتماعياً وثقافياً يعكس انتماء السكان إلى مدينتهم، ويُجسد علاقة العضوية بين المجتمع والمعمار، فالجامع ليس مجرد بناء مادي، بل هو مؤسسة اجتماعية حية تعكس استمرارية التقاليد وتعزز الهوية الجمعية لسكان جنّي[31].
وعليه، فإن دراسة مواد البناء وتقنيات العمارة في جامع جنّي تكشف عن تفاعل معقد بين البيئة والعمارة والمجتمع، فالطين والنخيل لم يكونا مجرد موارد مادية، بل شكّلا جزءاً من الثقافة المكانية التي حولت المسجد إلى معلمٍ جامعٍ بين الوظائف الدينية والتعليمية والاجتماعية، ومن ثَمّ، فإن الجامع الكبير في جنّي يُعدّ نموذجاً متفرداً للعمارة الطينية في بلاد السودان الغربي، حيث تتجسد فيه استمرارية التقاليد المحلية مقرونةً بالرمزية الإسلامية العالمية.
3- العمال المهرة والبنّاؤون:
يُعَدّ البنّاؤون المحليون الذين عُرفوا في جنّي باسم «الباري» Barey الركيزة الأساسية في تشييد الجامع الكبير وصيانته الدورية، فقد تميّز هؤلاء البنّاؤون بمهارات خاصة في استخدام تقنيات البناء الطيني، وهو ما جعلهم طبقة مهنية لها مكانة مميزة داخل المجتمع، ومن خلال تراكم الخبرة عبر الأجيال، تحولت هذه الفئة إلى ما يشبه نقابة مهنية أو شيخ حرفة تحافظ على تقاليد البناء وتضمن استمرارية المعرفة المعمارية المحلية، وهذه النقابة لم تكن مجرد مؤسسة مهنية بل كياناً يحمل رمزية اجتماعية وثقافية مرتبطة بالهوية الحضرية لمدينة جنّي[32].
ولعب البنّاؤون (الباري) دوراً يتجاوز الوظيفة التقنية للبناء، إذ مثّلوا حَمَلة معرفة معمارية مقدسة ترتبط بالبنية الرمزية للمجتمع، فعملية البناء في جنّي لم تكن مجرد نشاط إنشائي مادي، بل ارتبطت بمعتقدات دينية واجتماعية عميقة، فقد اعتبر السكان المسجد مؤسسةً حية، بينما اعتُبر البنّاؤون وسطاء يضمنون استمرار العلاقة بين المجتمع وبيئته، من خلال المحافظة على الطابع المادي والرمزي للجامع، ومن ثَمّ، اكتسبت خبراتهم بُعداً شبه مقدّس، إذ ارتبطت بمفهوم البركة وباستمرارية الإسلام في المنطقة[33].
وتُظهر الدراسات الإثنوغرافية أن حرفة البنّائين في جنّي كانت تتمتع بقدر كبير من التنظيم الداخلي، قائم على تقسيم العمل والترتيب المهني، حيث يتدرّب الصغار على أيدي الشيوخ، وتنتقل المعرفة عبر التعلم بالممارسة، مما ساعد على الحفاظ على أسلوب البناء الطيني التقليدي رغم التحولات الزمنية، كما أن هذه النقابة لعبت دوراً مهماً في بناء الهوية المحلية، إذ ساهمت في ربط سكان المدينة بتاريخهم المعماري وإبراز خصوصيتهم الثقافية مقارنةً بغيرهم من مدن السودان الغربي[34].
أما من الناحية التاريخية، فتشير الوثائق الفرنسية التي تعود إلى القرن التاسع عشر إلى أن نقابة البنّائين كانت الجهة المخوّلة رسمياً للإشراف على أعمال صيانة الجامع الكبير وتنظيم عملية التجصيص السنوي crepissage، وقد أوضحت هذه الوثائق أن عمليات الترميم لم تكن مجرد عمل تقني بل مناسبة اجتماعية تُظهر تلاحم المجتمع، حيث يعمل البنّاؤون كقادة لعملية ترميم كبرى يشارك فيها عامة السكان، وهذه المركزية جعلت من النقابة عنصراً حاسماً في استمرارية المسجد لقرون، على الرغم من طبيعة المواد الطينية الهشة[35].
وبذلك؛ يمكن القول إن حرفة البنّاء (الباري) لم تكن مجرد حرفة مهنية للبنّائين، بل مؤسسة ذات بعد اجتماعي وروحي، ضمنت استمرارية تقاليد البناء الطيني وحافظت على قدسية الجامع الكبير كرمز ديني وثقافي، ومن خلال ممارساتها يتجلى كيف ساهمت المعرفة الحرفية المحلية في صنع أحد أبرز المعالم الإسلامية في بلاد السودان الغربي، الذي جمع بين المهارة التقنية والرمزية الدينية والاجتماعية.
4- الوصف المعماري للمسجد:
يُعدّ الجامع الكبير في مدينة جِنِّي أحد أبرز الشواهد المعمارية في بلاد السودان الغربي، إذ يمثل نموذجاً فريداً للعمارة الطينية التي ازدهرت في حوض النيجر، ويعكس في الوقت ذاته تفاعلاً حضارياً بين العناصر المحلية والتأثيرات الإسلامية، فالجامع بواجهته الأمامية الضخمة وأبراجه الثلاثة التي تعلوها الأخشاب البارزة المعروفة محلياً باسم تورون Toron، يجسّد أسلوباً معمارياً يجمع بين القوة الرمزية والمكانة الدينية، هذه الأبراج ليست مجرد عناصر زخرفية، بل أيضاً مكوّنات وظيفية تُسهّل صيانة الجدران الطينية عند تجديدها سنوياً، وهو ما يعكس تكيّف العمارة مع طبيعة المناخ والمواد المحلية[36].
ويمتاز المسجد بوجود مئذنة مركزية شاهقة تعطي المبنى طابعاً مهيباً، وتُبرز أهميته الدينية والاجتماعية في قلب المدينة، أما الفناء الداخلي الواسع وقاعة الصلاة التي تستند على أعمدة طينية سميكة، فهما يقدمان صورة واضحة عن تكيّف الفن المعماري مع الاحتياجات العملية لجماعة المسلمين، إذ تسمح هذه المساحات باستيعاب أعداد كبيرة من المصلين، وتعكس في الوقت نفسه بساطة ومرونة المواد الطينية مقارنةً بالحجر، كما أن استخدام الطوب اللبن (الطوب الطيني المجفف بالشمس) يرتبط بعمق بالبيئة المحلية وبتقاليد البناء المتوارثة منذ قرون، مما يُظهر استمرارية واضحة بين العمارة التقليدية والمباني الدينية الكبرى[37].
ويُعدّ البرج الأوسط أو المئذنة المركزية من أبرز العناصر المعمارية، إذ يعلو البناء بشكل واضح، مما يضفي على المسجد طابعاً مهيباً ويؤدي وظيفة دينية تتصل بالآذان، وهذا البرج لا يمثل مجرد عنصر وظيفي، بل يرمز إلى مركزية الإسلام في حياة أهل جنّي، ويُعبّر عن امتداد صوت الجماعة المسلمة عبر الأفق العمراني للمدينة، وتبرز في تصميمه تقنيات هندسية دقيقة، حيث تتدرج كتلته الطينية بشكل هرمي متصاعد يضمن التوازن والاستقرار[38].
أما في الداخل، فيضم المسجد فناءً داخلياً واسعاً يُشكّل قلب المبنى، محاطاً برواقين وأعمدة طينية ضخمة تدعم السقف، وقد صُمّم الفناء ليكون فضاءً متعدد الوظائف، فهو يُستعمل للصلاة الجماعية، كما يُتيح التقاء العلماء والطلاب والتجار، مما يجعله مركزاً دينياً وثقافياً واجتماعياً في آنٍ واحد، وهذا التعدد في الاستخدام يعكس طبيعة المسجد كـمؤسسة شاملة تجمع بين العبادة والتعليم والتواصل الاجتماعي[39].
وتكشف العناصر الداخلية عن توظيف دقيق للضوء والتهوية، حيث تحتوي الجدران على فتحات صغيرة تسمح بمرور الهواء، مما يخفف من الحرارة الشديدة في مناخ دلتا النيجر، كما أن استعمال الأعمدة الطينية الضخمة يمنح المكان إحساساً بالهيبة والقدسية، بينما تساهم الدعامات الخشبية البارزة في جعل البنية قابلة للصيانة الدورية دون فقدان شكلها الأصلي، وهذه السمات المعمارية تكشف عن وعي هندسي بيئي متقدّم يدمج بين التقاليد المحلية والحالة المناخية للمكان[40].
إلى جانب ذلك، تعكس الواجهة والزخرفة الطينية البسيطة للجامع مفهوم الجمال الوظيفي، حيث تقتصر الزخرفة على ما يخدم البنية الإنشائية ويبرز جلال المبنى، فلا نجد زخارف حجرية أو فسيفسائية كما في عمائر المغرب أو الأندلس، بل نجد جماليات نابعة من إيقاع الأبراج والدعامات الخشبية وتكرار العناصر الإنشائية، وهذا النمط المعماري يؤكد خصوصية العمارة الطينية في بلاد السودان الغربي، ويدل هذا على قدرتها على التعبير عن الهوية الإسلامية بوسائل محلية خالصة[41].
ومن الناحية الحضارية، يُظهر الطراز المعماري للجامع الكبير اندماجاً بين العناصر المحلية التي ارتبطت بطرق البناء الطيني في بلاد السودان الغربي، والتأثيرات الإسلامية التي انتقلت عبر طرق القوافل والعلماء والتجار، فالتحولات التي طرأت على تصميم المسجد مثل إدخال المآذن والأعمدة الداخلية المنظمة، تعكس محاولات الدمج بين النموذج الإسلامي العام والتقاليد البنائية الإفريقية، ويُبرز هذا التمازج كيف أسهم الإسلام في إعادة تشكيل الفضاءات العمرانية دون القضاء على الخصوصيات المحلية، بل بدمجها في سياق أوسع من التبادل الثقافي[42].
وقد أولى الباحثون وعلماء الآثار أهمية خاصة لهذا المبنى، حيث اعتبروه أكبر بناء طيني في العالم، وهو ما منحه مكانة فريدة ليس فقط في السياق الإفريقي، بل أيضاً في تاريخ العمارة العالمية، وفي ضوء هذه الأهمية الاستثنائية أدرجت منظمة اليونسكو الجامع الكبير بمدينة جِنِّي ضمن قائمة التراث العالمي سنة 1988م، معتبرةً إياه جزءاً من التراث الإنساني المشترك الذي يعكس قدرة المجتمعات المحلية على استثمار الموارد البيئية في صياغة عمارة دينية متميزة ذات بُعد عالمي[43].
ومن هنا، يمكن القول إن الوصف المعماري للجامع الكبير يكشف عن تكامل بين الشكل والوظيفة والرمز، فالمبنى ليس مجرد مسجد للصلاة، بل هو رمز ديني وسياسي واجتماعي، يعبّر عن اندماج الإسلام في نسيج المجتمع، وعن قدرة العمارة الطينية على أن تحمل دلالات حضارية كبرى، وهذا ما جعل جامع جنّي يُسجَّل لاحقاً ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بوصفه واحداً من أعظم المعالم التي تُجسد إبداع العمارة الإفريقية الإسلامية.
خامساً: القوافل التجارية
وأثرها في تمويل وبناء الجامع الكبير بجني في القرن 7هـ/13م:
1- مصادر التمويل: ضرائب العبور، السوق، الأوقاف (الوقف):
لعبت القوافل التجارية العابرة للصحراء الكبرى دوراً محورياً مهماً في توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل بناء وصيانة الجامع الكبير في مدينة جِنِّي، فقد شكّلت ضرائب العبور التي فُرضت على القوافل عند مرورها عبر المراكز مثل جنّي وتمبكتو مصدراً أساسياً للدخل، حيث جرى تخصيص جزء معتبر من هذه العوائد لأغراض دينية وعمرانية.
وإلى جانب ذلك شكّلت الأسواق المركزية في جنّي، بما كانت تحتويه من تبادل للذهب والملح وسائر السلع الإستراتيجية، مصدراً إضافياً للدخل من خلال الرسوم المفروضة على المتاجرة.
كما لعب نظام الوقف الإسلامي دوراً جوهرياً، حيث قام التجار والنخب المحلية بتخصيص أوقاف من الأراضي والعقارات والأموال لصالح المسجد، وهو ما ساهم في ضمان استدامة موارده على المدى الطويل، وعزّز موقع المسجد بوصفه رمزاً للتوازن بين الاقتصاد والدين، وهذا التكامل بين الضرائب والأسواق والأوقاف يبرهن على أن تمويل الجامع لم يكن عملية عفوية، بل نتيجة لتخطيط اقتصادي منظم ارتبط ارتباطاً وثيقاً بدور القوافل[44].
2- دور الأيدي العاملة الوافدة عبر القوافل:
لم تقتصر وظيفة القوافل على نقل السلع الثمينة، بل كانت أيضاً قناة لتدفق الأيدي العاملة المتخصصة في البناء والحرف، فقد أسهمت حركة القوافل في جذب البنّائين والنجّارين والحرفيين المهرة من مختلف مناطق الساحل والصحراء وأيضاً بلاد المغرب الإسلامي، الذين استقر عدد منهم في مدن كجِنِّي وتمبكتو وأسهموا مباشرةً في عمليات البناء والتشييد.
وتشير الأدلة الأثرية والتنقيبات في موقع جنّي إلى وجود دلائل واضحة على انتقال تقنيات معمارية من مناطق مختلفة مثل استخدام الأخشاب البارزة (تورون) في الجدران الطينية، وهي تقنية وظيفية تسهّل عملية الصيانة، وهذا الحضور البشري المرتبط بالقوافل يبرز كيف تحولت التجارة إلى عامل محفّز لنقل الخبرات الفنية والمهارات الحرفية، الأمر الذي جعل الجامع الكبير نتاجاً لتلاقي ثقافات بنائية محلية وإقليمية في آنٍ واحد[45].
3- دور العلماء والتجار في جعل المسجد مركزاً علمياً:
إلى جانب التمويل والبناء، ساهم العلماء والتجار– بفضل القوافل– في تحويل المسجد إلى مركز إشعاع علمي وثقافي، فقد حملت القوافل معها الكتب والمصاحف، كما وفّرت للتجار موارد مالية سخية مكّنتهم من تمويل حلقات العلم ورعاية العلماء، وبذلك لم يكن الجامع الكبير فضاءً للعبادة فقط، بل أصبح مؤسسة تعليمية تستقطب طلاب العلم من مختلف أنحاء السودان الغربي.
وكان للعلماء دور أساسي في تقنين المعاملات التجارية وفق أحكام الشريعة، مما عزّز ثقة التجار الوافدين من المغرب ومصر، وقد أشارت تقارير الرحالة كابن بطوطة إلى هذا الدور، حيث وصف المساجد في مدن مالي وتمبكتو بأنها كانت فضاءات يجتمع فيها العلماء والطلاب والتجار في آنٍ واحد، مما عزّز من مكانة المسجد كركيزة في الحياة الدينية والاقتصادية معاً، وهكذا يتضح أن دور القوافل تجاوز البعد الاقتصادي ليؤسس لنهضة معرفية جعلت من المسجد مؤسسة مركزية في الحضارة الإسلامية ببلاد السودان الغربي[46].
سادساً: نتائج الدراسة:
1- أظهرت الدراسة أن القوافل التجارية العابرة للصحراء لم تقتصر وظيفتها على تبادل السلع بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي، بل مثّلت قناة أساسية لنقل مواد البناء والخبرات الفنية التي أسهمت بصورة مباشرة في تشييد الجامع الكبير بمدينة جنّي في مملكة مالي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، مثل الأخشاب النادرة والمواد الطينية المحسنة التي لا تتوفر محلياً.
2- كشفت نتائج البحث أن القوافل لم تكن مجرد وسيط اقتصادي، بل أدت وظيفة ثقافية ودينية، حيث ساعدت في انتقال المعماريين والحرفيين من المغرب والأندلس إلى مالي، الأمر الذي انعكس في الطابع العمراني للمسجد الذي جمع بين السمات المحلية والتأثيرات المغاربية.
3- تبين أن العوائد المالية الضخمة المتأتية من التجارة بالذهب والملح والجلود مكّنت سلاطين مالي ونخبها من تمويل بناء الجامع الكبير، الأمر الذي جعل المسجد رمزاً لثراء الدولة وقوتها، فضلاً عن كونه مركزاً روحياً جامعاً للهوية الإسلامية في المنطقة.
4- أكدت الدراسة أن الجامع الكبير لم يكن بناءً معمارياً فحسب، بل شكل نقطة ارتكاز حضرية أساسية، إذ ارتبطت به الأسواق والزوايا التعليمية، مما عزز دوره كمحور للتجارة والتعليم والدعوة الدينية في آنٍ واحد، وأسهم في ترسيخ مكانة مالي كأحد أهم المراكز الإسلامية في غرب إفريقيا.
5- أثبتت نتائج البحث أن العلاقة بين القوافل التجارية والعمارة الدينية كانت علاقة عضوية، إذ لم يكن من الممكن قيام مشاريع عمرانية كبرى مثل الجامع الكبير بمالي دون وجود شبكة اقتصادية قوية توفر التمويل والمواد والبشر، وهو ما يوضح تداخل الاقتصاد بالدين والثقافة في سياق تاريخي واحد.
خاتمة:
يتضح من خلال الدراسة أن القوافل التجارية لم تكن مجرد وسيلة لنقل السلع التقليدية كالذهب والملح والعاج والجلود بين شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي، بل كانت محوراً أساسياً في صياغة المشهد العمراني والديني في منطقة مالي.
فقد أسهمت هذه القوافل بصورة مباشرة في بناء الجامع الكبير بمالي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي من خلال توفير المواد الخام النادرة، واستقدام الحرفيين والمهندسين، ونقل الخبرات المعمارية التي مزجت بين الطابع المحلي والتأثيرات المغاربية.
كما ساعدت العوائد الاقتصادية للتجارة على تمويل هذا المشروع العمراني الضخم الذي أصبح رمزاً لثراء المملكة وعمق انتمائها الحضاري الإسلامي. إن الجامع الكبير لم يكن مجرد بناء ديني، بل مؤسسة حضرية وثقافية جمعت بين العبادة والتعليم والتجارة، ما جعله مرآةً للتكامل بين الاقتصاد والدين والثقافة في فضاء الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا.
وبهذا يمكن القول إن القوافل التجارية مثلت شريان الحياة الذي ربط بين عالم البحر المتوسط وبلاد السودان الغربي، وأسهمت في إنتاج فضاء حضاري متكامل جسّدته العمارة الدينية في أبهى صورها.
بعد تتبع مسار القوافل التجارية وأثرها المباشر وغير المباشر في بناء الجامع الكبير بمدينة جِنِّي خلال القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، يتبيّن أن العلاقة بين القوافل التجارية والتعمير الديني علاقة جدلية تفاعلية، حيث ساهمت القوافل في تمويل وبناء المسجد، وفي المقابل أصبح المسجد مركزاً دينياً وعلمياً يعزز مكانة المدينة كمحطة تجارية وروحية في آنٍ واحد، أي أن القوافل وفرت الموارد والاتصالات.
بينما وفّر المسجد الشرعية الدينية والإطار المؤسسي الذي يضمن استقرار التجارة، وهذه الجدلية تفسر كيف ارتبطت التنمية الاقتصادية ببلاد السودان الغربي في العصر الإسلامي ارتباطاً وثيقاً بالنشاط الديني والمؤسسات الإسلامية.
المراجع:
أولاً: المصادر العربية:
1- ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (ت ٧٧٩هـ/١٣٧٧م): رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق: عبد الهادي التازي، ج4، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1997م.
2- السعدي، عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي (ت 1066ه/1655م): تاريخ السودان، تحقيق: هوداس، إرنست ليرو، باريس، 1898م.
3- القلقشندي، أبو العباس أحمد القلقشندي (ت 821ه/1418م): صبح الأعشى في صناعة الإنشا، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1922م.
ثانياً: المراجع:
(1) المراجع العربية:
1- إبراهيم علي طرخان: دولة مالي الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م.
2- حسن أحمد محمود: تاريخ إفريقيا في العصور الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1998م.
3- محمود شاكر: التاريخ الإسلامي: إفريقيا، المكتب الإسلامي، القاهرة، 1992م.
(2) المراجع الأجنبية:
1- Bedaux, Rogier M. A. & Lange, D.: Djenné: Une métropole millénaire au Mali, CNWS, Leiden, 1983.
2- Blier, Suzanne Preston: African Vodun: Art, Psychology, and Power, University of Chicago Press, Chicago, 1995.
3- Davidson, Basil: A Black History of Africa, Longman, London, 1972.
4- Davidson, Basil: A History of West Africa 1000–1800, Longman, London, 1977.
5- Farias, Paulo Fernando de Moraes: Arabic Medieval Inscriptions from the Republic of Mali: Epigraphy, Chronicles, and Songhay-Tuareg History, Oxford University Press, Oxford, 2003.
6- Gomez, Michael A.: African Dominion: A New History of Empire in Early and Medieval West Africa, Princeton University Press, Princeton, 2018.
7- Hopkins, J. F. P.: Arabic Documents from Timbuktu, Oxford University Press, London, 1981.
8- Hopkins, J. F. P. & Levtzion, Nehemia: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, Cambridge University Press, Cambridge, 1981.
9- Hunwick, J. O.: Religion and National Integration in Africa: Islam, Christianity, and Politics in the Sudan and Nigeria, Northwestern University Press, Evanston, 1992.
10- Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire (Al-Sa’di’s Ta’rikh al-siidiin down to 1613 and other Contemporary Documents), Brill, Leiden, 2003.
11- Joy, Charlotte Louise: The Politics of Heritage Management in Mali: From UNESCO to Djenné, Left Coast Press, Walnut Creek, 2012.
12- Marchand, Trevor H. J.: The Masons of Djenné, Indiana University Press, Bloomington, 2009.
13- McIntosh, Susan Keech and McIntosh, Roderick J.: Excavations at Jenne-jeno, Inland Niger Delta, Mali, University of California Press, 1980.
14- McIntosh, Roderick James & McIntosh, Susan Keech: The Archaeological Heritage of Djenné, Mali, Unesco, Paris, 1980.
15- McIntosh, Roderick James: Ancient Middle Niger: Urbanism and the Self-Organizing Landscape, Cambridge University Press, UK, 1998.
16- —————: The Peoples of the Middle Niger: The Island of Gold, Blackwell, Oxford, 1998.
17- Nehemia, Levtzion: Ancient Ghana and Mali, Methuen, London, 1973.
18- —————-: Islam in West Africa: Religion, Society and Politics to 1800, Variorum, London, 1994.
19- Niane, Djibril Tamsir: Sundiata: An Epic of Old Mali, Longman, London, 1965.
20- Nixon, Sam: The Early Islamic Trans-Saharan Market Towns of West Africa, in Urbanisation and State Formation in the Ancient Sahara and Beyond, Martin Sterry and David J. Mattingly (Ed), Cambridge University Press, 2020.
21- Person, Yves: Samori: Une révolution dyula, vol. 1, Ifan, Paris, 1968.
22- Prussin, Labelle: Hatumere: Islamic Design in West Africa, University of California Press, Berkeley, 1986.
23- ————-: African Nomadic Architecture: Space, Place, and Gender, Smithsonian Institution Press, Washington, 1995.
24- Rovine, Victoria L.: Bogolan: Shaping Culture through Cloth in Contemporary Mali, Indiana University Press, 2008.
25- Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu (The Role of Muslim Scholars and Notables 1400–1900), Cambridge University Press, Cambridge, 1983.
26- Trimingham, J. Spenser: A History Of Islam In West Africa, Oxford University Press, Oxford, 1962.
27- UNESCO: Historic City of Djenné Dossier, World Heritage Centre, Paris 1988.
28- ————-: Old Towns of Djenné, World Heritage Centre Report, Paris, 2004.
ثالثاً: الدوريات العلمية الأجنبية:
1- Magnavita, Sonja: Initial Encounters: Seeking traces of ancient trade connections between West Africa and the wider world, Histoire et archéologie du Sahel ancien: nouveaux regards, afriques, Open Edition Journals, 04, 2013.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] السعدي، عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر السعدي (ت 1066ه/1655م): تاريخ السودان، تحقيق: هوداس، إرنست ليرو، باريس، 1898، ص4.
[2] UNESCO: Old Towns of Djenné, World Heritage Centre Report, Paris, 2004, p. 12.
[3] مالي: تعني في لغة الماندي فرس النهر، حيث يكثر في مياه أنهار هذه القبائل والبلاد فرس النهر، كما تعني كلمة الماندي المقيمين في مركز إقامة الملك. قامت مملكة مالي على أنقاض مملكة غانا على يد شعب الماندي (628-894هـ/1230-1488م)، وكان أول ملوكها سوندياتا (633-653هـ/1235-1255م) الذي استطاعت جيوشه أن تهزم جيوش الصوصو في معركة كيرينا عام (633هـ/1235م)، القلقشندي، أبي العباس أحمد القلقشندي (ت 821هـ/1418م): صبح الأعشى في صناعة الإنشا، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1922م، ص (292-293)؛ إبراهيم علي طرخان: دولة مالي الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م، ص74؛ وانظر:
Trimingham, J. Spenser: A History Of Islam In West Africa, Oxford University Press, Oxford, 1962, p.14.
[4] Nixon, Sam: The Early Islamic Trans-Saharan Market Towns of West Africa, in Urbanisation and State Formation in the Ancient Sahara and Beyond, Martin Sterry and David J. Mattingly (Ed), Cambridge University Press, 2020, pp.621-666.
[5] Nehemia, Levtzion: Ancient Ghana and Mali, Methuen, London, 1973, pp.125-130.
[6] السعدي: تاريخ السودان، ص (6-7)؛ وانظر:
Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire (Al-Sa’di’s Ta’rikh al-siidiin down to 1613 and other Contemporary Documents), Brill, Leiden, 2003, pp.33-35.
[7] Person, Yves: Samori: Une révolution dyula, Vol.1, Ifan, Paris, 1968, pp. 52-55; Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, pp. 33-35; Hopkins, J. F. P.: Arabic Documents from Timbuktu, Oxford University Press, London, 1981, p.22.
[8] Davidson, Basil: A History of West Africa 1000–1800, Longman, London, 1977, pp. 64-67; Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu (The Role of Muslim Scholars and Notables 1400–1900), Cambridge University Press, Cambridge, 1983, p.41.
[9] Gomez, Michael A.: African Dominion: A New History of Empire in Early and Medieval West Africa, Princeton University Press, Princeton, 2018, p.156.
[10] Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu, p.41; Hopkins, J. F. P. & Levtzion, Nehemia: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, Cambridge University Press, Cambridge, 1981, pp.98-100.
[11] Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, pp.33-35.
[12] Levtzion, Nehemia: Ancient Ghana and Mali, pp.125-148; Niane, Djibril Tamsir: Sundiata: An Epic of Old Mali, Longman, London, 1965, p.45.
[13] السعدي: تاريخ السودان، ص9؛ وانظر:
Gomez, Michael A.: African Dominion: A New History of Empire in Early and Medieval West Africa, p. 161; Hopkins, J. F. P. & Levtzion, Nehemia: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, p.87.
[14] Levtzion, Nehemia: Ancient Ghana and Mali, pp. 136-139; McIntosh, Susan Keech and McIntosh, Roderick J.: Excavations at Jenne-jeno, Inland Niger Delta, Mali, University of California Press, 1980, pp.210-215.
[15] Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, pp.32-35; Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu, pp.21-25; Magnavita, Sonja: Initial Encounters: Seeking traces of ancient trade connections between West Africa and the wider world, Histoire et archéologie du Sahel ancien: nouveaux regards, afriques, Open Edition Journals, 04, 2013, pp.10-42.
[16] Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu, pp.45-46.
[17] Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, pp.40-42; UNESCO: Old Towns of Djenné, World Heritage Report, Paris, 2004, pp. 15-16.
[18] حسن أحمد محمود: تاريخ أفريقيا في العصور الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1998م، ص (233-235)؛ وانظر:
McIntosh, Susan Keech and McIntosh, Roderick J.: Excavations at Jenne-jeno, Inland Niger Delta, Mali, pp. 45-50; UNESCO: Historic City of Djenné Dossier, World Heritage Centre, Paris 1988, pp.12-14.
[19] محمود شاكر: التاريخ الإسلامي: أفريقيا، المكتب الإسلامي، القاهرة، 1992م، ص (187-189).
[20] Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, p.45.
[21] McIntosh, Roderick James: Ancient Middle Niger: Urbanism and the Self-Organizing Landscape, Cambridge University Press, UK, 1998, pp. 102-110.
[22] Levtzion, Nehemia & Hopkins, J.: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, pp.276-278.
[23] UNESCO: Old Towns of Djenné — Nomination File, World Heritage Centre, Paris, 1988, pp.20-23.
[24] ابن بطوطة، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (ت ٧٧٩هـ/١٣٧٧م): رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق: عبد الهادي التازي، ج4، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1997م، ص412؛ وانظر:
UNESCO: Old Towns of Djenné- Nomination File, pp.20-23.
[25] السعدي: تاريخ السودان، ص (4-6)؛ وانظر:
Hunwick, John: Timbuktu and the Songhay Empire, pp.8-9.
[26] Levtzion, Nehemia & Hopkins, J. F. P.: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, pp.320-322.
[27] McIntosh, Roderick James & McIntosh, Susan Keech: The Archaeological Heritage of Djenné, Mali, Unesco Paris, 1980, pp. 45-47; Davidson, Basil: A Black History of Africa, Longman, London, 1972, p.121.
[28] Farias, Paulo Fernando de Moraes: Arabic Medieval Inscriptions from the Republic of Mali: Epigraphy, Chronicles, and Songhay-Tuareg History, Oxford University Press, Oxford, 2003, pp.92-95.
[29] McIntosh, Roderick James: The Peoples of the Middle Niger: The Island of Gold, Blackwell, Oxford, 1998, pp.179-181; McIntosh, Roderick James & McIntosh, Susan Keech:Excavations at Jenne-jeno, Inland Niger Delta, Mali, pp.220-222; Prussin, Labelle: Hatumere: Islamic Design in West Africa, University of California Press, Berkeley, 1986, pp.112-115; Rovine, Victoria L.: Bogolan: Shaping Culture through Cloth in Contemporary Mali, Indiana University Press, 2008, pp.67-69.
[30] Prussin, Labelle: African Nomadic Architecture: Space, Place, and Gender, Smithsonian Institution Press, Washington, 1995, pp.203-205.
[31] Joy, Charlotte Louise: The Politics of Heritage Management in Mali: From UNESCO to Djenné, Left Coast Press, Walnut Creek, 2012, pp.73-75; Farias, Paulo Fernando de Moraes: Arabic Medieval Inscriptions from the Republic of Mali, pp.110-112.
[32] Prussin, Labelle: Hatumere: Islamic Design in West Africa, pp.142-144.
[33] Blier, Suzanne Preston: African Vodun: Art, Psychology, and Power, University of Chicago Press, Chicago, 1995, pp.97-99; Levtzion, Nehemia: Islam in West Africa: Religion, Society and Politics to 1800, Variorum, London, 1994, pp.55-57.
[34] Marchand, Trevor H. J.: The Masons of Djenné, Indiana University Press, Bloomington, 2009, pp.34-37.
[35] McIntosh, Roderick James & McIntosh, Susan Keech: The Archaeological Heritage of Djenné, Mali, pp.62-64; Joy, Charlotte Louise: The Politics of Heritage Management in Mali: From UNESCO to Djenné, pp.88-90.
[36] Saad, Elias N.: Social History of Timbuktu: The Role of Muslim Scholars and Notables 1400–1900, p.214; Prussin, Labelle: Hatumere: Islamic Design in West Africa, pp.152-154.
[37] Prussin, Labelle: Hatumere: Islamic Design in West Africa, pp.102-104.
[38] Levtzion, Nehemia & Hopkins, J. F. P.: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, pp.325-326.
[39] McIntosh, Roderick James & McIntosh, Susan Keech: The Archaeological Heritage of Djenné, Mali, pp.68-70.
[40] Marchand, Trevor H. J.: The Masons of Djenné, pp.55-57.
[41] Farias, Paulo Fernando de Moraes: Arabic Medieval Inscriptions from the Republic of Mali, pp.123-125.
[42] Levtzion, Nehemia & Hopkins, J. F. P.: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, p.29.
[43] UNESCO: Old Towns of Djenné — Nomination File, World Heritage Centre, pp. 20-23.
[44] Hunwick, J. O.: Timbuktu and the Songhay Empire, pp.87-89; Levtzion, N.: Ancient Ghana and Mali, pp.134-136.
[45] Prussin, L.: Hatumere: Islamic Design in West Africa, pp. 110-112; Bedaux, Rogier M. A. & Lange, D.: Djenné: Une métropole millénaire au Mali, CNWS, Leiden, 1983, pp.72-74.
[46] ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، ج2، ص (414-416)؛ وانظر:
Hunwick, J. O.: Religion and National Integration in Africa: Islam, Christianity, and Politics in the Sudan and Nigeria, Northwestern University Press, Evanston, 1992, pp. 65-68; Levtzion, N. & Hopkins, J. F. P.: Corpus of Early Arabic Sources for West African History, pp.287-289.
يمكن الإطلاع على الملف بصيغة pdf
قراءات إفريقية- القوافل التجارية وأثرها في بناء الجامع الكبير بمالي في القرن 7هـ-











































